مجزرة طالبان والعلاقات الأميركية ـ الكوبية تتناصفان تغطية الصحافة البريطانية

أنواع من الإرهاب تشغل الإعلام الأميركي

مجزرة طالبان والعلاقات الأميركية ـ الكوبية تتناصفان تغطية الصحافة البريطانية
TT

مجزرة طالبان والعلاقات الأميركية ـ الكوبية تتناصفان تغطية الصحافة البريطانية

مجزرة طالبان والعلاقات الأميركية ـ الكوبية تتناصفان تغطية الصحافة البريطانية

هجوم حركة طالبان يوم الثلاثاء الماضي على مدرسة في باكستان يدرس فيها أبناء جنود، الذي أسفر عن سقوط 141 قتيلا بينهم 132 طالبا، حصل، مع اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وكوبا وإعلان نهاية الحصار المفروض على الدولة الشيوعية لأكثر من 50 عاما، على أكبر تغطية في الصحافة البريطانية المكتوبة.
وأفردت صحيفة «الغارديان» عددا من الصفحات إضافة إلى الغلاف والمانشيت الرئيس لهجوم طالبان مع صور مروعة للضحايا. وبدأت تغطيتها من دون عنوان واكتفت باقتباس من شهود عيان على المجزرة، وبينت من خلال تقريرها الميداني أن الهجوم الذي انتهى بعد معارك استمرت 7 ساعات مع مقتل 6 مهاجمين، أشاع هلعا في البلاد وبين المراقبين بعد أن روى ناجون كيف انتقل المسلحون من صف إلى آخر يقتلون عشوائيا أولادا لم تتعد أعمارهم 12 سنة. كما أوردت الصحيفة في تغطيتها إعلان حركة طالبان باكستان مسؤوليتها عن الهجوم لإظهار أنها لا تزال قادرة على ضرب قلب المؤسسات رغم إضعافها جراء هجمات الجيش الباكستاني. وكان في المدرسة نحو 500 تلميذ تتراوح أعمارهم بين 10 و20 عاما.
وأوردت الصحيفة مقتبسات من محمد خراساني المتحدث باسم طالبان قال فيها: «إن مقاتلات الجيش تقصف ساحاتنا العامة ونساءنا وأطفالنا، كما جرى اعتقال الآلاف من المقاتلين وأفراد عائلاتهم وأقربائهم. لقد طلبنا تكرارا أن يوقفوا هذا الأمر»، مضيفا: «في مواجهة تصلب الجيش اضطررنا لشن هذا الهجوم بعدما تحققنا من أن أولاد عدة مسؤولين كبار في الجيش يتلقون تعليمهم في هذه المدرسة».
كما أبرزت الصحيفة الإدانات الدولية لكل من الأمم المتحدة والهند والدول العظمى الغربية من واشنطن إلى باريس، وآثار الصدمة لدى الحكومة والجيش الباكستاني الذي أكد تصميمه على القضاء على طالبان باكستان التي أسفرت هجماتها عن مقتل أكثر من 7 آلاف شخص في البلاد منذ 2007 خصوصا في شمال غربي باكستان وبيشاور.
وكتبت صحيفة «الديلي تلغراف» هي الأخرى تحت عنوان «132 طفلا تذبحهم طالبان في مدرسة». أما صحيفة «الإندبندنت» فنشرت على صفحتها الأولى صورة مروعة للضحايا تحت عنوان «باسم الله». ونشرت هي الأخرى على عدد من الصفحات الداخلية تغطية ميدانية للحدث.
أما الحدث الثاني الذي نال هو الآخر حصة الأسد في التغطية فكان اتفاق الولايات المتحدة وكوبا بعد أكثر من 5 عقود من القطيعة، على خطة لإعادة فتح السفارتين في عاصمة كل منهما في أقرب وقت ممكن، حسبما أعلن رئيسا البلدين يوم الأربعاء الماضي.
ونشرت صحيفة «التايمز» على صفحتها الأولى صورة أرشيفية وتاريخية لقادة الثورة الكوبية بعد انتصارها بعد عام 1959، وتظهر الصورة القائد الأممي الشيوعي تشي غيفارا مع الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو تعود لعام 1960، وتحت عنوان «تخرج من الباردة»، أي نهاية الحرب الباردة ونهاية العزلة التي فرضتها الولايات المتحدة على الجزيرة الشيوعية القريبة من شواطئ الولايات المتحدة، كتبت الصحيفة تقول بأن الرئيس باراك أوباما قد مزق بقايا الستارة الحديدية، التي فصلت المعسكرين الشرقي والغربي خلال الحرب الباردة، مع قبوله إخراج كوبا الشيوعية من عزلتها، بعد أكثر من 50 عاما على أزمة الصواريخ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، التي كادت تقود إلى حرب نووية بين القوتين العظميين.
وأوردت الصحيفة خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي قال فيه إن الوقت قد حان للولايات المتحدة كي تتبنى نهجا مختلفا إزاء كوبا بعد عقود من العزلة التي أخفقت في إحداث تغيير سياسي في الجزيرة الشيوعية. وأضاف أوباما: «لم تنجح العزلة. حان الوقت لاتباع نهج جديد». وقال أوباما إن هذه السياسة لا تخدم مصلحة الولايات المتحدة أو كوبا، داعيا إلى المزيد من المشاركة بين الدولتين.
كما أوردت خطاب الرئيس الكوبي راؤول كاسترو، الذي ألقي بالتزامن مع خطاب نظيره الأميركي. وأوردت الصحيفة مقتبسات من خطاب كاسترو الذي قال فيه: «لقد تمكنا من إحراز تقدم نحو حل الكثير من القضايا التي تهم البلدين.. هذا القرار من قبل الرئيس أوباما يستحق الاحترام والتقدير من شعبنا».
