عبده جبير: محفوظ.. أنصفته {نوبل} ولم ينصفه النقاد

يستعيد صداقته وحكاياته مع صاحب {أولاد حارتنا} في ذكرى ميلاده الـ103

التمشي كان من طقوس نجيب محفوظ و في الاطار عبده جبير
التمشي كان من طقوس نجيب محفوظ و في الاطار عبده جبير
TT

عبده جبير: محفوظ.. أنصفته {نوبل} ولم ينصفه النقاد

التمشي كان من طقوس نجيب محفوظ و في الاطار عبده جبير
التمشي كان من طقوس نجيب محفوظ و في الاطار عبده جبير

«بفضل كل الخيال»، كما يعبر، جمع الأديب عبده جبير، ابن جيل السبعينات، أقصوصات من حياته كان بطلها أديب نوبل نجيب محفوظ ونشرها في كتاب صدر أخيرا عن دار «آفاق» للنشر والتوزيع، يجسد فيه محفوظ كما لو كان يعيش فيه، بابتسامته العذبة وروحه النقية، بل كشف لنا عبر 186 صفحة عن «محفوظ» الذي لا نعرفه. «الشرق الأوسط» شاركته استعادة هذه القصص في الذكرى الثالثة بعد المائة لميلاد نجيب محفوظ.
ظهر محفوظ في حياة جبير عام 1966، حينما كان طفلا في المرحلة الثانوية يعيش في مدينة أسوان بصعيد مصر، حينما وقعت عيناه على رواية «ثرثرة فوق النيل» منشورة في كتاب بعد نشرها مسلسلة في «الأهرام»، وكان في طريقة لشراء دواء السكر لوالده، لكنه لم يفكر بشيء سوى في رغبته العارمة في اقتناء الرواية بالنقود التي في حوزته فكان منه أن ابتاعها على الفور كالمسحور، وبعد أن هام بين صفحاتها فوجئ بأنه لم يأت بالدواء لوالده، وبعدها ضل طريقه للمنزل، وغلبه النعاس حتى وجدته دورية بوليس، ولما علم والده قاطعه لمدة عام، وبعدها رفض أن يكمل تعليمه بالقاهرة رافضا انسياقه لعالم الأدب؛ مما دفعه للهرب إلى القاهرة، وبها عاش على العدس والفول والجرجير والماء حتى ساءت صحته وأصيب بالسل، لكنه تجاوز المحنة، بينما ظلت القطيعة بينه وبين والده لأكثر من 15 سنة. تلك هي القصة الأولى في الكتاب الذي يضم 11 قصة تروي فصولا من حياة جبير ومحفوظ. يتذكر جبير: «محفوظ قرأ أغلب القصص وحدثني عنها وفوجئ بقصتي مع (ثرثرة فوق النيل)، وأذكر أنه قال مازحا: لو كنت أعرف أن الرواية ديه كانت حتتسبب في خناقة بينك وبين والدك مكنتش كتبتها»، ويضيف: «كل القصص نشرتها في حياته وكل قصة كان لها ظروفها، ونشرت متفرقة في صحف ومجلات، وأغلب مادة هذا الكتاب كانت موجودة في حوزتي منذ فترة طويلة، لكن كنت أمر بمرحلة غريبة بسبب الأحداث المريرة التي كانت مصر تمر بها من قبل 25 يناير (كانون الثاني) بعدة سنوات، فقد فقدت قدرتي على الكتابة بشكل مستمر ويومي، لكن أثناء تصفحي لأرشيفي وجدت أنها تصلح لكتاب، ومع ثورة 30 يونيو أحسست بأن روحي عادت إليّ، واستطعت الجلوس وإعادة النظر في أعمالي التي كانت تحتاج للمسات الأخيرة، وتشجيعا لنفسي بدأت بالكتب التي لم تكن تحتاج لأكثر من مقدمة، ووجدت أمامي 5 كتب كان أولها هو كتاب (نجيب محفوظ)، ولم يكن ينقصه سوى إعادة صياغة القصة الأولى والمقدمة، ودفعت بالكتاب إلى المطبعة بعد 20 يوما».
لكن جبير لم يرو تفاصيل أول لقاء حقيقي بمحفوظ في كتابه، فعاد بذاكرته مع «الشرق الأوسط»: «تعرفت على الوسط الثقافي في القاهرة عام 1969 حينما التقيت بصديقي شاعر العامية الكبير نجيب شهاب الدين، فهو الذي أخذني إلى مقهى إيزافيتش ثم مقهى ريش وهناك تعرفت إلى أمل دنقل، ويحيى الطاهر عبد الله، وبهاء طاهر، ومحمد البساطي، وغالب هلسا، وتعرفت على محفوظ في ندوة يوم الجمعة من خلال جلوسي في ريش في ذلك العام، ومن هناك بدأت أكتب في جريدة (المساء) التي كانت منبرا للأدباء الشباب، وقدمت عبد الرحمن الأبنودي ودنقل والكثيرين، ونشرت أول قصة لي عن طريق كاتب القصة المعروف فاروق منيب، المشرف على الملحق الأدبي بها، في أغسطس (آب) 1969، وكان عنوانها (الأمواج). وبعدها، حينما ذهبت إلى مقهى ريش يوم الجمعة، فوجئت بالجمع المحيط بمحفوظ يتكلم عن هذه القصة، وكان هناك صديقي الراحل إبراهيم عبد العاطي الذي أشار إليّ وقال هذا هو عبده جبير، وإذا بمحفوظ يعبر عن فرحته بها وتحدث عنها بترحاب شديد، وكان معجبا بأجواء القصة الصعيدية واللغة البسيطة التي كتبتها بها، وأذكر جيدا كم كان دمث الخلق، وكلما قرأ لي أو لأي شاب كان يشيد بما يعجبه وما لا يعجبه كان يؤثر الصمت».
لكن جبير كشف لنا كيف كان محفوظ يبدو في لحظات غضبه. في قصته الثانية عن المقالة التي أغضبته ووصف كاتبها «بقلة الأدب»، كان جبير قد قام بمغامرة إصدار مجلة شهرية لعروض الكتب اسمها «كتب عربية»، وقرر أن يكون موضوع غلافها الأول رواية «حضرة المحترم»، وكتب عنها الكاتب سليمان فياض. لم يكن يعلم جبير حينما حمل العدد الأول من مجلته فرحا وتلقاها محفوظ بابتسامة عريضة وشكره، إلا أنه في الأسبوع التالي فوجئ بمحفوظ يتجاهله هو وسلميان فياض، فلم يلق عليهما التحية المعتادة. يقول جبير: «لم تكن مرارتي تتحمل الموقف، فغادرت مقهى الحرية قبل أن تميد الأرض بي، ومشيت إلى بيتي». في اليوم التالي حينما ذهب فياض بنفسه إلى مقهى ريش، وكان الحوار حول المجلة، وحينما تحدث عنها أمسك محفوظ بها موجها الكلام لفياض «دي بقه قلة أدب». لم يقو فياض على الصدمة، وغادر محفوظ الندوة ومنذ ذلك الوقت «تغير محفوظ تجاهي لدرجة أنه قاطعني أكثر من 3 سنوات لم يوجه لي التحية حين يهل على المقهى وأكون جالسا، بل إنه تمادى لدرجة أنه لم يرد على تحيتي حين تجرأت». بعدها لم يذهب جبير مرة أخرى إلى ريش، وانتشر الأمر بين المنتديات الثقافية في القاهرة، و«بقت فضيحة بجلاجل» نشر جبير نص المقالة كاملا عله يعرف سبب غضب محفوظ الذي لم يعرفه حتى الآن.
عادت المياه لمجاريها وجمعتهما مواقف كثيرة بعدها، كان أهمها اللحظات الأولى لفوز محفوظ بنوبل، فيعود بنا ليوم الخميس 16 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1988، حينما هاتفه مدير تحرير مجلة «سيدتي»، أسامة الغزولي، من لندن يطلب منه ملخصات قصيرة لكل أعمال محفوظ الـ46 خلال 6 ساعات، صدم جبير، فقد ظن أن محفوظ وافته المنية، لكنه فرح بخبر فوزه بنوبل: «أنا حتى الآن لست مستوعبا ما فعلته. لقد أغلقت علي الباب وظللت أكتب في أعمال محفوظ»، لكنه قدم في كتابه وثيقة رائعة بعنوان «الدليل الكامل لأعمال نجيب محفوظ» تضم حصيلة ما كتبه عن صاحب جائزة نوبل، يقول: «كنت وقتها في منزلي وهو يوم عطلتنا في مجلة المصور، لكن رئيس تحريرها آنذاك، مكرم محمد أحمد، طلب مني الذهاب فورا لمنزل محفوظ، ويروي تفاصيل وصول جحافل الصحافيين والمصورين على الشقة الصغيرة، وبدأ كل منهم يأخذ دورا مساعدا، فقام جبير بالرد على الهاتف وتلقى التهاني، وما قاله محفوظ ليحيى حقي: «الحقيقة أنك تستحقها أكثر مني». ووزع جبير المهمات على الصحافيات لمساعدة السيدة عطية الله إبراهيم، زوجته، وقد أعياها التعب: «كنا جميعا نحس بأن هذا بيتنا، وأننا أبناء الرجل الكبير الذي انتزع لنا جائزة نوبل من فم أسد العالم».
وحول طقوس الكتابة الروائية لدى محفوظ، يقول جبير: «كان قليل الإفصاح عن طقوس أعماله، لكن كلنا كنا نعرف أغلبها. كنا نعلم أنه كان يستيقظ مبكرا، ويذهب للتمشي ويشتري الجرائد ويجلس إلى المقهى ثم يسير من العجوزة حتى جريدة (الأهرام) ويلتقي بالناس ثم يعود لبيته للغذاء والنوم ثم يجلس للكتابة، لكن أهم مبادئه هي أنه كان له نظام صارم، كان يقسو على نفسه حتى يستطيع أن يحافظ على وظيفته الحكومية، لأن الأدب لم يكن يكفل له حياة كريمة».
ويكشف جبير أيضا كيف كان محفوظ «يجور» على رواياته من أجل السينما، لأن «السينما فن آخر غير الرواية، لذا فإنني أعطي الحرية الكاملة للسيناريست والمخرج، ليفعلا ما يشاءان بروايتي». ويكشف لنا أيضا كيف كان يستغل عائد عمله ككاتب سيناريو في الإنفاق على الأدب وكيف دفع من دمه وأعصابه، وأنه لم يكن مرتاحا في التعامل مع السينمائيين، لكنه لم يكن يفرض شروطا في التعامل مع المنتجين والمخرجين.
ويروي جبير قصة نقل أعمال نجيب محفوظ إلى اللغات العالمية وكيف بدأت ومن هو البطل المجهول لكثير من القراء الذي كان وراء ذلك؟ إنه جونسون ديفيز أول من ترجم أعمال محفوظ للإنجليزية في الأربعينات في مجلته «أصوات» التي أصدرها في إنجلترا عام 1960. وقد عانى هذا الرجل كثيرا في سعيه لوضع الأدب العربي على الساحة العالمية، وهو الرجل الذي ارتبط بجبير بعلاقة وطيدة لا تزال قائمة حتى الآن، فهو يقطن إلى جواره في قرية تونس بالفيوم؛ حيث يعيشان على أطلال ذكريات رائعة مع محفوظ. وترجم ديفيز لجبير عدة أعمال كما كتب عنه في سيرته الذاتية المنشورة بالإنجليزية.
ولعل الفصل الأكثر إثارة الذي يرويه جبير من حياة محفوظ هو كيف كان عاثر الحظ فيما يتعلق بالأمور المادية، ويروي قصة المرأة الفرنسية التي «لطشت نصيبه من فلوس جائزة نوبل»، وكان ذلك في عام 1987، إذ احتالت على محفوظ باسم جمعية أدبية وهمية في باريس بحجة نشر أعماله بالفرنسية، لكنها لم تقم بنشر أي شيء، وحينما وقع مع الجامعة الأميركية طالبته بتعويض مادي كان يعادل 80 ألف دولار قيمة نصيبه من الجائزة بعد أن فرقه على أسرته. ويروي كيف نصبت على عدد من أدباء مصر، ومنهم إبراهيم أصلان، وهو شخصيا؛ حيث أقنعتهم بالانضمام لعضوية تلك الجمعية ودفعوا الاشتراكات بالدولار.
القيمة الكبيرة التي يمثلها محفوظ لدى جبير دفعته لأن يبدأ في مشروع موسوعة لنجيب محفوظ ليضم فيها كل ما يتعلق بأدبه وحياته وتاريخ القاهرة من خلال أعماله، واضعا نصب عينيه موسوعة «جيمس جويس» التي أعدها الباحث طه محمود طه، وقد تعاون معه المؤرخ عرفه عبده، وكان ذلك بعد فوزه بنوبل. وبالفعل عقد جبير جلسات عمل مع محفوظ في مكتب توفيق الحكيم بـ«الأهرام»، وآنذاك قال محفوظ: «هذا مشروع ضخم المفروض أن تقوم به مؤسسة كبيرة»، حاول جبير أن يبحث عن منحة تساعده على إنجاز الموسوعة التي تحمل الكثير من نفقاتها، إلا أنه لم يحصل عليها ولم تدعمه وزارة الثقافة في ذلك الوقت وتوقف المشروع.
وحول نيته في استكماله الآن، قال: «بالطبع أرغب في خروج الموسوعة إلى النور، لكن لم يعد لدي الطاقة أو الوقت لها نتيجة أنني أعمل على الانتهاء من عدد من النصوص، لكن لا مانع لدي أن أقدم المادة التي لدي لأي فرد أو مؤسسة لكي تكون مرجعا معتمدا، لأن هناك تواريخ ومفاهيم مختلف عليها في حياة محفوظ، أريدها موسوعة علمية متقنة ويراجعها أدباء ونقاد وباحثون، لكي تكون مرجعا عن محفوظ، لأنه إلى الآن العمل الوحيد الذي أراه قدم نقدا حقيقيا لأعمال نجيب محفوظ هو كتاب إبراهيم فتحي (العالم الروائي عند نجيب محفوظ) الذي تناول المرحلة الأولى من أعمال نجيب محفوظ تناولا عميقا جدا، لكن لا يزال محفوظ مظلوما في النقد والدراسة التي يجب أن تحصل عليها أعماله. وعموما، لا يوجد كتاب جيد عن فن الرواية في العالم العربي، النقد لدينا أغلبه كتابة أكاديمية مدرسية ليس لها مذاق، أو مجرد كتابة صحافية».
ورغم عشق جبير لأعمال محفوظ، فإنه انضم إلى مدرسة أدبية مغايرة وهو ما نجده في أعماله، مثل: «فارس على حصان من خشب»، و«تحريك القلب»، و«سبيل الشخص»، و«عطلة رضوان»، و«رجل العواطف يمشي على الحافة»: «تأثرت بكثير من الكتاب، لكن تأثير محفوظ لم يكن في تجاربي الأدبية، هو كلاسيكي ورائد من رواد الأدب العربي، وقدم لنا مكتبة نستند إليها، لكني أميل للتجريب، وأنتمي لمدرسة مختلفة تماما».
روى جبير كيف «عمدت الرواية المصرية بالدم حتى سال دم محفوظ شخصيا»، وذلك عن حكاية رواها له محفوظ حول ردود الفعل التي صاحبت نشر رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل التي أثارت خناقة بين «طلبة الأزهر» والأفندية واستعملت فيها «النبابيت» وسقط فيها عدد لا بأس به من الشباب المحب للأدب، وكيف كان الاعتراض على وصف رجل لعيني وقوام لفتاة.. إلخ. يقول جبير: «لقد كان سعيدا حينما علم أنني كتبت ما رواه لي حول رواية (زينب) لكنه لم يكن يعلم وهو يروي تعميد الرواية العربية بالدماء أن دماءه هو شخصيا سوف تسيل بسبب رواية (أولاد حارتنا) بسبب تقرير كتبه أحد الفقهاء».
لمقاهي وسط القاهرة مكانة خاصة لدى جبير، وكان المكوث فيها بغرض التعلم وثقل موهبته والتعرف على كل ما هو جديد في عالم الثقافة والأدب والفن، لكنها الآن لم تعد كما عهدها، أصبحت مكانا لـ«خرتية الأدب» الذين يستغلون الأدباء الكبار ويحاولون التطفل عليهم، وتحولت كما يراها «جلسات نميمة»، لذا قام بمقاطعتها، فسألته أثناء مكوثك إبان الثورة المصرية في وسط القاهرة؛ حيث أطلال ذكرياتك مع محفوظ، كيف كان سيرى الأوضاع التي آلت إليها مصر مع حكم الإخوان وموجة التشدد والدماء التي سالت «أظنه كان سيكون مذهولا كما أصابني الذهول، وأصاب كثيرا من الأدباء والمواطنين العاديين، لكنه كان سيكتب عنها كما لم يكتب من قبل».
جسد جبير الثورة بالخيال وكتب «بائعة الزهور» التي نشرها في (الأهرام) حول فتاة تبيع الزهور في ميدان التحرير أثناء الثورة وتصعد فوق مجمع التحرير وتستخدم تنورتها في أن تكون مظلة تحملها أعلى ميدان التحرير لكي ترمي بالزهور على كل من هم فيه، لكن يعترض جبير على اسم «أدب الثورة» فهو يرى أن الأديب يتأثر كإنسان بالأحداث السياسية، فيكتب ما عايشه، لكن «أدب الثورة».. لم يتشكل بعد «ما يمكن أن يطلق عليه ذلك الاسم، فهناك محاولات ناجحة وفاشلة، لكن هناك فارقا بين الكتابة الأدبية التي تقوم على الموهبة والمشاركة في الحياة العامة». ويضيف: «لدي عدة نصوص طويلة حول الثورة ونشرت أحدها، لكن لفت نظري ما طرحته الثورة من لغة جديدة بين الناس لغة مبنية على فكرة الحيرة والحوار والحقيقة بعكس لغة التسلط والاتجار والتدليس، وكتبت مقالة في مجلة (الرواية) عن اللغة التي طرحتها الثورة، ولدي نص بعنوان (إعلان بورسعيد كعاصمة للخيال) كتبته بعد حادثة استاد بورسعيد وعن مرارة أهلها وأنها مدينة ملهمة للأدباء، كما كتبت نصا حول فكر المتشددين من وحي الثورة (نحن في مرآة الإخواني المتسلف) سوف تصدر قريبا في كتاب».
وعن رؤيته لحالة الأدب والإبداع في مصر والعالم العربي، يقول: «الحراك الاجتماعي الحاصل من قبل الثورة، وأثنائها وبعدها، دفع الكثير من الناس في مصر والعالم العربي إلى اللجوء لشكل الرواية للتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم وأفكارهم عن النماذج البشرية التي يعيشونها، وهي موجة عامة حدثت أيضا في فترات تاريخية مختلفة. ففي الستينات عدد كبير من البشر يكتبون القصة القصيرة، لدرجة أن غالب هلسا كتب ساخرا: (لو مشيت في أي شارع من شوارع القاهرة، من الممكن أن تسقط على رأسك قصة قصيرة). لمن في النهاية سينسحب عدد كبير، وتتبلور الصورة أكثر وتضم الكتاب الجادين فقط».
ويؤمن جبير بأن «كثيرا من الكتاب سوف يتراجعون إلى الخلف ويأخذون مكانهم الطبيعي، لأنه في المراحل السابقة في الرواية كان هناك ما يمكن تسميته بالكتابة (البيست سيلر). كان إحسان عبد القدوس يطبع أكثر من محفوظ 10 و15 مرة، ولكن محفوظ ظلت له قيمته الأدبية التي لم تبارح مكانها عبر السنين. لست ضد الروايات السهلة التي تسلي الناس، لكن الرواية في النهاية أدب وقيمة أدبية ومجهود ضخم يكاد يحتاج إلى (الرهبنة)، لكن بعد عدة سنوات سوف تصفو الساحة من الأعمال الرديئة وأعمال المتطفلين على الأدب، وتعود إلى الوضع الطبيعي، لأن الفارق كبير بين الأدب الجاد والأدب المسلي، فالبعض يكتب وعينه على الأفلام وعلى المسلسلات، لكنه أمر صحي يؤكد حيوية المجتمعات التي تبرز فيها هذه الظاهرة».



هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود
TT

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات عن حياة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هندريكس وموسيقاه ونهايته المأسوية المفاجئة، في 14 مايو (أيار) في لينكون بارك بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز 83 عاماً.

وقالت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف.

في عام 1962، كان هيندرسون، المولود في حي هارلم، شخصية محورية في تأسيس «جمعية أومبرا»، وهي تجمع أدبي رائد للسود كان مقره في منطقة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المنتسبين لهذه المجموعة، فقد سعى إلى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء.

تذكر هيندرسون تلك الحقبة في مقابلة أُجريت معه عام 2009 مع موقع «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فرنسي، قائلاً: «لقد كنا مستبعدين من الخطاب الثقافي. وهذا الاستبعاد هو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانغستون هيوز، وغويندولين بروكس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين».

وغدت جمعية «أومبرا» حجر أساس لحركة الفنون السوداء الأوسع نطاقاً، التي برزت في منتصف ستينات القرن الماضي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الذي عُرف لاحقاً باسم أميري باراكا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضاً شخصيات من مجالات الفنون البصرية، والمسرح، والرقص، والموسيقى.

وقال إشمائيل ريد، الشاعر والكاتب المسرحي المثير للجدل الشهير في مقابلة معه: «لقد كنا الثوريين. إن الكُتّاب السود لم يعودوا يرون ضرورة لاتباع التقاليد السردية لكُتّاب مثل إرنست هيمينغوي أو هنري جيمس. لقد كسرنا ذلك النمط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع».

وجسدت «التنسيقات التجريبية» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بهما عصر الحقوق المدنية، مستمدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز.

وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1970 «عمدة هارلم»:

سكان أصليون صامتون يصرخون

عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب

آلات ساكسفون تينور طويلة

بوق أسود يصدح

صفحات من السيوف

وُلد هيندرسون في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1942، وهو الابن الأكبر بين ولدين لـ«رايموند هيندرسون»، الذي كان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون».

وفي مرحلة المراهقة، غادر منزله وانتقل إلى وسط المدينة وتحديداً إلى حي إيست فيليج ليتفرغ للشعر. وتذكر هيندرسون ذلك لاحقاً قائلاً: «كان هذا في أوائل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمام أعيننا، لكنني لست متيقناً من أنني لاحظته حينئذ».

وآنذاك، بدأ في الاختلاط بالوسط الإبداعي الأسود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شيب»، وعازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقائد الفرقة السريالية «صن را»، الذي تعاون معه في وقت لاحق.

وفي أوائل سبعينات القرن الماضي، عُيّن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهي الأولى من بين عدة مناصب أكاديمية شغلها على مر السنين. وكانت ترافقه زوجته «باربرا كريستيان»، التي أصبحت لاحقاً أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعاً بارزاً في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة.

وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عام 2000، وذلك بعد انفصال دام 20 عاماً.

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى كاليفورنيا، شرع السيد هيندرسون في رحلة استغرقت 5 سنوات لإنجاز كتاب عن هندريكس، الذي توفي في لندن في 18 سبتمبر عام 1970 عن عمر ناهز 27 عاماً.

لم يكن هيندرسون صحافياً موسيقياً على الإطلاق، ولكنه كتب عن حفل أحياه هندريكس عام 1968 لصالح مجلة الروك «كراودادي». وتذكر هيندرسون ذات مرة في مقابلة مرئية قائلاً: «لقد تعرفت على هندريكس قليلاً في أثناء التسكع بالنوادي في مانهاتن، وأخبرته أنني سأكتب شيئاً عنه».

وقد ساعدت صداقته مع هندريكس في فتح الأبواب أمامه، مما دفع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هندريكس. كما تمكن هيندرسون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية.

نُشر كتاب «جيمي هندريكس: طفل الفودو في العصر الدلوي» عام 1978 (ثم نُقّحَ الكتاب لاحقاً وتغير عنوانه إلى «اعذرني حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»).

وكان هذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هندريكس، ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس: «هو بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». ووصفه السيد ريد ذات مرة بأنه «مزيج بين الإثارة والرثاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقداً مثيراً من الحياة».

وتميز الكتاب بين السير الذاتية لموسيقيي الروك بأسلوبه السردي الذي ينتمي إلى المدرسة «الصحافية الجديدة»، والذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُعاد صياغتها وأساليب أخرى تذكرنا بالأدب الروائي والقصصي.

ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام 1978، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات».

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بشأن وفاة هندريكس. إذ دحض الكتاب بشدة الرواية المقبولة على نطاق واسع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانيمان»، وتكررت لاحقاً في سير ذاتية أخرى، مثل كتاب تشارلز كروس الشهير «غرفة مليئة بالمرايا» الصادر عام 2005، ومفادها أن هندريكس تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه.

كتب هيندرسون: «نتيجة لذلك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لنجوم الروك: جرعة زائدة من المخدرات وسط الشهرة، والنساء الشقر، والترف، والجنس».

واستناداً إلى وثائق قانونية كُشف عنها لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خلال تلك الأيام الأخيرة، خلص السيد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً».

وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الذي جعلها تتلبد في ملابسه وشعره وتتدفق من أنفه وفمه حتى بعد وفاته، وذلك رغم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً.

وكتب هيندرسون أن قوى غامضة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بما في ذلك الجريمة المنظمة والوكالات الفيدرالية التي تسعى إلى إلحاق الضرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف.

وبالنسبة للمعجبين، سيما البيض منهم، فقد كان هندريكس يعد لفترة طويلة شخصية بارزة في العصر السيكيديلي، متجاوزاً حدود العِرق بفضل شخصيته التي تمثل النموذج البدائي للهيبيز، ودوره الرائد في مهرجان «وودستوك».

غير أن هيندرسون يرى أن هذا التصور مجانب للصواب. فبالنسبة له، كان هندريكس فناناً أسود خالصاً تجذرت موسيقاه بعمق في موسيقى «البلوز» وصُقلت في «شبكة تشيتلين» الجنوبية، وهي شبكة من المسارح وأماكن العرض التي كانت تلبي احتياجات الفنانين السود في المدن التي تطبق سياسة الفصل العنصري.

وبعيداً عن كونه غير مبالٍ بالتمييز على أساس اللون، كما صوّره كثير من كتّاب الروك البيض، فقد أقبل هندريكس على تبني حركة «قوة السود» تماماً، كما أقبل على ثقافة «قوة الزهور» - إلى الحد الذي جعل دعمه المتنامي لحركة «الفهود السود» يضعه في مرمى نيران مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وكتب هيندرسون: «كان جيمي هندريكس نموذجاً كلاسيكياً للشاب الأنيق والبارع المنتمي لأحياء السود الفقيرة، وتجسدت عبقريته في الغيتار الكهربائي. إذ حقق أسلوباً بارعاً لا يُضاهَى وصار موسيقياً للموسيقيين، وعازفاً للعازفين، وكاهناً للعصر الجديد في الموسيقى الاحتفالية الأفرو - أميركية».

*خدمة «نيويورك تايمز»

كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس


سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة
TT

سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة، في جدل هذه الذات مع امتداداتها في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانباً من جوانب هذه السيرة المفعمة بالأحلام، والرؤى الأسطورية، والسريالية، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والحب، والغياب، والحروب، وغيرها، إذ تقع الذات الشاعرة في تقاطع هذه المتناقضات، لتدرك في الأخير ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخلية في لا وعي هذه الذات، وتفجرها من داخلها.

صدر الديوان عن «دار العين» بالقاهرة، ويتكون من ثلاث عشرة قصيدة، تتراوح ما بين كتابة السطر الأفقي في القصيدتين الأولى والأخيرة، والسطر الرأسي في بقية القصائد تقريباً. كما أن طريقة عنونتها تشير إلى ترابط النصوص في وحدة عضوية واحدة. القصيدة الأولى «تباشير الحياة» مختلفة عن هذه العنونة، حيث تتوسل بطاقة هائلة من الحس السردي، والحكائي، كي تؤرخ للذات، وأصولها، لذلك فهي أقرب إلى مقدمة أو تمهيد عن التاريخ البعيد لهذه الذات، وانتسابها العائلي، وهو ما تؤكده دلالات العنوان بتلك التباشير التي كانت بذرة للحياة التي تحققت بعد ذلك، وأرست مواضعات العالم في هذا المكان.

أما بقية القصائد فعناوينها كلها بدأت بمفردة «صندوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق النار»، و«صندوق النوم»، و«صندوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الشغف»... وهكذا تتوالى الصناديق التي تفتحها الذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحلامها، وذكرياتها، وتضع كل شيء تحت مجهر شعري، ويحاول الإمساك بأبعاد المشهد، وبتفاصيل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والغرائبية، إنها عبر إبحارها في هذه الصناديق تفتح أبواباً ضخمة ترى منها، ويرى المتلقي معها، كيفية تشكل هذه الذات، وتغوص في طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة استخلاص ملامح رؤية متماسكة لتحولات وتقلبات هذه الذات.

تعتمد الذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المخاطب، ما بين مخاطب فردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يا شيخنا/ أفصح عن مقاصدكَ/ حتى لا يغادرَ السامعونَ المقهى». وأحياناً مخاطبة سامعين مفترضين: «الحكايةُ يا سامعين/ ترقد عند السِّحر المسمى بالأحلام...»، متخذاً سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير محددة، كما في قصيدة «صندوق الفراشات»، إذ يقول: «أنا أيضاً مثلكم، أمتلكُ صناديق تشبهني، وأشبهها، لكنَّ صندوقي الأخير مجرد صندوق فراشات، بسيطٌ ولا يدعو للتباهي»، فهو هنا يتماهى مع الجماعة التي يخاطبها بوصفه جزءاً منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بامتلاكه -مثل جماعته- صناديقه السرية التي لا يعرف أحد مكنونها، لكن موضع اختلافه عن هذه الجماعة هو محتوى هذه الصناديق المملوءة بالفراشات، بما يتناغم مع كونه ذاتاً حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والجماعة في القصيدة نفسها، حين يصف نفسه قائلاً:

«أنا طائر ولستُ طائرة

أنا فراشة ولستُ قذيفةً

أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...».

ففي السطرين الأولين ثنائيتان ضديتان، يمثل الطرف الأول منهما الذات بشكل واضح (طائر، فراشة) بكل ما يتعلق بهما من دلالات الرقة، والرهافة، في حين أن الطرف الثاني من الثنائيتين (طائرة، قذيفة) يمثل الجماعة الإنسانية التي تنتمي لها هذه الذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فالمسافة بين الذات وجماعتها هي نفسها المسافة بين دال الفراشة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -في السطر الثالث- فإن الذات تحافظ أيضاً على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الخيال المرتعش، والمخفي، والمسكوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة.

هذه الذات الرهيفة هي صنيعة الغياب، والموت، وصنيعة الفقد الذي جعلها تبدو عجينة طيعة، وتخشى التورط في قسوة العالم، وخاصة مع فقد الأب، والحبيبة، وتوالي الموت الذي اقتنص كل من حولها، وحاصرها على مدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غطاء، ولا حماية، مثقلة بالندوب الروحية، والجسدية، ففي قصيدة «صندوق الغياب» يقول مفككاً تركيبته النفسية:

«أخلعُ ردائي وأقول

هذا غيابُ أبي الذي جعلني

أعمى

وهذا غيابُ حبيبتي

ينقشُ جلدي بالبثور...».

إن هذه الذات، بعد فتح صناديقها المخفية، وخلع الرداء الذي تتستر خلفه أمام الآخرين، بعد التعري التام أمام الذات، ومصارحتها، أصبحت قادرة على التصالح مع أعطابها، أو بالأحرى مع خصائصها، وصفاتها التي لا تملك لها رداً، ولا تعديلاً، والتعاطي معها بوصفها نتاجاً لمعطيات واضحة، يمكنها أن تشير إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشارة «هذا»، كأحداث قريبة، ولصيقة بها، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خاصة البصر، وغياب الحبيبة شوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية.

وتتنامى رهافة هذه الذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كان جبلاً شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ليتبدى جوهره الهش، يقول:

«نظرتُ فجأةً

فلمحتُ جبلاً

كأنهُ لصٌّ يرتعشُ

وسطَ السوق...

ربَتُّ عليهِ

فنام جواري كالجثة...».

في خضم هذا الحوار الجدلي بين الذات والعالم تتوصل الذات إلى ما يشبه الحكمة الفلسفية التي تعتنقها، بعد أن عاينت جراحها، وندوبها، وتأكدت من عدم قدرتها، بوصفها ذاتاً فردانية هشة، وممزقة، على إيقاف قسوة العالم، أو التصدي لما به من عوار، والاكتفاء بالابتعاد عن الأفكار الكبرى، والأحلام الإنسانية العريضة، ليكون الانغماس في تفاصيل العالم، ومتعه المحسوسة هو الملاذ لإنقاذ ما تبقى من هذه الذات، وأن تتذوق طعم الحياة ببساطة، ودون أن ترنو لما هو أبعد من حدودها المتناهية، والقريبة، فأقصى ما يمكن أن تفعله ذات ممزقة، ومهمشة كهذه هو أن تستعيد حواسها، وتسترجع قدرتها على الإحساس بالطعم، واللون، والرائحة، وتعود إنساناً ممتلكاً جسده، وبصيرته، وقدرته على التذوق، ولو كان محدوداً بحدود فيزيقية ضيقة، يقول في قصيدة «صندوق الحيّة»:

«الأفكارُ مؤلمةٌ

والأحلامُ حيرة ومتاهة

لهذا فالأجدى في هذه الحياة

أن نسعى فقط

لما نلمسهُ ونُحِسُّهُ...

