عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

وثّق دخول «داعش» إلى مدينته وتابع تحريرها... وتنقل بين دمشق وإدلب ومسقط رأسه الرقّة

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»
TT

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

عندما كان المصور الصحافي السوري عبّود حمام يدرس المرحلة الإعدادية، وبينما كان والداه يرسمان له مستقبلاً ليصبح محامياً أو موظفاً حكومياً؛ أهداه شقيقه الأكبر آلة تصوير فوتوغرافي (كاميرا) من ماركة «زينيت» الروسية.
آنذاك، لم يخطر في بال الفتى اليافع أنه سيصبح يوماً ما مصوّراً صحافياً بارعاً، يغطّي أسخن الجبهات العسكرية والأحداث التي تتالت على مسقط رأسه مدينة الرقّة، الواقعة أقصى شمال سوريا، وكذلك في العاصمة دمشق ومحافظة إدلب بأقصى شمال غرب البلاد.
في قريته الجرنية، شمال غربي الرقّة المطلة على ضفاف نهر الفرات وحقول القمح مترامية الأطراف، درس حمام سنوات تعليمه الأولى، وانتقل بعدها إلى مدينة الرقّة. وبعد إتمامه دراسة الثانوية العامة، قرر أن يدرس التصوير في جامعة دمشق. وحقاً، التحق بالمعهد العالي للتصوير، وبعد تخرّجه عمل في الوكالة السورية (الحكومية) للأنباء «سانا» مصوّراً صحافياً ومحرّر صور إلى بداية 2013.
عُرف عن حمام نشاطه في دمشق في مجال التصوير ونشر ثقافة الضوء. وشارك بالفعل في معارض كثيرة، وحصل على عدة جوائز، وكان عضواً في اتحاد الصحافيين السوريين. وبعدسة كاميرته غطّى ووثّق الحرب الأهلية الدائرة في بلده منذ قرابة عشر سنوات. وكان قد غطى الحرب العراقية وسافر إلى عاصمتها بغداد عام 2003 إبان فترة عمله مع وكالة «سانا». وعن عمله في الوكالة، يقول عبود حمام: «بحكم عملي وقتها كنت أصوّر المؤتمرات السياسية واللقاءات الرئاسية، وسافرت إلى العراق لتغطية الحرب هناك».

