المسرح السوري.. انفراج فأزمة.. فحرب

العروض الخاصة والتجارية توقفت تقريبا مع غياب السياح الخليجيين والعرب

المسرح السوري.. انفراج فأزمة.. فحرب
TT

المسرح السوري.. انفراج فأزمة.. فحرب

المسرح السوري.. انفراج فأزمة.. فحرب

في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2010، موعد انطلاق فعاليات مهرجان دمشق المسرحي العربي، أعلن في حينها إسماعيل عبد الله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، وفي مؤتمر صحافي بفندق الشام وسط العاصمة السورية، عن اختيار مدينة دمشق لإقامة الدورة الرابعة من مهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الهيئة سنويا، وأعلن في حينها أن الفعاليات ستبدأ في العاشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2012.
ولكن وكما يقول المثل الشعبي «حساب البيدر لم ينطبق على حساب الحقل»، فبعد أشهر قليلة بدأ الحراك السوري والأزمة العاصفة والحرب الدموية لتوقف -ولإشعار آخر- ليس فقط مهرجان المسرح العربي، بل مهرجان دمشق المسرحي العربي الذي لم تكتمل فرحة المثقفين وهواة الفرجة المسرحية بعودته في عام 2004 بعد توقف دام 16 سنة، وقدمت 4 دورات منه حتى عام 2010.
وكان المهرجان كان قد توقف في عام 1988 بعد أن انطلق في دورته الأولى عام 1969 بمعدل دورة كل سنتين. يقول هشام كفارنة، مدير المسرح القومي السوري، لـ«الشرق الأوسط»: «لقد توقف مهرجان مسرح دمشق المسرحي العربي، وهو أقدم مهرجان عربي وأعرقها وبشهادة المسرحيين العرب أنه (أبو المهرجانات المسرحية العربية)!.. لقد توقف سابقا لفترة طويلة نتيجة ظروف دولية، ولكننا في الفترة ما قبل الأزمة في سنة 2004 بعثناه للحياة من جديد وقدمنا 4 دورات منه حتى عام 2010 بمشاركة فرق مسرحية عربية، وفي بداية الأزمة اضطررنا إلى التوقف بسبب صعوبة التواصل مع المسرحيين العرب».
لقد تغيرت مواعيد العروض المسرحية بعد الأزمة والحرب. تقول حلا سليمان، وهي طالبة في كلية الآداب: «كنت وقبل بدء الأزمة ألتقي مع زملائي المحبين للمسرح في مقهى الروضة القريب من مسرحي الحمراء والقباني نحتسي القهوة وننطلق لنحضر عرض مسرح الحمراء، حيث نبقى في العرض المسرحي حتى العاشرة ليلا وأغادر مع زملائي لأعود إلى منزل أسرتي في ضاحية صحنايا جنوب دمشق.. لم أستطع في البداية استيعاب موضوع انخفاض عدد العروض المسرحية واضطراري إلى العودة إلى المنزل قبل المساء، ولكن تعودت على هذا الوضع فيما بعد وصرت مع زملائي نلتقي في مقهى الروضة بعد الظهر وندقق على جدران المقهى وفي مدخله، كما هي العادة، عن إعلان لعرض مسرحي أو نشاط ثقافي، وإذا ما وجدنا ضالتنا فالعرض يبدأ في ساعة مبكرة غالبا في الرابعة أو الخامسة عصرا.
عروض المسرح الخاص والتجاري هي في معظمها تأخذ الجانب الكوميدي والأسلوب الارتجالي الناقد والساخر والتي كانت مزدهرة قبل الأزمة وعلى مدى سنوات طويلة، وخصوصا في مسارح بعض دور السينما ومنها الخيام والسفراء وراميتا وجميعها تتوضع وسط دمشق، كانت تنشط بشكل واسع في أشهر فصل الصيف، إذ تستقطب بشكل خاص زوار وسياح دمشق من القادمين من دول الخليج والبلدان العربية الأخرى، ففصل الصيف هو في العادة موسم سياحة الخليجيين لسوريا. توقفت عروض هذه المسارح هي الأخرى، كان من أشهر فرقها وفنانيها آل قنوع وأندريه سكاف وغادة بشور وغادة الشمعة والراحلين حسن دكاك وياسين بقوش وبعض فناني الكوميديا السوريين.
دمشق ومع عام 2008، عندما اختيرت عاصمة للثقافة العربية، دشنت مرحلة نشاط جديدة للمسرح السوري حين قام فنانون ومخرجون مجتهدون بمبادرات فردية لم تكن تعرفها الحياة الثقافية الدمشقية، فعملوا على استثمار الأقبية القديمة والملاجئ والمحامص التراثية والمنشآت المعمارية في بعض حارات دمشق القديمة لتقديم عروضهم المسرحية. وهذا ما قام به فعلا فنانون يعشقون المسرح ومجموعات فنية مسرحية كانت تلقى دعما ماديا ومعنويا من مؤسسات ثقافية أوروبية ومراكز ثقافية أجنبية موجودة في العاصمة السورية وأغلقت مقراتها بشكل مؤقت بعد بدء الأزمة السورية.
