«الجينوم السعودي».. أول مشروع من نوعه في المنطقة العربية

دراسات معمقة لرصد الطفرات الوراثية في الجينات المسببة للأمراض

الأمير مقرن بن عبدالعزيز مع فريق العمل
الأمير مقرن بن عبدالعزيز مع فريق العمل
TT

«الجينوم السعودي».. أول مشروع من نوعه في المنطقة العربية

الأمير مقرن بن عبدالعزيز مع فريق العمل
الأمير مقرن بن عبدالعزيز مع فريق العمل

يعد مشروع الجينوم البشري خطوة أولى نحو اكتشافات جديدة ومتنوعة تتعلق بالمتغيرات الوراثية الخاصة بمجتمعات مختلفة، كما تفرعت من هذا المشروع مشاريع بحثية أخرى تصب في ذات المجال، تبدأ كلها بفك أسرار الشفرة الوراثية ومعرفة المتغيرات الوراثية.
وإيمانا بأهمية البحث العلمي وتطوير مخرجاته وتحقيقا للتكامل المطلوب في نقل المعرفة وتوطينها، بادرت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بتبني برنامج «الجينوم السعودي» الذي يهدف إلى دراسة المجتمع السعودي وراثيا باستخدام أحدث التقنيات المعملية للتعرف على الخريطة الوراثية للمجتمع السعودي، وتوفير قاعدة بيانات وراثية للاستفادة منها في الرعاية الصحية وفي المجال الطبي والتشخيصي لكثير من الأمراض مثل أمراض القلب والسكري والسرطان. كما يسعى المشروع إلى توفير هذه المعلومات للمجتمع الطبي للاستفادة منها في تكييف العلاج ليناسب المريض فيما يسمى بالعلاج الشخصي.

* ثورة تشخيصية
وتجدر الإشارة إلى أن المسودة الأولية لمشروع الجينوم البشري أعلنت في بداية الألفية الجديدة بحضور رئيس الولايات المتحدة الأميركية ورئيس الوزراء البريطاني، حيث تركز الحديث عن الأهمية العلمية للمشروع وفائدته الإنسانية. ويرجع تاريخ بداية الأبحاث المعمقة عن الجينات إلى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، حيث اعتمدت الاختبارات الجينية في المختبرات التشخيصية لكن تلك الاختبارات شملت أمراضا محددة تعد على أصابع اليد الواحدة حتى التسعينات من القرن الماضي.
وعد الإعلان عن المسودة النهائية للجينوم البشري في عام 2003 ثورة تقنية ملموسة لتطوير التقنيات الخاصة في كل ما يتعلق بالأبحاث الجينية وتطبيقاتها الطبية وبالأخص في مجال التشخيص الوراثي. وكشفت المسودة النهائية للجينوم البشري أن 23 في المائة فقط من التسلسل الجيني مسؤول عن صنع البروتينات. وعليه فإن معرفة تسلسل الحمض النووي يساعد العلماء في تجميع المعلومات حول هذه المركبات الخلوية البروتينية وكيف يمكنها أن تؤدي دورها داخل الخلية. وبالتالي فإن هذه المعلومات توفر أهمية طبية في التشخيص والعلاج. ومع التطور التقني والعلمي توفر المختبرات الآن أكثر من 12 ألف اختبار جيني معتمد لأكثر من 3500 حالة مرضية وراثية.
وتتلخص أهداف هذه الأبحاث في تطوير الاختبارات التشخيصية لتصبح سريعة ودقيقة وذات تكلفة أقل، كمعرفة ما إذا كان لدى الإنسان استعداد وراثي للإصابة بمرض السكري فيتم التدخل مبكرا باستخدام حماية خاصة كإجراء وقائي. وكذلك التعرف على الاستجابة الدوائية وعلاقتها بالموروث الجيني، فعلى سبيل المثال قد تكون استجابة بعض المرضى لجرعة معينة من عقار ما تختلف عن مرضى آخرين بسبب تكوينهم الجيني والعرقي. وأخيرا الانتقال لمرحلة الطب الشخصي والذي يعالج كل حالة بذاتها وليس ضمن تصنيف مرضي مما يزيد من جودة الخدمة الطبية، وكل هذا لا يمكن أن يتحقق من دون الخطوة الأساسية وهي معرفة التركيب الجيني الخاص بكل مجتمع وكل فرد.

* برنامج الجينوم السعودي
أكد الأمير تركي بن محمد آل سعود، نائب رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية لمعاهد البحوث، على حرص المدينة على تعزيز فكرة التعاون البحثي بين مراكز البحوث المختلفة في السعودية، حيث حرصت المدينة على أن تتوفر أكثر من 10 مراكز طرفية في المرحلة الأولى من المشروع في مناطق مختلفة من المملكة بحيث يتسنى نقل وتوطين المعرفة عبر هذه المراكز. وبين الأمير تركي بن محمد بأن لهذا المشروع أهميته العلمية والطبية كون السعودية رائدة عالميا في هذا المجال، كما أنه أول مشروع من نوعه في المنطقة العربية، حيث يؤسس لثقافة البحث والتعاون العلمي داخليا وخارجيا كما أنه ينتقل بالبحث العلمي إلى مجالاته التطبيقية المفيدة في التشخيص والعلاج.
وحول آلية العمل القائمة لدراسة الجينوم البشري، ذكر الدكتور سلطان السديري، المدير التنفيذي لمركز الأبحاث بمستشفى الملك فيصل التخصصي بأن برنامج الجينوم السعودي سيشمل مساري بحث رئيسين، الأول: معرفة التسلسل القاعدي البشري باستخدام تقنية الجيل الثالث المختبرية (الجينوم / الأكسوم) – ودراسة «تسلسل الأكسوم» هي دراسة التسلسل الجيني بطريقة انتقاء مواقع معينة من الجينوم تصنع فيها البروتينات. والثاني: توثيق جميع الطفرات الوراثية في كل الجينات المسببة للأمراض الوراثية، حيث يشمل الأول للدراسات العائلية لمعرفة الموروثات المسببة لبعض الأمراض الوراثية والتي لم تكتشف بعد وأيضا معرفة التسلسل القاعدي الطبيعي للأفراد الذين ليس لديهم أي أمراض وراثية. ويشمل الثاني دراسات متخصصة على 14 حزمة جينية تشمل ثلاثة آلاف جين (مورثات مسؤولة عن المرض) تم التعرف عليها سابقا كمسبب لأمراض وراثية وتشمل أمراض المناعة، والقلب والأوعية الدموية، والاعتلالات العصبية، وأمراض الكلى، والعيون، والصمم، والتشوهات الشكلية، وأمراض التمثيل الأيضي وغيرها.
في المسار الأول، سيتم التعرف على موروثات جديدة مسببة للأمراض وهذا سيكون له تأثيره في المجتمع العلمي عالميا، وفي المسار الثاني، سيتم تحديد جميع الطفرات الوراثية لدى المرضى السعوديين مما سيعود بالفائدة على الخدمات الصحية. ويقول الدكتور السديري: «هذا التصميم الفريد للمشروع يميزه عن بقية مشاريع الجينوم لأنه يصب في مسار الطب الشخصي».

* آلية المشاركة
يمكن لأي باحث لديه موافقة أخلاقية للبحث في المسببات الوراثية لأي مرض جيني أن يشارك بتقديم عيناته التي تحمل موافقة أخلاقية لدراستها بواسطة تقنية الجيل الثالث لتحليل التسلسل القاعدي عبر أي مركز من المراكز المشاركة، وهذا ما أشار له الدكتور عبد الله العواد، الباحث في مجال الخلايا الجذعية، مشيرا إلى أن المشروع يولي أهمية كبيرة في الحفاظ على خصوصية المشاركين وعدم الإفصاح عن معلوماتهم الشخصية، حيث يتم التعامل مع العينات المقدمة وفق أرقام معينة تحفظ سرية المعلومة. ويقول الدكتور العواد في هذا الصدد: «هناك قواعد وقوانين تحدد المشاركة البحثية بما فيها قوانين النشر واستخدام المعلومات، وكل هذا موضح في موقع المشروع، وللباحثين المشاركين فرصة الاستفادة من قاعدة البيانات الخاصة بالمشروع، وأيضا الاستفادة من خدمات قسم المعلومات الحيوية، والذي يعتمد في تحليل النتائج وتخزينها على أضخم جهاز حاسب آلي من نوعه تم تطويره وتخصيصه لهذا المشروع».
وبالحديث عن مخرجات مشروع «الجينوم السعودي»، فقد تم تدريب أول مجموعة من الفنيين السعوديين في مركز التدريب بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، مكون من 10 أفراد للتعامل مع هذه التقنية الحديثة بدءا من تحضير العينات وحتى تحليل النتائج، وبدأ الآن تدريب المجموعة الثانية من الفنيين. وأوضح الدكتور ممدوح البقمي، نائب مركز الأبحاث بمستشفى الملك فيصل التخصصي أنه تم ترتيب كل الأمور التنظيمية باستلام العينات وتسجيلها عبر برنامج تسجيل خاص يقوم بمتابعة تطور العمل على العينة منذ استقبالها في وحدة الاستقبال الرئيسة للأحماض النووية في مستشفى الملك فيصل التخصصي وحتى الانتهاء منها والحصول على النتائج، وكل ذلك يتم إلكترونيا وبطريقة منظمة وذلك لتقليل فرصة الخطأ.
وبلغة الأرقام، أشار الدكتور البقمي، إلى أنه تم الانتهاء من تحليل التسلسل القاعدي لأكثر من 200 عينة في المسار الأول «الجينوم» ونحو 200 عينة في مسار دراسة المورثات المسببة، وتم اختبار الطرق التحليلية وتطوير بعض البرامج الحاسوبية للتعرف على الموروثات المسببة. ويعلق الدكتور البقمي: «يتوقع من هذا المشروع فوائد جمة، أهمها تأسيس قاعدة علمية للطب الشخصي، فهذه المعلومات حين تتوفر للمجتمع العلمي والطبي ستساعد في التشخيص وفي الدراسات الإكلينيكية الخاصة بالعقاقير والاستجابة لها، وهذا ما يميز البرنامج كونه متكاملا ويربط المعرفة بالتطبيق».



«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر
TT

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

ماذا لو كان هناك مقياس واحد يمكنه رصد كل جانب من جوانب صحتك؛ بدءاً من مدى قوتك، ووضوح رؤيتك، ووصولاً إلى حدة تفكيرك؟ هذا هو الهدف من مفهوم «القدرة الذاتية» (Intrinsic Capacity)، وهو مقياس شامل لما يمكن أن ينجزه جسم الإنسان وعقله. (القدرة الذاتية هي مفهوم طبي وصحي عام، تُعرّفه منظمة الصحة العالمية بأنه مجموع جميع القدرات البدنية والعقلية التي يمكن للفرد الاعتماد عليها في أي مرحلة من مراحل حياته - المحرر).

الخصائص الداخلية والأداء

• الخصائص والأداء. يقول الدكتور جون بيرد، أستاذ «الشيخوخة المنتجة» في كلية «ميلمان» للصحة العامة بجامعة كولومبيا الذي ساهم في تطوير هذا المفهوم: «إنه ليس مصطلحاً جذاباً أو مثيراً»، لكنه منطقي من الناحية العلمية. ويضيف موضحاً: «كلمة ’ذاتية‘ (Intrinsic) تشير إلى كل تلك الخصائص التي يمكن نسبتها إلى الفرد من الداخل (أي ما يقع داخل حدود الجسم)، فيما تشير كلمة ’القدرة‘ (Capacity) إلى مستوى أداء الفرد الوظيفي».

لا يمكنك أن تطلب من طبيبك فحص «قدرتك الذاتية» في الوقت الراهن، لكن الخبراء يأملون أن يستخدم الأطباء هذا «المقياس» مستقبلاً مع المرضى كبار السن لمتابعة حالتهم الصحية ورفاهيتهم، وربما مع المرضى الأصغر سناً أيضاً. وعلى المدى القريب، يعتقد العلماء المتخصصون في أبحاث طول العمر أن هذا المقياس قد يكون المفتاح لتحديد ما إذا كان دواء ما أو تغيير في نمط الحياة - يهدف إلى إبطاء الشيخوخة - فعالاً بالفعل.

• كيف تحدد درجات القدرة الذاتية؟ تم تعريف «القدرة الذاتية» رسمياً في عام 2015 من قبل منظمة الصحة العالمية كجزء من مبادرتها للشيخوخة الصحية؛ وهي مبادرة تهدف جزئياً إلى توجيه الأطباء والعلماء للابتعاد عن التركيز على المرض، والتركيز بدلاً من ذلك على تعظيم القدرات الوظيفية لكبار السن والحفاظ عليها.

يستمد الخبراء درجة «القدرة الذاتية» للفرد من أدائه في خمسة «مجالات فرعية»: الإدراك، والحركة (القوة والقدرة على التنقل)، والقدرة الحسية (البصر والسمع)، والرفاه النفسي، والحيوية (مستويات الطاقة العامة والقدرة على الصمود أمام الضغوط البدنية). وتُستخدم بالفعل العديد من الاختبارات التي تقيّم هذه المجالات الفرعية لتقييم صحة كبار السن، مثل اختبار قوة قبضة اليد وسرعة المشي.

وقد أظهر الباحثون وجود ارتباط بين «القدرة الذاتية» ومخاطر الإصابة بالعجز والوفاة لدى كبار السن. لكن الخبراء يشيرون إلى أن القيمة السريرية الحقيقية ستكمن في متابعة «القدرة الذاتية» للشخص بمرور الوقت؛ إذ يمكن أن يتيح ذلك للأطباء رصد أي علامات للتدهور في مرحلة مبكرة واتخاذ خطوات لوقف هذا المسار أو إبطائه.

ويقول بيرد: «حتى عندما يتمتع الأشخاص بصحة قوية ولا يعانون من أي أمراض، لا يزال بإمكاننا رصد تغيرات في القدرة الذاتية». «وهذا يتيح لك البدء في التفكير في العوامل التي تجعل قدرات الناس متفاوتة، وكيف يمكننا التدخل في مرحلة مبكرة جداً لمحاولة الحيلولة دون تدهور هذه القدرات في مراحل لاحقة من العمر».

في الوقت الراهن، تقتصر فائدة العديد من الاختبارات التي تقيّم عناصر «القدرة الذاتية» مثل اختبارات الكشف عن الضعف الإدراكي، على كبار السن؛ نظراً لأن الأشخاص الأصغر سناً والأكثر صحة يحققون عادةً درجات كاملة أو شبه كاملة. غير أن العلماء يدرسون حالياً إمكانية استخدام مقاييس أخرى - تتسم بقدر أكبر من التباين في النتائج عبر مختلف الفئات العمرية - لتقييم القدرة الذاتية لدى الشباب أيضاً.

برامج وأبحاث لاستخدام المقياس

• تجربة فرنسية. تخضع القدرة الذاتية للدراسة في إطار تجارب سريرية، بما في ذلك تجربة عملية تُجرى حالياً في فرنسا. ففي هذه الدراسة، يقوم كبار السن بانتظام بتعبئة استبيان لتقييم قدراتهم الذاتية، ويتلقون توصيات مخصصة بناءً على نتائجهم. وإذا بدأت درجات الفرد في الانخفاض، تتم إحالته بسرعة إلى طبيبه أو إلى ممرض متخصص في رعاية المسنين لإجراء فحوصات متابعة وتلقي العلاج اللازم.

لا تزال هذه الأبحاث في مراحلها الأولية، ولم يتضح للعلماء بعد ما إذا كان التدخل المبكر - استناداً إلى نتائج تقييم القدرة الذاتية - سيساعد في إطالة العمر. وفي هذا الصدد، قال ديفيد فورمان، الأستاذ في «معهد باك لأبحاث الشيخوخة» (Buck Institute for Research on Aging) الذي تعاون مع الباحثين القائمين على الدراسة: «نتوقع أن يحدث ذلك، لكننا لا نملك البيانات الكافية بعد». وتجدر الإشارة إلى أن دراسة مماثلة حول القدرة الذاتية - وهي الأولى من نوعها في الولايات المتحدة - قد بدأت أخيراً في ولاية نيو مكسيكو.

• برنامج بحثي أميركي. كما تُعد «القدرة الذاتية» محوراً لبرنامج بحثي جديد تموله وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة للصحة (ARPA-H)، وهي وكالة تابعة لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية. ويتمثل الهدف النهائي للبرنامج في تمهيد الطريق أمام اعتماد أدوية تزيد من «فترة الصحة» (أي الفترة التي يعيشها الإنسان بصحة جيدة) من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA).

وحتى الآن، لا توجد أدوية معتمدة لإطالة العمر، وذلك لعدة أسباب: أحدها صعوبة تحديد ما إذا كان الدواء يزيد من العمر الافتراضي؛ إذ يتطلب ذلك إجراء تجربة سريرية تمتد لعقود، وهي عملية باهظة التكلفة للغاية. لذا، يبحث العلماء عن مؤشرات بديلة لعملية الشيخوخة يمكن استخدامها لهذا الغرض، ويعتقدون أن «القدرة الذاتية» قد تكون هي المؤشر المناسب.

وثمة عقبة أخرى تتمثل في أن إدارة الغذاء والدواء لا تعتبر الشيخوخة مرضاً، وبالتالي فهي لا تُقيّم الأدوية بناءً على قدرتها على تغيير مسار عملية الشيخوخة. ويرى أندرو براك، الذي يقود برنامج وكالة «ARPA-H»، أن مفهوم «القدرة الذاتية» قد يوفر وسيلة لتجاوز هذه العقبة. وهذه الفكرة ليست جديدة كلياً؛ فبعد جدل طويل حول تصنيف الشيخوخة كمرض، أدرجت منظمة الصحة العالمية في عام 2022 مصطلح «التدهور في القدرة الذاتية المرتبط بالشيخوخة» ضمن الإصدار الحادي عشر من التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11).ومن خلال مشروع وكالة «ARPA-H»، يسعى العلماء لإثبات أمرين رئيسيين: أولاً، أن القدرة الذاتية للفرد ترتبط بكيفية شعوره أو أدائه الوظيفي أو حتى بطول عمره؛ وثانياً، إمكانية تحسين هذه القدرة من خلال تغييرات في نمط الحياة - مثل ممارسة الرياضة - أو باستخدام أدوية موجودة بالفعل يُعتقد أنها تساهم في إطالة العمر، مثل أدوية «GLP-1». وفي حال نجاح هذا المسعى، قد تصبح «القدرة الذاتية» مقياساً لتقييم الأدوية التي تستهدف الشيخوخة، ما قد يفتح الباب أخيراً أمام اعتماد أول دواء لإطالة العمر من قِبَل إدارة الغذاء والدواء.

خدمة «نيويورك تايمز»


تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل
TT

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

كشفت دراسة بريطانية جديدة أن تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل ولا يبقى ثابتاً طوال مرحلة الطفولة. وأشارت إلى أن التغيرات الجينية النادرة المرتبطة بالقدرات المعرفية تكون أكثر تأثيراً في السنوات الأولى من العمر ثم يتراجع ارتباطها مع تقدم الطفل في السن، بينما يزداد تأثير التغيرات الجينية الشائعة في المراحل اللاحقة من الطفولة.

لغز محيّر في علم الوراثة

وتقدم هذه النتيجة تفسيراً محتملاً لأحد الألغاز المحيرة في علم الوراثة: لماذا يمكن لبعض الأطفال أن يحملوا تغيراً جينياً مرتبطاً بالإعاقة الذهنية أو اضطرابات النمو العصبي في حين يحمل أحد والديهم التغير الجيني نفسه من دون أن تظهر عليه أعراض واضحة؟ وقد تساعد الدراسة الجديدة في فهم الكيفية التي تتغير بها آثار الاختلافات الجينية خلال مراحل النمو ولماذا قد تكون بعض التأثيرات أكثر وضوحاً في الطفولة المبكرة منها في مراحل لاحقة.

وتابعت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد ويلكوم سانغر في المملكة المتحدة ونُشرت في مجلة Nature Human Behaviour في 10يوليو (تموز) 2026، العلاقة بين الاختلافات الجينية والقدرات المعرفية عبر مراحل مختلفة من الطفولة.

