طقوس مؤتمرات بوتين الصحافية

مؤتمر العام الحالي شهد الكثير من الطرائف التي ساعدته على الخروج من مأزق اللحظة الراهنة

الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي
الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي
TT

طقوس مؤتمرات بوتين الصحافية

الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي
الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي

عاد الكرملين هذا العام إلى «تقاليده» التي طالما حددت معالم الساحة السياسية والاجتماعية مع نهاية كل عام من خلال المؤتمر الصحافي السنوي للرئيس فلاديمير بوتين. وبغض النظر عن تغيير «مواعيد انعقاده» التي طالما تراوحت بين الصيف تارة، والشتاء تارة أخرى، جاء مؤتمر هذا العام في توقيت بالغ الأهمية واكب لحظات انهيار العملة الوطنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية على خلفية احتدام الأزمة الأوكرانية وما نجم عنها من عقوبات نالت كثيرا من هيبة الدولة واستقرارها، وإن لم تُفقِدها الثقة في قدرتها على تجاوز اللحظة الراهنة.
وجاء المؤتمر الصحافي للرئيس بوتين فرصة ذهبية لاستعراض قدراته ومواهبه، انطلاقا مما يملكه من قدرات ومواهب، متسلحا بالوفير من المعلومات والتواريخ والأرقام، تختزنها ذاكرة حديدية صقلتها وشحذتها تدريباته في واحدة من أعتى المؤسسات الأمنية العالمية، تأكيدا على أنه كان ولا يزال في موسكو الأكثر جدارة بامتلاك ناصية القول والسرد.
مؤتمر هذا العام كان العاشر في سلسلة مؤتمراته الصحافية من موقعه كرئيس للدولة. وقد جاء انعقاده وللعام الثالث على التوالي بعيدا عن الكرملين، في قاعة خصصت له في مركز التجارة الدولية على ضفاف نهر موسكو، لأسباب قالوا إنها تتعلق بإصلاحات تجرى في المبنى رقم 14 بالكرملين والذي كان الرئيس الأسبق بوريس يلتسين خصصه كمركز صحافي بعد أن كان إبان سنوات الاتحاد السوفياتي مقرا للبرلمان «السوفيات الأعلى لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية». وعلى الرغم من عبثية «الحجج الواهية» التي يسوقونها مبررا لتأخر الإصلاحات في مبنى محدود المساحة لا يتمتع بكثير من زخارف وتراث قصور القياصرة، لمدة 3 سنوات كاملة، فهناك من العاملين في التلفزيون الروسي من كشف عن ارتياحه لنقل المؤتمر الصحافي السنوي إلى خارج أسوار الكرملين، بسبب ما كانوا يعانونه من متاعب لدى إقامة المؤتمر في الكرملين، وهو اعتراف فضفاض يحتمل مختلف التأويلات.
ونعود إلى مؤتمر بوتين لنشير إلى أن الاهتمام به كان كبيرا إلى الحد الذي ظل «ملء السمع والبصر» طوال ما يزيد عن أسبوع قبل انطلاقته ظهر الخميس الماضي، حيث «تفرغت» قناة «روسيا - 24» الإخبارية الفضائية الرسمية لمتابعة الاستعدادات لعقده، بداية من إعداد القاعة وتزويدها بأحدث معدات الصوت والضوء، وحتى استقبال الصحافيين وغير الصحافيين الوافدين من الأقاليم، الذين استن الرئيس بوتين تقليد دعوتهم خصيصا للمشاركة في مؤتمره الصحافي ليكونوا قناة اتصال جيدة مع قرى ونجوع روسيا المترامية الأطراف المتعددة القوميات، ينقلون له وعنه كل شاردة وواردة، بما في ذلك شكاواهم «غير التقليدية». ولعل ذلك يمكن أن يكون تفسيرا لكرنفال الأزياء و«التقاليع» التي طالما شهدتها قاعة المؤتمرات الصحافية للرئيس الروسي والتي تستهدف ضمنا لفت أنظار الرئيس للفوز بفرصة توجيه السؤال واستعراض المهارات والمؤهلات الصحافية وغير الصحافية.
ومن اللافت أن هذه «التقاليع» كانت ولا تزال خلفية مناسبة للأسئلة غير التقليدية من جانب الوافدين من «صحافيي الأقاليم والقرى والنجوع»، والتي طالما «تلقفها» الرئيس بوتين ليستعرض من خلالها «مواهبه وقدراته» على المزج بين الصرامة والجد، والدعابة والهزل، بكلمات وتعبيرات سرعان ما تتحول إلى ما هو أشبه بالأقوال المأثورة التي يتناقلونها عن الرئيس، تأكيدا لامتلاكه ناصية القول ولواذع الكلام والإلمام بمفردات اللحظة الراهنة.
تجمع في مؤتمر هذا العام ما يزيد عن ألفين ومائتين وخمسين صحافيا محليا وأجنبيا، توافدوا على مركز التجارة الدولية في وقت مبكر وقبل موعد انعقاد المؤتمر بما يزيد عن الـ4 ساعات تحسبا لإجراءات الأمن والتفتيش التي تتزايد وطأتها عاما بعد عام، ما يمكن أن يكون سببا لعزوف الكثيرين من قدامى الصحافيين في موسكو عن المشاركة في مثل هذه المؤتمرات. وبهذه المناسبة نشير أيضا إلى ما يقوله البعض أيضا إن المشاركة في مثل هذه المؤتمرات «تضييع للوقت» لأسباب منها ما يتعلق بصعوبة المشاركة وتوجيه السؤال من جانب، وتعذر النزول عند مستوى المشاركة بملابس مزركشة، أو غريبة، والتلويح باللافتات والشعارات للفت الأنظار من جانب آخر، وذلك كله ما يمكن تفاديه وتجنبه من خلال الجلوس إلى شاشات قنوات التلفزيون التي تتفرغ لنقل كل وقائع المؤتمر بكل دقائقه وخفاياه وما يدور وراء كواليسه، فضلا عن اللقاءات التي يجريها «المرسلون والمذيعون» القريبون من الكرملين، مع أبرز الشخصيات الرسمية وغير الرسمية.. وتلك خدمة جليلة حقا لو تعلمون!.
ولعل المتابعين لكثير من المؤتمرات واللقاءات التي يعقدها بوتين بين جنبات الكرملين وخارجه يستطيعون رصد مدى ما يتمتع به بوتين من ذكاء متوقد، وقدرات متميزة تكفل له في غالبية الأحيان التخلص من المواقف الشائكة والخروج منها كما يقول المصريون «كالشعرة من العجين»، أو على حد قول الأوروبيين «كالسكين في قطعة الزبد»، استنادا إلى ما تراكم لديه من خبرات وقدرات تمرس عليها منذ سنوات تدريبه ودراسته في مدارس الـ«كي جي بي» (لجنة أمن الدولة) إبان الاتحاد السوفياتي السابق.
وقد شهد مؤتمر هذا العام الكثير من الطرائف التي ساعدت بوتين في الخروج من مآزق اللحظة الراهنة، وما تنوء به من مشكلات انهيار العملة الوطنية تحت وطأة التخفيض المتعمد لأسعار النفط والعقوبات الغربية. ومن هذه الطرائف ما ندا عن اليونا يفتياكوفا إحدى الصحافيات القادمات من مقاطعة فورونيج جنوبي روسيا، محملة بفكرة البحث عن «عروسة» لأهم «عُزاب» روسيا بعد طلاقه في العام الماضي. قالت إن صديقات خالتها ما إن عرفوا بأنها ستذهب للمشاركة في مؤتمر الرئيس حتى حملوها واجب سؤال الرئيس «أهم عُزاب روسيا اليوم» عن حياته الشخصية، وكيف يعيش وحيدا منذ انفصاله عن قرينته في العام الماضي. هنا وبعد تردد لم يدم طويلا استهل بوتين إجابته بقوله:
- بداية انقلي لصديقات خالتك تحياتي الحارة.. أشكرهن على اهتمامهن. وعموما كل شيء على ما يرام. أنا أرى من الحين إلى الآخر لودميلا ألكسندروفنا (زوجته السابقة) والابنتين. صحيح ليس كثيرا كما نريد.. لكن الأمور على ما يرام.
واستطرد بوتين ليخرج بعيدا عن مشكلات السياسة والاقتصاد ليقول:
- ذات مرة فاجأني أحد الساسة الأوروبيين بمحاولة معرفة إذا ما كانت هناك في حياتي امرأة أحبها.. «هل في حياتك حب»؟ وحين أجبته بالإيجاب، عاد ليقول: وهل هناك من يحبك؟
وكررت الإجابة بالإيجاب. وضحك الرئيس على نحو مفتعل ليضيف: «عموما كل شيء على ما يرام».
وحين بدا أن بوتين يستعيد حيويته وتوازنه، عاد ليحاول انتقاء محاوريه بنفسه حيث طلب إعطاء الكلمة لأحد المراسلين الأجانب الذي كان يلوح بلافتة مكتوب عليها اسم «تركيا».
ورنت القاعة بأنظارها إلى المتحدث الجديد..
تلقف الميكروفون مع مراسل آخر ما إن نطق باسمه.. فلاديمير ماماتوف مراسل صحيفة «ريبورتيور» من فياتكا، حتى داهمه السكرتير الصحافي للرئيس محتجا بأنه ليس المقصود لأنه ليس من تركيا.. رد قائلا:
- وماذا في ذلك.. ليس ذنبي!.
وضجت القاعة بضحك وتصفيق الحاضرين، ليواصل المراسل الروسي بالميكروفون مستهلا حديثه بشكر القاعة والحضور على التحية والاستحسان، فيما بدأ سؤاله بنبرة متثاقلة جعلت الرئيس بوتين يشك في أنه مخمور.
وكان سؤاله يتعلق برفض المتاجر الكبيرة قبول توزيع ما تنتجه مدينته من «كفاس» وهو مشروب يصنع من الخبز. قال إن هناك من يفضل الكوكاكولا ولا بد من تدخل الرئيس من أجل إرغام هذه المتاجر على توزيع «كفاس» الذي تنتجه مدينته «فياتكا». وأضاف أنه كان يريد أن يقدمه للرئيس حتى يختبر مذاقه.. «لكن الحراس والأمن».... ولم يكمل تحت وقع قهقهة الحاضرين.
لم تتوقف القاعة عن الضحك حتى بعد أن حاول بوتين تحويل الموضوع إلى مسار الجد من خلال ترديده ما يقال حول أضرار مشروب «الكوكاكولا»، مؤكدا ضرورة الاهتمام بالمشروبات الوطنية غير الكحولية.
وبهذه المناسبة كان هذا الموضوع محور حديث الكثير من البرامج التلفزيونية مساء يوم انعقاد المؤتمر والتي كشفت عن أن الصحافي الوافد من «فياتكا» لم يكن مخمورا، وعزت تثاقل نطقه وبطء حديثه إلى أنه كان تعرض أخيرا لإحدى الأزمات القلبية!.
النوادر كثيرة ومتنوعة، وفيها ما يجعلنا نأمل في أن يكون للحديث بقية نستمدها من دعابات بوتين التي طالما أذهل بها محاوريه ومستمعيه ومشاهديه خلال لقاءاته ومؤتمراته الصحافية في موسكو وخارجها منذ جاء إلى سدة السلطة في الكرملين.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».