وبينت الصحيفة أول ثمار هذا الاتفاق، وهي الإفراج عن الأشخاص المحتجزين لدى كوبا بتهم التجسس لصالح الولايات المتحدة، وكذلك التوقعات بأن مليارات من الدولارات ستصل إلى الجزيرة من خلال السياحة والعقود التجارية وإقبال الأميركيين على تدخين السيجار الكوبي الفاخر.
وخلال الأسبوع الماضي، انشغل الإعلام الأميركي بأنواع مختلفة من الإرهاب. منها إرهاب إلكتروني متمثل في عرقلة إصدار فيلم في هوليوود عن كوريا الشمالية، وإرهاب في أستراليا متمثل في هجوم فردي قام به مهاجر إيراني.
في بداية الأسبوع، احتجز إيراني، هو هارون مؤنس، رهائن في مقهى حلويات «لنت» في سيدني، في أستراليا. وفي الحال، انتقلت كاميرات التلفزيونات الأميركية إلى هناك، وبدأت متابعات مباشرة. خاصة تلفزيون «سي إن إن».
وبلغت التغطية قمة إثارتها عندما هجمت الشرطة المسلحة على المكان، وقتلت الإيراني، و3 من الرهائن. ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن أستراليا ربما لن تقدر على وقف مثل هذا الإرهاب الأجنبي، وذلك بسبب استمرار هجرات قانونية وغير قانونية من الدول المجاورة.
وفي موضوع إرهابي آخر، نشرت نفس الصحيفة خبر القبض على 10 من أعضاء منظمة «لاهافا»، وهي منظمة إسرائيلية يمينية تعارض دمج العرب واليهود، واتهمت بأنها كانت وراء حرق مدرسة عربية يهودية.
وكان هناك خبر إدانة جندي أميركي في الفلبين بتهمة يراها كثير من الفلبينيين أنها نوع من أنواع «الإرهاب» وكان الجندي هرب إلى الولايات المتحدة في أعقاب ارتكابه جريمة قتل فلبينية تحولت جنسيا، هي جنيفر لاودي. وعندما رفضت الحكومة الأميركية تسليم الجندي، زادت انتقادات الفلبينيين بأن الأميركيين يمارسون معايير متناقضة.
وفي منتصف الأسبوع، عمت أخبار الإرهاب والقلاقل.
نقل الإعلام الأميركي قرار الاتحاد الأوروبي بفرض مزيد من العقوبات على روسيا. خاصة في شبه جزيرة القرم، التي كانت تابعة لأوكرانيا، والتي احتلتها روسيا. وحسب القرار، تمنع أي استثمارات أوروبية هناك. ويشمل هذا حظر السياحة، والتي تعتمد عليها منطقة بلاجات البحر الأسود في المنطقة.
وكان هناك اهتمام كبير بحادث هجوم طالبان على مدرسة في بيشاور في باكستان، والذي قتل فيه 141، بما في ذلك 132 طفلا.
ثم انشغل الإعلام الأميركي بهجوم إرهابي جديد على الولايات المتحدة، متمثلا في هجوم «هاكرز» (قراصنة الإنترنت) على شركة «سوني» لإنتاج الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية. حدث ذلك قبيل بداية عرض فيلم «إنترفيو» (مقابلة) عن اغتيال كيم جونغ إيل، رئيس كوريا الشمالية. وأعلنت «سوني» وقف عرض الفيلم لأن القراصنة هددوا بشن هجمات مثل هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.
ومع نهاية الأسبوع، شن الرئيس باراك أوباما هجوما عنيفا على كوريا الشمالية، ودافع عن شركة «سوني»، وانتقد رضوخ الشركة للتهديدات الإرهابية.
لكن، يظل موضوع الإرهاب التكنولوجي خطرا جديدا يقلق الأميركيين، ويثير اهتمامات الإعلام الأميركي، والذي صار ينشر تقارير ودراسات كثيرة عنه. ونشرت دورية «فورين بوليسي» تقريرا جاء فيه: «في عالم الغد، يمكن أن تسود عصابات الإنترنت، تهدد الشركات والحكومات، وتفرض نظاما فوضويا لم يشهد العالم مثله منذ القرون الوسطى».
ومع نهاية الأسبوع، نقل تلفزيون «سي إن إن» تقريرا من أستراليا عن، أيضا، «عالم الغد الفوضوي»، وعن ربما عدم مقدرة أستراليا، ممثلة للحضارة الغربية في جنوب شرقي آسيا، على أن تصمد أمام «غزوات» الشعوب المجاورة. وذلك على ضوء الهجوم الإرهابي الذي قام به المهاجر الإيراني. ولأن حكومة أستراليا بدأت تحقق في كيفية دخول الرجل أستراليا، وحصوله على إقامة، وإعانات حكومية. وقال التقرير: «إرهاب، أو غير إرهاب، يبدو أن أستراليا ستكون مهددة بغزوات الشعوب المجاورة». وفي التقرير إشارة إلى زيادة هجرات الآسيويين، مثل: الفيتناميين، والفلبينيين، والكوريين، وخصوصا الصينيين.
وشذ خبران رئيسيان في الإعلام الأميركي عن أخبار الإرهاب والقلاقل:
أولا: قرار جيب بوش، ابن الرئيس جورج بوش، وشقيق الرئيس جورج دبليو بوش، وحاكم ولاية فلوريدا السابق بأنه سيبحث إمكانية ترشيحه لرئاسة الجمهورية باسم الحزب الجمهوري.
ثانيا: قرار الرئيس باراك أوباما ببداية رفع مقاطعة 50 عاما على كوبا.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».