رئيس «طيران الخليج»: الشركة عادت للمسار الصحيح والمنافسة في السوق الخليجية «شرسة»

ماهر المسلم يؤكد لـ«الشرق الأوسط» إنهاء ملف الديون مع القطاع الخاص

ماهر المسلم الرئيس التنفيذي لشركة طيران الخليج متحدثا لـ«الشرق الأوسط»
ماهر المسلم الرئيس التنفيذي لشركة طيران الخليج متحدثا لـ«الشرق الأوسط»
TT

رئيس «طيران الخليج»: الشركة عادت للمسار الصحيح والمنافسة في السوق الخليجية «شرسة»

ماهر المسلم الرئيس التنفيذي لشركة طيران الخليج متحدثا لـ«الشرق الأوسط»
ماهر المسلم الرئيس التنفيذي لشركة طيران الخليج متحدثا لـ«الشرق الأوسط»

واجهت شركة طيران الخليج ظروفا مالية قاسية منذ عام 2010، تفاقمت هذه الظروف أكثر في الفترة بين عامي 2011 و2012، ووصلت بسببها الشركة إلى شفير الإفلاس، لولا تقديم دعم بلغ 1.7 مليار دولار لإنقاذ الشركة، وخاضت الشركة عملية إعادة هيكلة ضخمة.
ماهر المسلم الرئيس التنفيذي المكلف لشركة طيران الخليج في حديث مع «الشرق الأوسط»، أكد أن الشركة بدأت الخروج جزئيا من أزمتها، فالشركة خلال العام الماضي أنهت كافة مديونياتها الخارجية ولم يتبق عليها سوى الدين الحكومي.
كما أكد المسلم أن العام الحالي سيشهد إطلاق مجموعة فالكون وهي شركة قابضة تملكها الحكومة البحرينية، ستجمع تحت مظلتها كل النشاطات المتعلقة بمجال الطيران في البحرين، أسوة بدول مجلس التعاون الأخرى التي تتولى فيها جهة واحدة إدارة كافة النشاطات المتعلقة بالطيران.
وفي الحوار ذاته أكد المسلم أن «طيران الخليج» لم تنافس على رخصة الطيران الداخلي السعودي، وإنما قدمت دراسة استشارية وخطة عمل لتأسيس شركة طيران سعودية.

* ما أسباب تكبد شركة طيران الخليج كل هذه الخسائر؟
- شركة طيران الخليج كانت مملوكة لأربع دول هي: البحرين وقطر والإمارات وعمان، وبعد خروج قطر والإمارات وعمان من ملكية «طيران الخليج» وتأسيس شركات كانت هي المنافس لـ«طيران الخليج»، هذه الشركات الضخمة التي تملك الأرض والسماء تقود استثمارات مهولة في مجال الطيران لا يمكن منافستها، هي الآن تمتلك أساطيل ضخمة وتصل إلى كل منطقة في العالم، وأعلنت عن صفقات ضخمة في معرض دبي للطيران الأخير، و«طيران الخليج» في هذه الحالة ليست قادرة على المنافسة، فقط تنافس على مستوى إقليمي ولها بعض الخطوط الخارجية التي توصلها بالعالم، خصوصا بعض الدول والعواصم التي ترتبط البحرين بها باستثمارات أو بينها نشاط تجاري، وهذه أهمية الشركة بالنسبة للبحرين، البحرين جزيرة يجب أن تتواصل مع العالم عبر الطيران وشركة طيران الخليج توفر لها هذه المهمة.
* لكن الشركة ورثت ديونا ضخمة فكيف سيجري التعامل معها؟
- هناك معلومة مهمة وهي أن الشركة بنهاية عام 2013 لم يكن عليها أي ديون خارجية، فقط ديونها المسجلة عليها للحكومة البحرينية، وكل ارتباطات الشركة هي داخلية حكومية فقط، ولا يوجد لأي شركة أو مؤسسة من القطاع الخاص أو خارجية لها مديونية على شركة طيران الخليج.
ومنذ تسلمت الإدارة الحالية مهامها في تسيير أعمال الشركة من بداية عام 2013، أوفت بكل التزاماتها المالية ولم تتأخر عن الاستثمار.
* في العام الماضي خاضت الشركة أكبر عملية تسريح موظفين في منطقة الخليج منذ الأزمة المالية العالمية، هل أغلقت الشركة هذا الملف أم ما زال لديها المزيد من الموظفين المسرحين؟
- في بداية عام 2013 بدأت شركة طيران الخليج عملية إعادة هيكلة ضخمة، هذه العملية كانت لها عدة عناصر رئيسة، العنصر الأول إغلاق المحطات غير المربحة بالنسبة للشركة، وتم إغلاق ثماني محطات لم تكن مجدية من الناحية الاقتصادية.
العنصر الثاني في عملية إعادة الهيكلة كان إعادة الطائرات المستأجرة وتم إعادة 12 طائرة إلى الجهات التي كانت مستأجرة منها، إضافة إلى طائرتين تملكهما الشركة أوقفت خدماتهما وستعرضهما للبيع، وهذا العدد يمثل ثلث أسطول طيران الخليج، بمعنى أن الشركة قلصت أسطولها بمعدل الثلث.
العنصران الأول والثاني وهما تقليل المحطات وتقليل الأسطول أديا إلى تقليل عدد الموظفين، وتم خفض عدد الموظفين بنحو 27 في المائة، وتم تسريحهم، وفي البداية طرحت الشركة فكرة تسريح 1266 موظفا وأبلغت نقابة العمال والموظفين بذلك، الآن وصلت الشركة إلى تسريح أكثر من ألف موظف، والآن وصلت الشركة إلى المرحلة التي ستتوقف فيها عن هذا الإجراء، وفي الواقع ليس تسريحا وإنما اتفاق بين الشركة والموظف للتقاعد الاختياري.
كل موظفي الشركة خرجوا منها وهم راضون عن التسوية التي حصلوا عليها، فقط عدد من الموظفين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة لجأوا للقضاء، وكان الحكم في أول قضية لصالح الشركة، وباقي القضايا ستبنى على حكم القضية الأولى.
والواقع أن الشركة في تسويتها مع الموظفين الذين سرحتهم تجاوزت القانون البحريني، وأعطت موظفيها ضعف ما ينص عليه القانون، والعملية كما وصفت بالضخمة لم يكن لها تبعات قضائية أو قانونية، وتمت بالتراضي بين الطرفين.
والعنصر الثالث في عملية إعادة الهيكلة، كان مناقشة العقود والالتزامات التي كانت على الشركة للشركات الأخرى، ولا بد من تسويتها وتحويلها وفق التوجه الجديد للشركة.
* كم تحتاج شركة طيران الخليج من الوقت حتى تخرج من نفق الخسائر؟
- كان العام الماضي عام خير على الشركة، أنجزت فيه الشركة إعادة الهيكلة التي حولت الشركة إلى المسار الصحيح، ولم تزد أعباء الشركة، الشركة الآن من الشركات الثلاث الأولى عالميا في الالتزام بالتوقيت، كما تمكنت الشركة من تقليل خسائرها بما يزيد على 52 في المائة، وكانت عملية إعادة الهيكلة تستهدف خفض الخسائر السنوية بمعدل 45 في المائة، إلا أن النتائج كانت أفضل بعد تنفيذ عملية إعادة الهيكلة.
وزادت نسبة الأيدي البحرينية حيث بلغت نسبة البحرنة 65 في المائة، على مستوى الشركة وهذا أعلى رقم تصل له الشركة، وفي مقر الشركة في البحرين 86 في المائة.
