دول الخليج تشرع في تأسيس كيان موحد لاستقدام العمالة وفق المعايير الدولية

عدد العاملين بلغ 17 مليونا تفوق حوالاتهم السنوية 81 مليار دولار

جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد أمس بمجلس الغرف السعودية بشأن تأسيس كيان خليجي موحد للاستقدام (تصوير: عبد الله الرشيد)
جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد أمس بمجلس الغرف السعودية بشأن تأسيس كيان خليجي موحد للاستقدام (تصوير: عبد الله الرشيد)
TT

دول الخليج تشرع في تأسيس كيان موحد لاستقدام العمالة وفق المعايير الدولية

جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد أمس بمجلس الغرف السعودية بشأن تأسيس كيان خليجي موحد للاستقدام (تصوير: عبد الله الرشيد)
جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد أمس بمجلس الغرف السعودية بشأن تأسيس كيان خليجي موحد للاستقدام (تصوير: عبد الله الرشيد)

تنتظر البلاد الخليجية ميلاد كيان يتمتع بشرعية وتشريعات، يستند إليها إطلاق استراتيجية خليجية موحدة لتنظيم سوق العمل تجاه استقدام العمالة الفنية والمنزلية في الأيام القليلة المقبلة، للحد من المشكلات التي خلقها غياب الرؤى المفضية لموقف خليجي موحد.
يأتي ذلك في ظل تنامي السوق الاقتصادية والتجارية والاستثمارية ومقومات البنى التحتية، التي تتطلب مختلف المهارات من العمالة المستقدمة في السوق الخليجية، والبالغ عددها حاليا 17 مليونا، وتبلغ حوالاتهم السنوية أكثر من 81 مليار دولار.
وفي هذا الإطار، طرح في مؤتمر صحافي أمس بالرياض، ممثلون من مجلس دول التعاون ومكتب وزراء العمل واتحاد الغرف في الخليج، بجانب مجلس الغرف السعودية ممثلا في لجنة الاستقدام، كيفية خلق كيان يوحد الدول الخليجية تجاه استقدام العمالة وتنظيم سوق العمل. وتوصل المجتمعون إلى تكوين فريق عمل مبدئي، يمهد الطريق إلى تكوين كيان يستمد شرعيته مستقبلا من دول مجلس التعاون الخليجي، بهدف المصادقة على خلق كيان، منوط به إطلاق استراتيجية لأول مرة توّحد عملية الاستقدام بمعايير وشروط وعقود موحدة.
ويتطلع الأمين العام لاتحاد الغرف الخليجية أن يسهم الكيان المرتقب في كف المشكلات التي نجمت عن غياب العقود الخاضعة لميثاق عمل موحد، يجعل المواطن الخليجي في موضع القوة من حيث التفاوض، مشيرا إلى أن غياب هذا الكيان كبد أرباب العمل في السوق الخليجية خسائر مادية ومعنوية كبيرة.
من جهته، أكد عبد الرحيم نقي، الأمين العام لاتحاد الغرف الخليجية، أن تشكيل لجنة خليجية موحدة لتشكيل استراتيجية موحدة تجاه استقدام العمالة المنزلية والفنية بات أمرا من الأهمية بمكان لا يمكن تأجيله، نسبة للتحديات التي تواجه سوق العمل في حالة عمل كل دولة خليجية لحالها. ولفت نقي إلى أن الدول الخليجية تتفاوت من حيث مشكلات الاستقدام واحتياجات رب العمل والمستقدم، على الرغم من إصرار الدول الخليجية على العمل على المساهمة في رفع المستوى المعيشي لتلك الدول التي تورد العمالة للخليج. وأوضح نقي أن السوق الخليجية لا تزال تنمو بقوة وتتوسع كل يوم، الأمر الذي يتطلب تنظيم سوق العمالة لجني المساهمة المطلوبة منها في مختلف المجالات.
وأقر الأمين العام لاتحاد الغرف بحاجة السوق الخليجية المتنامية للعمالة الماهرة لإنجاز متطلبات البنى التحتية المتنامية ومواكبة التوسع الاقتصادي والتجاري والاستثماري الضخم. وشدد نقي على أهمية المضي قدما في تأسيس كيان خليجي للعمل باستراتيجية موحدة تجاه استقدام العمالة المنزلية والفنية وتشكيل فريق يسند له هذه المهمة ليتخذ الخطوات المطلوبة لإنزال متطلبات ومقترحات وتوصيات الدول الخليجية إلى أرض الواقع، مما ينصف الخليجيين والعمالة على حد سواء، ويلتزم بمعايير العمل الدولية.
