فلسفة الحياة في لعبة الزمن حسب كريستوفر نولان

«تَنِت» يعود للماضي لإنقاذ الحاضر

كريستوفر نولان خلال التصوير
كريستوفر نولان خلال التصوير
TT

فلسفة الحياة في لعبة الزمن حسب كريستوفر نولان

كريستوفر نولان خلال التصوير
كريستوفر نولان خلال التصوير

المشاهدة الأولى لفيلم مثل Tenet هي للتعرّف إليه فقط. الثانية هي لدراسته. هذا هو حال كل فيلم يقتطع من الحياة التي نعيش حجماً كبيراً من الخيال والفن ليجسده على الشاشة الكبيرة لمشاهدين توّاقين دوماً للسفر البعيد في رحاب الفيلم الجيد.
ليست المرّة الأولى التي يغرف فيها المخرج كريستوفر نولان من هذا المعين ولا هي المرّة الأولى الذي يحقق فيلماً عليك أن تشاهده مرّة ثانية لتصل إلى أبعاده ومراميه. هذا حدث منذ عشرين سنة عندما أخرج Memento الذي، مثل «تَنِت» هو حكاية تشويقية تتعامل والزمن.
ليس أن كل أفلامه تعاملت والزمن طبعاً، لكن الزمن تعامل معها كلها.
هناك الشرطي الذي لا يعرف النوم في Insomnia («أرق»، 2002) مع ما يُخالط ذلك من دمج الأوقات في سياق واحد متواصل لا يعرف الانقطاع. في «ذَ برستيج» (2006) تعامل نولان مع التنافس بين ساحرين على توظيف الزمن (من بين محاور وعناصر أخرى) حباً في تفوّق كل منهما على الآخر.
ثم جاء Inception («تأسيس»، 2010) بكل ما حواه من دخول وخروج أبطاله من حالات توظّف الأحلام، وهو بعد زمني موازٍ، لتنفيذ عملية دس ذلك الحلم - الزمن في شخصية أخرى. ثم عمد نولان في Interstellar («نجوميات»، 2014) إلى الزمن المطلق، ذلك الذي على الأرض، وذلك الذي في الفضاء الخارجي معاً.
بالتالي، فقط ثلاثية «باتمان» التي أخرجها ما بين 2005 و2012) وفيلم «دنكيرك» (2018) لا تعرف تناول عامل الزمن في صميم الحكاية المُسردة.
- ما الذي يحدث؟
«تَنِت»، في واقعه، كله لعب في الزمن أو - بالأحرى - لعب على منوال الزمانين. واحد مضى والآخر حاضر. واحد نؤمن بأنه لا يعود وحاضر نعرف أنه سيتغيّر وسيصبح ماضياً. لكنهما عند نولان متصلين وبل قد يقفز أحدهما إلى حضن الآخر في نوع من الاحتلال فارضاً التغيير عليه. ثم هناك المستقبل ولو أن الرحلة التي سينجزها «البطل» (كما هو اسمه في الفيلم) ليست صوب المستقبل لمنع حدوثه، بل صوب الماضي لمنع حدوث المستقبل.
البطل المقصود (يؤديه جون ديفيد واشنطن) أميركي يعمل لحساب مؤسسة حكومية تتعامل والحكومة الأميركية، والمهمّة المسندة إليه هي مواجهة هجوم مصالح سياسية وأمنية يخطط لها روسي شرير اسمه ساتور (كينيث براناف) بغية إشعال حرب مدمّرة. هناك عميل آخر يدخل في الصورة له اسم محدد هو نيل (روبرت باتنسُن) يعمل لصالح المخابرات البريطانية التي تريد أن تعرف ما الذي يحدث تماماً ولماذا. وجهتهما تصبح واحدة وهي وضع مصيدة للروسي ساتور (كينيث براناف) أو، على الأقل، إحباط محاولاته.
ليست المخابرات البريطانية وحدها التي تريد أن تعرف ما الذي يحدث. هناك المشاهدون كذلك. الفيلم يطرح مشاهد عدّة لا تفسير لها. يخلط بين الأزمنة في أماكن مناسبة وأخرى تبدو مُقحمة لإثارة الغرابة. هنا على سبيل المثال، قد نرى طيوراً تطير إلى الخلف ومطاردات تخرج عن الخيال المعهود لتدخل آخر أبعد منالاً وأكثر غرابة. طائرة تصطدم بمبنى ثم ترجع إلى الوراء كما لو أن الزمن محى الحاضر وأعاد كتابته.
الأصل في ذلك هو تداخل الأزمنة وعلى الأخص استعادتها. أحد المشاهد الأكثر دلالة على ذلك هو الذي نرى فيه «البطل» يرقب كيف تعود الرصاصات التي تم إطلاقها وأصابت الجدران إلى المسدس الذي انطلقت منه. عند نولان المسألة ليست عملية كوميدية على الإطلاق، بل خط موازٍ لفكرته الفلسفية حول إمكانية استعادة الماضي كما لو أنه يقول إن هذا الماضي لو تمّت استعادته سوف ينقذ الحاضر من هوانه واحتمالات نهايته.
