عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

وثّق دخول «داعش» إلى مدينته وتابع تحريرها... وتنقل بين دمشق وإدلب ومسقط رأسه الرقّة

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»
TT

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

عندما كان المصور الصحافي السوري عبّود حمام يدرس المرحلة الإعدادية، وبينما كان والداه يرسمان له مستقبلاً ليصبح محامياً أو موظفاً حكومياً؛ أهداه شقيقه الأكبر آلة تصوير فوتوغرافي (كاميرا) من ماركة «زينيت» الروسية.
آنذاك، لم يخطر في بال الفتى اليافع أنه سيصبح يوماً ما مصوّراً صحافياً بارعاً، يغطّي أسخن الجبهات العسكرية والأحداث التي تتالت على مسقط رأسه مدينة الرقّة، الواقعة أقصى شمال سوريا، وكذلك في العاصمة دمشق ومحافظة إدلب بأقصى شمال غرب البلاد.
في قريته الجرنية، شمال غربي الرقّة المطلة على ضفاف نهر الفرات وحقول القمح مترامية الأطراف، درس حمام سنوات تعليمه الأولى، وانتقل بعدها إلى مدينة الرقّة. وبعد إتمامه دراسة الثانوية العامة، قرر أن يدرس التصوير في جامعة دمشق. وحقاً، التحق بالمعهد العالي للتصوير، وبعد تخرّجه عمل في الوكالة السورية (الحكومية) للأنباء «سانا» مصوّراً صحافياً ومحرّر صور إلى بداية 2013.
عُرف عن حمام نشاطه في دمشق في مجال التصوير ونشر ثقافة الضوء. وشارك بالفعل في معارض كثيرة، وحصل على عدة جوائز، وكان عضواً في اتحاد الصحافيين السوريين. وبعدسة كاميرته غطّى ووثّق الحرب الأهلية الدائرة في بلده منذ قرابة عشر سنوات. وكان قد غطى الحرب العراقية وسافر إلى عاصمتها بغداد عام 2003 إبان فترة عمله مع وكالة «سانا». وعن عمله في الوكالة، يقول عبود حمام: «بحكم عملي وقتها كنت أصوّر المؤتمرات السياسية واللقاءات الرئاسية، وسافرت إلى العراق لتغطية الحرب هناك».

انشقاق... و«داعش»
غير أن مسيرة حياته تغيرت بعد ربيع 2011، حين اندلعت في سوريا انتفاضة احتجاجات مناهضة لنظام الحكم عمّت أرجاء البلاد، دعا المتظاهرون فيها إلى إسقاط الرئيس بشار الأسد وأركان نظامه. وسرعان ما انضمّ إليها حمام وقرّر الانشقاق عن وكالة «سانا»، وهكذا عاد إلى الرقّة، مسقط رأسه، بنهاية 2013. وعن أسباب اتخاذه هذا القرار يشرح قائلاً: «كنت مع الثورة والحراك المعارض. في النهار كنت أعمل في وظيفتي، وفي المساء كنت أعمل في توثيق المظاهرات ورصدها وإرسال المقاطع والصور للنشر بالإعلام».
لكن حالة الخوف والرعب بقيت تلازم حمام طوال الوقت نظراً لطبيعة عمله في تصوير ورصد ما يجري على الأرض، ونشرها في المؤسسات الإعلامية. وهنا يستدرك فيقول: «آنذاك، أدركت أننا لا نملك حرية ونعيش في دولة يحكمها نظام أمني، فأصبحت أحسب كل شيء، خصوصاً بعد استدعائي من المخابرات الجوية ولقاء رئيسها اللواء جميل حسن».
في البدايات اتّبع عبود حمام سياسة الصمت في عمله وتنقلاته بين العاصمة دمشق الخاضعة للقبضة الحكومية، وريفها الذي خضع لسنوات للمعارضة المسلحة. كان يوثّق الانتهاكات والاعتقالات التي طالت المحتجين السلميين واستخدام العنف المفرط بحق المتظاهرين. عن هذه الفترة يذكر: «كنت أرى أفكاري ضد النظام الأمني القاتل بمثابة متفجّرات ورصاصة قد تؤدي لقتلي، لأنني كنت أحملها ضمنياً وأخاف حتى من تدوينها أو البوح بها».
لكنّ حدثاً آخر كان بانتظاره. فيوم 29 من يونيو (حزيران) 2014، وبينما كان يتجول وسط السوق التجارية بمدينة الرقّة، دخل رتل من العربات العسكرية رافعة أعلاماً سوداء وحاملة مسلحين ملثمين تغطي وجوههم أقنعة سوداء.
ذلك اليوم شاهد المسلحين الملثمين يرفعون راية تنظيم «داعش» الإرهابي في مركز المدينة وساحتها العامة. وسارع الناس ومن بينهم عبود حمام إلى توجيه الأسئلة لهؤلاء المسلحين عما يحدث؛ ليجيبوا أنهم أعلنوا عن «خلافتهم» المزعومة في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم. وبعد 7 أيام، تحديداً في 5 يوليو (تموز) من العام نفسه، ظهر أبو بكر البغدادي للمرة الأولى في تسجيل فيديو نشرته مواقع إلكترونية من جامع الموصل الكبير في العراق، ليعلن تنصيب نفسه خليفة وقيام دويلة «داعش» في كل من سوريا والعراق.
يستعيد المصوّر المحترف تلك الذكريات كأنها حدثٌ وقع قبل لحظات، فيقول: «كنت كحال معظم الموجودين في المدينة، نتساءل بحيرة واستغراب عما يحدث. شبّهت ما أراه بفانتازيا تاريخية». وفي اليوم التالي، طلب عناصر التنظيم منه تصوير عرض عسكري للاحتفال بنصره في الرقّة وتسليمهم نسخة، وفعلاً نُشرت النسخة لتتناقلها كبريات المؤسسات الإعلامية.
وعلى الرغم من المخاطرة الكبيرة بالبقاء في الرقّة، بقي عبود حمام في عمله حتى نهاية 2015، وهنا يشرح فيقول: «كان موقفي التمسك بوجودي في الرقّة كمواطن، لا كصحافي. أضف إلى ذلك، دفعني إلى البقاء، رغم خطورة تلك الحقبة، فضولي الصحافي وشغفي بالمهنة التي أحببت».

كل الصور مؤلمة وقاسية
بعدها، ابتعد حمام عن الشهرة الإعلامية وعمل باسم مستعار طوال سنوات وجوده في الرقّة وفيما بعد في إدلب.
اختار عبود حمام اسم «نور الفرات»، تيمناً بنهر الفرات، الذي يروي مدينته الرقة المتربعة على ضفتيه. وهو يرى اليوم أن الشهرة لها إيجابيات لكن سلبيتها تزيد من صعوبة العمل، على حد رأيه، إذ يقول: «إنها تزيد من صعوبة عملك، وبالذات تزداد الخطورة عليك. وهذا سيدفعك للتقليل من التحرك بالعمل أو مغادرة المكان. كنت مرتاحاً بقلة شهرتي، ولم أكن مهتماً بالظهور لقناعتي أن الظهور سيجبرني على مغادرة سوريا».
حمام يرى أن المراسل الصحافي والمصوّر الصحافي أخطر من المقاتل المسلح، ويعزو السبب إلى أن «سلاحهما الكلمة والصورة اللتان تبقيان في التاريخ أكثر تأثيراً وفاعلية من الرصاص. وأكبر دليل صور قيصر التي حرّكت المجتمع الدولي، بينما لم ينفع السلاح في حسم الأمور». وهو لا يزال يتمسك بسلمية الاحتجاجات، ويميل إلى معركة الكلمة والصورة لكسب الرأي العام نظراً «لأنها لا تريق الدماء أو تحدث دماراً وتترك الخراب والنزوح والتشرد».
بقي عبود يعمل بشكل مستقل وكانت تربطه علاقات طيبة مع شيوخ عرب بارزين وشخصيات مجتمعية من أبناء الرقّة، الأمر الذي دفع عناصر من «داعش» لإخباره بأن حياته في خطر. وعندها قرر بنهاية 2015 الفرار قاصداً مدينة إدلب، التي كانت خاضعة لتنظيم «جبهة النصرة» (الفرع السوري لتنظيم «القاعدة» المحظور دولياً). وعن تجربة العمل في إدلب وصفها حمام بـ«الحرب العالمية الصغرى» موضحاً: «هناك كل الجهات تتصارع، النظام والجيش الحر وجبهة النصرة وفيما بينها. وما زاد الوضع تعقيداً دخول دول كبرى وإقليمية تدعم أطرافاً متناقضة على الأرض. باختصار، باتت حلبة صراع».

تسجيل التحرير
إلا أنه بعد إعلان التحالف الدولي بقيادة واشنطن «معركة تحرير الرقّة» بنهاية 2016، قرر حمام العودة إلى مسقط رأسه وتغطية جبهات المعارك، حاملاً عتاده من كاميرا وعدسات تصوير وأدوات الحماية الشّخصية. وحقاً، تنقل من مكان إلى آخر عبر طرق صحراوية وعرة، ونقل صوراً ومقاطع من قلب المعركة المحفوفة بالمخاطر. لكنه تأثر كثيراً بحجم الدمار والخراب الذي حل بمدينته، معلّقاً: «انتهت العمليات العسكرية أكتوبر (تشرين الأول) 2017 وبقيت صامتاً في اليوم الأول، لم أشاهد غير الركام والحطام، وكنت أبكي كلما مررت بشارع أو التقطت صورة منزل هجره سكانه خوفاً على حياتهم».
ويتابع حمام، الشغوف بالتصوير الضوئي بالإضافة إلى عمله الصحافي: «بعد هذه السنوات من الحرب السورية، أنظر بإيجابية إلى كل شيء وصرت مهتماً بكل تفصيل لأي شخصية أصوّرها، وأحولها إلى وثيقة في صورة»، وهو لا يستبعد اليوم العودة إلى العمل باسم مستعار، حسب طبيعة العمل والمكان ودرجة الخطر المتصلة بالمتغيرات على الأرض السياسية منها والعسكرية، يقول: «كأنني ألبس خوذة ودرعاً واقية لحماية نفسي. إذ ينشر المصوّر الكثير من الصور من دون اسم عندما يدرك أن نشرها قد يجلب له الأذى أو معلومة أمنية تتسبب بالخطر على حياته». أما اليوم، وبعد 10 سنوات من التغطية الحربية؛ فقد غزا الشيب رأس عبود حمام ولحيته. وبسبب القتال وتبدل الجهات العسكرية وتنقلاته لم يتزوج، وإن كان ما زال يحلم بتكوين أسرة والزواج بشريكة أحلامه.
أما عن أصعب الصور التي التقطها، ولا يمكن أن ينساها، فروى: «كنت أصوّر عواقب ضربة جوية على الرقّة. بعدها قالوا لي إن ابن عمي كان أحد القتلى، ولدى عودتي من المكان راجعت كارت الذاكرة لأفاجأ بأن جثته كانت أمامي ولم أعرفه». ولقد بقيت صور الأشلاء وجثث الأطفال من أكثر المشاهد التي سيتذكرها بتأثر طوال حياته. واختتم عبود حمام حديثه بالقول: «أفكر وأتساءل كيف يقتل بعضنا بعضاً نحن السوريين... هذه تجاوزات لكل القيم الإنسانية، فالقتل والدمار والنزوح والتشرد صوّرتها على مدار سنوات. حقيقةً، كل الصور مؤلمة وقاسية».



الإعلام المتخصِّص في لبنان... السياسة تتصدّر والبقية تأتي

حسن شرارة (الشرق الأوسط)
حسن شرارة (الشرق الأوسط)
TT

الإعلام المتخصِّص في لبنان... السياسة تتصدّر والبقية تأتي

حسن شرارة (الشرق الأوسط)
حسن شرارة (الشرق الأوسط)

بين قطاعات الرياضة والفن والاقتصاد، برزت منصّات ومواقع إخبارية اختارت أن تضع التخصّص في صلب عملها في الماضي القريب، كان للإعلام المتخصّص مساحته الخاصة في الصحف والمجلّات، ثم تطوّر لينتقل إلى الشاشة الصغيرة، ومنها إلى المواقع الإلكترونية والمنصّات الرقمية. وكانت مجموعة من المجلات الفنية تحظى بشعبية واسعة، وينتظر اللبناني صدورها من أسبوع إلى آخر للاطّلاع على أحدث أخبار الفنانين ونجوم الشاشة. في المقابل، تمتّعت مجلَّات أخرى متخصّصة في الاقتصاد أو الرياضة بشعبية لا يستهان بها، ولاحقت تطوّرات هذين القطاعين وأخبارهما.

وحقاً، في جميع الحالات، بقي الإعلام السياسي هو السائد. بل كلما اشتدّت العواصف الأمنية وتوالت الحروب، سجّل الإعلام السياسي حضوراً أوسع، وفرض نفسه على أجندة المتابعين. أما في فترات الأمن والاستقرار، فيعود اللبناني إلى متابعة أخبار متنوعة تُبعده نسبياً عن السياسة.

وهذا ما لوحظ، مثلاً، إبّان نهائيات كأس العالم لكرة القدم، حين انصبّت معظم المواضيع والأحاديث على متابعة المنافسات ونتائجها. مع أن قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة ظلّت بين الأخبار الأبرز في الصفحات السياسية والاقتصادية، نظراً إلى تشابك ملفه مع أزمة المصارف والمودعين والتحوّلات الاقتصادية التي شهدها لبنان. أما عن الأخبار الفنية، فإنها تبقى محط متابعة دائمة لدى جمهور كل فنان، يرى في تتبع أخبار فنانِه المفضّل هواية تحلو متابعتها باستمرار.

وسائل التواصل الاجتماعيمن جهة ثانية، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن القول إن الإعلام اللبناني ما عاد رهينة لمواكبة الأخبار السياسية والمحلية، بل شهد توسعاً لافتاً في الإعلام المتخصّص الذي يتوجه إلى جمهور يبحث عن معلومة أكثر دقة وعمقاً في مجالات محددة.

مثلاً، بين قطاعات الرياضة والفن والاقتصاد، برزت منصّات ومواقع إخبارية اختارت أن تضع التخصّص في صلب عملها، مواكبةً تطوّرات كل قطاع، ومُقدِّمة تقارير وتحليلات ومتابعات تتجاوز الخبر العاجل.

وإذا كانت الصحافة الرياضية تسعى إلى مواكبة المنافسات والنتائج وقراءة المشهد الرياضي بأبعاده المختلفة، فإن الإعلام الفني أصبح يلعب دوراً أساسياً في رصد الحركة الفنية والثقافية، في حين ما زال الإعلام الاقتصادي بحاجة إلى مقاربة أكثر تخصصاً لفهم تحوّلات الأسواق والمصارف والاستثمار وأحوال الاقتصاد اللبناني. ومع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، فرض هذا النمط من الإعلام نفسه تدريجياً في المشهد الصحافي اللبناني.

بين الأمس واليوموبين الأمس واليوم، تبدلت أوجه الإعلام بشكل عام، وتغيرت أيضاً أسماء ووجوه الإعلام المتخصص. فالمنافسة التي كانت تدور بين كبار نقّاد الفن والمحللين الاقتصاديين والمعلقين الرياضيين أصبحت من «ذكريات» المشهد الإعلامي السابق؛ إذ يغزو اليوم المواقعَ الإلكترونية المتخصِّصة جيلٌ جديد من الصحافيين وصنّاع المحتوى.

ومَن كان يتابع المواضيع الفنية الموقّعة بقلم الراحل جورج إبراهيم الخوري، أصبحت ذكرياته تنتمي إلى زمن إعلامي آخر. ومَن يتذكر المعلّقَين الرياضيين لبيب بطرس وعلي حميدي صقر وحماستهما لدعم النشاطات الرياضية لا يجد اليوم سوى قلة تحفظ هذه التجربة. ومن كان ينتظر تحليلات أو آراء وزراء ومصرفيين وخبراء ماليين حول الاقتصاد اللبناني، يجد نفسه اليوم متابعاً للفقرة الاقتصادية التي يقدمها موريس متَّى ضمن نشرة أخبار قناة «إم تي في»، أو خالد أبو شقرا على قناة «الجديد».

الدخلاء على المهنة غيَّروا ملامحهاتعدّ الإعلامية هلا المرّ، رئيسة تحرير موقع «الفن» الإلكتروني، من جيل الإعلام الذي عاصر المرحلتين الذهبية والحالية في مجالها. وبفضل مشوارها الطويل في الصحافة الفنية، صار لديها رؤية واضحة لملامح تطوّرها. وهنا تقول: «جيلنا كان يتألف من الصحافيين الحقيقيين الذين درسوا الإعلام وعملوا بالمهنة على أصولها. أما اليوم، فغالبية العاملين في هذا القطاع دخلاء. كانوا إما من (فانزات) (جمع «فان») هذا الفنان، وإما من مرافقي تلك الفنانة».

هالة المرّ (الشرق الأوسط)

وبالنسبة إلى النقد الفني، الذي كان الفنان يخشى أن يطاله، لم يعد، في رأي المرّ، يتمتع بالموضوعية والدراية... و«من يعتب على فنان معيّن يكتب عنه بشكل سلبي، ومَن ينتفع من الفنان الفلاني يمدحه باستمرار». ثم تذكر أن كل شيء تغيّر في الصحافة الفنية المتخصّصة، موضحة أن «التعاطي مع الصحافة الفنية اليوم يرتكز على تبييض الوجه. والسوشيال ميديا زادت الأمر سوءاً؛ لأن توليد الإشاعات أصبح سريعاً جداً. ويُمكن بين ليلة وضحاها أن تسري مفاعيل إشاعة تقف وراءها جهة معينة تنتسب إلى حزب الفنان المستفيد منها. فيصبح الفنان المستهدف بحاجة إلى من يدافع عنه. وهنا تقع الكارثة؛ لأن الإعلامي الصادق والمحايد بات نادراً».

الشاشة الصغيرة على خط الإعلام المتخصصبالتوازي، بعدما كانت الصحف تجذب قراءها بـ«مانشيت» سياسي أو فني أو اقتصادي، استحوَذت المواقع الإخبارية والشاشة الصغيرة على مكانتها تدريجياً. وأضحت المطبوعات خارج المنافسة، فمَن بقي منها على قيد الحياة لجأ إلى نشر محتواه إلكترونياً.

وفي عصر تغزوه المنصّات الرقمية، تحاول القنوات التلفزيونية حجز مكانٍ لها على ساحة الإعلام المتخصّص. ولذا، لجأت معظم القنوات المحلّية إلى تلوين نشرات الأخبار بفقرات رياضية وفنية واقتصادية. وصارت هذه الفقرات منتظرة في ختام النشرات من شريحة لا يستهان بها من المشاهدين. وضخّ هذا النوع من الأخبار نبضاً إعلامياً مختلفاً، انعكس متابعة يومية من قبل المشاهد.

أما الفقرات الرياضية، فكان من أبرز روادها على شاشات التلفزيون الرائدان الراحلان ناصيف مجدلاني - مؤسس «الحياة الرياضية» - وخليل نحاس. ثم لمع خلال الثمانينات الراحل لبيب بطرس. وفي الألفية الثانية، شكّلت مادة إخبارية في قناتي «إل بي سي آي» و«المستقبل». وكانت تواكب يومياً الأحداث والنشاطات الرياضية المحلية والعالمية. غير أن انطلاق قنوات فضائية عربية متخصّصة في الرياضة أسهم لاحقاً في تراجع أهميتها؛ إذ أصبحت تلك المحطات تستحوذ على جزء كبير من متابعة الخبر الرياضي وتغطيته حول العالم.

القنوات الرياضية تقيّد الصحافةالإعلامي المتخصص في الأخبار الرياضية على شاشة «الجديد» حسن شرارة، يقول إن ثمة تراجعاً ملحوظاً في حضور الأخبار الرياضية على الإعلام المرئي. ويعطي مثالاً على ذلك خلال مباريات كأس العالم الأخيرة، فيشرح: «القنوات الرياضية المتخصّصة قيّدت مادتنا الرياضية العالمية في نشرات الأخبار. وكنا في (المونديال) نلجأ إلى صورة أو لقطة غير متحرّكة للإشارة إلى هدف تم تسجيله أو حادث وقع على أرض الملعب».

ثم يضيف: «هذه القنوات تملك الحقوق الكاملة لبث مباريات المونديال، وكذلك بطولات الدوري في إسبانيا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها. وبناءً عليه، اضطررنا في أحيان كثيرة إلى وضع صورة وإرفاقها بتعليق مسجّل للتكلم عن نشاط رياضي عالمي. وهو ما جعلنا نكتفي بإذاعة الأخبار الرياضية المحلية. لقد أصبحت الأمور أكثر صعوبة، والبرامج الرياضية التي نستضيف فيها أبطال لعبة معينة هي البديل». وبالتالي، يرى شرارة أن وسائل التواصل «عزّزت نشر المعلومة السريعة الخاصة بالرياضة، وهو ما دفع الإعلاميين الرياضيين إلى البحث عن مادة مغايرة، وإلا وقعوا في فخ التكرار ونسخ الأخبار».

رؤوف أبو زكي (الشرق الأوسط)

ثم إن الإعلام المتخصص قد يواجه عقبات وحواجز في خضم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فالمشهد الإعلامي برمّته تبدّل، حتى السياسي منه، بعدما أصبح في إمكان أي شخص تحقيق «سكوب» (سبق) عبر هاتفه الجوّال ومن خلال لقطة مصوّرة صادفها في الشارع.

ومع ذلك، يحتفظ الإعلام الاقتصادي اليوم بقيمة خاصة لدى اللبنانيين، في ظل توالي الأزمات الاقتصادية والمالية في لبنان. فأزمة الدولار، وتراجع قيمة الليرة، وأزمة أموال المُودِعين في المصارف، إضافة إلى الحروب التي أوقفت استثمارات عدة، جعلت من الفقرة الاقتصادية في نشرات الأخبار أو على المواقع الإلكترونية مادة متابعة من نسبة كبيرة من اللبنانيين.

نقص في الصحافة المتخصصة بالاقتصاد

الإعلامي الاقتصادي المخضرم رؤوف أبو زكي عاصر حقباتٍ زمنيةً طويلةً شهد فيها لبنان متغيراتٍ كثيرةً على المستوى الاقتصادي. وكان أبو زكي أول من أطلق وكالة أنباء اقتصادية في سبعينات القرن الماضي هي «أورينت برس». ثم عمل في صحيفة «النهار»، وكذلك في العاصمة الفرنسية باريس مراسلاً صحافياً اقتصادياً لقنوات تلفزيونية لبنانية. واليوم يكمل أبو زكي مسيرة مجلة أسّسها عام 1977، هي «الاقتصاد والأعمال»، التي تُعدّ من أقدم المؤسسات الإعلامية المتخصّصة في الشؤون الاقتصادية والأعمال على مستوى المنطقة العربية.

أبو زكي يخبر «الشرق الأوسط» عن أوضاع الإعلام الاقتصادي اليوم، فيقول: «لا يوجد عندنا صحافيون متخصصون بالشؤون الاقتصادية والعملية. قد نصادف مراسلين وصحافيين يقارِبون الساحة الميدانية، أما فيما يخصّ التحليل الاقتصادي، فإننا نعاني من قلة المتخصصين الذين يجيدونه».

ويشير أبو زكي إلى أن «الإعلام الاقتصادي عاش في الماضي عصره الذهبي»، حتى إن المصرف المركزي كان يوليه اهتماماً كبيراً، موضحاً أنه كان يهتم شخصياً بإجراء تحقيقات عن الاحتكارات في لبنان. ويضيف: «كنت أسمّي الأشياء كما هي، وكان الراحل غسان تويني (عميد «دار النهار») يضع هذه الأخبار في الصفحة الأولى من جريدة (النهار)». ثم يلفت إلى أن الإعلام الاقتصادي مهم من جوانب أخرى؛ «فهو يتداخل مع القطاع الفني من باب أجور الفنانين والحفلات التي يحيونها، وكذلك مع الرياضة؛ لأن الاقتصاد يلعب دوراً أساسياً في ميزانيات النوادي والألبسة الخاصة بالفرق».

ويختم رؤوف أبو زكي قائلاً: «لا شك في أن هناك اليوم أشخاصاً جيدين يتمتّعون بكفاءات عالية. لكن هناك، مع الأسف، مَن يمارس الصحافة الصفراء ويطالب بمبالغ من المال من باب التهديد والابتزاز. ومن ثم، يبقى القول إن الصحافة بشكل عام واقعة في مأزق كبير بسبب التغييرات المتسارعة التي تضربها؛ فكما السوشيال ميديا، كذلك المواقع الإخبارية الإلكترونية تنافس اليوم الصحافة اليومية».


نجاح مشروع «ميتا» لـ«الذكاء الاصطناعي الشخصي» مرهون بثقة المستخدمين

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

نجاح مشروع «ميتا» لـ«الذكاء الاصطناعي الشخصي» مرهون بثقة المستخدمين

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

قدَّم الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ رؤيته المفصّلة لمستقبل ما يسميه «الذكاء الفائق الشخصي» والفوائد التي يتوقع أن يجلبها للبشرية. واتضح من البيان الذي نشره في العاشر من أغسطس (آب) الحالي أن «رؤيته لن تتحقّق إلا بتفويض كامل من المستخدمين حول بياناتهم الشخصية». غير أن خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» حذّروا من أن «مشروع الذكاء الشخصي» قد يصطدم بأزمة ثقة المستخدمين.

زوكربيرغ قال في بيانه إن كل شخص سيمتلك في المستقبل «وكيلاً شخصياً» فائق القدرة يفهمه ويفهم أهدافه، ويعمل على مدار الساعة لتحسين علاقاته وصحته ومسيرته المهنية وأموره المالية وإدارة منزله وهواياته، بما يوفّر له وقتاً أكبر للاستمتاع بحياته. غير أن هذا الطرح يثير مخاوف عدة أبرزها أن «ميتا» تريد من المستخدمين تفعيل تتبّع بيانات يتاح عبرها فهم معلومات شخصية بالغة الخصوصية، وهو أمر يصعب الترويج له بالنظر إلى سجل الشركة في استخدام هذه البيانات لأغراض إشكالية أو السماح لجهات أخرى بذلك.

وفق مراقبين، واجهت «ميتا» عام 2016 اتهامات بـ«تسريب» بيانات ملايين من مستخدمي «فيسبوك» لصالح شركة كمبريدج أناليتيكا من دون علمهم، وجرى استخدامها لأغراض دعائية سياسية. ولقد أدت تداعيات هذه القضية إلى تراجع حاد في ثقة الجمهور بالشركة لدرجة أن «فيسبوك» احتل المرتبة الأخيرة في «مؤشر الثقة الرقمية» لعام 2019 الصادر عن موقع «بيزنس إنسايدر».

السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، يرى أن البيانات التي تمتلكها «ميتا» حالياً مثل التفاعلات، والإعجابات، وسجل التصفّح، والعلاقات الاجتماعية، والاهتمامات هائلة ومثالية جداً لأغراض «الإعلانات الموجّهة» و«التوصيات».

لكنه يستدرك فيقول: «رغم ذلك، هذه البيانات غير كافية لطموح بناء مساعد شخصي يدير تفاصيل حياة المستخدم، فلكي يتمكن الذكاء الاصطناعي من إدارة حياتك والقيام بدور السكرتير الشخصي أو المساعد الذكي، سيحتاج زوكربيرغ إلى استهداف طبقات أعمق بكثير من البيانات الحساسة واللحظية، مثل نبرة الصوت، وتعابير الوجه، وحركة العين، بل وحتى ما تنظر إليه في العالم الحقيقي وتفاعلك الجسدي مع البيئة المحيطة، وكذلك معرفة مواعيد نومك، ونشاطك البدني، ونظامك الغذائي، وحتى تقلباتك المزاجية من خلال ربط المساعد بالتقنيات الصحية والساعات الذكية».

سعد اعتبر أيضاً أن «مشروع زوكربيرغ» سيصطدم بأزمة ثقة المستخدمين. وأوضح: «من الناحية الأخلاقية والمؤسسية، ثقة المستخدمين في (ميتا) اهتزّت بشدة بسبب تاريخها الحافل بفضائح تسريب البيانات والتلاعب النفسي... ولكن من الناحية العملية نحن أمام مفارقة، فـ(ميتا) لا تعتمد (اليوم) على الثقة بقدر ما تعتمد على الاعتمادية والإدمان». وأضاف أن «المستخدمين يدركون اليوم أن خصوصيتهم مهدّدة، لكنهم يبقون بسبب تأثير الشبكة، حيث توجد عائلاتهم، وأصدقاؤهم، ومجتمعاتهم، مما يجعل ترك المنصّات أمراً صعباً جداً رغم انعدام الثقة».

للتغلب على حاجز انعدام الثقة وجمع البيانات الأعمق، يتوقع سعد أن تتبع «ميتا» عدة استراتيجيات، شارحاً «عبر استراتيجية (فخ المنفعة) إذا قدّم المساعد الشخصي قيمة هائلة فإن المستخدمين سيتنازلون طواعية عن بياناتهم (المعلومات الخاصة عنهم) الحساسة مقابل هذه الراحة - وأيضاً هناك استراتيجية (حصان طروادة) الآتية من خلال التوسّع في الأجهزة المادية والتحول من شركة برمجيات إلى شركة أجهزة تلامس جسد المستخدم وبيئته - على التجارة الإلكترونية المُدمجة، عبر إتمام عمليات الشراء والبيع بالكامل داخل التطبيقات، مما يمنحها معلومات دقيقة عن سلوك الشراء الفعلي، فضلاً عن الاستفادة من استنزاف البيانات النفسية عبر الذكاء الاصطناعي». بالعودة إلى بيان زوكربيرغ، فإن حجته الأساسية هي أن «الذكاء الفائق» سيكون أحد أهمّ التطورات التكنولوجية في التاريخ، ولذا يجب أن يكون متاحاً للجميع، وألَّا تحتكره الشركات أو الجهات الحكومية.

ويرى زوكربيرغ أيضاً أن «الذكاء الاصطناعي ليس نتاج الأتمتة أو إبدال العمالة البشرية بالآلات، بل يأتي عبر توسيع الفرص من خلال أنظمة تساعد على اكتشاف معارف جديدة». غير أن هذا الطرح يتناقض مع خطوات «ميتا» نفسها بعدما خفضت 20 في المائة من موظفيها في وقت سابق.

معتز نادي، الصحافي المصري والمدرّب المتخصص في الإعلام الرقمي، يؤكد من جهته، أن «رهان (ميتا) على مساعد ذكاء اصطناعي شخصي يواجه معضلة تتجاوز جودة التقنية نفسها». ويشرح أن «المساعد الذي يعرف مواعيد المستخدم، ورسائله، وعلاقاته، وموقعه، واهتماماته، وربما حالته الصحية والمالية، يحتاج إلى مستوى استثنائي من الثقة.

لأن الخطأ هنا لا يتعلق بإعلان غير مناسب، إنما بكشف تفاصيل شديدة الحساسية أو توظيفها تجارياً».

وحول خطة «ميتا» لاستعادة ثقة المستخدمين يضيف نادي: «لن يقتنع الجمهور ببيان تسويقي مهما كان مفصلاً، لأن المطلوب ضمانات قابلة للفهم والاختبار والإجابة على أسئلة عديدة منها ما هي البيانات التي يجمعها المساعد؟ وأين تحفظ؟ ومَن يتاح له الوصول إليها؟ وهل تستخدم في الإعلانات أو تدريب النماذج؟ وكيف يمكن حذفها نهائياً؟».

ومن ثم يرى أن «نجاح المشروع سيقاس بقدرة (ميتا) على منح المستخدم سيطرة حقيقية، لا بخطاب يطلب منه الثقة... ذلك أن التقنية قد تكون مُبهرة، لكن المستخدمين لن يسلِّموا مفاتيح حياتهم الرقمية لشركة يرون أنها تعرف عنهم أكثر مما ينبغي، ما لم تثبت أن الخصوصية جزء أصيل من المنتج وليست بنداً قانونياً طويلاً لا يقرأه أحد».


ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
TT

ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf

نظمّت صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية، الصادرة في مدينة تورينو، ندوة حول دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في النزاعات السياسية والاجتماعية، شارك فيها عدد كبير من المتخصّصين في علم الاجتماع السياسي وممثّلون عن المنصات الرقمية الضخمة، وعن المؤسسات الأوروبية المعنية بشؤون الصحافة وتنظيم نشاط شبكات التواصل في بلدان «الاتحاد الأوروبي». وجاء في الدعوة إلى عقد هذه الندوة: «إن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام بات حاسماً وبالغ الأهمية في تكوين الإدراك العام وتطوّر النزاعات الاجتماعية والسياسية، وأصبح من العوامل الأساسية التي تحرك هذه النزاعات وتتطور على وقعها، وتحدّد في كثير من الأحيان مآلها وإفرازاتها».

من وسيلة نقل إلى فاعل أساسي

الكاتب والصحافي الإيطالي ماسيمو جيانيني، المدير السابق لـ«لا ستامبا» والمعلّق السياسي في «لا ريبوبليكا»، قال إن «وسائل الإعلام اليوم لم تعد مجرد وسيلة تقليدية أو رقمية، سمعية أو بصرية، لنقل الأخبار حول النزاعات الدائرة في العالم والمواجهات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في هذه النزاعات والمواجهات، عبرها يتم التركيز والإضاءة على جوانب معينة منها، وتوجيه الرأي العام نحو تلك التي تقرّر، وفقاً لمصالح الجهات التي تقف وراءها وتموّلها، أنها هي التي تستحق الاهتمام وتستدعي التعبئة، أو العكس».

أما الفنلندية هينا فيركونين ، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» والمكلفة حقيبة السيادة التكنولوجية والأمن السيبراني والديمقراطية - التي تشرف أيضاً على نشاط التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي -، فترى أن «مقاربة وسائل الإعلام للنزاعات، ومنها طريقة تناولها وعرضها للجهات المعنية بهذه النزاعات، من شأنها أن تولّد تعاطفاً مع هذه الجهات أو رفضاً لها ونفوراً منها، بغضّ النظر عن دورتها ومسؤوليتها في النزاعات».

وتنبّه فيركونين إلى أن «السردية الإعلامية السائدة يمكن أن تُضفي شرعية على بعض المواقف، أو تنزعها عن أخرى؛ ما يؤدي في واقع الحال إلى التأثير في مجرى النزاع». ومن ثم، فهي ترى «أن وسائل الإعلام التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة ما زالت تلعب دوراً محورياً... لكن المنصّات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي أحدثت بالفعل تغييراً جذرياً في ديناميكية النزاعات، من خلال النقل المباشر للوقائع والأحداث، واتساع دائرة الانتشار، والمشاركة المباشرة للجمهور؛ ما أدّى إلى تغيير أشكال التفاوض حول النزاعات ونقلها إلى الرأي العام وتحديد مواقفه منها».

انتشار الأخبار المزيّفة

معظم المحاضرين المشاركين في الندوة، توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة جداً للتأثير في الرأي العام. ولفتوا إلى صعوبة التحقّق من صحتها قبل فوات الأوان، بعدما بلغت درجة عالية من الإتقان. وضربوا أمثلة كثيرة على حالات تسببت فيها هذه الأخبار المزيّفة بزيادة التوتّر في النزاعات ومفاقمة الأزمات الاجتماعية.

ووفق المساهمات، تجلّت «القدرة على التلاعب» بالأخبار وسرعة تداولها، بشكل خاص إبّان «الربيع العربي» والاحتجاجات الصاخبة التي عمّت الولايات المتحدة إدانةً لتعرّض السكان السود للعنف المفرط على يد الشرطة.

كذلك، عاد البعض إلى نزاعات بعضها أقدم عهداً من ظهور المنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مثل «حرب فيتنام» و«الصراع في البقان» و«أزمة الانفصاليين في إقليم كاتالونيا (قطالونية) الإسباني»؛ للتدليل على أن التغطية الإعلامية التقليدية لعبت دوراً أساسياً في التأثير على الإدراك الدولي والمحلي لهذه النزاعات.

شبكات التواصل

وحقاً، في السنوات الأخيرة أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أدوات بالغة التأثير في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية على امتداد العالم؛ إذ سهّلت تحشيد الجماهير وتنظيم الاحتجاجات، وأعادت تشكيل الأنماط التي من خلالها يتفاعل المواطنون ويعبّرون عن مطالبهم. ومن مزايا شبكات التواصل قدرتها على إتاحة الفرصة أمام أعداد كبيرة من الناس للإعراب عن آرائها، بعكس وسائل الإعلام التقليدية التي تكون عادة في خدمة الجهات التي تموّلها وتتماهى مع توجهاتها ومصالحها.

أيضاًً، تتيح هذه الشبكات الرقمية تبادل الآراء والمعلومات بشكل مباشر؛ الأمر الذي يساعد في حالات كثيرة على تسليط الضوء على مظالم اجتماعية، ويكشف عن حالات سوء المعاملة، ويحفّز مجموعات متباعدة جغرافياً على التلاقي في الدفاع عن قضايا مشتركة.

وبالفعل، يشهد العالم منذ سنوات حالات احتجاجية تضافرت فيها مجتمعات عدّة بفضل شبكات مثل «تويتر (إكس)» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك»، مكّنت المحتجين من تنسيق تحركاتهم، وسرد الأحداث من زوايا بديلة، عادة ما تغضّ الوسائل الكبرى الطرف عنها أو تختار إسكاتها.

ورغم الانتقادات التي تُوجّه إلى شبكات التواصل لترويجها الأخبار المزيّفة، فإنها سهّلت للأجيال الشابة مشاركة نشطة في الحياة السياسية والاجتماعية، وأعطت الحركات الناشئة منابر عالمية، وأصبحت التحدّيات المحلية تطلّ على العالم عبر الحدود الجغرافية وتستقطب التضامن الدولي والضغط من أجل التغيير.

هينا فيكونين، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» (المفوضية الأوروبية)

دور المؤثّرين

ومن المواضيع الأخرى التي ناقشتها الندوة، دور «المؤثّرين» الذين أصبحوا في هذا العصر الرقمي لاعبين أساسيين في عالم التواصل والثقافة الشعبية، ويمارسون تأثيراً واسع النطاق وعميقاً في أوساط الرأي العام. ولقد أسهمت هذه الظاهرة بشكل كبير في انتشار الحركات الاجتماعية عبر المؤثّرين الذين يتمتعون بشعبية واسعة في أوساط الرأي العام، ويحظون بثقته من خلال صحة المعلومات التي يقدمون والتفاعل الدائم. وثمة حالات كثيرة شهدت انتشاراً سريعاً، وتضامناً واسع النطاق، لمجرد أن أحد المؤثّرين تبناها أو دافع عنها.

يضاف إلى ذلك أن المؤثرين يضفون ديناميكية وابتكاراً على التواصل، كما أن لغتهم المبسطة تسمح لهم بطرح المشاكل الاجتماعية بأسلوب في متناول كثيرين، خاصة الشبّان وأولئك الذين سئموا الخطاب الأكاديمي أو السياسي.

لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة، هو أن ما يحفّز المؤثرين على دعم قضايا معينة أو تبنيها، قد يكون مدفوعاً بمصالح تجارية تستغل هذه القضايا وشعبية المؤثرين الذين يتحوّلون، بالتالي، عملاء أو وسطاء لأصحاب هذه المصالح. يضاف إلى ذلك أن الانتشار الواسع للقضايا من دون وضعها في الإطار العملي المناسب، قد يؤدي إلى مشاركة سلبية تكتفي بتأييد الفكرة على شبكات التواصل من غير التزام فعلي بالقضية.

سياسات وضوابط أوروبية

هنا، عرضت هينا فيركونين السياسات والضوابط التي وضعها «الاتحاد الأوروبي» لمراقبة وتنظيم نشاطات المنصّات الرقمية، حمايةً لحقوق المستخدمين، وتعزيزاً المنافسة وضمان الشفافية. ومن بين هذه السياسات: قانون الخدمات الرقمية الذي اعتمده «المجلس الأوروبي» عام 2022 بعد جولات من المناقشات المكثفة، والذي فتح جبهة مواجهة عريضة مع الولايات المتحدة ما زالت تحتدم من حين إلى آخر على وقع تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية على الصادرات الأوروبية في حال تضييق الخناق على المنصات الرقمية والشركات التكنولوجية الكبرى.

وللعلم، تُلزِم أحكام هذا القانون المنصّات بتحمّل مسؤولية المضامين غير القانون أو المضرّة التي تنشرها في الاتحاد الأوروبي عبر خدماتها. ويلحظ هذا القانون التزام المنصات بالشفافية، وآليات للمقاضاة، وتدابير لمكافحة المعلومات والأخبار المُضلِّلة. وتنطبق أحكام هذا القانون على جميع المنصّات وشبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث.

هذا، وكان «الاتحاد» قد وضع منذ سنوات مجموعة من اللوائح العامة لحماية البيانات ليست موجهة بالتحديد لمراقبة نشاط المنصات، لكنها تلعب دوراً أساسياً في ضبط وتنظيم معالجة البيانات الشخصية، وتفرض التزامات صارمة على الشركات التي تعالجها. وأبرمت «المفوضية الأوروبية» اتفاقات ثنائية طوعية مع عدد من المنصّات لمكافحة الأخبار المزيّفة والتحريض على الحقد، فضلاً عن التنسيق الدائم مع الهيئات الوطنية التي تشرف على تطبيق القوانين المرعية في الاتحاد.

شعار «إ‘نستغرام» (رويترز)

عقوبات اتحادية

ولإظهار مدى جدّية «الاتحاد» في تطبيق هذه السياسات رغم الضغوط الهائلة التي يتعرّض لها من الإدارة الأميركية، وأيضاً من الصين؛ ضرب أحد المسؤولين الأوروبيين أمثلة عن بعض العقوبات التي فرضتها «المفوضية» في السنوات الأخيرة على المنصّات الرقمية بسبب انتهاكها القواعد الناظمة لنشاطها في البلدان الأعضاء، ومنها: فرضها عام 2022 غرامة مالية مقدارها 8 مليارات يورو على «غوغل»، وتكرارها ثلاث مرات؛ بسبب سوء استخدام الوضع المهيمن تحقيقاً لمكاسب غير قانونية عبر الإعلانات ونظام التشغيل «آندرويد».

أيضاً، كانت أجهزة «المفوضية» فتحت تحقيقات واسعة منذ سنتين حول نشاطات منصة «أمازون»، وفرضت عليها عقوبات بسبب ممارسات من شأنها الترويج بشكل غير قانوني لمنتجاتها عبر المنصّة على حساب أطراف ثالثة. ومع أن الاتحاد لم يفرض رسمياً بعد أي غرامة مالية على هذه المنصة، فإنه حذّر من عواقب وخيمة في حال رفضها الامتثال للضوابط وانتهاكها.

ومن جهتها، فرضت الحكومة الآيرلندية أخيراً غرامات على «ميتا» تجاوزت 200 مليون يورو بسبب مخالفات تتعلق بحماية البيانات الشخصية. وكانت هيئات أوروبية عدة ناظمة لأنشطة المنصات الرقمية قد فرضت عقوبات وتدابير قسرية على منصة «تيك توك» لقلة التزامها تدابير حماية القاصرين والتلاعب بالبيانات الشخصية.

معظم المشاركين توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة للتأثير في الرأي العام