كسلا... المدينة الفاتنة تقاوم «الفتنة»

صراعات القبائل تحيل حاضرة شرق السودان الخضراء لكوم رماد

الدخان يتصاعد في مدينة كسلا بعد اشتباكات قبلية (صورة متداولة على شبكة الانترنت)
الدخان يتصاعد في مدينة كسلا بعد اشتباكات قبلية (صورة متداولة على شبكة الانترنت)
TT

كسلا... المدينة الفاتنة تقاوم «الفتنة»

الدخان يتصاعد في مدينة كسلا بعد اشتباكات قبلية (صورة متداولة على شبكة الانترنت)
الدخان يتصاعد في مدينة كسلا بعد اشتباكات قبلية (صورة متداولة على شبكة الانترنت)

دوماً، يستعيد السودانيون أسطورة «تاجوج» حسناء شرق السودان الفاتنة، وجميلته الشهيرة التي اغتيلت بسبب «حسنها» في نواحي «جبل التاكا» بمدينة كسلا، كي لا يفتتن بها الرجال، ودفنت هناك فصار مرقدها عند سفح جبل «التاكا»، «مزاراً» ترتاده طالبات الخصب من بنيات ونساء السودان.
ومثلما اغتيلت أجمل النساء في تاريخ الشرق أو السودان لا لسبب إلا لكونها جميلة، فإن مدينة «كسلا» هي الأخرى ولكونها جميلة، «مهددة» وتحيط بها أيدٍ تخبئ الخناجر وتشهر الأسلحة النارية، لاغتيال «حسن» المدينة، لكنها بـ«جمالها تقاوم».
لم يشفع لكسلا جمالها واعتدال مناخها وخضرتها الأبدية، وأنها من بين أجمل مدن البلاد، ولم تكسبها القصائد والأغنيات، وسيرة مأوى العشاق والمحبين، وحديثي الزواج الذين يرتادونها لقضاء شهر العسل، بين خضرتها وماءها العذب المتحدر من جبالها الشهيرة «التاكا وتوتيل»، فاشتعل فيها الاقتتال الإثني الكامن.
وشهدت كسلا الأسابيع الماضية صدامات قبلية وعرقية، أدت لمقتل نحو ستة أشخاص، وجرح العديدين، وإحراق أعداد كبيرة من المتاجر والمساكن، كأن الخنجر «القميء» الذي اغتال تاجوج امتد هو الآخر ليسلب المدينة خضرتها، ويكسيها بالسواد.
اضطر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لإرسال وفد وزاري برئاسة وزير الداخلية الطريفي إدريس، وبرفقته وزير الإعلام فيصل صالح، ووزيرة الشباب آلاء البوشي، ومدير الشرطة وعدد من قادة الأجهزة الأمنية والإعلامية، للاطلاع على الأوضاع على الأرض.
تعود حكاية الدم، إلى إصدار حمدوك لمرسوم رئاسي بتعيين والي «حاكم» للولاية، من المدنيين الذين نصت الوثيقة الدستورية على حكمهم لولايات البلاد الثمانية عشر، في 23 يوليو (تموز) الماضي، ومن بينهم حاكم ولاية كسلا شرقي البلاد صالح عمار.
انقسم المجتمع الكسلاوي حيال الوالي الجديد، أيدته قوى إعلان الحرية والتغيير والمكونات المدنية في كسلا، والمكونات الإثنية الأخرى إلى جانب قبيلته «بني عامر» بمن فيهم رجل القبائل القوى «سليمان بيتاي» المنتمي للمجموعة البجاوية. وعارضته بقوة مجموعة «البجا» التي يقودها الناظر «سيد محمد الأمين ترك» ويساعده مساعد الرئيس المعزول الأسبق «موسى محمد أحمد»، وتوعدت بتفجير الولاية حال إصرار حكومة حمدوك على الوالي صالح عمار.
حطت الطائرة الصغيرة التي كانت تقل الفريق الوزاري القادم لتقصي أبعاد النزاع بمطار المدينة، فوجدت نفسها محاصرة بالخضرة والغيوم والسحاب والمطر، وحسن المناخ واعتداله، لكنها مشحونة بالتوتر والقلق والخوف اللافت.
بدت كسلا خاوية على عروشها نهار «الجمعة» الماضي، واضطر الموكب الوزاري للسير في طرق فرعية، متجنباً الطريق الرئيسي الذي تسيطر عليه مجموعة من المحتجين، برغم حظر التجوال المفروض هناك منذ أيام، ورغم الحراسة المشددة والعربات المسلحة التي كانت ترافقه.
