ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

روجيه دروا يسعى لتسهيل الفلسفة للجمهور العريض

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟
TT

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

تعجبني كتابات المفكر الفرنسي المعاصر روجيه بول دروا. وهو بالمناسبة أستاذ جامعي وباحث كبير وصحافي في جريدة «اللوموند» في آن معاً. فقد كان المسؤول عن القسم الثقافي فيها (أو قسم مراجعة الكتب) لسنوات طويلة. ويقال إنه نشر فيها أكثر من ألف مقال على مدار السنوات الماضية. ولا يزال يدبج مقالاته فيها بشكل منتظم عن القراءات والشخصيات والإصدارات الجديدة التي تعجبه. ومن أهم كتبه نذكر العناوين التالية: «صحبة الفلاسفة» و«الفلاسفة الكبار: عشرون فيلسوفاً صنعوا القرن العشرين» و«الغرب مشروحاً للجميع» و«كيف يمشي الفلاسفة»... إلخ. وأخيراً «تاريخ مختصر للفلسفة»، وهو الذي سنتوقف عنده هنا.
ولكن قبل أن ندخل في صلب الموضوع، دعونا نطرح هذا السؤال: مَن الفيلسوف؟ هل هو شخص عبقري أم مجنون أم الاثنان معاً؟ هل هو شخص منخرط في الحياة العامة أم معتكف في برجه العاجي؟ على أي حال، إنه ليس أستاذ الفلسفة، على عكس ما نتوهم. فهناك الفيلسوف وهناك أستاذ الفلسفة، وشتان ما بينهما. فقد تكون أستاذاً للفلسفة لمدة ثلاثين أو أربعين سنة دون أن تصبح فيلسوفاً. فالسوربون مثلاً تعاقب عليها عشرات، بل مئات، من أساتذة الفلسفة المحترمين، ولكن لم يبقَ لهم ذكر على صفحة التاريخ، اللهم باستثناء قلة قليلة من أمثال بيرغسون. أما جان بول سارتر فلم يدرس في أي جامعة، ومع ذلك فهو معدود من كبار الفلاسفة. منذ البداية، يقول لنا المؤلف إنه دبج هذا الكتاب بغية تسهيل الفلسفة على الجمهور العريض الذي يخشاها، ويعتقد أنها غامضة بطبيعتها عصية على الفهم. ولكنه يقول لنا إن هذه الفكرة خاطئة، وإن أعظم الفلاسفة وأكثرهم تعقيداً يمكن شرحهم بكلمات بسيطة واضحة، ثم إن الفلاسفة ليسوا كائنات شبحية من خارج الكرة الأرضية! وإنما هم بشر مثلنا من لحم ودم، يفرحون ويتألمون ويعيشون المشاعر والكوابيس نفسها مثلنا تماماً، ويسكنون الكوكب الأرضي ذاته الذي نسكنه. ثم ينبغي أن نتذكر عندما نستعرض تاريخ الفلسفة أن عالم الأفكار ليس منقطعاً عن عالم الحياة أبداً. فالأفكار الفلسفية أياً تكن عبقريتها هي بنت عصرها وظروفه ومشكلاته وهمومه وقضاياه، ولا يمكن فصلها عن كل ذلك. باختصار شديد: الفلسفة بنت عصرها. وحتماً لو ظهر فولتير الآن لكتب بلغة أخرى، ولدافع عن طروحات أخرى غير التي دافع عنها في عصره. فالظروف تغيرت، والأحوال تطورت، وما كان صالحاً للقرن الثامن عشر لم يعد صالحاً للقرن الحادي والعشرين. نقول ذلك خصوصاً لأن الأصولية المسيحية اختفت من أوروبا، ولم يعد لها من وجود، فهل يحارب طواحين الهواء؟ ولكنها في عصره كانت جبروتية قادرة على القمع والضرب والتخويف. ولكن ما الفرق بين الفيلسوف والإنسان العادي غير الفيلسوف؟ الفرق هو التالي: الإنسان العادي يتعايش مع الأفكار التي تلقاها عن عائلته وبيئته وطائفته بصفتها حقائق مطلقة، بل ويتشربها ويعتنقها، ولا يخطر على باله لحظة واحدة أن يتعارك معها. أما الفيلسوف فيفعل العكس: إنه يراجع كل الأفكار التي تلقاها من الأسرة والطفولة والكنيسة والجامع... إلخ، ويتفحصها واحدة بعد الأخرى. فما ثبت أنه صالح يحافظ عليه، وما تبين له أنه خاطئ يرفضه ويتخلى عنه، حتى لو كلفه ذلك غالياً لأنه رضعه مع حليب الطفولة أو تلقاه بصفته مقدسات في بيوت العبادة. هذا ما علمنا إياه ديكارت بشكل خاص: لا تقبلوا شيئاً إلا بعد غربلته وتمحيصه ووضعه على محك الشك والدراسة. ولكن جميع الفلاسفة الكبار يفعلون ذلك، وليس فقط ديكارت؛ كلهم راجعوا أفكار عصرهم وانتقدوها وفككوها، قبل أن يضيفوا أفكارهم وأطروحاتهم الجديدة التي غيرت وجه العالم. وبالتالي، فالفيلسوف شخص منشق على عصره وطائفته وجماعته، شخص منشق على نفسه! لماذا نقول ذلك؟ لأنه يدخل في صراع داخلي عنيف مع الأب - التراث. وبالتالي، فهو يختلف كلياً ليس فقط عن الإنسان العادي، وإنما عن أشباه المثقفين أيضاً! فهؤلاء حتى لو كانوا يحملون شهادات أكاديمية عليا من جامعات الغرب، وحتى لو عاشوا في باريس أو جنيف أو لندن أو نيويورك... إلخ عشرات السنوات، فإنهم يظلون مرتبطين عضوياً بعقائد جماعتهم أو طائفتهم، ولا يخطر على بالهم إطلاقاً أن يراجعوها أو ينتقدوها. هنا بالضبط يكمن الفرق بين المثقف الحقيقي وأشباه المثقفين. لنضرب على ذلك مثلاً توضيحياً سريعاً: كان فولتير ينتمي إلى طائفة الأغلبية في فرنسا، أي المذهب الكاثوليكي البابوي الذي كان يشكل ثمانين في المائة من عدد سكان فرنسا آنذاك. ومع ذلك، فقد أمضى حياته في محاربته، ومحاربة طائفته وجماعته، لأنهم كانوا الأكثرية الطاغية، ولأنهم كانوا يضطهدون أبناء الأقلية البروتستانتية التي كانت تشكل عشرين في المائة من عدد السكان. ومعلوم أن الكاثوليك البابويين، على غرار الأكثريات عادة، كانوا هم الأكثر محافظة وتشبثاً بالمواقف التقليدية الظلامية للدين والتدين. ولهذا السبب، كرس له المؤلف فصلاً كاملاً بعنوان: «فولتير يدشن معركة المثقف من أجل الحقيقة». فالحقيقة بالنسبة له أهم من الطائفة والعشيرة، وحتى العائلة. هنا تكمن خصوصية الفيلسوف أو المثقف الحقيقي، وهنا يتمايز كلياً عن أشباه المثقفين الغوغائيين الذين يمشون وراء القطيع بشكل أتوماتيكي. ونضرب على ذلك مثلاً آخر، هو سارتر. فقد اتخذ في الخمسينيات والستينيات موقفاً صارماً ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وكان موقفه من الراديكالية إبان حرب الجزائر إلى درجة أن الأعين احمرت عليه من قبل قادة اليمين الفرنسي الذين طالبوا ديغول بإخراسه على الفور أو اعتقاله. ولكن ديغول رد عليهم قائلاً: لا أحد يسجن فولتير! فذهبت مثلاً. وهي عبارة تدل على عظمة ديغول بقدر ما تدل على عظمة سارتر. هكذا، نلاحظ أن الفيلسوف الحقيقي لا يتردد لحظة واحدة عن الوقوف ضد جماعته إذا كانت ظالمة أو جائرة أو طاغية. ومعلوم أن أغلبية الشعب الفرنسي آنذاك كانت تعتقد اعتقاداً جازماً بأن الجزائر فرنسية، وأن أي شخص يتخلى عنها خائن أو عميل. ومع ذلك، فقد تصدى لهم سارتر، وسار ضد عاطفة الشعب، بل انضم إلى خندق العدو: أي جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وهنا تكمن إحدى سمات المثقف الحقيقي الذي يخاطر بنفسه، ويضعها على حد السكين من أجل الحقيقة والعدالة. يحصل ذلك إلى درجة أن الآخرين يعدون ذلك تهوراً، بل جنوناً. ومن هنا الاعتقاد بوجود علاقة بين الفيلسوف والمجنون. والحق أنه لو لم تكن فيه «حبة جنون» لما تجرأ على مواجهة الإجماع الجبار للشعب الفرنسي.