ويشير مفهوم «القدرة المعرفية» Cognitive ability إلى مجموعة من المهارات العقلية مثل حل المشكلات واكتشاف الأنماط والتذكر والتعلم، وهي قدرات ترتبط لاحقاً بالتحصيل الدراسي بل وببعض النتائج الصحية والاقتصادية في مرحلة البلوغ.

السنوات الأولى مرحلة شديدة الحساسية

كما حلل الباحثون بيانات وراثية لأكثر من 6400 طفل من دراسة بريطانية طويلة الأمد تُعرف باسم «أطفال التسعينيات» (ALSPAC) Avon Longitudinal Study of Parents and Children وكانت قدراتهم المعرفية قد قِيست في أعمار 4 و8 و16 عاماً. كما استخدموا بيانات من دراسات بريطانية أخرى بينها «دراسة الألفية» Millennium Cohort Study و«بنك المملكة المتحدة الحيوي» UK Biobank للتحقق من بعض النتائج.

وركز الفريق على نوعين من الاختلافات في الحمض النووي (دي إن إيه): الأول هو «التغيرات الجينية النادرة» وهي تغيرات لا توجد إلا لدى عدد قليل من الأشخاص ويمكن لبعضها أن يعطل وظيفة الجينات أو يضر بها. والثاني هو «التغيرات الجينية الشائعة» وهي ملايين الاختلافات الصغيرة المنتشرة بين السكان والتي لا تؤدي عادةً إلى تلف مباشر للجينات، لكنها قد تؤثر في طريقة عملها ونشاطها.

وعندما قارن العلماء تأثير هذه الاختلافات عبر الأعمار ظهرت صورة لافتة. فقد كان الارتباط بين التغيرات الجينية النادرة والقدرات المعرفية أقوى عند سن الرابعة ثم أخذ في الانخفاض تدريجياً ليصبح أضعف عند سن السادسة عشرة.

لكن الصورة انعكست بالنسبة إلى التغيرات الجينية الشائعة، إذ أصبح ارتباطها بالقدرات المعرفية أقوى مع تقدم الأطفال في العمر.

لغز «النفاذية غير الكاملة»

قد تساعد هذه النتيجة في تفسير ظاهرة معروفة لدى علماء الوراثة باسم «النفاذية غير الكاملة» incomplete penetrance حيث لا يؤدي وجود تغير جيني مرتبط باضطراب معين بالضرورة إلى ظهور الحالة لدى كل شخص يحمله.

وفي بعض العائلات يمكن لأحد الوالدين أن يحمل تغيراً جينياً نادراً معروفاً بارتباطه بالإعاقة الذهنية أو اضطرابات النمو العصبي من دون أن يبدو متأثراً به، بينما قد تظهر آثار أكثر وضوحاً لدى طفله.

وتشير الدراسة إلى احتمال أن يكون بعض هذه التأثيرات أكثر بروزاً في مرحلة مبكرة من النمو ثم يتراجع مع تقدم الطفل في العمر. لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتيجة تحتاج إلى مزيد من الدراسة ولا تعني أن الأطفال «يتغلبون» بالضرورة على تأثير التغيرات الجينية أو أن خطر الاضطراب يختفي مع العمر.

الجينات في مواجهة البيئة

كما قارن الباحثون التأثيرات الجينية بعوامل بيئية وصحية أخرى يمكن أن تؤثر في القدرات العقلية.

وكانت المفاجأة أن ارتباط الاختلافات الجينية الشائعة بمعدل الذكاء كان على الأقل بقوة الارتباط نفسها بتعليم الوالدين. أما تأثير التغيرات الجينية النادرة الضارة فكان مشابهاً في حجمه لتأثير عوامل مثل الولادة المبكرة أو إصابة الأم بمرض خلال الحمل مع تراجع تأثير التغيرات النادرة مع تقدم الأطفال في العمر.

لكن هذه النتائج لا تعني أن الجينات تحدد مستقبل الطفل العقلي. فالقدرات المعرفية تتشكل من تفاعل معقد بين الوراثة والبيئة والتعليم والصحة وظروف الحمل والتجارب التي يمر بها الطفل. وتكمن أهمية الدراسة في أنها تضيف عاملاً مهماً إلى هذه المعادلة، ألا وهو العمر نفسه، قد يغير الطريقة التي تظهر بها التأثيرات الجينية.

ويرى الباحثون أن السنوات الأولى من الحياة قد تشكل نافذة مهمة لفهم كيفية تأثير بعض الاختلافات الجينية في نمو الدماغ والقدرات المعرفية وأن الجمع بين البيانات الجينية والمتابعة الطويلة للأطفال قد يساعد مستقبلاً في تفسير أسباب بعض اضطرابات النمو العصبي وتحسين فهم الاختلافات الفردية في التعلم والتطور. ويقول دانيال مالاوسكي، الخبير في برنامج الوراثة البشرية معهد «ويلكوم سانجر» بالمملكة المتحدة الباحث الأول في الدراسة، إن النتائج تشير إلى أن تأثير الاختلافات الجينية يمكن أن يتغير بصورة كبيرة خلال الطفولة، بينما يؤكد الباحثون أن توفُّر المزيد من بيانات التسلسل الجيني من الدراسات السكانية طويلة الأمد سيتيح فرصة غير مسبوقة لدراسة كيف تتفاعل الجينات مع النمو والبيئة طوال حياة الإنسان.


العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي
TT

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

لقد استبعدت في السابق نماذج مناخية كانت تتوقع حصول معدلات احترار أعلى عند مستوى معين من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، باعتبارها نماذج غير واقعية، إلا أن طريقة جديدة لتقييم هذه النماذج تشير إلى تميّزها بالدقة.

تقديرات متفاوتة

ونقلت مجلة «نيوساينتست» البريطانية عن جيرغانا غيوليفا، الباحثة في «المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ» (ETH Zurich): «بالنسبة لمسار انبعاثات محدد، نتوقع أن تكون معدلات الاحترار أعلى بنسبة 25 في المائة». ولهذا الاستنتاج تداعيات هائلة، فعلى سبيل المثال يتوقع مشروع «تتبع العمل المناخي» (Climate Action Tracker) حالياً أن يرتفع متوسط درجات حرارة سطح الأرض بحلول عام 2100 بمقدار 2.6 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية إذا طبقت الدول سياساتها الحالية. غير أن نتائج فريق غيوليفا تشير إلى أننا نتجه بدلاً من ذلك نحو ارتفاع قدره 3.25 درجة مئوية.

يعتمد حجم الاحترار العالمي على كمية ثاني أكسيد الكربون الإضافية التي نطلقها في الغلاف الجوي وكيفية استجابة الكوكب لهذا الغاز. وتختلف النماذج المناخية فيما بينها بشأن مقدار الاحترار المتوقع عند مستوى معين من ثاني أكسيد الكربون؛ إذ تشير بعض النماذج، على سبيل المثال، إلى أن مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون ستؤدي إلى ارتفاع متوسط درجة حرارة سطح الأرض بنحو 1.6 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية على المدى القصير، بينما تشير نماذج أخرى رإلى أن الارتفاع قد يصل إلى 3 درجات مئوية.

وتقول غيوليفا: «إن هذا النطاق واسع، والأمر في غاية الأهمية. لذا فإن الهدف هو تحديد أي من هذه النماذج هو الصحيح».

في السابق، كان يتم ذلك باستخدام النماذج المناخية لمحاكاة الماضي القريب؛ حيث تُغذى النماذج ببيانات حول انبعاثات الغازات الدفيئة على مدار القرن الماضي أو نحو ذلك، ثم تُقارن استجابة المناخ المتوقعة فيها بما حدث بالفعل.

وفي التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، أظهرت العديد من هذه النماذج محاكاة لاحترار يفوق ما حدث فعلياً، ولذلك استُبعدت. واستناداً إلى النماذج المتبقية، خلص التقرير الأخير للهيئة إلى أن مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون ستؤدي إلى احترار يتراوح بين 1.2 و2.4 درجة مئوية على المدى القصير، مع تقدير مرجح يبلغ 1.8 درجة مئوية.

تباين مناخ الأرض

إلا أن مناخ الأرض يشهد تبايناً كبيراً، فعلى سبيل المثال، خلال ظاهرة «لا نينيا» (La Niña) المناخية، تنتشر مياه البحر الأكثر برودة -القادمة من الأعماق- عبر المحيط، ما يؤدي إلى انخفاض درجات حرارة السطح. لذا، قامت غيوليفا وزملاؤها بتنقية السجل المناخي التاريخي في محاولة لعزل تأثير التباين الناجم عن ظواهر مثل «لا نينيا».

وتشير نتائج فريقها العلمي إلى أن التباين الطبيعي قد حدّ من ارتفاع درجات الحرارة في الفترة ما بين عامي 1981 و2014؛ وهي الفترة التي شهدت ما يُعرف بـ«فترة توقف الاحترار العالمي» خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتقول غيوليفا: «إنها تحديداً تلك الفترة -من 1981 إلى 2014- التي استُخدمت في الدراسات السابقة، حيث يظهر أقوى انحراف نحو القيم المنخفضة. لقد مثّل ذلك سوء حظٍّ حقيقي».

إن تصحيح هذا الانحراف وحده يؤدي إلى تقديرات أعلى للاحترار المتوقع نتيجة تضاعف مستويات ثاني أكسيد الكربون. غير أن فريق غيوليفا قيّم أيضاً النماذج المناخية باستخدام نهج جديد؛ إذ تقوم أجهزة مثبتة على عدة أقمار صناعية بقياس كمية الإشعاع الشمسي قصير الموجة الذي يدخل الغلاف الجوي، وكمية الإشعاع طويل الموجة المنبعث منه. ويُعد الفارق بين كمية الطاقة الحرارية الداخلة إلى الغلاف الجوي وتلك الخارجة منه المقياسَ الجوهري الأهم لظاهرة الاحترار العالمي.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار مدى دقة النماذج في توقع اتجاهات الإشعاع الداخل والخارج -مع تزايد حرارة العالم- مقياساً لأدائها أفضل من توقعاتها لدرجات حرارة سطح الأرض. ولكن، ونظراً لأن قياسات الأقمار الصناعية اللازمة لهذا الغرض لم تبدأ إلا في عام 2001، فقد أصبح هذا النوع من التقييم ممكناً في الآونة الأخيرة فقط.

وضع نماذج مناخية مطورة

ووجد الفريق أن النماذج التي تتوافق بشكل أفضل مع الاتجاهات المرصودة في الإشعاع قصير الموجة وطويل الموجة تتوقع درجات احترار أعلى بكثير. واستناداً إلى النماذج التي حققت أفضل أداء في كلا نوعي التقييم، خلص الفريق إلى أن مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون ستؤدي إلى ارتفاع في درجات الحرارة يتراوح بين 1.9 و2.6 درجة مئوية، مع تقدير مرجح يبلغ 2.25 درجة مئوية. ونشرت نتائج الفريق في دورية «Earth›s Future doi.org/rkn8».

وتقول غيوليفا: «نحتاج إلى تأكيد نتائجنا بمزيد من الأدلة المستمدة من مصادر مختلفة قبل أن نتمكن من إبداء ثقة تامة». وتقول ترودي ستوريلفمو، من جامعة أوسلو في النرويج: «يبدو هذا نهجاً سليماً». ويقول درو شينديل، من جامعة ديوك في ولاية كارولينا الشمالية: «في رأيي، تُعد عملية استبعاد التباين الطبيعي خطوة قيّمة إلى الأمام»، رغم أنه لم يقتنع بعد بأن الاتجاهات المتعلقة بالإشعاع قصير الموجة وطويل الموجة تمثل وسيلة جيدة لتقييم النماذج.

ويقول ستيفن شيروود، من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني: «أعتقد أنها استنتاج منطقي ونهج معقول». لكن شيروود يشير إلى أن هذه النتائج تستند إلى نماذج مناخية، ولا يوجد أي منها يعيد محاكاة الظواهر الرئيسية بدقة عالية. ويضيف: «لتحقيق نتائج أفضل في هذا الصدد، نحن بحاجة ماسة إلى نماذج مناخية أكثر تطوراً. ومن ناحية أخرى، فإن الارتفاع الحاد في درجات الحرارة خلال السنوات القليلة الماضية سيؤدي حتماً إلى تقديرات لنطاقات حرارية أعلى، بغض النظر عن المنهجية المستخدمة».