ليبيا: «جيوش المرتزقة» تُربك المفاوضات الدولية لحل سياسي

وسط ملامح تغيّر في أولويات أطراف كبار

ليبيا: «جيوش المرتزقة» تُربك المفاوضات الدولية لحل سياسي
TT

ليبيا: «جيوش المرتزقة» تُربك المفاوضات الدولية لحل سياسي

ليبيا: «جيوش المرتزقة» تُربك المفاوضات الدولية لحل سياسي

«كل الطرق تؤدي إلى روما»، عبارة قد تنطبق أيضاً على مدينة سرت الاستراتيجية على ساحل ليبيا بالنظر إلى موقعها الجغرافي المتميز. فإلى سرت تؤدي تقريباً المسارات المتعددة للمفاوضات الدولية والإقليمية السرّية الجارية، على أمل التوصل إلى اتفاق لحل سياسي يمنع اندلاع حرب بين طرفي النزاع في البلاد حول استعادة السيطرة على سرت.
وبينما لا تتوقف قوات «حكومة الوفاق» التي يترأسها فائز السراج في العاصمة طرابلس، عن تأكيد جاهزيتها لانتزاع المدينة من قبضة قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، فإن التصعيد العسكري والتلاسن الإعلامي شبه اليومي بين الطرفين لا يعكس أبداً وتيرة المفاوضات غير المعلنة التي اقتربت على ما يبدو من إمكانية إبرام اتفاق ما.

يتوقع عدد من الخبراء أن تصبح ليبيا الدولة التي تشهد أكبر عدد من «الحروب بالوكالة» خلال الفترة المقبلة، وبخاصة، من خلال العديد من المرتزقة من مختلف الجنسيات والعرقيات، الذين يُزج بهم هناك، ما سيكون له تأثير في إرباك المفاوضات الدولية للبحث عن حل سياسي.
الولايات المتحدة، التي دخلت أخيراً بقوة على خط الأزمة الليبية، تطرح حلاً مبتكراً لا يقضي فقط بتحييد سرت عن الصراع، بل بتحويلها أيضاً من بؤرة توتر إلى حاضنة لسلطة جديدة ما زالت في «علم الغيب».
ولقد لخص الموقف دبلوماسي غربي كان في ليبيا وتقاعد أخيراً إذ قال: «الدولة الليبية باتت منهكة تماماً. والمخطط الذي مضى بعد سقوط النظام السابق لم يعد مقبولاً بعد مرور 9 سنوات من الانتفاضة الشعبية ضد العقيد الراحل معمر القذافى عام 2011».
وأضاف الدبلوماسي - مشترطاً إغفال اسمه - «الحل الأميركي المعلن هو تصفير المشاكل، بمعنى خروج طرفي الأزمة من المشهد برمّته. والكلام هنا لا يخصّ المشير حفتر فقط وإنما أيضاً السراج. الراعي الأميركي يقول باختصار اللعبة انتهت، وحان وقت الرحيل».
من جهة أخرى، يعتقد مقربون من حفتر أن في هذا الطرح «غبناً واضحاً» لتاريخ الرجل «الذي انتشل المؤسسة العسكرية الليبية من الركام، ومن تحت أنقاض المواجهة التي جرت مع الآلة العسكرية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 2011»، ويجادلون بأنه معّين من قبل مجلس النواب الوحيد، صاحب الشرعية الحقيقية في البلاد.

مشكلة المشير حفتر
ولكن رغم دور حفتر في مكافحة الإرهاب ومواجهة «الميليشيات المتطرفة» والعصابات المسلحة الإجرامية في شرق وجنوب ليبيا، تبقى فكرة «حمله للجنسية الأميركية وبقائه في الأراضي الأميركية لمدة ربع قرن في غير صالحه هذه الأيام». وهنا يقول أحد مساعديه «مشكلته (حفتر) الواضحة أنه عنيد وصعب المراس، وليس بالشخص الذي يقبل أسلوب عقد الصفقات مع الأعداء أو الطرف الآخر في أي مواجهة». ويتابع «في كل المؤتمرات الدولية والإقليمية التي عقدت على مدى السنوات الثلاث الماضية، كان بإمكانه إبرام صفقة، لكنه فضّل المواجهة إلى نهاية المطاف».
نهاية المطاف تلك، تبدو في معركة خاسرة بحجم السيطرة على العاصمة طرابلس، يعترف قائد ميداني بـ«الجيش الوطني» بأن «النصر لم يكن مواتياً لاعتبارات كثيرة».
وأضاف القائد الذي طالب حجب هويته «كانت هناك مشاكل بالجملة لا داعي للخوض فيها الآن وليست في الصالح العام. لكن وكنموذج فقد اتجهت قوات الجيش إلى العاصمة وهي معصوبة العينين، لا ترى». ثم شرح قائلاً: «كنا نتصور أن لدينا معلومات من الداخل وأن لدينا أنصاراً هناك. لكن الواقع برهن على أن ذلك كله كان مبالغة وضربا من الخيال. الأمور لم تكن تسير كما نرجو». وأضاف «في غياب المعلومات لا يمكنك أبداً أن تحقق انتصاراً. لم يكن لدينا جهاز استخبارات قوي، ولم ننجح في استمالة سكان المدينة سواء قبل التحرك أو بعده. بالطبع لدى الجيش من يؤيده فعلاً لكن عددهم محدود وتأثيرهم ضعيف».
هنا - تحديداً - تبدو فكرة الخلايا النائمة لـ«الجيش الوطني» داخل العاصمة طرابلس محض خيال ومبالغة فجة. ويتفق دبلوماسيون غربيون كانوا في طرابلس مع هذا الطرح. يقول أحدهم: «لا يوجد تفسير معلن لما حدث ولم يتطرق إليه أحد من قبل. ربما كانت لحظة إقليمية ودولية مواتية لم يستطع (الجيش الوطني) اغتنامها لصالحه. الآن تبدّلت الأحوال ولم تعد تلك اللحظة قائمة، والدليل أن ريتشارد نورلاند، السفير الأميركي لدى ليبيا، يجوب العواصم الإقليمية مروّجاً لحل سياسي يحمل بصمات تركيا وحكومة السراج». وفي البنود المعلنة من صفقة توشك على الاكتمال، «سيتخلى حفتر عن سرت، وإلا اندلعت الحرب»!

عقيلة صالح... صاعد
في هذه الأثناء، يقول مقرّب من المستشار عقيلة صالح، رئيس البرلمان الليبي، الذي يلمع نجمه على حساب حفتر، «صالح هو رجل المرحلة، هناك تفاهم دولي وإقليمي عليه الآن... بعد انسحاب الجيش من طرابلس ووقف المعارك في هدنة غير معلنة، طرح الأميركيون الفكرة ببساطة: رحيل طرفي الأزمة وتقديم تنازلات متبادلة». وتابع «لا أعرف إلى أي مدى سيجري تطوير تلك الفكرة بحيث تكون قابلة للتنفيذ الفعلي، لكن بشكل عام، دور حفتر يتراجع نسبياً ونفوذه يتقلّص».
ومن ثم، لخصّ المقرّب من صالح الأزمة بالقول إنه ثمة حديث متواتر عن خلافات متصاعدة بين القائدين الأعلى والعام لـ«الجيش الوطني» وتراكمات تسببت فيها تصرفات بعض مساعديهما.

مجموعة «فاغنر» الروسية
على صعيد آخر، جانب من الأزمة غير المعلنة يتمثّل بوجود عناصر من مجموعة «فاغنر» الروسية لدعم قوات «الجيش الوطني». صحيح أن هذا الوجود معترف به فقط من قبل حفتر باعتبار هؤلاء مجرّد فنيين لتقديم المساعدة على صيانة وإصلاح القطع الحربية الروسية التي يمتلكها «الجيش الوطني» وتشكّل العمود الفقري لقواته البالغ تعدادها نحو 65 ألف مقاتل نظامي. غير أن الضغوط الأميركية المتصاعدة ضد هذا الوجود أسفرت عن تراجع روسي محدود ومشروط.
وفي هذا السياق، صرّحت مصادر على صلة بما جرى، لـ«الشرق الأوسط» بأنه في أحد الاجتماعات حضر مدير «فاغنر» شخصياً، وتم التفاهم على انسحاب عناصر المجموعة من سرت والهلال النفطي، لتفادي حدوث مواجهة عسكرية بين تركيا وروسيا، إذا ما دخل الأتراك وقوات «الوفاق» بالقوة إلى هذه المواقع الحيوية. لكن ما حدث هو أيضاً تعاظم التفاهم التركي - الأميركي في الملف الليبي، فالمعلومات التي تشير إليها أوساط ليبية وغربية، تقول بوضوح إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عرض على نظيره الأميركي دونالد ترمب صفقة مغرية، تتراوح بين 200 و300 مليار دولار هي عبارة عن: استثمارات في ليبيا، وإعادة إعمار البنية التحتية في طرابلس وغرب ليبيا بجميع التقنيات الحديثة ومنها حتى المطارات والطرق والفنادق، والبند الآخر تجهيز الجيش الليبي الجديد بالمعدّات التركية في المدة نفسها.
وحول «التفاهمات» التي تجرى منذ بضعة أسابيع بعيداً عن أعين وسائل الإعلام في عدة عواصم دولية وإقليمية، علّق مصدر ليبي مطلع على ما يدور في الكواليس «قرع الطبول حول سرت، هو تكتيك للمفاوضات، وليس إعلاناً بشن حرب وشيكة». وتابع المصدر، الذي طلب أيضاً إغفال اسمه أن «الهاجس الأكبر في المفاوضات هو النفط، ثم النفط، ثم النفط. إلى ما لا نهاية يمكنك أن تكرّر هذا التعبير مطمئناً، فالجميع يريده الآن وعلى الفور».

النفط... ثم النفط... ثم النفط
ما قاله المصدر تعكسه، حقاً، البيانات الأميركية والغربية وتصريحات «حكومة الوفاق» ومؤسسة النفط الموالية لها. إذ ثمة رغبة أميركية ملّحة باتت معلنة في الفترة الأخيرة، بأن يعيد حفتر تسليم موانئ وحقول النفط الخاضعة لسيطرته إلى «الوفاق» عبر مؤسسة النفط، التي يتهمها حفتر بأنها تحولت إلى بيت مال لتمويل «الإرهاب التركي» ونشاطات الميليشيات و«المرتزقة» على حساب جموع الشعب الليبي. ويعتقد الأميركيون جازمين أن حفتر، يمتلك أيضا مفتاح النفط.
حفتر لا ينفي الأمر، لكنه يُدرجه في إطار الاستجابة لحراك شعبي وطلب من القبائل الليبية الموالية لـ«الجيش الوطني» في عموم البلاد، بحماية قُوت الشعب الليبي ومصدر دخله من أن يتسرّب إلى أنقرة أو عملائها من المرتزقة والميليشيات. ويضع حفتر شروطاً، بعضها مقبول ويجرى تنفيذه، وبعضها الآخر مرفوض، وهنا تكمن المشكلة، حيث التفاصيل التي يقبع فيها الشيطان.
من وجهة نظره، يرى محمد البرغثي، وزير الدفاع الليبي الأسبق، أن إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التزامها الحياد «لن يغيّر في الأمر شيئا... يجب إجبار تركيا على الخروج من ليبيا ومرتزقتها الذين جلبتهم دون قيد أو شرط». ثم قال: «لم أقرأ موقف أميركا الجدي من غزو تركيا للعاصمة وجلبها للمرتزقة وهجومها على وحدات الجيش حول طرابلس وترهونة، وموقف مصر لم يأت من فراغ عندما صرح رئيسها أن سرت والجفرة خط أحمر، عندما اتضحت أطماع الأتراك في احتلال منطقة الهلال النفطي». وأضاف «يقوم الجيش الآن بالتحشيد لصد هذا الهجوم المحتمل، واثقا من أن موقف مصر لن يتغير رغم الضغوط الأميركية».
يعتقد البرغثي أن الحل العسكري هو الطريق لمنع تركيا من تحقيق أطماعها، متفقاً مع مقولة إنه «ما لم يذق إردوغان طعم الهزيمة، فإنه لن يتوقف... وما أوقف تقدمهم (الأتراك) هو موقف مصر لا غير».
إلا أن السؤال الأهم هو هل تستطيع قوات «الجيش الوطني» الصمود في مواجهة تركيا؟ يرى البرغثي أن ذلك ممكن «إذا وقفت معه مصر فهو يدافع عن وجوده، ثم إن تاريخ تركيا أسود من الاستعمار الإيطالي». قبل أن يقول: «ورأيي كعسكري أن مصر قادرة على الدفاع عن ليبيا من الهجوم التركي لوجودها على حدود ليبيا الشرقية وتفوق السلاح البحري المصري على التركي، وقرب استخدام اليد الطولى وهو السلاح الجوي المصري».

حسابات عسكرية
رغم التقديرات المرتفعة لإجمالي عدد المرتزقة الذين جلبتهم تركيا للقتال في ليبيا، يقلل حفتر من خطورتهم، مركّزاً في المقابل على «العدو التركي». وخلال الأسبوع الماضي خاطب حفتر عناصر «السرية العاشرة» التابعة لـ«كتيبة طارق بن زياد» المقاتلة، قائلا: «أجدادنا ذاقوا المرارة من الاستعمار التركي... وأشبعوا أهلنا قتلاً وسلباً، وهذا (المعتوه) - في إشارة إلى الرئيس التركي - جاء للمرة الثانية يبحث عن موروث أجداده، لا نقبل مرة أخرى أن يأتينا تركي متخلف بغيض». وتابع «نحن لا نحب أن نرى تركياً يمشي على قدميه (على الأراضي الليبية). لا رحمة في مواجهتهم، لأنهم لا يستحقون الرحمة، أذاقوا أهلنا كل العذاب الأسود». فقد زاد الحديث عن تصاعد أعداد وجود المرتزقة في ليبيا حتى تحولت الدولة الليبية إلى أكبر ميدان للمعارك العسكرية على مستوى العالم.
وتوقع عبد الواحد أن تصبح ليبيا أكبر دولة بها حروب بالوكالة في الفترة المقبلة خاصة من خلال العديد من قوات المرتزقة، من مختلف الجنسيات والعرقيات، سواء تلك التي جاءت من قبل طرفي الصراع في ليبيا أو قوات دولية وإقليمية متورطة بشكل مباشر في الأزمة الليبية. ويستند عبد الواحد إلى ما يقوله تقرير الأمم المتحدة بشأن وجود حوالي ألف من «المرتزقة الروس» يدعمون حفتر ونحو ألفين من الجنجويد وألفين من «مرتزقة» آخرين جنّدوا أخيراً من الجانب السوري، مقابل تجنيد تركيا لآلاف «المرتزقة من سوريا».
وللعلم، في ليبيا، فكرة المرتزقة ليست حديثة. والنظام الليبي السابق أيام القذافي استعان بهم لوأد الحراك ضده وهو ما خلف بحسب اللواء عبد الواحد - أزمة أمنية طاحنة في ليبيا بل أيضا بالنسبة لكل الأسلحة التي تم تسريبها وبيعها إلى «جماعات إسلامية».
ويرسم عبد الواحد صورة مخيفة لتأثير وجود المرتزقة لاحقاً على الوضع الليبي، بالنظر إلى أن «تركيا تقدم وعوداً سخية، وتقوم بتسهيل نقلهم بحراً إلى أوروبا بعد انتهاء الحرب وهذه جريمة». ويتوقع أيضاً «زيادة الطلب على (المرتزقة) في الفترة المقبلة في ظل رغبة كل طرف في كسب المعركة لصالحه ودعم وجود أي إدانة دولية، رغم أن هناك اتفاقيات دولية كثيرة لتجريم ذلك».
ويتوافق كلام عبد الواحد، مع تحذير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أخيراً، من أن هناك «مستويات لم يسبق لها مثيل» من التدخلات الأجنبية والمرتزقة في ليبيا.
وحقاً، في شهر يونيو الماضي دعا خبراء أمميون إلى التحقيق في الانتهاكات المتعلقة بأنشطة المرتزقة في ليبيا، وحذروا من أن الاعتماد على الجهات الفاعلة الأجنبية ساهم في تصعيد النزاع الليبي، وقوض احتمالات التوصل إلى حل سلمي، وألقى بتداعيات مأساوية على السكان المحليين.
كذلك أشار الخبراء إلى أن طرفي النزاع اعتمدا على رعايا دول ثالثة لدعم العمليات العسكرية، بما في ذلك الجماعات العسكرية الروسية، و«المرتزقة» من سوريا والسودان وتشاد.

