هل نلغي أرسطو؟

دافع عن العبودية وعارض فكرة المساواة الإنسانية لكنه ليس عدواً

هل نلغي أرسطو؟
TT

هل نلغي أرسطو؟

هل نلغي أرسطو؟

لم يكتفِ الفيلسوف اليوناني أرسطو بإجازة العبودية، وإنما دافع عنها؛ ولم يكتفِ بالدفاع عنها، وإنما دافع عنها من حيث هي مفيدة للعبد. رأيه كان أن بعض الناس بطبيعتهم عاجزون عن تحقيق ما هو في صالحهم، وأكثر صلاحية لأن «يعيشوا كأدوات» يستفيد منها الآخرون: «العبد جزء من سيده، جزء حي ولكنه منفصل عن هيئته الجسدية».
موقف أرسطو المناهض لليبرالية لا يتوقف عند ذلك الحد. كان يعتقد أن النساء غير قادرات على اتخاذ القرارات السلطوية. وقرر أن العمال اليدويين، على الرغم من كونهم عبيداً وليسوا نساءً، كانوا مع ذلك محرومين من حق المواطنة أو التعليم في مدينته المثالية.
ولم يكن أرسطو بالطبع وحيداً في هذا: كانط وهيوم تبنيا آراء عنصرية، فريج عبر عن آراء معادية للسامية، وفتغنشتاين كان متبنياً على نحو صريح للتحيز الجنسي. هل ينبغي للقراء أن يضعوا جانباً أو يتجاهلوا ملاحظات كهذه، مركزين انتباههم على الأفكار القيمة الموجودة في أماكن أخرى من أعمالهم؟
استراتيجية الانتقاء هذه قد تنجح في حالة كانط، وهيوم، وفريج وفتغنشتاين، على أساس أن جوهر مساهماتهم الفلسفية لا علاقة لها بالتحيز، ولكني لا أعتقد أن ذلك ينطبق على أرسطو: موقفه الرافض للمساواة بالغ التجذر.
اعتقد أرسطو أن قيمة أو أهمية الإنسان - أي فضيلته - كانت شيئاً اكتسبه بنموه. ويعني ذلك أن الناس الذين لا يستطيعون امتلاك تلك الفضيلة (النساء والعبيد) أو ببساطة لا يفعلون ذلك (العمال اليدويون) لا يحق لهم أن يطالبوا باحترام مساوٍ أو بأن يُعترف بهم مع أولئك الذين يفعلون.
حسب قراءتي لأرسطو، لم يتوقف الأمر عند عدم إيمانه بمفهوم الكرامة الإنسانية الأصيلة التي يقوم عليها التزامنا بحقوق الإنسان؛ كانت له فلسفة لا تستطيع التوافق مع تلك الكرامة. رفض أرسطو للمساواة أقل شبهاً بعنصرية كانط وهيوم وأقرب إلى آراء ديكارت حول الحيوانات اللإنسانية: حقيقة أن ديكارت يصف الحيوانات اللإنسانية على أنها آلات بلا روح ناتج مباشرة عن ازدواجيته العقلانية. تعليقاته على الحيوانات لا يمكن أن يُنظر إليها على أنها «ملاحظات خارجة عن المعتاد».
إذا كان الإلغاء يعني الإزالة من مكانة مميزة على أساس من جريمة آيديولوجية، قد يبدو أن ثمة حجة يمكن أن تبنى لإلغاء أرسطو. هو على قدر عالٍ من التميز: بعد آلاف السنين من موته، لا تزال أعماله الأخلاقية تدرّس بوصفها جزءاً من المنهج الأساسي في الفلسفة التي تقدمها الكليات والجامعات حول العالم.
كان خطأ أرسطو كبيراً بما يكفي لأن يكون وضعه سيئاً عند المقارنة بالعديد من «الأشخاص السيئين» عبر التاريخ ممن سعوا إلى تبرير استثناء مجموعات معينة - النساء، السود، اليهود، المثليين، الملحدين - من الحماية تحت مظلة الكرامة الإنسانية. ذلك أن أرسطو مضى إلى حد الاعتقاد بأن مظلة كتلك غير موجودة.
ومع ذلك، فإني أدافع عن أرسطو ومكانته في منهج التدريس الفلسفي بالإشارة إلى الفوائد المتأتية من الحوار معه. إنه سيساعدنا في تحديد الأسس التي يقوم عليها التزامنا بالمساواة؛ ونظامه الأخلاقي قد يمسك ببعض الحقائق - مثلاً، أهمية السعي نحو أعلى مراتب التميز - التي ما زلنا بحاجة إلى دمجها في نظامنا نحن.
وأريد المضي خطوة أخرى وأقدم حجة أقوى بحق أرسطو. ذلك أن الأمر لا يتعلق فقط بكون الفوائد المتأتية من قراءة أرسطو تعادل ثمنها، وإنما أنه لا يوجد ثمن. ليس لدينا في الحقيقة سبب يبرر إلغاء أرسطو. أرسطو ببساطة ليس عدونا.
أنا، مثل أرسطو، فيلسوفة، وعلينا نحن الفلاسفة أن نواجه احتمال أن يحدث خلاف حاد حول أكثر القضايا أساسية. لدى الفلاسفة مثل أعلى يتمسكون به هو السعي إلى عدم التعامل مع مُحاوِرنا على أنه عدو محارب. لكن إذا عبر أحد عن آراء تناقض حسن الأخلاق بشكل مباشر، فكيف يمكن تفادي العداء؟ الإجابة هي أن نأخذ ما يقول حرفياً - أي أن نقرأ كلماته بوصفها ليست أكثر من وسائل تعبر عن معتقداته.
