شعر بول فاليري الإنساني الضخم

مختارات ناثانييل رودافسكي الجديدة أكثر طزاجة من أي ترجمة إنجليزية سابقة

بول فاليري
بول فاليري
TT

شعر بول فاليري الإنساني الضخم

بول فاليري
بول فاليري

في مقالته «التقليد والموهبة الفردية»، كتب ت. س. إليوت عن المعتمد (الكانون) الأدبي بوصفه «نسقاً من النُصُب». ومع أن العديد من النصب التذكارية التي ليست جديرة بالاحتفاء - نصب لروبرت إي. لي، كرستوفر كولومبوس، وآخرين - نشرت مؤخراً، فإن إعادة تقييم الأعلام في الأدب عملية مستمرة منذ عدة سنوات: إليوت نفسه، الذي هيمن على المشهد الأنغلوفوني مثل تمثال رودس، يبدو الآن أقرب إلى متحدث بليغ وغريب الأطوار باسم التقاليد الإمبراطورية.
لقد تحقق لبول فاليري (1871 - 1945) القدر الملتبس في التحول إلى أحد النصب التذكارية أثناء حياته، أن يجسد «رجل الأدب»homme des lettres) ) في جوهره. بوصفه عضواً في الأكاديمية الفرنسية، كان ممثل فرنسا الثقافي في عصبة الأمم والمحاضر المعلق الذي لا يكل. المناصب الأكاديمية التي احتلها مما ينوء به نصف دزينة من الأساتذة. الكتب التي نشر تربو على 20 كتاباً في أجناس مختلفة؛ شعره، الذي ينهض عليه معظم سمعته، يعد جزءاً بالغ الصغر من الكل.
كان فاليري في بدايته مساعداً لبطريرك الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً متحمساً في الحركة «الانحلالية» - الصنعية، الجمالية المفرطة - التي تزعمها ج. ك. هايسمانز. قصائد «مجموعة أشعار قديمة» (1920) التي كتبت قبل أزمة 1892 الفكرية التي قادت فاليري إلى التخلي عن الشعر لعقدين، هي تمارين شكلية مذهلة ودقيقة، مكتنزة بزخارف نهاية القرن: شخصيات كلاسيكية (هيلين، فينوس، أورفيوس، نارسيسوس) تتخذ أوضاعاً وتلقي خطباً؛ شخصيات أنثوية واهنة تومئ في نشوة جامدة؛ وكثيراً ما يعثر المرء على «اللازوردي»، تلك الزرقة الشعرية المهيمنة على نهاية القرن التاسع عشر.
في عام 1912 أعاد أندريه جيد والناشر غاستون غاليمار، فاليري، إلى الشعر، مقترحين جمع أعماله المبكرة. بدأ ينقح قصائده التي تعود إلى ما قبل عشرين عاماً، وبدأ ما رأى أنه وداعية للشعر في 40 سطراً. بعد أربعة أعوام، صارت الأربعون قصيدة «بارك الشابة» ذات الـ512 سطراً، أعظم قصائده وواحدة من روائع الأدب الفرنسي المعروفة.
مثل قصيدتي مالارميه «هيرودياد» و«بعد ظهيرة إله الريف الأسطوري»، تأخذ قصيدة «بارك الشابة» شكل مونولوغ تتحدث فيه إحدى «الأقدار»، أو البارك. هي فتاة على شرفة البلوغ، ممزقة بين الذاكرة والمعرفة المسبقة، مستيقظة على غوامض الرغبة الجنسية:
أيتها الأشباح العزيزة الصاعدة، التي يتماهى عطشها مع عطشي،
رغبات، وجوه مضيئة... وأنت، يا فواكه الحب،
هل منحتني الآلهة هذه الأشكال الأمومية،
الانحناءات المشعة والثنيات والكؤوس،
لكي تعانق الحياة معبد اللذة
حيث الروح الغريبة تمتزج بالعودة الخالدة، وتستمر البذرة والحليب والدم بالتدفق!
إنني مملوءة بضوء الرعب، بالانسجام الفاسد!