من سوريا وتركيا إلى ليبيا والعكس... «مقاتلون بالوكالة»

> تُعرف الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، المرتزق بأنه «أي شخص يجند خصيصاً، محلياً أو في الخارج، للقتال في نزاع مسلح، ويكون دافعه الأساسي للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلاً من قبَل طرف في النزاع أو باسم هذا الطرف وعد بمكافأة مادية تزيد كَثيراً على ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم».
وفى ليبيا، جرى أول اعتراف رسمي بوجود المرتزقة بحكم قضائي في الرابع من شهر يوليو (تموز) 2012 بعدما قضت محكمة ليبية بسجن 24 مرتزقاً من أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا، كما حكمت بالسجن المؤبد على روسي آخر اعتبرته منسقاً لمجموعة المرتزقة الذين حاربوا في صفوف القذافي. ومنذ توقيفهم إثر سقوط طرابلس نهاية أغسطس (آب) 2011 احتجز المتهمون الـ24 في مقر قيادة «كتيبة الثوار» في العاصمة طرابلس. واعتبرهم التحقيق «مرتزقة» قدموا إلى ليبيا ببادرة منهم ودون دعم دولهم، لكنهم لاحقا دفعوا ببراءتهم وزعموا أنهم قدموا للعمل في قطاع النفط.
لكن للقصة جانب آخر، إذ أعلن موسى إبراهيم، المتحدث باسم القذافي - آنذاك - في سبتمبر (أيلول) عام 2011، أن 17 من «المرتزقة» الأجانب أغلبهم فرنسيون ويوجد اثنان إنجليزيان وقطري واحد وشخص من جنسية دولة آسيوية اعتقلوا في مدينة بني وليد. ولاحقا أعلن عن اعتقال الآلاف من الموالين للقذافي منهم المئات من المرتزقة. لكن ثمة من الموالين للنظام السابق يعتبرون هذه البيانات «غير حقيقية»، وكانت تستهدف تشويه القذافي.
من ناحية أخرى، يذكر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن إجمالي المرتزقة في صفوف قوات «حكومة الوفاق» بلغ حاليا نحو 17300 من الجنسية السورية بينهم 350 طفلاً دون سن الـ18. وبينما عاد نحو 6 آلاف من مرتزقة الفصائل الموالية لتركيا إلى سوريا، بعد انتهاء عقودهم، بلغ تعداد «المتشددين» الذين وصلوا إلى ليبيا، 10 آلاف، من بينهم 2500 من حملة الجنسية التونسية.
أما القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، فقد عدت مرتزقة «فاغنر» الروس، الذين قالت إنهم يقاتلون مع قوات «الجيش الوطني» بنحو ألفي مقاتل، لكن المتحدث باسمه اللواء أحمد المسماري، ينفي أن تكون هناك عناصر خارجية تقاتل في صفوف الجيش.
ورغم نفي الحكومة الصومالية وجود مقاتلين لها في ليبيا، فإن تقارير تتحدث عن الدفع بالمئات من عناصرها للقتال في صفوف قوات «حكومة الوفاق»، في ظل تحدث تقارير مغايرة عن وجود أعداد من عناصر الجنجويد والتشاديين في صفوف قوات «الجيش الوطني».


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.