انشقاق... و«داعش»
غير أن مسيرة حياته تغيرت بعد ربيع 2011، حين اندلعت في سوريا انتفاضة احتجاجات مناهضة لنظام الحكم عمّت أرجاء البلاد، دعا المتظاهرون فيها إلى إسقاط الرئيس بشار الأسد وأركان نظامه. وسرعان ما انضمّ إليها حمام وقرّر الانشقاق عن وكالة «سانا»، وهكذا عاد إلى الرقّة، مسقط رأسه، بنهاية 2013. وعن أسباب اتخاذه هذا القرار يشرح قائلاً: «كنت مع الثورة والحراك المعارض. في النهار كنت أعمل في وظيفتي، وفي المساء كنت أعمل في توثيق المظاهرات ورصدها وإرسال المقاطع والصور للنشر بالإعلام».
لكن حالة الخوف والرعب بقيت تلازم حمام طوال الوقت نظراً لطبيعة عمله في تصوير ورصد ما يجري على الأرض، ونشرها في المؤسسات الإعلامية. وهنا يستدرك فيقول: «آنذاك، أدركت أننا لا نملك حرية ونعيش في دولة يحكمها نظام أمني، فأصبحت أحسب كل شيء، خصوصاً بعد استدعائي من المخابرات الجوية ولقاء رئيسها اللواء جميل حسن».
في البدايات اتّبع عبود حمام سياسة الصمت في عمله وتنقلاته بين العاصمة دمشق الخاضعة للقبضة الحكومية، وريفها الذي خضع لسنوات للمعارضة المسلحة. كان يوثّق الانتهاكات والاعتقالات التي طالت المحتجين السلميين واستخدام العنف المفرط بحق المتظاهرين. عن هذه الفترة يذكر: «كنت أرى أفكاري ضد النظام الأمني القاتل بمثابة متفجّرات ورصاصة قد تؤدي لقتلي، لأنني كنت أحملها ضمنياً وأخاف حتى من تدوينها أو البوح بها».
لكنّ حدثاً آخر كان بانتظاره. فيوم 29 من يونيو (حزيران) 2014، وبينما كان يتجول وسط السوق التجارية بمدينة الرقّة، دخل رتل من العربات العسكرية رافعة أعلاماً سوداء وحاملة مسلحين ملثمين تغطي وجوههم أقنعة سوداء.
ذلك اليوم شاهد المسلحين الملثمين يرفعون راية تنظيم «داعش» الإرهابي في مركز المدينة وساحتها العامة. وسارع الناس ومن بينهم عبود حمام إلى توجيه الأسئلة لهؤلاء المسلحين عما يحدث؛ ليجيبوا أنهم أعلنوا عن «خلافتهم» المزعومة في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم. وبعد 7 أيام، تحديداً في 5 يوليو (تموز) من العام نفسه، ظهر أبو بكر البغدادي للمرة الأولى في تسجيل فيديو نشرته مواقع إلكترونية من جامع الموصل الكبير في العراق، ليعلن تنصيب نفسه خليفة وقيام دويلة «داعش» في كل من سوريا والعراق.
يستعيد المصوّر المحترف تلك الذكريات كأنها حدثٌ وقع قبل لحظات، فيقول: «كنت كحال معظم الموجودين في المدينة، نتساءل بحيرة واستغراب عما يحدث. شبّهت ما أراه بفانتازيا تاريخية». وفي اليوم التالي، طلب عناصر التنظيم منه تصوير عرض عسكري للاحتفال بنصره في الرقّة وتسليمهم نسخة، وفعلاً نُشرت النسخة لتتناقلها كبريات المؤسسات الإعلامية.
وعلى الرغم من المخاطرة الكبيرة بالبقاء في الرقّة، بقي عبود حمام في عمله حتى نهاية 2015، وهنا يشرح فيقول: «كان موقفي التمسك بوجودي في الرقّة كمواطن، لا كصحافي. أضف إلى ذلك، دفعني إلى البقاء، رغم خطورة تلك الحقبة، فضولي الصحافي وشغفي بالمهنة التي أحببت».

كل الصور مؤلمة وقاسية
بعدها، ابتعد حمام عن الشهرة الإعلامية وعمل باسم مستعار طوال سنوات وجوده في الرقّة وفيما بعد في إدلب.
اختار عبود حمام اسم «نور الفرات»، تيمناً بنهر الفرات، الذي يروي مدينته الرقة المتربعة على ضفتيه. وهو يرى اليوم أن الشهرة لها إيجابيات لكن سلبيتها تزيد من صعوبة العمل، على حد رأيه، إذ يقول: «إنها تزيد من صعوبة عملك، وبالذات تزداد الخطورة عليك. وهذا سيدفعك للتقليل من التحرك بالعمل أو مغادرة المكان. كنت مرتاحاً بقلة شهرتي، ولم أكن مهتماً بالظهور لقناعتي أن الظهور سيجبرني على مغادرة سوريا».
حمام يرى أن المراسل الصحافي والمصوّر الصحافي أخطر من المقاتل المسلح، ويعزو السبب إلى أن «سلاحهما الكلمة والصورة اللتان تبقيان في التاريخ أكثر تأثيراً وفاعلية من الرصاص. وأكبر دليل صور قيصر التي حرّكت المجتمع الدولي، بينما لم ينفع السلاح في حسم الأمور». وهو لا يزال يتمسك بسلمية الاحتجاجات، ويميل إلى معركة الكلمة والصورة لكسب الرأي العام نظراً «لأنها لا تريق الدماء أو تحدث دماراً وتترك الخراب والنزوح والتشرد».
بقي عبود يعمل بشكل مستقل وكانت تربطه علاقات طيبة مع شيوخ عرب بارزين وشخصيات مجتمعية من أبناء الرقّة، الأمر الذي دفع عناصر من «داعش» لإخباره بأن حياته في خطر. وعندها قرر بنهاية 2015 الفرار قاصداً مدينة إدلب، التي كانت خاضعة لتنظيم «جبهة النصرة» (الفرع السوري لتنظيم «القاعدة» المحظور دولياً). وعن تجربة العمل في إدلب وصفها حمام بـ«الحرب العالمية الصغرى» موضحاً: «هناك كل الجهات تتصارع، النظام والجيش الحر وجبهة النصرة وفيما بينها. وما زاد الوضع تعقيداً دخول دول كبرى وإقليمية تدعم أطرافاً متناقضة على الأرض. باختصار، باتت حلبة صراع».