* عادت بعض المحطات الإيرانية، لكن أعمال الشركة لم تعد كما كانت في السابق، وأقصد قبل أحداث 14 فبراير (شباط) 2011؟
- «طيران الخليج» بعد انسحابها من السوق الإيرانية دخلت شركات أخرى بديلة عنها، وأصبحت منافسة لها في هذه السوق، رجعت «طيران الخليج» إلى مشهد بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والأمل أن تعود محطة طهران بداية مارس (آذار) المقبل، وعودة «طيران الخليج» إلى السوق الإيرانية لم تكن في موسم نشاط السفر إليها.
ستعود «طيران الخليج» إلى السوق الإيرانية وهي على ثقة بأنها تمتلك رصيدا وسمعة ستجعلها لاعبا مهما في هذه السوق، بناء على السمعة التي بنتها في الماضي.
* لماذا خرجت «طيران الخليج» من المنافسة في السوق السعودية؟
- «طيران الخليج» لم تخرج من منافستها في السوق السعودية، بل على العكس من ذلك زادت رحلاتها إلى المحطات السعودية، هناك ثلاث رحلات إلى الرياض يوميا، ومثلها إلى جدة، وأربع رحلات يوميا إلى الدمام، وكذلك المدينة المنورة، وننظر إلى الطائف، والأحساء ضمن خططنا التوسعية في السوق السعودية، كما تعتبر «طيران الخليج» السعودية سوقها أو بيتها، لذلك هي لم تخرج من هذه السوق.
* المقصود المنافسة على رخصة الطيران الداخلي؟
- لم تنافس «طيران الخليج» على رخصة الطيران الداخلي في السعودية، وأوضحت الشركة ذلك أكثر من مرة بأنها لم تنافس على رخصة الطيران الداخلي، وإنما دخلت كمستشار لشركة سعودية نافست على الرخصة فقط، وباتفاقية مع الجهة التي طلبت استشارتها، وقدمت لها خطة العمل كجهة استشارية فقط ولم يكن دور «طيران الخليج» أكثر من ذلك، وكسبت الجهة التي قدمت لها «طيران الخليج» الرخصة، والبيان الذي أصدرته إدارة الطيران المدني السعودي ذكر أن «طيران الخليج» و«القطرية» ربحتا الرخصة المحلية، ونفينا هذا الأمر في حينه، وربما أشير إلى «طيران الخليج» كون الشركة التي حصلت على الرخصة غير معروفة في مجال الطيران، أو ربما أوهمت المسؤولين في الطيران المدني السعودي أن «طيران الخليج» شريكة لها، وحاولنا بشتى الطرق التأكيد أننا لم ننافس على الرخصة السعودية، لكن ذلك أخذ وقتا طويلا وما زال.
* الشركة أغلقت كثيرا من محطاتها العالمية، وبدأت في استعادة بعضها لكن ذلك يجري ببطء شديد؟
- كان هدف إدارة الشركة في بداية عام 2013، التخلص من الأعباء ومن المحطات غير المربحة، وأوقفت هذه المحطات وبعضها محطات استراتيجية مؤقتا لدراسة أفضل السبل لإعادتها إلى قائمة محطات الشركة، في مقابل ذلك عادت الشركة إلى خمس محطات جديدة، وتدرس محطات أخرى بناء على توجهات الشركة وإمكانات أسطولها الجوي.
* الشركة ألغت عقودا ضخمة لشراء الطائرات ما يعني أنها ستستمر بأسطول قديم يحتاج إلى مبالغ ضخمة للصيانة.. كيف ترون ذلك؟
- كانت هناك عقود مع شركة إيرباص لم تلغها الشركة، وإنما حولتها إلى نوع آخر من الطائرات، وتفاوضت فيما يخص هذه العقود ونوعية الطائرات، حيث وقعت «طيران الخليج» اتفاقية مع إيرباص لشراء طائرات 330A، وحولت هذه العقود إلى 320 A.
* ما خططكم المستقبلية في «طيران الخليج» وسوق الطيران البحرينية بشكل عام؟
- هناك شركة تحت التأسيس (مجموعة فالكون)، ومن المتوقع أن تعلن قبل نهاية العام الجاري 2014، وفي الفترة الحالية تدرس من النواحي القانونية، سيجري تأسيسها كشركة أم قابضة تضم «طيران الخليج» والمطار والخدمات الأرضية التي تملك فيها «طيران الخليج» حصة 30 في المائة، والخدمات المساندة وكل الأنشطة التي لها علاقة بالطيران، الآن هذه الشركات تحت مظلة ممتلكات الحكومة البحرينية، لكن الشركات التي لها علاقة بالطيران ستكون تحت مظلة مجموعة فالكون لتوحيد إدارتها.
* وقعت «طيران الخليج» في معرض البحرين للطيران عقدا لصيانة ست طائرات بـ100 مليون دولار لأربع سنوات، أي بما يوازي 25 مليون دولار في العام، كم تبلغ عقود الصيانة لطائرات الشركة؟
- عقود الصيانة وصلت إلى 13 في المائة من ميزانية الشركة، المشكلة في عقود المحركات، ففي العقد الذي أبرمته «طيران الخليج» استمرت الشركة في مفاوضات طويلة مع شركة رولز رويس حتى تم تخفيض عقد الصيانة من 130 مليون دولار إلى 100 مليون دولار.



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».