ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

خيارات العنف تُشعل قلقاً أممياً

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية
TT

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

راود الليبيين على مدار تسع سنوات شعور مُهين بأن بلادهم «باتت مرتعاً لأجهزة استخباراتية عديدة»، وأن مجالها الجويّ أصبح مفتوحاً لطائرات أجنبية، كانوا يطلقون على بعضها فيما مضى لقب «فاعل خير». غير أن هذا الشعور بات واقعاً مرئياً، على وقع «حرب طرابلس»، وما تسببت فيه من «فتح شهية» أنظمة دولية وإقليمية، في مقدمها نظام تركيا، دخلت إلى السوق الليبية لعرض بضاعتها، والتربح من أزمتها.
وبقراءة الليبيين أنفسهم، فإن جزءاً من عبثية المشهد، راهناً، يتمثل في صراع دولي بات يعرقل بعضه بعضاً لكثرة أجنداته وتعدّد حساباته؛ فلكل منهم هدف ولجميعهم غاية. ولقد عبَّر عن ذلك وزير ليبي سابق في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، فقال: «كان صراعنا في البدء مناطقياً داخلياً منذ إسقاط نظام معمر القذافي، إلا أن قوى دولية مختلفة عملت على تغذيته، وتعاظم أكثر مع دخول تركيا على خط الأزمة».
هناك، عند منتصف الساحل الليبي، بين طرابلس العاصمة وبنغازي، وتحديداً، على بُعد 450 كيلومتراً، تتقاطع المصالح الدولية حول سرت. ويجري التجهيز لمعركة فاصلة، ربما تكون الأكثر دمويةً في البلاد، تحشد لها تركيا عدةً وعتاداً منذ شهر وأكثر دعماً لـ«حكومة الوفاق»، برئاسة فائز السراج، في مواجهة قوات «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وكأن مصير هذه المدينة أن تكون شاهداً على تحوّلات جذرية، بدأت بمقتل معمر القذافي في إحدى ضواحيها، وربما تنتظر مشهداً جديداً في قادم الأيام.
الملاحَظ أنه منذ إطلاق حفتر الحرب على طرابلس، تبدَّلت مواقف دولية، وظهرت أخرى كانت خافتة، إلى العلن، على مسرح الأحداث. ومع ذلك لا تتوقف غالبيتها عن بث رسائل الطمأنة بأنه «لا حل عسكرياً في ليبيا»، وأن الأزمة «لا بدّ من أن تنتهي على طاولة التفاوض السياسي»، لكن فوق طاولة مشابهة أُجريت اتفاقات وعقدت صفقات.

إردوغان وماكرون
لم تهدأ أنقرة، منذ إعلان «تحرير» الحدود الإدارية للعاصمة، في الرابع من يونيو (حزيران) الماضي. ولعلها لن تكتفي بما تحقق. ذلك أن ما سيطرت عليه - وفقاً لموالين لـ«الجيش الوطني» - عبارة عن أراض صحراوية تخلو من آبار النفط. لذا ينفخ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي تحظى تحركاته هناك برضا أميركي، في نار الحرب، سعياً لإشعالها، على أمل أن يتجاوز خط سرت - الجفرة، ويقترب من «الهلال النفطي». ولذا، تجاهل كل المبادرات والدعوات المنادية بوقف الحرب.
من ناحية ثانية، فإن مسؤولي الحكومة التركية بدأوا يتحدثون بلسان «حكومة الوفاق»، ويحدّدون شروطاً لوقف إطلاق النار، بما معناه أن الحرب ماضية في طريقها، وهو ما أغضب كثيرين من مواطني غرب ليبيا. وذهب المحلل السياسي عبد العظيم البشتي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الارتهان للديكتاتور إردوغان يزداد يوماً بعد يوم... وهو سيستغل استعانة السراج به أبشع استغلال». لكنه يستدرك، فيقول: «ما كان ذلك ليحدث لولا الحرب (العدوانية) والمدمّرة التي شنها حفتر على طرابلس».
وحقاً، فإن جزءاً من تقاطع المصالح عبّرت عنه فرنسا، عندما أظهرت موقفاً مغايراً باتجاه التحرّكات التركية في ليبيا، نشأ عنه تجاذبات متبادلة في بداية الأمر. وتدرّج تصاعدياً إلى أن اتهم وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، تركيا، بمحاولة تكرار «السيناريو السوري» في ليبيا من خلال الدفع بالأسلحة و«المرتزقة» إلى الغرب الليبي، لدرجة دفعت البعض للتساؤل: هل تتحوّل ليبيا إلى ساحة للصراع بين إردوغان وإيمانويل ماكرون؟

كلام لودريان الأخير
موقف فرنسا المتصاعد في مواجهة تركيا، وإن كان البعض يرى أنه ظل مسانداً لحفتر طول أشهر الحرب الـ14. يُعد الأقوى في ظل التباينات التي تبديها أطراف دولية أمام مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة الليبية، فضلاً عن أنه يُوصف بأنه تمكن من «لجم» الموقف التركي، وبات نداً له.
ورداً على الاتهامات التركية لباريس بالانحياز لطرف على حساب آخر، قال لودريان أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي: «أسمع أشياء كثيرة عن أن فرنسا اختارت معسكر المشير (خليفة) حفتر. من المهم توضيح كل هذا... نحن ندعم الجيش الوطني الليبي الذي اشتهر على الصعيد الدولي بقتاله ضد (داعش). إننا لا نقدم له دعماً عسكرياً فعالاً، بل المشورة والدعم السياسي»، متحدثاً عن «تغيير في الموقف» بعدما شن حرباً على طرابلس.

«ضحية الجغرافيا»
كثير من المحللين يرجعون السبب في تأخر حسم معركة سرت، ومن ثم، عرقلة الطموح التركي، إلى أسباب عدة، من بينها كثرة التدخلات الخارجية على خط المعركة، وما يكتنف ذلك من تضارب مصالح، بغض النظر عما تضمره تلك القوى، ويظهر في إفادات منمقة أمام مجلس الأمن الدولي.
ويربط كثيرون من الليبيين هذه التصرفات الدولية المتباينة بما يرونه أطماعاً في ثروات بلدهم وموقعه الجغرافي، وهي النقطة ذاتها التي انطلق منها الرئيس التركي، عندما تحدث عن حق بلاده في «جغرافيتها القديمة»، وبرّر دخوله ليبيا للدفاع عن مليون ليبي من أصول تركية. لكن الدكتور علي قلمة مرصدي، وزير العمل والتأهيل السابق في «حكومة الوفاق»، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يرى أن أطماع تركيا وكثرة من الدول المتدخلة في الأزمة متعلقة بالموقع الاستراتيجي لليبيا الذي يربط بين أوروبا وأفريقيا، وأن هذا سبب كافٍ للصراعات الدولية حول بلاده، وتابع: «ما نشهده هو بداية للحرب الباردة بين الدول العظمى من جديد، وفق نظرية (قلب العالم)، خصوصاً الدول التي لديها أطماع بالسيطرة على الساحل الشمالي للبحر المتوسط».
وحسب مرصدي، فإن «هناك ارتباطاً وثيقاً بين تحقيق الأمن في كل من ليبيا ومصر. وبالتالي، كان طبيعياً أن نجد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث عن ضرورة تحقيق الأمن في ليبيا، بوقف الحرب ومنع تخطيها خط سرت - الجفرة. ولا أحد يستطيع أن يجادل في أهمية خطورة ذلك على مصر، لكن ليس لدى تركيا حجة للتدخل في ليبيا، بل هي تستهدف مصالح آنية فقط».
من جانب آخر، يقول مسؤول عسكري بـ«الجيش الوطني» إن «تحركات كثير من الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمتها مصر وروسيا، التي عرضت للرأي العام العالمي رغبة القيادة العامة في الحوار واستئناف العملية السياسية، ساهمت إلى الآن في إيطاء عجلة الحرب، ووضع إردوغان أمام حرج دولي، غير أن الأطماع التي قادته إلى ليبيا ستدفع به لاستكمال الحرب، بهدف وضع يده على موانئ النفط، كما يزعم أنصاره».
وأردف المسؤول أن الليبيين «يحلمون بيوم يرون فيه دولتهم مستقرة، ذات سيادة محفوظة، وليست بحدود مشرعة أمام مخابرات العالم، وسماؤها تعربد فيها الطائرات الأجنبية التي كان الليبيون يطلقون عليها في السابق (فاعل خير) عندما كانت تستهدف فلول (داعش)».