ومعلوم أن مؤسس الفلسفة سقراط كان أيضاً «ضد الشعب»، بالمعنى الغوغائي للكلمة، أو ضد الجمهور والقطيع. وقد اتهمته السلطة بأنه يشكك في الآلهة والمقدسات التي يؤمن بها الشعب، وأجبروه على تجرع السم الزعاف بسبب جدة أفكاره وخطورتها على الشبيبة في نظرهم. وقل الأمر ذاته عن بقية الفلاسفة الكبار؛ كلهم اصطدموا بشكل أو بآخر بسلطات عصرهم السياسية والدينية، وكلهم اصطدموا بشكل خاص بالجمهور الغفير أو بالمعتقدات الجبارة الكبرى المهيمنة على عصرهم بصفتها حقائق مطلقة أو مقدسات، في حين أنها أفكار خاطئة أو تقليدية متحنطة لم تعد صالحة. ولكن وحده الفيلسوف يرى أنها خاطئة. أما الآخرون، فلا يكتشفون ذلك إلا بعد سنوات طويلة. وهذا يعني أن الفيلسوف شخص يستيقظ قبل الآخرين، ويرى ما لا يُرى بالعين المجردة؛ إنه شخص يأتي قبل الأوان لكي يوقظ الناس، لكنهم أحياناً يقتلونه لأنهم لا يريدون أن يستيقظوا، وإنما يفضلون أن يظلوا نائمين نومة أهل الكهف، ثم إنهم لا يستطيعون تحمل التشكيك بمعتقداتهم العظمى التي جبلوا بها جبلاً، وتربوا عليها، وتشربوها مع حليب الطفولة. فسقراط لم يكن الوحيد الذي لقي هذا المصير، وإن كان أول شهيد في تاريخ الفلسفة، وإنما أرسطو أيضاً كاد أن يُقتل لولا أنه هرب في جنح الظلام من أثينا، قائلاً عبارته الشهيرة: «لن أدعهم يرتكبون جريمة ثانية ضد الفلسفة؛ يكفي أنهم قتلوا سقراط»! وجيوردانو برينو قتلوه في القرن السادس عشر لأنه أنكر بعض العقائد الدينية الأكثر رسوخاً. لقد قتلته محاكم التفتيش بشكل فظيع مرعب بعد أن قطعوا لسانه الذي جدف به الكفر، وألقوه بعدئذ طعمة للنيران في أقبية الفاتيكان. ومؤخراً، اكتشفنا أن ديكارت نفسه مات قتلاً، وليس بشكل طبيعي، كما كنا نتوهم. لقد دسوا له السم الذي حرق أحشاءه حرقاً. وهكذا وقع في المصيدة وهو الذي كان حذراً جداً، ويتخذ كافة الاحتياطات، بل ويغير منزله باستمرار، ويعيش مختفياً عن الأنظار تقريباً؛ كل ذلك لم ينفعه في شيء، فقد وصلوا إليه في نهاية المطاف. كان يعرف أنه ملاحق مهدد لأنه فجر قنبلة فلسفية موقوتة أطاحت بالعصور القديمة كلها، ودشنت العصور الحديثة، إلى درجة أن هيغل عده البطل المقدام للفكر. وبالتالي، فقد دفعه الرجعيون الأصوليون ثمن جرأته الفكرية باهظاً. وجان جاك روسو دفع أيضاً ثمن مؤلفاته العبقرية غالياً. فقد لاحقوه ملاحقات ضارية حتى جننوه. وهي المؤلفات التي كانت تُحرق في وقت واحد في باريس وجنيف وأمستردام وغيرها من العواصم الأوروبية، ولكنها أصبحت بعد ثلاثين سنة فقط الإنجيل المبجل للثورة الفرنسية!



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة