«تيك توك» يفجّر تنافساً عالمياً وسط ملاحقات «الحظر»

«تيك توك» يفجّر تنافساً عالمياً وسط ملاحقات «الحظر»
TT

«تيك توك» يفجّر تنافساً عالمياً وسط ملاحقات «الحظر»

«تيك توك» يفجّر تنافساً عالمياً وسط ملاحقات «الحظر»

يبدو أن تطبيق التواصل الاجتماعي «تيك توك» لن يتوقف عن إثارة الجدل؛ فمن جنوب شرقي آسيا إلى الولايات المتحدة مروراً بمنطقة الشرق الأوسط، أدى المحتوى المنشور عبره إلى سجن مستخدمين في بعض الدول، وفجّر التطبيق صراعات اجتماعية وسياسية وصلت إلى تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحظره حال عدم بيع حق استخدامه داخل بلاده إلى شركة أميركية. هذا ما دفع شركة «مايكروسوفت» إلى تقديم عرض لشراء التطبيق في أميركا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، ومن المنتظر أن يتم عقد الاتفاق حال إتمامه، قبل منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل.
التطبيق كان قد أُطلق في الصين خلال سبتمبر 2016 تحت اسم «دو يين» Douyin، في حين أن الشركة الصينية «بايت دانس»، مالكة التطبيق أسّست عام 2012. وفي نهاية عام 2017 اشترت الشركة «تطبيق (ميوزيكال) الأميركي ودمجته مع التطبيق الخاص بها، وأطلقته عالمياً تحت اسم «تيك توك».
ويسمح هذا التطبيق لمستخدميه بإنتاج فيديوهات قصيرة بهدف «تشجيع الإبداع، وتحقيق المتعة»، بحسب موقع «تيك توك»، لكن الرئيس ترمب يقول إنه يمكن عبر التطبيق الحصول على معلومات الهواتف وإتاحتها للصين.
يعتبر «تيك توك» نموذجاً على قدرة القوة الناعمة الصينية، وهو ما أغضب ترمب الذي يدرك أن سيطرة الصين على تطبيق بهذا الحجم، سيُمكنها من التأثير في السياسة الأميركية، بغض النظر عمن يجلس في البيت الأبيض، بحسب ما يقدر الكاتب هايميش مكراي، في مقال نشره موقع «الإندبندنت» البريطاني خلال الشهر الحالي، مشيراً إلى أنه في حال تمكنت «مايكروسوفت» من شراء التطبيق، فإنه سيُمكنها التنافس مع «فيسبوك» و«غوغل».
وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، قال أحمد عصمت، الباحث المصري في تكنولوجيا الإعلام والتحوّل الرقمي، أن «التطبيق يحقق عوائد تجارية أكبر من التطبيقات الأوروبية أو الأميركية، نتيجة سهولة التفاعل معه، وهذه السهولة تحقق معدلات وصول أعلى، ما يزيد انتشاره». وأردف: «هذا هو لُب الصراع، وأساس المنافسة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية».
إلا أن أنس بنضريف، الصحافي المغربي المقيم في هولندا، يعتقد أن «كون التطبيق صينياً، يفجّر مخاوف من تسريب البيانات إلى بكين، وهذا ما يفسر ظهور أصوات في أميركا تطالب بمنعه، وصدور قرار بحظره في الهند، حيث يوجد 119 مليون مستخدم نشط على التطبيق».
ويُذكر أن الهند، التي كانت تعتبر أكبر أسواق «تيك توك» على مستوى العالم، حظرت التطبيق أخيراً، ضمن نحو 59 تطبيقاً آخر، بسبب «مخاوف من سرقة بيانات المستخدمين، ونقلها (خلسة) خارج الهند»، وفقاً للبيانات الهندية الرسمية. وهو ما نفاه «تيك توك»، مؤكداً أنه «لا يشارك بيانات مستخدميه مع أي حكومات أجنبية، بما في ذلك الحكومة الصينية».
وخوفاً على «الأمن القومي» اقترح وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في وقت سابق، أن «تتخذ أميركا إجراءات ضد تيك توك، وتطبيقات أخرى صينية تنقل البيانات إلى جهاز الأمن القومي الخاص بها»، حسب قوله.
الدكتورة نائلة حمدي، أستاذ الإعلام بالجامعة الأميركية بالقاهرة، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قرار حظر التطبيق في الهند قرار سياسي، وتهديد الولايات المتحدة الأميركية بحظر التطبيق هو جزء من الصراع السياسي بين الصين وأميركا، ويظهر هذا بوضوح من التصريحات الرسمية الأميركية، حيث تخشى واشنطن من سيطرة الصين على تطبيق يمتلك عدداً كبيراً من المستخدمين».
من جهته، أفاد عصمت - المقيم حالياً في بريطانيا - إنه «في إطار الصراع السياسي والاقتصادي بين الدول، شكّلت بريطانيا أخيراً لجنة للبحث والتدقيق في مدى أمان التطبيق، وحفاظه على سرية معلومات مستخدميه». وأشار إلى أن «التطبيق حقّق معدلات نمو في بريطانيا أخيراً بنسبة 76 في المائة، أي نحو 8.12 مليون شخص».
وما يستحق الإشارة أيضاً، أنه قد زاد انتشار «تيك توك» فترة «العزل المنزلي» وسط تداعيات جائحة «كوفيد - 19»، لتتجاوز عدد مرات تحميل التطبيق 2 مليار مرة. وبذلك بات أول تطبيق يتخطى حاجز المليارين بعد «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام» و«ماسنجر» منذ عام 2014. وفقاً لموقع «سينسور تاور» الذي يقيس عدد مرات تحميل التطبيقات الإلكترونية على الهواتف المحمولة. وأوضح الموقع أن «التطبيق جرى تحميله 315 مليون مرة في الربع الأول من العام الجاري، وهو رقم لم يحققه أي تطبيق من قبل في المدة نفسها».
الصحافي المغربي، بنضريف لفت في لقائه مع «الشرق الأوسط» كذلك إلى أن «التطبيق يعتبر ثاني أكثر تطبيق حُمّل عام 2019. ويستخدمه خصوصاً، ما يطلق عليهم جيل «زد» (Z). وهو الجيل الذي ملّ من كثرة الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، وخلقت عنده تخمة إخبارية، فهرب إلى «تيك توك» بحثاً عن الترفيه، وبخاصة أن التطبيق سهل الاستخدام، ولا يحتاج انتشار المحتوى عليه على عدد متابعي منتج المحتوى كالتطبيقات الأخرى». واستطرد بنضريف أن «الجمهور فرّ من تلاسُنات منصّات التواصل، وطلب اللجوء الرقمي لـ(تيك توك)».
وبالفعل، حقق التطبيق رواجاً على مستوى العالم ليصل عدد مستخدميه لـ100 مليون مستخدم في أميركا، ويدخل في منافسة قوية مع «فيسبوك»، مما يصعّد الصراع السياسي والتجاري بين الصين والولايات المتحدة، حيث تخشى الأخيرة أن «يُمكن التطبيق الصين من التأثير على العمل السياسي في أميركا، عبر سيطرتها على تطبيق واسع الانتشار بين الشباب»، وفقاً لتقرير نشرته مجلة «الإيكونوميست» الشهر الحالي.
وتتفق د. نائلة حمدي على أن «تيك توك جذب جيل الأعمار الصغيرة الباحثة عن مساحة للترفيه، وازداد انتشاره بعد ظهور (كوفيد - 19) وتداعياته بعد انضمام جيل جديد أكبر سناً إلى قائمة مستخدمي التطبيق، بهدف التنفيس والترفيه».
ومن تونس، ترى الدكتورة نهى بلعيد، أستاذ الإعلام والاتصال الرقمي بتونس، أن «الطابع الرسمي الذي تفرضه بقية التطبيقات، واعتماد تيك توك على ترويج محتوى كوميدي، جذب المزيد من المستخدمين، الباحثين عن وسيلة للترفيه، خلال أزمة (كوفيد - 19)». وأضافت في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «التطبيق لقى رواجاً واسعاً إبّان فترة العزل المنزلي في تونس لدى الكبار، وانضم بعض الفنانين إلى مستخدميه من المراهقين، الذين كانوا يسيطرون على التطبيق قبل ظهور الجائحة».
لكن الدكتور أيمن ندا، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، برر الإقبال على هذه التطبيقات بـ«السعي وراء الشهرة، وتحقيق الثراء السريع»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سهولة التعامل مع (تيك توك)، أدى إلى انتشاره عالمياً، وساعد على ذلك، دخولنا عصر التتفيه الإعلامي وليس الترفيه».
أما في مصر، فقد احتل «تيك توك» المرتبة العاشرة بين التطبيقات الأكثر شعبية خلال 2019 وفقاً لتقرير «وي آر سوشال» We are Social الصادر في يناير (كانون الثاني) الماضي. إذ يستخدمه نحو 24 في المائة من مستخدمي الإنترنت في مصر، البالغ عددهم 54.74 مليون شخص، بينما يحتل التطبيق المرتبة السابعة على مستوى العالم بعدد مستخدمين يصل إلى 800 مليون شخص، وفقاً للتقرير نفسه.
من جهة ثانية، يعتقد مراقبون أن «الرقم الفعلي لعدد مستخدمي تيك توك الآن يتجاوز المليار شخص، معظمهم في الصين بنسبة 57 في المائة». وآخر إحصاء رسمي أعلنه الموقع عن عدد مستخدميه كان في يوليو (تموز) عام 2018، وبلغ 500 مليون مستخدم.
عودة إلى مصر، حقق التطبيق بعض النجاحات في مصر، كان أبرزها، على حد قول عصمت، «حملة الترويج لمصر بـ«هاشتاغ» No place like Egypt الذي حصد 1.7 مليار مشاهدة، ونشر فيه نحو 2000 فيديو». لكن وفق مراقبين «تحوّل هذا النجاح إلى حملة انتقادات واسعة أخيراً، في أعقاب توقيف ناشطات مصريات، لنشرهن محتوى وصف بأنه يشجع الفتيات على انتهاك تقاليد المجتمع - حسب هؤلاء المراقبين».
هذا، واعترض أيمن ندا على «ما وصفه بـ(التضييق) تجاه مستخدمي التطبيق في مصر»، قائلاً إن «التضييق الأمني ليس الحل. والتعامل مع مثل هذه التطبيقات، يتطلب العمل على تعليم وتثقيف المجتمع والشباب». والواقع أنه في التاسع من يوليو (تموز) الماضي، دافع التطبيق عن المحتوى الذي ينشره، وأصدر «تيك توك» تقريراً حول الشفافية يُقيم النصف الثاني من عام 2019. وقال إنه «تم حذف 49.247.689 فيديو، لمخالفته شروط النشر، وهي أقل من نسبة 1 في المائة من الفيديوهات المنشورة على الموقع خلال الشهور الستة الأخيرة من 2019». ووفق التقرير فإن «98.2 في المائة من الفيديوهات حُذفت قبل الإبلاغ عنها».
وبحسب التقرير، جاءت الهند على رأس القائمة من حيث عدد الفيديوهات المحذوفة، حيث حذف «تيك توك» نحو 16.5 مليون مقطع فيديو، تليها الولايات المتحدة بعدد 4.6 مليون مقطع فيديو، ثم باكستان بعدد 3.7 مليون مقطع فيديو، وبريطانيا بعدد 2 مليون فيديو، ثم روسيا بعدد 1.2 مليون مقطع فيديو.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».