«العبثية الساخرة»
الواقع أن ثمة نظرةً في ليبيا تعتبر الدورين الروسي والتركي السبب الرئيسي في تأجيج الصراع وإذكاء نار الحرب؛ فالأولى داعمة لـ«الجيش الوطني الليبي»، والثانية تدفع بالسلاح والمرتزقة لـ«حكومة الوفاق». والغريب أنه رغم ذلك، لا تتوقف اللقاءات بين مسؤولي البلدين لبحث الأوضاع في ليبيا. هذا الأمر يثير حيرة الليبيين وسخريتهم، في آن واحد؛ إذ يرى بعضهم أن موسكو وأنقرة تتحاوران وكأنهما في «تمثيلية» مسرحها محاور الاقتتال، ويتساءل هؤلاء «عن الجهات التي تدفع بالأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة، منذ شهر، إلى تخوم مدينة سرت».
هنا يقول مرصدي: «يبدو أن الأطراف الخارجية المتصارعة على الملف الليبي تفاهمت على تقاسم الكعكة قبل أن تتفاهم عليها الأطراف الليبية المتنازعة».
والأربعاء الماضي، أفادت وكالة «الأناضول» التركية بأن رئيس هيئة الأركان التركي يشار غولر بحث، ونظيره الروسي، فاليري جيراسيموف «القضايا الأمنية الراهنة المتعلقة بسوريا وليبيا». وفي اليوم ذاته، نقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن موسكو وأنقرة تعملان من أجل التوسط لوقف فوري لإطلاق النار في ليبيا. ونقل أن «الجيش الوطني» مستعد لتوقيع وثيقة تقضي بوقف إطلاق النار، ويأمل أن تتمكن تركيا من إقناع «حكومة الوفاق» - المعترف بها دولياً - بالتوقيع أيضاً.
هذا، وشارك وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، الليبيين سخريتهم. وقال، خلال مؤتمر وزاري لمجلس الأمن عبر الفيديو، حول ليبيا: «في الوقت الذي أغلق العالم بأكمله حدوده، واصلت السفن والطائرات والشاحنات المحملة بالأسلحة والمرتزقة في الوصول إلى المدن الليبية... لقد حان الوقت لإنهاء هذه العبثية الساخرة... فلا مزيد من الطائرات ولا الدبابات ولا الشاحنات أو السفن المليئة بالأسلحة. ولا مزيد من الأكاذيب».
لهذا، اضطرت روسيا أمام الاتهامات التي توجه إليها للتأكيد عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، على «رفضها» الاتهامات بالانخراط في القتال داخل ليبيا. وأكد المندوب أنه «لا يوجد جندي روسي واحد يقاتل في ليبيا، ولا أدلة على وجود مواطنين روس يقاتلون في ليبيا، بينما هناك مقاتلون آخرون من عدة بلدان، بما فيها الدول التي تتهمنا».
مع ذلك، قال سعد الجازوي، عضو مجلس النواب «المقاطع»، والقيادي بتنظيم «الإخوان»، إن الوجود الكبير للقوات الروسية في صفوف «العدو» يمثل «مطامع لدى موسكو لإعادة تمركزها ورسم خريطة النفوذ على الخريطة الدولية؛ لأنه مما لا شك فيه أن غياب القطب الروسي عن التأثير في المعادلة الدولية نتيجة انقسام الاتحاد السوفياتي جعلها تحاول إعادة تموضعها!».