تسجيل التحرير
إلا أنه بعد إعلان التحالف الدولي بقيادة واشنطن «معركة تحرير الرقّة» بنهاية 2016، قرر حمام العودة إلى مسقط رأسه وتغطية جبهات المعارك، حاملاً عتاده من كاميرا وعدسات تصوير وأدوات الحماية الشّخصية. وحقاً، تنقل من مكان إلى آخر عبر طرق صحراوية وعرة، ونقل صوراً ومقاطع من قلب المعركة المحفوفة بالمخاطر. لكنه تأثر كثيراً بحجم الدمار والخراب الذي حل بمدينته، معلّقاً: «انتهت العمليات العسكرية أكتوبر (تشرين الأول) 2017 وبقيت صامتاً في اليوم الأول، لم أشاهد غير الركام والحطام، وكنت أبكي كلما مررت بشارع أو التقطت صورة منزل هجره سكانه خوفاً على حياتهم».
ويتابع حمام، الشغوف بالتصوير الضوئي بالإضافة إلى عمله الصحافي: «بعد هذه السنوات من الحرب السورية، أنظر بإيجابية إلى كل شيء وصرت مهتماً بكل تفصيل لأي شخصية أصوّرها، وأحولها إلى وثيقة في صورة»، وهو لا يستبعد اليوم العودة إلى العمل باسم مستعار، حسب طبيعة العمل والمكان ودرجة الخطر المتصلة بالمتغيرات على الأرض السياسية منها والعسكرية، يقول: «كأنني ألبس خوذة ودرعاً واقية لحماية نفسي. إذ ينشر المصوّر الكثير من الصور من دون اسم عندما يدرك أن نشرها قد يجلب له الأذى أو معلومة أمنية تتسبب بالخطر على حياته». أما اليوم، وبعد 10 سنوات من التغطية الحربية؛ فقد غزا الشيب رأس عبود حمام ولحيته. وبسبب القتال وتبدل الجهات العسكرية وتنقلاته لم يتزوج، وإن كان ما زال يحلم بتكوين أسرة والزواج بشريكة أحلامه.
أما عن أصعب الصور التي التقطها، ولا يمكن أن ينساها، فروى: «كنت أصوّر عواقب ضربة جوية على الرقّة. بعدها قالوا لي إن ابن عمي كان أحد القتلى، ولدى عودتي من المكان راجعت كارت الذاكرة لأفاجأ بأن جثته كانت أمامي ولم أعرفه». ولقد بقيت صور الأشلاء وجثث الأطفال من أكثر المشاهد التي سيتذكرها بتأثر طوال حياته. واختتم عبود حمام حديثه بالقول: «أفكر وأتساءل كيف يقتل بعضنا بعضاً نحن السوريين... هذه تجاوزات لكل القيم الإنسانية، فالقتل والدمار والنزوح والتشرد صوّرتها على مدار سنوات. حقيقةً، كل الصور مؤلمة وقاسية».



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».