العلماء يحللون الوضع النفسي لرواد الفضاء المتجهين إلى المريخ

دراسة محاكاة أميركية للرحلات البعيدة وأثرها في السلوك

العلماء يحللون الوضع النفسي لرواد الفضاء المتجهين إلى المريخ
TT

العلماء يحللون الوضع النفسي لرواد الفضاء المتجهين إلى المريخ

العلماء يحللون الوضع النفسي لرواد الفضاء المتجهين إلى المريخ

في طريقه إلى المريخ، توقف نيل شيلبيلهت أمام محلات «وال - مارت» ليبتاع غسولا للفم، وبكرة خيوط لتنظيف الأسنان، ذاكرا عبر هاتفه الجوال: «نحن نتسوق آخر ما يلزمنا في الدقائق الأخيرة». وشيلبيلهت هذا ليس رائدا للفضاء على وشك مغادرة الأرض في رحلة فضائية، لكنه خلال ساعات من حديثه كان بصدد الدخول مع 5 آخرين إلى مبنى على شاكلة قبة تقع في بركان في جزر الهاواي ليعيشوا معا 8 أشهر ابتداء من نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في بيئة تحاكي العيش على سطح كوكب المريخ.
والعملية هذه هي جزء من دراسة تمولها «ناسا» تحت عنوان «محاكاة تناظرية في هاواي لاكتشاف الفضاء»Hawaii Space Exploration Analog and Simulation،، أو «هاي - سيز» Hi - Seas اختصارا. والهدف من ذلك، تجربة كيفية سلوك مجموعة صغيرة من البشر، معزولين عن الحضارة والعالم، وطريقة تعاونهم وتعاملهم بعضهم مع بعض.

* رحلة موحشة

* وعندما سيتوجه رواد الفضاء أخيرا إلى المريخ في عام 2030 تقريبا، كما أشارت «ناسا»، ستكون الرحلة طويلة، وتشوبها الوحدة، وموحشة في الوقت ذاته، إذ ستستغرق الرحلة إلى الكوكب الأحمر 6 أشهر، مع إقامة على سطحه مدة 500 يوم، فضلا عن رحلة العودة التي ستستغرق أيضا 6 أشهر. وتقول كيمبرلي بينستيد، أستاذة المعلوماتية وعلوم الكومبيوتر في جامعة هاواي بمانوا، والباحثة الرئيسة للمشروع: «في الوقت الراهن، لا تزال المخاطر النفسية غير معروفة ومفهومة تماما، وليست مفهومة كما يجب»، وأضافت قائلة: «إن (ناسا) لن تذهب (إلى المريخ) حتى نحل هذه المعضلة».
وكانت جرت الكثير من الرحلات الوهمية خلال السنوات الأخيرة، منها رحلة محاكاة في روسيا عام 2010 و2011 دامت 520 يوما، غالبية أيامها كانت تقارب أيام الرحلة الفعلية. بيد أن 4 من المتطوعين الستة، ظهرت لديهم اضطرابات في النوم، وأصبحوا أقل إنتاجا مع تطور أيام التجربة. وكانت «جمعية المريخ»، وهي مجموعة غير ربحية، تقوم بالترويج للرحلات الفضائية المأهولة، أجرت عمليات محاكاة قصيرة في صحراء ولاية يوتاه بأميركا عام 2001، وتنظر الآن إلى تجربة محاكاة جديدة تدوم سنة كاملة في المنطقة القطبية الكندية عام 2015.
وكانت «هاي - سيز» أجرت سلفا رحلتين وهميتين دامت كل منهما 4 أشهر، كما إنه في العام المقبل سيسكن 6 أشخاص آخرين سنة كاملة داخل قبة مؤلفة من طابقين، يبلغ قطرها 36 قدما، ومساحتها 1500 قدم مربع، وستقبع في مقلع مهجور للحجارة على ارتفاع 8000 قدم من سطح البحر في منطقة مانوا لوا.
وبغية محاكاة التحديات الفعلية والعملية، سيكون أعضاء هذا الطاقم في قبة «هاي - سيز» معزولين عن سائر البشر. واتصالهم الوحيد بالعالم الخارجي خارج القبة، سيكون مقصورا على البريد الإلكتروني، إذ تتأخر كل رسالة مدة 20 دقيقة قبل إرسالها، مما يحاكي التأخير، أو الفارق الزمني في الاتصالات بين الأرض والمريخ. وفي كل مرة يقوم فيها أحد الرواد المفترضين، أو مركز التحكم بإرسال رسالة، ستنقضي 40 دقيقة قبل وصول الجواب، أما الاتصالات الكلامية بالزمن الحقيقي فهي غير ممكنة إطلاقا.
وفي الرحلات الحقيقية، فقد يقصر الفارق الزمني بنسبة ملحوظة مع اقتراب الأرض والمريخ بعضهما من بعض، لكن بينستيد تقول: «لقد اخترنا أسوأ السيناريوهات نظرا إلى أننا نحاول إيجاد الحلول».