هذه الفكرة، بالطبع، كان يمكن لها أن تذيّل أي فيلم بأقل قدر من التمويه ممكن. «تأسيس»، في الواقع، الذي بدا حين خرج للعروض في عام 2010 كما لو أنه بالغ التعقيد والغرابة يصبح أقل قدرة على التنافس مع هذا الفيلم على صعيد غرائبياته.
فكرة «تَنِت» فلسفية وتستند إلى مفهوم «السوشيال فيزيكز» حول التداخل غير المنظور بين أي فعل وما يتلوه في صلب التاريخ بحيث ما الفرد عليه اليوم ليس إلا نتاج قرارات وأفعال فردية تم اتخاذها قبل عقود، وبل قرون، من ولادته. لكن لا تتوقع من «تَنِت» أن يطرح المسائل لمناقشتها. ولا هو هادف إلى البحث المعمّق فيما يطرحه حول الزمن. أهمية ما نراه ليست في اتخاذ موقف أو التعبير عن قضية، بل معالجة الأفكار الواردة على نحو لغزي كامل والنجاح في هذه الغاية لما وراء المتوقع.
- أفكار حول الزمن
مع مطلع الفيلم (عملية إرهابية في كييف) يشكل المخرج نولان تحديات موجهة إلى الجمهور. لا يخشى أن العديد من مشاهديه سيجد صعوبة في مجاراته وحل أحجياته، بل يتخذها سبيلاً للتشويق. في الواقع الفيلم المذكور لن يعدو أكثر من حكاية جاسوسية - تشويقية مع مطاردات ومشاهد قتال، فيما لو قلّص نولان حجم اعتماده على الألغاز المرصودة. تلك الألغاز هي مشاهد تدعو للتعجب و- كما ذكرت - بعضها عبارة عن أسئلة بلا أجوبة، لكنها ليست في سياق الفانتازيا لأجل الفانتازيا أو الغرابة وحدها. هناك مشاهد تفسّرها مشاهد لاحقة بلا ريب شرط أن يجد المشاهد الزاوية الصحيحة لمتابعة الأحداث.
المراد في «تَنِت» ليس التحليل بل التعرّف إلى ما يسرده وقبوله حتى وإن بدا غريباً أو، لدى بعض المحافظين، غير صحيح. على ذلك، ما يوفره المخرج من أفكار حول الزمن ومآلاته بالغ الجدية من دون شك. يترك لك المخرج المساحة التي تريد احتلالها في هذا الكيان الذي يوفّره. قد تطلب القليل مفضلاً الانسياب مع العرض المشوّق المليء بالمؤثرات كما بالأحداث المتلاحقة. أو ربما تريد أن تصاحب الفيلم على موجته العليا. أن تفهم مرادات المخرج وما يوعز به وكيف يتعامل مع الزمن فلسفياً محذّراً من مستقبل لا يتلاءم والإنسان بل يتركه لاهثاً ومهزوماً.
المسألة المؤكدة هنا (كما في «نجوميات») هو أن هذا المستقبل وصل بالفعل ونعيشه وهو يقضم حياتنا الحاضرة. عندما كتب المخرج هذا الفيلم قبل ست سنوات كان العالم بدأ يثق بالتحذيرات التي سبقت ذلك الحين. شاهد كيف أن هناك مشاكل بيئية في البحر والجو وعلى الأرض. شاهد جفاف أنهر وذوبان جليد وارتفاع منسوب بحار. شاهد التلوّث في السماء والبحار وكيف أن المنظومة التي خلقها الله للأرض بفصولها الأربعة تعرّضت لخلل من صنع الفساد البشري.
في «نجوميات» (أو «بين النجوم» كما يصح القول أيضاً) هناك ذلك الاعتناء بحال الدنيا ومستقبلها. في «تَنِت» هناك اعتناء مماثل إنما في عمل مختلف في حكايته.
حين نسمع الشرير ساتور يعترف بأن مستقبل الأرض بات في خطر (يقول «أكبر أخطائي أني جلبت لعالم على شفير الانهيار ابناً) لا يبقى شك في أن لعبة الأزمنة ممتزجة هنا برغبة المخرج لا التحذير فقط، بل المواجهة على أمل أن يتدخل التاريخ لإعادة توجيه الحاضر والمستقبل. هناك من يرتدي الكمّامات والأقنعة في هذا الفيلم تماماً كما المشاهدين. نقطة لقاء لا يجب أن تفوت أحداً.
لكن «تَنِت» ينتمي إلى منظومة «تأسيس» من حيث حكايته (كتبه المخرج أساساً كملحق لذلك الفيلم) أكثر مما ينتمي إلى «نجوميات». ينتمي أيضاً إلى اندفاعه في سبيل سينما مُدهمة. ضخمة. يوظفها على أكثر من صعيد ويحميها من عثرات اليوم.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز