«مملكة» صغيرة على الريفييرا الإيطالية تسعى لانتزاع اعتراف باستقلالها

نينا مينيغاتو التي انتُخبت أول «أميرة» في تاريخ القرية (أ.ف.ب)
نينا مينيغاتو التي انتُخبت أول «أميرة» في تاريخ القرية (أ.ف.ب)
TT

«مملكة» صغيرة على الريفييرا الإيطالية تسعى لانتزاع اعتراف باستقلالها

نينا مينيغاتو التي انتُخبت أول «أميرة» في تاريخ القرية (أ.ف.ب)
نينا مينيغاتو التي انتُخبت أول «أميرة» في تاريخ القرية (أ.ف.ب)

تسعى «المملكة» المعلنة أحادياً في قرية سيبورغا المطلة على الريفييرا الإيطالية إلى انتزاع اعتراف دولي بها بوصفها إحدى أصغر الدول في العالم، في معركة متعددة الأوجه تفتح الباب أمام رهانات سياسية واقتصادية كبيرة.
وتصف نينا مينيغاتو، لوكالة الصحافة الفرنسية، انتخابها أول «أميرة» في تاريخ هذه القرية، بأنه «أشبه بقصص الأحلام». وتزور سيدة الأعمال الألمانية هذه؛ البالغة 41 عاماً، «رعاياها» وتجوب أزقة «المملكة» الصغيرة الممتدة على بضعة كيلومترات مربعة والتي يقطنها 300 شخص.
وتوضح مينيغاتو التي تدير شركة عقارية في موناكو: «لم أكن أتصور يوماً أني سأصبح أميرة»، بعدما تولى زوجها السابق مارتشيلو منصب «أمير» سيبورغا على مدى 9 سنوات.
ويعرض تاجها للسكان والمارة في مكتب هيئة السياحة المحلية المستخدم أيضاً متجراً للتذكارات «الملكية».
ينادي «حكام» هذه القرية الصغيرة في منطقة ليغوريا الإيطالية قرب الحدود الفرنسية بمنح سيبورغا صفة الدولة المجهرية، مستندين إلى وثائق من القرن الثامن عشر يقولون إنها تؤكد أن القرية لم تنضم يوماً قانوناً إلى إيطاليا.
وترتدي هذه المعركة بعداً اقتصادياً يتمثل في تحفيز السياحة وتفادي النزوح السكاني الذي أفرغ الوسط التاريخي لمناطق إيطالية عدة من سكانها.
وترغب «الأميرة» نينا في إعادة استخدام عملة محلية تحمل اسم «لويجينو» وإقامة فندق فاخر على تلة مجاورة تطل على 4 «بلدان» هي: فرنسا وموناكو وإيطاليا... و«إمارة سيبورغا». كذلك تسعى لإنشاء خط لعربات التلفريك بهدف ربط القرية بالساحل.
وليست سيبورغا الدولة المجهرية الوحيدة غير المعترف بها في العالم، غير أن سكان سيبورغا يؤكدون أن الطابع الخاص الذي تتمتع به «إمارتهم» يستند إلى وقائع مثبتة ويبدون تصميماً على انتزاع اعتراف من السلطات الإيطالية بذلك.
في عام 954 انتقلت ملكية القرية إلى الرهبنة البنيديكتية، ويروي السكان أن كاهن سيبورغا أصبح في 1079 أمير الإمبراطورية الرومانية المقدسة. بعدها اشترت السلالة الملكية في منطقة سافوا هذه القرية سنة 1697 من دون أن تسجل العملية رسمياً.
ويؤكد سكان سيبورغا أن هذا الخطأ أبطل مفاعيل العملية، ويؤشر حتى إلى أنها لم تحصل في الأساس، فيما يشير المؤرخون إلى عدم العثور يوماً على الوثيقة الأصلية لعملية البيع. وقد أجريت مفاوضات لسنوات مع فيكتور أميديه الثاني دوق سافوا وملك ساردينيا المستقبلي للتوقيع على عملية البيع رسمياً من دون بلوغ أي نتيجة.
ويقول السكان إن هذا الأمر يعني أن «الإمارة» استثنيت من إعلان توحيد إيطاليا سنة 1861 وتشكيل الجمهورية الإيطالية عام 1946.
هل يمكن بذلك حسبان هذه القرية الزراعية الصغيرة التي يقطنها متقاعدون ولا تضم سوى شارع رئيسي واحد، دولة مستقلة؟