هناك نوع من الكلام من الخطأ أن يؤخذ حرفياً، لأن مهمته نوع من الرسالة (مسج). الإعلان والخطابة السياسية مثالان على ذلك النوع من الرسائل (التي تحمل دلالات ضمنية)، كما هو كثير مما يقع تحت اسم «اتخاذ موقف»، مثل المقاطعة، والاحتجاج والاعتذار العلني.
كلمات كهذه موجودة لتؤدي غرضاً يتجاوز الاتصال؛ في إرسال الكلام هناك دائماً هدف غير البحث عن الحقيقة. إحدى الطرق لتحويل الكلام الحرفي إلى رسائل هي ربطه بقائمة من الأسماء: الالتماس أحد الأمثلة للكلام غير الحرفي، لأن كثرة من يعتقدون بشيء لا يجعله أقرب إلى الحقيقة.
في حين أن الكلام الحرفي يوظِّف بطريقة منظمة وسائلَ إقناع موجهة نحو الحقيقة - حججاً وأدلة - يمارس الإرسال نوعاً من الضغط غير الحرفي على المتلقي. مثلاً، الاعتذار العلني يستطيع في الغالب أن يشكل ضغطاً اجتماعياً على الجهة المظلومة لكي تتسامح. الإرسال يموضَع غالباً ضمن نوع من صراع القوى. في جو مشحون سياسياً ينجذب المزيد والمزيد من الكلام نحو الإرسال؛ من الصعب أن يقول أحد شيئاً دون أن يثير الشكوك بأنه يقوم بحركة ضمن اللعبة، حركة قد تستدعي حركة مضادة.
كلمات مثل «حياة السود مهمة» و«كل الحيوات مهمة» أُدخلت في صراع القوى السياسي لدينا على نحو يمنع أي شخص يألف ذلك الصراع من استعمالها أو سماعها بشكل حرفي. لكن لو أن غريباً من الفضاء، لا يألف هذا السياق، جاءنا وقال أيّاً من تلكما العبارتين، فسيكون من الصعب تخيل أن يُرى في ذلك ما يستوجب الاعتراض؛ السياق الذي نستخدم فيه تلك العبارات سيزول.
في الحقيقة، يمكنني أن أتخيل الظروف التي يمكن للغريب أن يقول فيها النساء أقل من الرجال دون أن يثير شعوراً بالإهانة لدينا. لنفترض أن هذا الغريب لم يكن له «جندر» في كوكبه واستنتج من ملاحظته لكوكبنا أن الأنثى في مرتبة دونية. طالما تحدث الغريب إليّ باحترام، فلن أكون راغبة فقط في سماعه وإنما سأكون أيضاً مستمتعة بمعرفة حجته.
أقرأ أرسطو كما لو كان ذلك «الغريب». كانت مقاربته للأخلاق إمبيريقية - أي أنها كانت مبنية على الملاحظة - وحين نظر حوله رأى عالماً من العبودية واضطهاد المرأة والعمل اليدوي، وهو وضع قام بدمجه ضمن نظريته الأخلاقية.
حين أقرأه أرى تلك النظرة إلى العالم - ذلك كل ما في الأمر. لا أقرأ هدفاً شريراً أو دوافع أخرى خلف كلماته؛ لا أؤولها بوصفها علامة على شخصية سيئة، أو على أنها تحاول الإيحاء برسالة خطيرة قد أحتاج إلى مقاومتها أو إسكاتها لكي أحمي الضعفاء. بالطبع بمعنى من المعاني يصعب تصور فكرة أكثر خطورة من التي عبر عنها أو حاجج من أجلها - لكن الخطورة، كما أرى، هي مسألة دلالة ضمنية أكثر منها محتوى حرفياً.
ما يجعل الكلام حراً فعلاً هو إمكانية الاختلاف دون عداء، وهذه مسألة علاقتها بكيف نقول، أقوى من علاقتها بما نقول. «ثقافة الإلغاء» هي مجرد توسع منطقي لما يمكن أن نسميه «ثقافة الإرسال» التي يصنف فيها كل فعل كلامي إما كصديق أو كعدو، حيث يصعب توصيل المضمون الحرفي، وحيث لا يوجد سوى القليل جداً من الثقة بالقدرات العقلانية للمخاطبين. في سياق كهذا حتى صرخة «حرية التعبير» تستعدي تفسيراً بعيداً عن الحرفية، أي أنها ليست سوى أكثر الطرق نجاعة لكي يكتسب المنادون بها قوة أو يجعلون قوتهم أكثر صلابة.
سأعترف بأن المسافة الزمنية الهائلة التي تفصلنا عن أرسطو تخلق سهولة مصطنعة للتعامل معه على أنه «غريب». أحد الأسباب التي تجذبني لدراسة الأخلاقيات القديمة هي بالضبط أنها تجعل من الصعب أن نشبك أولئك المؤلفين بصراعات القوى المعاصرة. عندما نلتفت إلى الخلافات حول قضايا أخلاقية معاصرة مشحونة بقوة، كالجدل حول «الهوية الجندرية»، فإننا نجد الارتياب، والتوقع بوجود نوايا أخرى، والالتماسات - العلامات الرئيسية على ثقافة المراسلة - حتى بين الفلاسفة.
إنني لا أدعي بأن إمكانية الاختلاف الودي مع أرسطو توفر ما يرشد بشكل مباشر إلى تحسين خلافاتنا الأكثر صعوبة مع معاصرينا، ولكني أجزم بأن أخذ حالة أرسطو في الاعتبار تكشف شيئاً عما يمكن أن تؤدي إليه التحسينات. ما نريده حين نريد حرية التعبير هو حرية الكلام بشكل حرفي.
- أستاذة الفلسفة بجامعة شيكاغو
والمقال منشور في مجلة «ذا ستون» 21 يوليو 2020



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».