* طاقم متجانس

* لكن، جرى منح أعضاء الطاقم بعض الاستثناءات، مما يمكنهم من فتح بعض المواقع القليلة على الشبكة، مثل حساباتهم في المصارف، لضمان استمرار حياتهم الأرضية وعدم انهيارها وهم بعيدون. كما يوجد هنالك هاتف جوال للاتصالات الطارئة، إذا ما هدد إعصار، (خلافا لما هو موجود على المريخ)، القابعين بداخل القبة، على غرار إعصار «أنّا» الذي ضرب أخيرا جنوب هاواي.
وقد تقدم 150 شخصا بطلبات للمشاركة في هذه التجربة، لكن تم اختيار 3 رجال و3 نساء، ليشكلوا طاقم «هاي - سيز» لأنهم يتشاركون في التجربة والخلفية ذاتهما، تماما كرواد الفضاء الحقيقيين من «ناسا»، كما أن الكثير منهم راودهم الطموح فعلا للانطلاق إلى الفضاء.
وقائدة الرحلة هذه هي مارثا لينيو (34 سنة)، وهي سيدة أعمال تطمح إلى تأسيس شركة استشارات للطاقة المتجددة، أما سائر أفراد الطاقم فهم جوسلين دن (27 سنة)، التي هي على وشك التخرج من جامعة بيردو، وصوفي ميلام (26 سنة)، التي هي أيضا على وشك التخرج من جامعة أيداهو، وألين ميركاديروف (35 سنة) مهندس فضاء وطيران يعمل في «ناسا»، وزاك ويلسون (28 سنة)، المهندس الميكانيكي الذي عمل على طائرة من دون طيار في شركة «جنرال أتوميكس» في سان دييغو. وتقول دن: «أحلم بأن أصبح رائدة فضاء، وهذا العمل قد يكون أقرب الأمور التي قد أحصل عليها».
وكان ويلسون قضى سابقا أسبوعين في بيئة شبيهة ببيئة المريخ في صحراء يوتاه، كما أن شيلبيلهت قد عمل في أول مهمة لـ«هاي - سيز» كجزء من طاقم ملاحي الدعم الأرضي. ويعلق على ذلك بقوله: «أعتقد أن من عوامل الجذب أن أكون جزءا مما يحصل في الداخل هناك». وبالنسبة إلى الوقت الذي سيقضونه في هذه المهمة، فقد تلقى كل واحد منهم تذكرة طائرة ذهابا وإيابا من هاوي، مع راتب قدره 11.500 دولار، فضلا عن الطعام والسكن طبعا.
ومن المظهر الخارجي، يبدو أن الأشخاص الستة هؤلاء يتوافقون فيما بينهم جيدا، «فهؤلاء مجموعة رائعة من الأشخاص»، كما يقول شيلبيلهت، «فحاليا تبدو الأمور جميعها على يرام».
وسينظر الباحثون أيضا في عوارض تنم عن «متلازمة الربع الثالث». ففي بداية الرحلة تكون التجربة جديدة ومثيرة، لكن في الربع الثاني منها، يقع المشتركون في شرك النمط الروتيني، لكن قرب النهاية يبدأ الأشخاص بالنظر الى الخلاص والعودة الى العالم الحقيقي. وفي نصف فترة الرحلة أو الإقامة هذه، قد يتحول هذا الروتين الى ملل من دون نهاية، «لكن في الربع الثالث قد تكمن المشكلة»، كما تقول بينستيد.
وتماما مثل رواد الفضاء الحقيقيين، سيكون ملاحو «هاي - سيز» مشغولين بالعمل العلمي، بما في ذلك رحلات خارج القبة بالبزات الفضائية. «فإذا رغبت في حجز أشخاص في علبة لمدة 8 أشهر، فعليك أن تستخرج أكثر ما يمكن من العلوم منهم» تقول بينستيد، «لكن ذلك يعني الكثير من المسؤولية الواقعة على عاتق (ناسا) أيضا».

* خدمة «نيويورك تايمز»



اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».