من ناحيته، شرح سعد البداح، رئيس اللجنة الوطنية للاستقدام بمجلس الغرف الخليجية، المعاناة التي تواجه أصحاب العمل والمواطن، مبينا أن فريق العمل سيعمل من خلال التنسيق بين الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي واتحاد الغرف الخليجية ومجلس الغرف السعودية والمكتب التنفيذي لوزراء العمل بدول الخليج للوصول إلى وثيقة عمل وتنظيم سوق الاستقدام. ونوه البداح بأن عدد العمالة في السعودية بلغ تسعة ملايين عامل، وتبلغ حوالاتهم السنوية 35 مليار دولار سنويا، فيما يبلغ عدد العمالة بالإمارات أربعة ملايين يحولون سنويا 16 مليار دولار.
وأوضح أن الكويت بها 1.6 مليون من العمالة، يحوّلون 12 مليار دولار، وعمان بها مليون عامل يحولون ثمانية مليارات دولار، وقطر بها 900 ألف يحولون 7.5 مليار دولار، وعددهم في البحرين 400 ألف يحولون 2.5 مليار دولار سنويا. ومع ذلك قال البداح «رغم العدد الكبير من العمالة، البالغ عددها 17 مليارا، التي تحول 81 مليار دولار سنويا، فإن كل هذه الأرقام الكبيرة لم تشفع لنا لصناعة موقف قوي لدى مفاوضاتنا مع الدول التي تصدر العمالة، تمنحنا قوة فرض شروطنا بما لا يتعارض مع حقوق العامل وحقوق الإنسان».
وقال البداح «للأسف فإن العقود تفرض من جانب الاستقدام من قبل الدول التي تصدر العمالة، وهذا أدى إلى تضاعف التكلفة بنسبة وصلت إلى 400 في المائة من استقدام العامل (من 3500 ريال إلى 25 ألف ريال)، وتضاعفت الرواتب بنسبة 150 في المائة بسبب تدخل سفارات الدول المصدرة في هذه الشؤون بشروط تعسفية». وأضاف «في غياب نظام خليجي موحد، يضمن سير عمليات الاستقدام بشكل منضبط، برزت على السطح مشكلات كثيرة، منها استنزاف المواطن وتأخر الإجراءات لتستغرق ستة أشهر بدلا من أسابيع»، مشيرا إلى أنه قبل شهرين رفعت الهند سقف الرواتب من 900 ريال لكل مستقدم إلى 1500 ريال.
وتابع البداح «تعرّض بعض رجال الأعمال بموجب غياب وثيقة خليجية موحدة للاستقدام إلى محاكمات بمجرد شكوى عامل من بعض البلدان بغض النظر عن صحتها، فكل المخالصات والتعهدات أصبحت تحت وطأة الحظوظ وليس العقود، وتعرّض رجال أعمال إلى خسائر فادحة بسببها».
وفي السياق ذاته، أكد عبد الله الخروصي، مدير إدارة العمل والخدمات الاجتماعية بدول مجلس التعاون الخليجي، أن مجلس التعاون بات مؤمنا بفكرة عمل تقنين وتنظيم سوق العمل الخليجية وتنظيم عملية الاستقدام بشكل فاعل وموحد. ولفت الخروصي إلى أن وزراء العمل في دول مجلس التعاون شكلوا فريقا خاصا، مبينا أن وزير العمل بقطر يتابع المستجدات في سوق العمل الخليجية وكيفية خلق بيئة صحية للاستقدام لا تواجه مشكلات يعاني منها القطاع الخاص أو العام أو المواطن بشكل عام بالشكل الذي عليه اليوم.
وقال الخروصي «إن تشريعات المتعلقة بتنظيم سوق العمل والاستقدام، في دول التعاون الخليجي، ليست كلها بمستوى موحد على غير الحال الذي عليه في السعودية أو البحرين، حيث توجد تشريعات تنظم سوق العمل والعامل، من خلال وزارة العمل التي هي معنية بالعمالة، في حين تتولى جهات أخرى مثل وزارة الداخلية قضايا العمالة والاستقدام، في بعض البلدان الخليجية، وبالتالي فهي غير خاضعة لقانون العمل».
أما خليل بوهزاع، مدير إدارة الشؤون العمالية بالإنابة بدول مجلس التعاون الخليجي، فقال «نحن شكلنا فريقا ولكن لا بد له من أن ينبثق بشكل شرعي من دول مجلس دول التعاون بالتنسيق مع اتحاد الغرف الخليجية ومجلس الغرف السعودية ومكتب وزراء العمل في هذه الدول». وأكد بوهزاع أن الفريق الذي يتوقع ميلاده قريبا سيشكل دعما قويا لموقف المفاوض الخليجي، أمام تلك البلدان التي تصدر العمالة لدول المجلس، مستمدا قوته وشرعيته من دول مجلس التعاون الخليجي، ليتمكن من اتخاذ موقف موحد ليس مهددا بقدر ما هو منظم وعادل لصالح المواطن والعمل والمستقدم».



صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)

من المتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.8 في المائة في عام 2026، تحت وطأة ضعف الطلب الخارجي، وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لما أعلنه صندوق النقد الدولي الذي أشاد بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان في مواجهة الصدمات العالمية، لكنه أوصى بنك اليابان بمواصلة رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو مستوى محايد، لكبح التضخم الأساسي. وتأتي هذه التوقعات في وقت أبقى فيه بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد النقدي، مؤكداً أن تطبيع السياسة سيستمر إذا تحققت التوقعات الاقتصادية، والمالية، رغم المخاطر «الجديدة، والكبيرة» التي فرضتها الحرب على آفاق ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

وذكر المجلس التنفيذي للصندوق، في ختام مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2026، أنه ينبغي على بنك اليابان «مواصلة تحريك سعر الفائدة نحو مستوى محايد»، لتحقيق مستهدف التضخم البالغ 2 في المائة، مؤكداً اتفاق أعضاء المجلس على أن البنك «يسحب سياسة التيسير النقدي بشكل مناسب».

وفي ظل حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن الأوضاع الخارجية، شدد أعضاء المجلس على دعمهم لنهج «مرن، وشفاف، ويعتمد على البيانات»، مع التنبيه إلى ضرورة حماية القوة الشرائية للأسر التي بدأت تتآكل جراء التضخم السنوي، رغم الارتفاع التاريخي في الأجور الاسمية.

وكان المدير التنفيذي لبنك اليابان، كوجي ناكامورا أشار يوم الجمعة إلى أن أثر ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن النزاع الإقليمي قد يكون أعمق من المرات السابقة؛ نظراً لاستعداد الشركات المتزايد لتمرير التكاليف إلى المستهلكين. وقد انعكست هذه التوترات الجيوسياسية مباشرة على قطاع الأعمال، حيث سجلت ثقة الشركات اليابانية في مارس (آذار) تدهوراً جماعياً شمل كافة القطاعات العشرة للمرة الأولى منذ عام 2023، متأثرة بقفزة تكاليف الشحن، والمدخلات اللوجيستية، وضعف الين بنسبة 2 في المائة منذ اندلاع الحرب، ما يضع طوكيو أمام اختبار صعب للموازنة بين التطبيع النقدي الذي يزكيه الصندوق، وحماية قطاع الخدمات الذي سجل أدنى نمو له في ثلاثة أشهر.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا يحضر مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو (رويترز)

إشادة بمرونة الاقتصاد

وفي تقييمهم للمرحلة المقبلة، أشاد المديرون التنفيذيون بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان، لكنهم اتفقوا على أن الحرب في الشرق الأوسط تشكل مخاطر جديدة كبيرة على التوقعات، مؤكدين على ضرورة مواصلة إعادة بناء الاحتياطيات المالية، والمضي قدماً في تطبيع السياسة النقدية، ودفع إصلاحات سوق العمل لدعم مكاسب مستدامة في الأجور الحقيقية.

ورحب أعضاء مجلس الإدارة بجهود اليابان في ضبط أوضاعها المالية بعد الجائحة، مشددين على ضرورة اتباع موقف مالي أكثر حيادية على المدى القريب، وإجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار مالي موثوق.

وبشأن خطة الحكومة اليابانية لخفض ضريبة الاستهلاك، شدد أعضاء المجلس على ضرورة أن «تستهدف أي إجراءات الأسر، والشركات الأكثر ضعفاً، وأن تكون مؤقتة، ومحايدة من حيث تأثيرها على الموازنة» لتجنب زيادة العجز المالي. كما دعا الصندوق إلى إصلاحات هيكلية تشمل إعادة تأهيل العمالة لمواجهة النزوح الوظيفي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، لضمان استمرار نمو الأجور الحقيقية، وصمود الاقتصاد أمام صدمات العرض الخارجية العنيفة.

لوحة مؤشر الأسهم معروضة داخل مبنى بينما تمر حركة المرور عند تقاطع شارع في طوكيو (إ.ب.أ)

الدين العام

فيما يخص ملف الدين العام، حمل بيان صندوق النقد الدولي تحذيراً صريحاً من المسار المستقبلي رغم الأداء المالي الجيد مؤخراً. وأوضح الصندوق أنه رغم أن الأداء المالي الأخير لليابان قد تجاوز التوقعات، فإنه من المنتظر أن يتسع العجز في عام 2026.

وحذر المديرون التنفيذيون من أن استمرار الارتفاع في الإنفاق على الفوائد، وتصاعد تكاليف الرعاية الصحية والخدمات طويلة الأجل الموجهة للسكان الذين يعانون من الشيخوخة، سيؤديان في نهاية المطاف إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من عام 2035.

ولمواجهة هذا السيناريو، شدد الصندوق على النقاط التالية:

- الحذر المالي: ضرورة تبني خطة مالية حازمة تضمن وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار نزولي مستدام.

- إطار مالي موثوق: دعا الصندوق إلى إجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار عمل يضمن الحفاظ على ثقة الأسواق في ظل ضغوط الإنفاق طويلة الأجل.

- كفاءة الإنفاق: أوصى المديرون بتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز تدابير تعبئة الإيرادات المستدامة لمواجهة «الفاتورة» المتزايدة لفوائد السندات، وتكاليف الرعاية الاجتماعية.


«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
TT

«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً، حيث تجد الأسواق المالية نفسها محاصرة بين فكي كماشة: من جهة، بيانات التضخم الأميركي المرتقبة التي تعكس أثر صدمة الطاقة، ومن جهة أخرى، مرونة سوق العمل التي أظهرت انتعاشاً قوياً فاق التوقعات، مما يضع البنوك المركزية أمام معضلة تاريخية في تحديد مسار الفائدة.

قبل صدور بيانات التضخم المحورية، تلقى المستثمرون جرعة من التفاؤل الحذر مع صدور أرقام الوظائف لشهر مارس (آذار). فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 178 ألف وظيفة، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى 65 ألفاً فقط، وهو ارتداد قوي بعد شهر فبراير (شباط) الذي تضرر بفعل الإضرابات والعواصف الشتوية.

ومع انخفاض البطالة إلى 4.3 في المائة، تبدو الصورة وردية، غير أن التفاصيل تشير إلى تركز التوظيف في قطاعات محدودة مثل الرعاية الصحية والضيافة، بينما تعاني قطاعات أخرى من حالة جمود.

ويرى المحللون أن هذا الانتعاش قد يكون مؤقتاً، حيث يهدد استمرار الصراع في الشرق الأوسط بدفع أصحاب العمل نحو سياسات تقشفية نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود وضغوط الربحية.

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار المشارك في شركة «مانوليف جون هانكوك»، ماثيو ميسكين: «سيكون من الصعب صرف انتباه السوق عن الشرق الأوسط وأسعار النفط والمخاطر الناشئة، فالمستثمرون يركزون على التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة».