غوتيريش قلِق
وعكسَ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، جانباً من التناقضات والتدخلات وتأثيراتها على الأرض، بوصفه أن «التدخل الخارجي في ليبيا بلغ مستويات غير مسبوقة، مع تسليم معدات متطورة وعدد المرتزقة المشاركين في المعارك». وأضاف أن قوات «حكومة الوفاق» تواصل «بدعم خارجي كبير تقدمها نحو الشرق، وهي حالياً على مسافة 25 كيلومتراً من سرت». واستطرد: «نحن قلقون للغاية إزاء الحشد العسكري المثير للقلق حول المدينة، والمستوى المرتفع للتدخل الخارجي المباشر في النزاع، الذي ينتهك حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وتعهدات الدول المشاركة في (مؤتمر) برلين»، الذي عُقد في يناير (كانون الثاني) الماضي.
واتفق البشتي مع ما ذهب إليه غوتيريش، لكنه قال إن التدخلات «ستشكل دون شك ضغطاً على الوجود التركي في ليبيا، وعلى قواته وميليشياته، وربما يتبع ذلك ضغط من الأمم المتحدة على إردوغان، بدفع (الوفاق) للجلوس إلى الحوار برعاية أممية، وهذا ما نأمله دون شك»، مضيفاً: «ونطالب الأمم المتحدة، إذا ما تحقق ذلك، باتخاذ قرار بضرورة سحب سلاح كل الميليشيات غرباً وشرقاً وجنوباً، والإشراف على حماية الشعب حتى إتمام الانتخابات النيابية والرئاسية».