حركة القصيدة أوبرالية، مسرحية، حسب تحرك (بارك) عبر الأحلام والذاكرة والتطلعات. إنها تفكر في الانتحار وترفضه، مسمّرة دائماً بمفارقة وجودها: أن هذه الروح الخالدة، القادرة على أكثر التصورات كمالاً، مربوطة بجسد فانٍ، ممزقٍ بالانفعالات والعواطف.
لم ينجز فاليري مرة أخرى ذروة الطاقة والتوتر كما في «بارك الشابة»، مع أن «المقبرة البحرية»، القصيدة المركزية في ديوان «تعاويذ» (1922) تحقق ربما قدراً أكبر من العمق. أشهر قصائده تأملات حول قضايا «كبيرة»: الحياة والموت، التقاليد، الذاكرة، الحنين، وجودنا الجسدي في علاقته بكمالنا الروحي الذي يبدو أن الفن يمنحنا لمحة منه. مونولوغ يقوله ثعبان الجنة، «تخطيط لثعبان» Ébauche d’un Serpent) ) عبر (الشاعر الإنجليزي) و. ه. أودن عن إعجابه به قبل أن يعده «محاكاة ساخرة» بعد 25 عاماً، ينجح الثعبان في استقطار معظم الحجج اللاهوتية التي يقولها (الثعبان) في قصيدة جون ملتون (الفردوس المفقود) - وأكثر منها - في أسطره المائتين وخمسين (....).
إذا كان «أستاذه» مالارميه، الكاهن الأكبر في ديانة سحرية، خيميائي اللغة، فإن فاليري تطلع إلى أن يكون الكيميائي، مكتشفاً علمياً شديد التدقيق للكلمات مجتمعة. في عام 1889، وهي فترة مبكرة، قدم فاليري «مفهوماً للشاعر جديداً وحديثاً بالكامل. إنه لم يعد المجنون الأشعث الذي يكتب قصيدة كاملة في ليلة واحدة محمومة؛ هو عالِم هادئ، عالِم جبر تقريباً، في خدمة حالِمٍ مرهف»، بتعبير إليوت في مقالته «من بو إلى فاليري»، «لقد أعيد تنسيق البرج العاجي ليصير مختبراً».
المفارقة في هذه الفكرة الحديثة في ظاهرها حول العالم - الشاعر هي الموضوعات التقليدية، بل التي عفا عليها الزمن، التي يطرحها فاليري بإلحاح - الحب، الموت، القدر، الجمال - وعالم الحداثة الذي يرفضه في الغالب. قد يستغرب القارئ المعاصر لانقياد فاليري بقوة، ليس فقط للأشكال التقليدية من الشعر الفرنسي، وإنما لمفردات معقدة والتفافية، لنوع من المجازية المتواصلة والمحيرة أحياناً. الشمس التي تمشي فيها «قدر» (بارك) ليست «الشمس sol» بالفرنسية السهلة، وإنما هي «الإله المشع» («le dieu brilliant»)، نفس الأشواك التي تمزق فستانها هي «ورد بري متمرد» («la rebelle ronce»).
مختارات ناثانييل رودافسكي الجديدة من قصائد فاليري، «فكرة الكمال: شعر ونثر بول فاليري» (2020)، إضافة تأتي في وقتها. ترجماته أكثر طزاجة من أي ترجمة إنجليزية سابقة، أكثر صحة من حيث اللغة السائدة من ترجمة ديفيد بول، مترجم برنستون/ بولنجن. لقد اضطلع رودافسكي - برودي بمهمة بالغة الصعوبة. ففاليري لا يكتب فقط أبياتاً مقفاة ومنتظمة إيقاعياً، ولكن شعره يمثل أيضاً (بعبارة المترجم) «نسيجاً كثيفاً من السجع، القافية الداخلية، المعاني المزدوجة، الصور المتحركة، تشابهات تشع بين كلمة وأخرى في أبيات متباعدة».
ليس بوسع رودافسكي - برودي سوى أن يوحي بالنسيج المتأصل في الأصوات الفرنسية في ترجمته الإنجليزية. لحسن الحظ أنه لا يحاول إعادة إنتاج الأشكال الشعرية كما هي لدى فاليري. في حين أن ترجماته تأتي في أوزان إنجليزية منتظمة - قرار يقول عنه إنه «ذو صلة بمواجهته مجموعة مشابهة من القيود الشكلية، من الممارسة، كتلك التي تتسم بها أعمال فاليري، مثلما تتصل بإيجاد ما يشبه إيقاعاتها المعقدة» - فإنه يحجم عن محاولة محاكاة قوافي فاليري (وهذه قمة إفرست التي تتناثر حولها جثث مترجمين سابقين).
«فكرة الكمال» عنوان مناسب، لأن فاليري كان من الساعين إلى الكمال، لا يكف عن «سمكرة» قصائده. اشتهر بعبارته أن القصيدة لا تنتهي، وإنما تُترك فقط. كان على ناشره عملياً أن ينزع مخطوطة «بارك الشابة» من يده. كتب إليوت في مقدمته لمجموعة «فن الشعر» الصادرة عام 1958 عن فاليري: «لقد كان أكثر الشعراء وعياً ذاتياً»، وإلى حد بعيد كان الموضوع الرئيس لفاليري هو ما يفعله إحساسه. يتضح ذلك في عودته المستمرة إلى شخصية نرسيس، الشاب المذهول بانعكاس صورته. في القصيدة النثرية «الملاك» («L’Ange»)، وهي آخر أعماله (مع أنه كان يراجعها منذ 1921)، ينظر الملاك إلى صورته في النبع، ولا يستطيع أن يوفّق ما بين مرأى «رجل يبكي» وهويته الفكرية. كتب: «قال الملاك: الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه أو يغيره أي شيء من ذلك، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن...».
من الإضافات المهمة في «فكرة الكمال» - والتي تبرر العنوان الجانبي «شعر ونثر» - سلسلة من الاقتباسات المتسلسلة تاريخياً من «أعمال» فاليري، أو مذكراته. بدأ فاليري يكتب مذكراته عام 1894، وكان يضيف إليها كل صباح طوال ما تبقى من حياته. تغطي المذكرات كافة اهتماماته الشاسعة - ومنها الشعر، الفلسفة، علم النفس، علم الجمال، الموسيقى، الفن، السياسة - ولم تُحرر صفحاتها الثمانية وعشرون ألفاً بالشكل المناسب حتى الآن. الجزآن الضخمان من الأعمال في طبعة «بلاياد» عالية القيمة (1973 - 1974) تضم 10 في المائة فقط من الكل.
ربما تكون الاقتباسات التي تضمنتها مختارات رودافسكي - برودي في 57 صفحة الأكبر بين ما أتيح لقراء الإنجليزية من المذكرات. التأملات في علم النفس والحنين، والسبحات الفلسفية، ستكون مألوفة لقراء مقالات فاليري. لكن بعض المقاطع تظهر الشاعر من حيث هو ملاحظ مدقق لتفاصيل الواقع الطبيعي والمدني. تمنحنا هذه لمحة عن عالِمٍ - شاعرٍ مختلفٍ جداً: الشاعر الأميركي وليم كارلوس وليمز الذي سيقارن ممارسته (في القصيدة الطويلة «باترسون») بممارسة ماري كيوري، استقطار واقعٍ مشاهَد في جوهره المشع مثلما استخرجت كيوري الراديوم من معدن البتشبلند.
تظل «بارك الشابة» و«المقبرة البحرية» أعمالاً رائعة، مدهشة وعميقة. ومع ذلك فإن كلاسيكية فاليري الشكلية الجديدة تبدو أكثر ابتعاداً عن القارئ المعاصر من أعمال معاصريه الأصغر سناً. أندريه بريتون، بليز سيندرارس، حتى غيّوم أبولينير (الذي توفي عام 1918): يبدو هؤلاء أكثر حداثة وانسجاماً مع عالم في حركة مستمرة واتصالات جماهيرية. ومع ذلك سيكون من الخطأ إلقاء فاليري في مقبرة للنصب المهملة. ذلك أنه ليس من شك في جمال وقوة أفضل كتاباته، والمآزق الإنسانية التي تتناولها أعماله - الموت، التجسد، الحنين إلى الكمال - تظل مهمة بالنسبة لنا.
- عن «هايبر أليرجيك»،
8 أغسطس (آب)، 2020.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.