للصوت والطعمِ

والرائحة...».


«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا
TT

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء لتكشف الأحداث تدريجياً عن شبكة صادمة من المصالح الاقتصادية والقرارات البيروقراطية التي تحكم مؤسسات رعاية المسنين حيث تُختزل حياة الإنسان لتصبح مجرد رقم.

بأسلوب ساخر ولاذع، لا يكتفي النص، الذي ترجمته نهى مصطفى، بتقديم لغز بوليسي بل يطرح نقداً اجتماعياً حاداً يعري الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الحديث مع فئة أصحب الشيخوخة ممن هم الأكثر هشاشة ليبرهن على أن الوعي والرغبة في العدالة والقدرة على المقاومة سمات لا تزول بتقدم العمر.

تجري أحداث الرواية في دار رعاية خاصة وفاخرة للمسنين تعرف باسم «سان صت جروف» وتُسوّق بوصفها مكاناً مثالياً لقضاء سنوات الشيخوخة الأخيرة في رفاهية وطمأنينة وتعيش فيه الصديقتان سيري وإرما اللتان ينقلب فجأة عالمهما المريح بسبب واقعة موت مشبوهة.

هنا تعقد الصديقتان العزم على معرفة ما حدث بالضبط ولماذا، فتبدآن تحقيقاتهما الخاصة وتشكلان جمعية «سيدات اللافندر للتحقيقات» لتكتشفا أنه خلف واجهة «سانست جروف» الهادئة تختبئ الكثير من الأسرار الخطيرة التي لا تخطر ببال.

وُلدت مينا ليندجرين عام 1963 وهي صحافية وكاتبة، حققت روايتها «جريمة في دار المسنين»، التي نُشرت تحت عنوان «الموت في سان صت جروف» نجاحاً باهراً في فنلندا خصوصاً بعد أن تبعها الجزء الثاني منها «الهروب من صان ست جروف» والجزء الثالث «النهاية في سان صت جروف». استوحت المؤلفة فكرة هذه السلسلة بعد بحثها في موضوع معاملة كبار السن في فنلندا لصالح إحدى المجلات.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كل صباح تستيقظ سيري كيتونين لتدرك أنها لا تزال على قيد الحياة، تنهض من سريرها ببطء ثم تغتسل وترتدي ملابسها وبعدها تتناول إفطاراً خفيفاً. يستغرق ذلك بعض الوقت لكنها لا تكترث، فالوقت كله ملكها، تقرأ الصحيفة بتركيز وتصغي للبرامج الإذاعية الصباحية فهذا يمنحها شعوراً بأنها ما زالت تنتمي إلى هذا العالم. غالباً ما تذهب في جولة قصيرة بالترام في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً لكنها لم تشعر اليوم برغبة في الخروج.

كانت الإضاءة الساطعة للغرف المشتركة في دار التقاعد (صن ست جروف) تعطي المكان أجواء أشبه بغرف الانتظار في عيادة طبيب الأسنان. استلقى عدد من النزلاء على الأرائك في انتظار موعد تناول طعام الغداء.

فجأة شعرت سيري بالحزن ستفتقد تيرو كثيراً لدرجة أن معدتها بدأت تؤلمها، كيف يموت مثل هذا الشاب المعافى في حين لا يموت من يبلغ من العمر أربعة وتسعين عاماً؟ كانت سيري قد قرأت في الجريدة أنه بمجرد أن تبلغ التسعين من العمر تتوقف عملية الشيخوخة، هذا فظيع لأنه يعني أن الأشخاص المسنين مثلها قد تأخروا حتى على موعد وفاتهم.

في البداية كان الجميع يموتون، الأصدقاء والأزواج ثم لم يعد أحد يموت. كان اثنان من أبناء سيري قد ماتا بالفعل، ابنها الأكبر بسبب الإفراط في شرب الكحول والأصغر بسب الإفراط في تناول الطعام. كان الصغير طفل العائلة المدلل، فتى وسيماً ورياضياً، لكنه أخذ يأكل بكثرة ولا يفعل شيئاً سوى العمل. يقود السيارة إلى كل مكان يذهب إليه، يأكل البيتزا ورقائق البطاطس ويدخن السجائر. هذا ما يطلق عليه انعدام الحافز، وهو عبارة عن اضطراب نفسي يؤثر على الشخص عندما يصل إلى مستوى معيشي مرتفع لدرجة أنه يموت بسببه في الخامسة والستين، بحد أقصى».