المخرج المسرحي السوري سامر عمران المدير السابق للمعهد العالي للفنون المسرحية، الذي يضم رصيده عددا من العروض المسرحية المهمة وكان المحفز لمحافظة دمشق للإعلان عن إعادة الروح للملاجئ القديمة المهملة في حارات دمشق القديمة واستثمارها كأمكنة لتقديم العروض المسرحية، له رأي مختلف، إذ يرى أن الأزمة والحرب زادته نشاطا وجرأة. يقول عمران لـ«الشرق الأوسط»: «لقد شكلت مع عدد من زملائي حالة جديدة للمسرح السوري لها علاقة بالحضور المسرحي والاحتراف مع الهواية، وبعد الأحداث صار هناك حالة أخلاقية واقتصادية. بالنسبة لي قدمت كمخرج 5 أعمال مسرحية، فالأزمة حفزت لدي النشاط أكثر وقد صرت أكثر جرأة، بمعنى أنني صرت معنيا ببلدنا أكثر، وكان علي أن أعمل أكثر من أي وقت آخر. أقول لك بصدق في ظل الأزمة تيسرت صناعة العرض المسرحي لي أكثر من قبل وصار لدي أمور أكثر أقولها من خلال المسرح من خلال ما أؤمن به، أي أن يكون المسرح إنسانيا ولا أن يحمل كما كبيرا من الآيديولوجيا. كنت في السابق أنتقد الأعمال المسرحية لما تحمله من آيديولوجيا نظرية وذهنية ودروس في الأخلاق فتخلى الكثير من الناس عن المسرح ولغته وقدسيته. ولذلك بالنسبة لي هناك تجربة وهناك ممثلون يدافعون عن هذه التجربة وهم موجودون ولديهم الرغبة في الاستمرار».
وعودة إلى هشام كفارنة مدير المسرح القومي السوري، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نحن مستمرون بتقديم العروض رغم الحرب وقذائف الهاون. انظر إلى نافذة مكتبي (يشير هشام بإصبع يده إلى زجاج النافذة الذي تهشم جزء منه)، منذ أيام قليلة سقطت قذيفة هاون مقابل مبنى مديرية المسارح ووصلت شظاياها لمكتبي ولكنني كنت خارج المكتب ونجوت من آثارها. ورغم الحرب والأزمة فإن المسرح القومي لم يوقف عروضه. قد تكون خفت قليلا في البداية لتعود حاليا مع تحسن الوضع الأمني في دمشق. ولكن بقي موعد هذه العروض مبكرا غالبا في الخامسة عصرا بينما كان العرض قبل الأزمة يبدأ في الثامنة مساء.. الأزمة أثرت على المسرح السوري، هذا صحيح، فقد كنا ننتج كما كبيرا من العروض، وتقلص هذا العدد نسبيا خصوصا في بداية الأزمة، فقد تخوف الناس وانكفأوا في بيوتهم. وعندما طال أمد الأزمة أراد الناس أن يعودوا إلى الحياة من جديد وكان يكفي أن تأتي الكاميرات لالتقاط صور للجمهور وهو محتشد أمام مسارحنا ليتابع عرضا ما».
دمشق عرفت المسرح منذ أواخر القرن التاسع عشر مع مؤسس ورائد المسرح السوري الراحل أبو خليل القباني (أطلق اسمه على أول مسرح كبير عام أسسته وزارة الثقافة في عام 1960 أيام الوحدة السورية المصرية تكريما له). وكان من المقرر أن ينطلق مشروع لترميم بقايا منزله المستملك لصالح وزارة السياحة في منطقة كيوان غرب دمشق في سفوح جبل قاسيون بموقع سياحي جميل في عام 2007 تقرر إطلاق مشروع الترميم. وتفاءل مثقفو دمشق ومحبو المسرح بهذا المشروع الثقافي، ولكن تأخر الوعد وجاءت الحرب والأزمة لتجمده. حاليا، وحسبما ذكرت مصادر مديرية سياحة دمشق لـ«الشرق الأوسط»، فإن مشروع ترميم بيت أبي المسرح السوري أبي خليل القباني سلم لمستثمر في يوم 12 نوفمبر الماضي على أن ينهي تنفيذ المشروع خلال سنة، أي في نوفمبر 2015. وسيعمل المتعهد على تنفيذ مشروع سياحي ثقافي فيه يتضمن صالة للنشاطات المسرحية والعروض والاحتفالات الثقافية ومتحف خاص بأبي خليل القباني وكافتيريا.
أما أول مسرح خاص فعرفته دمشق في عام 1918 وسمي مسرح زهرة دمشق في ساحة المرجة العريقة وسط العاصمة السورية وتبعه بعد سنوات قليلة تأسيس مسرح النصر في سوق التبن ومسرح القوتلي في جادة السنجقدار لتشهد في ستينات القرن الماضي تأسيس مسارح عامة كبيرة، ومنها مسرح القباني حيث استقطب عروضا لفرق مسرحية أجنبية ومحلية ومنها فرقتا الفنانين الكوميديين الراحلين عبد اللطيف فتحي ومحمود جبر، كما استقطب عروض فرق المسرح القومي الذي انطلق أواسط ستينات القرن الماضي وكان من أهم مؤسسيه الفنانون أسعد فضة والراحلون خالد تاجا وعبد الرحمن آل رشي وطلحت حمدي، ليتبعه فيما بعد تأسيس مسرح الحمراء في الصالحية وهو أهم سوق تجارية تتوسط العاصمة السورية دمشق.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.