ساعة الحقيقة

تتجه الأنظار يوم الجمعة إلى صدور مؤشر أسعار المستهلكين، حيث تشير التوقعات إلى قفزة حادة في التضخم الرئيسي ليصل إلى 3.4 في المائة، وهو ارتفاع كبير مقارنة بنسبة 2.4 في المائة المسجلة في فبراير الماضي. هذا الفارق يعكس بشكل مباشر الأثر الأولي لارتفاع أسعار الوقود والطاقة العالمية منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، مما ينهي فترة الاستقرار النسبي التي شهدتها الشهور السابقة.

عامل بناء يعمل في منزل جديد قيد الإنشاء في مدينة ألهامبرا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)

وقال بنك «بي إن بي باريبا» في مذكرة استباقية لتقرير مؤشر أسعار المستهلكين: «نتوقع أن تظهر تأثيرات أسعار النفط على الوقود بدءاً من مارس».

«العدوى» التي تخشاها الأسواق

لا يتوقف القلق عند أسعار الطاقة فحسب، بل يمتد إلى التضخم الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة). فبعد أن استقر هذا المؤشر عند 2.5 في المائة في فبراير، تتوقع الأسواق ارتفاعه إلى 2.7 في المائة في مارس. هذا الارتفاع المستمر يشير إلى أن ضغوط التكلفة بدأت تتسرب إلى السلع والخدمات الأخرى، وهو ما يعزز من مخاوف «جمود التضخم» بعيداً عن مستهدفات «الاحتياطي الفيدرالي» (2 في المائة)، ويقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة في وقت قريب.

قبل صدور بيانات التضخم، سيحلل المستثمرون يوم الأربعاء محاضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» الأخير لفهم كواليس القرار وتوجهات صانعي السياسة بشأن أسعار الفائدة. وتشير بيانات مجموعة بورصة لندن إلى أن أسواق المال الأميركية تتوقع حالياً ثبات أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة، مع احتمال بنسبة 27 في المائة لخفضها بحلول نهاية عام 2026. وقال محللون إن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مارس «ستظهر التأثير الأولي لارتفاع أسعار الطاقة، حتى وإن كانت الولايات المتحدة بمنأى نسبياً عن هذا التأثير نظراً لكونها مُصدِّراً صافياً للنفط والغاز». ورجحوا أن يُولى اهتمام كبير للرقم الأساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، لفهم ما إذا كان التضخم ينتشر على نطاق أوسع في الاقتصاد.

كما ستصدر بيانات أخرى مهمة تشمل مسح (ISM) للخدمات يوم الاثنين، وطلبات الإعانة الأسبوعية يوم الخميس. وفي سوق السندات، ستختبر وزارة الخزانة الأميركية شهية المستثمرين عبر مزادات لبيع نوتات وسندات لآجال (3 و10 و30 عاماً)، وهي اختبارات حاسمة للعوائد في ظل حالة عدم اليقين.

عامل يملأ خزان سيارة في محطة وقود بشنغهاي (أ.ف.ب)

الصين وآسيا

خارج الولايات المتحدة، تعيش القوى الكبرى حالة استنفار مماثلة. إذ تترقب الأسواق يوم الجمعة أول تقرير كامل للتضخم في الصين منذ اندلاع الحرب. وتشير التوقعات إلى خروج مؤشر أسعار المنتجين من المنطقة السالبة ليصل إلى 0.5 في المائة بعد ثلاث سنوات من الانكماش، وهو ما يعكس انتقال ضغوط التكلفة العالمية.

وفي اليابان، يراقب البنك المركزي نمو الأجور والإنفاق المنزلي، بينما تستعد كوريا الجنوبية ونيوزيلندا والهند لاجتماعات بنوكها المركزية وسط توقعات بتثبيت الفائدة، مع تبني نبرة «حذرة» لمواجهة ضعف العملات المحلية أمام الدولار القوي.