قوة ضاغطة
أيضاً، أعربت أطراف دولية وعربية عن مخاوفها من خطورة الأوضاع في ليبيا. وقال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو إن الوضع «لا يزال قلقاً للغاية»، وأرجع ذلك لما سماه «التوازن غير المستقر»، الذي جاء «نتيجة سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية خلال السنوات العشر الأخيرة، وآخرها الهجوم العسكري على طرابلس»، وتابع أنه وجَّه دعوة لضبط النفس والاعتدال لرئيس «حكومة الوفاق» خلال زيارته الأخيرة إلى طرابلس «ويجب توجيه الرسالة نفسها إلى قائد (الجيش الوطني) المشير حفتر». ودعا جميع البلدان إلى وقف عمليات نقل الأسلحة، والتعاون «من خلال طريقة مخلصة».
وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي المغربي ناصر بوريطة، أعرب من جهته أمام مجلس الأمن الدولي عن قلقه إزاء التدهور المستمر للوضع في ليبيا، ولفت إلى أن «النوايا الحسنة للمجتمع الدولي متوافرة فيما إرادته السياسية مفقودة». وقال بوريطة إن ليبيا «ليست أصلاً للتجارة الدبلوماسية. والتدخلات الأجنبية لا تخدم مصالحها ولا تساعد الأفرقاء هناك على الارتقاء فوق مصالحهم الخاصة إلى المصلحة المشتركة لجميع الليبيين»، وانتهى إلى أن الحل «يجب أن يكون سياسياً لا عسكرياً، وأن يأتي من الليبيين أنفسهم، ويضمن وحدة ليبيا وسيادتها وسلامتها الترابية».
كذلك جدد أحمد أبو الغيط، أمين عام الجامعة العربية، رفض وإدانة الجامعة كل أشكال التدخلات العسكرية الأجنبية في ليبيا، مطالباً بالوقف الفوري للقتال بين الأطراف الليبية، وشدد على ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، واستئناف الحوار الوطني الخالص بين الأشقاء الليبيين للتوصل إلى تسوية متكاملة للوضع في البلاد بمساراته الأمنية والسياسية والاقتصادية. ورأى أن «هذه الجهود وتلك المسارات لا يمكن أن تنجح إلا في مناخ يخلو من كافة التدخلات الأجنبية، وبعيداً عن التهديد الذي تمثله الجماعات والميليشيات المسلحة».
والحاصل أنه في ظل تشبث طرفي الصراع بقوى خارجية، زادت الأزمات الداخلية، وتعقد المشهد الراهن، ما دعا الاقتصادي الليبي الدكتور محسن الدريجة، إلى التعجب من أمر الليبيين «يستعينون بالغرباء بعضهم على بعض، ويتوقعون أن ليبيا ستبقى لهم!».
زمن «الميري»... أيام لا يحب الليبيون تذكرها
> أحيت التبريرات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «لشرعنة» وجود قواته على الأراضي الليبية، مخاوف أطياف مختلفة من الشعب، متذكرين فترة طالت لنحو ثلاثة قرون من الحكم العثماني لبلادهم، وصفوها بأنها كانت شاهداً على «العديد من المذابح والأهوال» التي ارتُكبت في أنحاء البلاد.
ومنذ توقيع إردوغان «مذكرتي تفاهم» مع سلطات طرابلس، وهو يحاول اللعب على أن ليبيا «تركية الأصل»، وأنها تضم مليون مواطن من أصول تركية «يستحقون دعمه والتدخل لنجدتهم، والوقوف إلى جانبهم». لكن التصريحات التي أطلقها استقبلها الليبيون بالرفض والاستنكار، مؤكدين على أنهم ليسوا مستعدين للعودة إلى زمن دفع «الميري»، أو «الويركو»، وهو اسم لنوع من الضرائب التي فرضتها الدولة العثمانية على الليبيين آنذاك.
وترصد كتب التاريخ أن هذه الضريبة كانت تُقدّر بـ40 قرشاً قابلة للزيادة يدفعها الذكور سنوياً، كما كانت تُجبى بالمقدار ذاته من أصحاب الحيوانات والمزارع، ويُعاقب الممتنع عن دفعها بالسجن ثلاثة أشهر. وبجانب «الميري» كانت هناك أيضاً ضريبة تُسمى «فتح بندر» تُفرض على من يريد فتح مشروع تجاري، بهدف إتاحة الفرصة لمنافسة التجار الأجانب.
إلا أن ضريبة «العُشر» توصف بأنها كانت الأكثر ظلماً لليبيين، وهي عبارة عن 10 في المائة من قيمة المحاصيل الزراعية، يُجبر الفلاحون على دفعها بغض النظر عن سنوات الجفاف وتضرر الأرضي الزراعية. وكان يُعفى منها الموسرون، في حين كانت تُغلّظ على الفقراء، ما اضطر غالبية الفلاحين إلى مغادرة أراضيهم هرباً من البطش.
الأمر لم يتوقف عند رصد المؤرخين لزمن الجباية، بل تحدثوا عن وقوع مذابح كثيرة في ليبيا بأيدي الأتراك، من بينها مذبحة قبيلة الجوازي، التي تسكن مدينة بنغازي. وفيها قُتِل نحو 10 آلاف شخص خلال شهر رمضان، بسبب نزاع بين الوالي العثماني يوسف باشا القرماني وولده. وهو ما عبر عنه ﻣﻔﺘﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺍﻷﺳﺒﻖ ﺍلطاهر ﺍﻟﺰﺍﻭﻱ، وأورده ﻛﺘﺎﺏ ﻣﻌﺠﻢ ﺍﻟﺒلدان ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﺔ، إذ قال إن «العهد التركي في ليبيا كان أسود، وﺍﺳﺘﻤﺮ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ وستين عاماً، عانت فيه طرابلس الفقر والجهل والذل والفوضى فوق ما يتصور إنسان».
تحدث الأكاديمي الليبي أستاذ التاريخ عثمان البدري لـ«الشرق الأوسط» عن فترة الاحتلال العثماني لبلاده، فقال إن «الحكم العثماني لم یهتم بالشؤون الاقتصادية والثقافية في ولاية طرابلس الغرب، التي كان يحتلها مركّزاً فقط على جمع الضرائب فقط من المواطنين». وأردف أن «العثمانیین ضربوا حاجزاً بینهم وبین الأهالي ما أدی إلی انعدام الاختلاط بين الثقافتين، وهو ما انعكس في أن المصطلحات العثمانية لم تنتشر رغم بقائهم فی هذه الولایة لمدة طویلة زادت عن ثلاثة قرون».
من جهة ثانية، رأى فيها المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، التبريرات التي أطلقها الرئيس التركي وسيلة تستهدف «ضرب النسيج الاجتماعي الليبي، وإحداث فتنة بين المواطنين».
وقال علي أبو سبيح، رئيس المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية في المنطقة الجنوبية، إن أهالي منطقة القرضة بوادي الشاطئ ما زالوا يتناقلون قصصَ تصدّي أهلهم لإحدى الحملات العثمانية التي جاءت لإرغامهم على دفع «الميري»، وقال في تصريحات تلفزيونية، إن المواطنين تمكنوا من «دحر حملة الوالي العثماني حينها، وبالتالي يقدرون اليوم على دحر الغزو التركي عن بلادهم».



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.