اجتمع وفد حمدوك مطولاً مع اللجنة الأمنية للولاية، وقياداتها في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير ولجان المقاومة، وقرر رئيس الوفد وزير الداخلية الطريفي إدريس تمديد حظر التجوال لثلاثة أيام قابلة للتجديد، ووجه بتطبيق القانون وفرض هيبة الدولة.
وقال الطريفي للصحافيين إن السلطات شكلت قيادة متقدمة لمتابعة الوضع الأمني واتخاذ ما يلزم من قرارات، وإنه وجه بمحاسبة كل من أخفق من المسؤولين أو القوات النظامية، أو شارك في أحداث العنف التي شهدتها المدينة، إلى جانب التعزيزات التي وصلت المدينة.
واستمعت «الشرق الأوسط» لمواطنين وشهود على الأحداث، أجمعوا على أن تفريط وتباطؤ القوات الأمنية في التصدي للتفلتات فاقهم الأزمة، وهو ما أرجعه وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح لـ«فجوة» بين القوات النظامية والمواطن بسبب ترسبات سابقة، ودعا لمناقشات تشارك فيها القوى السياسية والاجتماعية وقيادات الأجهزة الأمنية لإزالة الجفوة وحالة عدم الثقة، وتابع: «اللوم الذي ظلت تتعرض له هذه القوات جعلها في كثير من الأحيان تُحجم عن التدخل ومعالجة الأوضاع بصورة جذرية»، وهو ما أشار إليه عدد من المواطنين، وقالوا لـ«الشرق الأوسط» إن قادة عسكريين رفضوا التدخل قائلين: «هذه المدنية التي (الدايرنها) – تريدونها».
وأوضح صالح أن الأزمة ليست أمنية فقط بل أزمة سياسية واجتماعية، تحتاج لجهد كبير لمواجهتها، ووضع معالجات سريعة وعاجلة، متوقعاً اتخاذ قرارات جوهرية بشأن كسلا ووضع الوالي صالح عمار.
وتبادلت إثنيتا بني عامر والبجا، المواكب والمسيرات المتضادة، خلال ثلاثة أيام، وذكر تقرير رسمي صادر عن أمانة حكومة الولاية أمس، إن الهدندوة «إحدى قبائل البجا»، لم تنصع لخط سير الموكب المحدد من قبل سلطات الأمن، واتجهت لمركز المدينة، وحاول بعض المتفلتين الاعتداء على متاجر ومحلات «بني عامر»، فتصدى البعض لهم، وأدى الصدام لإحراق المتاجر ومقتل عدد من المحتجين. وحمّلت تقارير أن ناظر البجا «سيد محمد الأمين ترك» مع مساعد البشير الأسبق «موسى محمد أحمد» المسؤولية عن الصدام، وقالت إن سيارته انحرفت عن قصد عن المسار وتبعها باقي الموكب، ما أربك القوات الأمنية، وأدى للانفلات.
وتتساكن في ولايات شرق السودان منذ قرون، مجموعات البجا ومجموعات البني عامر، وهي مجموعات ذات امتدادات داخل دولة إريتريا المجاورة، وظلت تتبادل الاتهامات كل ضد الأخرى بشأن تبعيتها للسودان أو إريتريا، يجعل التخلف الاقتصادي والتهميش الذي تعيشه الولاية أداة لتفاقم الصراع وتحويله لقنبلة موقوتة قد تنفجر دون إنذار.
مأساة كسلا، تماثل مأساة حسنائها «تاجوج»، أشهر قصة حب في السودان، وتماثل قصة المجنون والعامرية، وربما روميو وجولييت، فـ«تاجوج والمحلق» أشهر عاشقين سودانيين على مر التاريخ.
قتل رجل من القبائل تاجوج بعد أن رأى رجال قبيلته يقتتلون عليها، فخاف على قومه الهلاك فنحرها، وجن المحلق بعد طلاقها منه وزواجها من آخر، ومات وجداً وحباً، فتحولت حكاية الحب لتراجيديا عشق أبدية.
ربما تواجه كسلا المصير ذاته، لم يشفع غزل الشعراء في حسنها وجمالها، مثلها مثل «تاجوجها»، لأن الكل يدّعي أنها مدينته والآخر دخيل، ولا سبيل لاغتيالها من وجدان السودانيين الذين تغنوا لها: «كسلا أشرقت بها شمس وجدي. وهي في الحق جنة الإشراق»، فهل يفلح الجمال في حربه مع القبح فتحقن الدماء... أم يظل الشرق ثغرة قد يؤتى منها السودان؟ هذا ما تحدده الأيام القليلة القادمة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.