الحي المالي في مدينة لندن (رويترز)

أوروبا وبريطانيا

تبدأ الأسواق الأوروبية أسبوعاً قصيراً بعد عطلة الفصح، مع التركيز على بيانات الإنتاج الصناعي في ألمانيا وإيطاليا. وفي بريطانيا، يبرز مسح «RICS» لأسعار المنازل يوم الخميس؛ حيث يخشى المستثمرون من أن يؤدي ارتفاع معدلات الرهن العقاري - مدفوعاً بتوقعات رفع الفائدة - إلى كبح الطلب في سوق الإسكان الذي بدأ يعاني بالفعل.

وتكتمل الصورة مع صدور بيانات التضخم في الفلبين وتايلاند والنرويج، وهي دول تتأثر بشكل مباشر بتقلبات إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. وفي تايوان، رغم ضغوط التضخم، تظل صادرات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هي صمام الأمان، مع توقعات بنمو صادراتها بنسبة قد تصل إلى 35.5 في المائة.


عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الجمعة بعد أن أظهرت البيانات أن أكبر اقتصاد في العالم أضاف وظائف أكثر بكثير من المتوقع في مارس (آذار)، مما عزز التوقعات بأن «الاحتياطي الفيدرالي» سيُبقي أسعار الفائدة ثابتة لفترة أطول ولن يخفضها قريباً.

وارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.3 نقطة أساس بعد صدور بيانات الوظائف، ليصل إلى 4.347 في المائة. ومع ذلك، انخفضت عوائد السندات لأجل 10 سنوات خلال الأسبوع بنحو 9.4 نقطة أساس، متجهةً نحو تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي لها منذ 23 فبراير (شباط)، وفق «رويترز».

كما صعد عائد السندات لأجل عامين، الذي يعكس توقعات أسعار الفائدة، بمقدار 5.2 نقطة أساس ليصل إلى 3.85 في المائة. وحتى الآن هذا الأسبوع، انخفضت عوائد السندات الأميركية لأجل عامين بمقدار 6 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ أواخر فبراير.

انتعاش سوق العمل وتراجع البطالة

أظهرت البيانات أن نمو الوظائف في الولايات المتحدة انتعش بأكثر من المتوقع الشهر الماضي، حيث أضيف 178 ألف وظيفة بعد انخفاض معدل التعديل نزولاً إلى 133 ألف وظيفة في فبراير، مدعوماً بانتهاء إضراب العاملين في مجال الرعاية الصحية وارتفاع درجات الحرارة. كما انخفض معدل البطالة بشكل طفيف إلى 4.3 في المائة، مقارنة مع 4.4 في المائة في الشهر السابق.

مع ذلك، قال المحللون إن التقرير لم يكن بالقوة التي بدا عليها.

وأوضح زاكاري غريفيث، رئيس قسم الائتمان ذي الدرجة الاستثمارية في شركة «كريديت سايتس» بمدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية: «كان رد فعل سوق السندات أقل حدةً بعض الشيء. شهدنا مراجعات نزولية إضافية. بلغ مؤشر فبراير -133 ألف وظيفة، ما يشير بوضوح إلى وجود تقلبات كبيرة في هذه البيانات».

توقعات الأسواق المالية والسياسة النقدية

في آجال استحقاق أطول، ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بمقدار 2.4 نقطة أساس لتصل إلى 4.914 في المائة. إلا أن هذه العوائد انخفضت هذا الأسبوع بمقدار 7 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ 23 فبراير.

وأشارت تقديرات مجموعة بورصة لندن إلى أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية يوم الجمعة توقعت انخفاضاً طفيفاً في أسعار الفائدة بمقدار نقطة أساس واحدة فقط هذا العام، بانخفاض عن 7 نقاط أساس في وقت متأخر من يوم الخميس و55 نقطة أساس قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.

وقال غريفيث: «إن عتبة أي تعديلات في السياسة النقدية من قِبَل (الاحتياطي الفيدرالي) مرتفعة للغاية في الوقت الراهن. ربما هم في وضع الترقب والانتظار، لا سيما بعد أن تجاوزت بيانات الوظائف المعلنة التوقعات بأكثر من 170 ألف وظيفة، وهو رقم يفوق بكثير ما كان يتحدث عنه (الاحتياطي الفيدرالي) في ما يتعلق بمستوى التعادل للبطالة».