يجيب أستاذ التاريخ في جامعة فيرجينيا الغربية الأميركية ماثيو فيستر عن هذا التساؤل بالنفي، بالاستناد إلى «وثائق تظهر أن وكلاء تابعين لملك ساردينيا استحوذوا فعلاً على سيبورغا سنة 1729 بموافقة سكان محليين ودعمهم».
وتصف الحكومة الإيطالية هذه الادعاءات بأنها خرافات. ولم ترد وزارة الخارجية الإيطالية على أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية في هذا المجال.
ورفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان طلباً سابقاً من سكان القرية لهذه الغاية، غير أن نينا مينيغاتو لا تزال مصممة على مواصلة الكفاح من أجل استقلال «المملكة» بالاستعانة بفريق جديد من المحامين.
ويقول أستاذ التاريخ المساعد في جامعة جنوا الإيطالية، باولو كالكانيو، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن الفكرة تعتمد على خرافة متوارثة؛ لأن الكهنة الذين كانوا يقودون سيبورغا «لم يكونوا أمراء؛ إذ إن هذا اللقب لم يظهر يوماً في الوثائق العائدة إلى القرون الوسطى».
هذا الأمر لم يمنع مزارعاً يزرع لنبات الميموزا يدعى جورجو كاربونه من إعادة إطلاق فكرة إقامة «إمارة سيبورغا» في ستينات القرن الماضي.
وبعدما أعلن نفسه «أميراً» على القرية، وضع دستوراً لها، ونشيداً خاصاً، إضافة إلى راية ملكية، وحتى شعار هو: «أجلسوا في الظل»، على ما يروي غوستافو أوتولينغي؛ وهو متقاعد في سن 88 عاماً من سكان سيبورغا.
كذلك أقام «الأمير» جورجو «جيشاً» لا يضم حالياً سوى رجل واحد هو سيكوندو ميسالي (64 عاماً) شغل أيضاً منصب «وزير» الداخلية والمال ثم «رئيس الوزراء».
غير أن أداء كاربونه خيب آمال كثيرين بعدما أثبت عجزاً عن «إصلاح طريق أو مجرد عمود إنارة في الشوارع» بحسب أوتولينغي.
في الشتاء، تفرغ شوارع القرية الهانئة إلا من حفنة من المتنزهين الفرنسيين، فيما يرتفع عدد السكان صيفاً إلى ألفي شخص مع توافد السياح بالحافلات في رحلات استكشافية نهارية.
ويكون في استقبال هؤلاء عادة الجندي الوحيد في «الإمارة» بقبعته الزرقاء وبزته الأنيقة في ساحة القرية المركزية.
ويقول هذا الرجل إنه يشعر بالانتماء إلى «إيطاليا وسيبورغا معاً». وعلى غرار سائر سكان القرية، هو يدفع ضرائبه إلى السلطات في روما ويدلي بصوته في الانتخابات الإيطالية. لكنه يؤكد أن سيبورغا هي «أرضه بالتبني».
وبالإضافة إلى مهام الحراسة اليومية، يملك هذا الرجل مفاتيح السجن الصغير في القرية، وهو ليس سوى غرفة حجرية صغيرة بأرضية مغطاة بالقش لم تستقبل أي نزيل منذ قرون.
وبحسب الأخبار المتداولة في القرية، فإن «فرسان الهيكل» أخفوا قبل نحو ألف سنة «الكأس المقدسة» في سيبورغا. ولا يتوانى القائمون على «الإمارة» الصغيرة عن الترويج لهذا الأمر عبر تزيين المنازل الحجرية الصغيرة بصور لـ«فرسان الهيكل» أو من خلال توجيه السياح إلى ساحة صغيرة يشكل الحصى المنتشر فيها شكل صليب هذا التنظيم.
غير أن الخبيرة في تاريخ هذا التنظيم في جامعة كارديف، إيلينا بيلومو، تشكك في هذه النظرية، واصفة إياها بأنها من «الخرافات المعاصرة». وتقول: «لا دليل على وجود (فرسان الهيكل) بمنطقة سيبورغا في القرون الوسطى».
ولإكمال هذا المشهد السريالي في القرية، يطالب فرنسي منذ 2016 بحقه في «التاج الملكي»، معلناً نفسه «أمير سيبورغا صاحب السمو الملكي» نيكولا الأول.
وقد أحاط الفرنسي نيكولا موت نفسه بـ«مستشارين» وأقام في دارة بالقرية، كذلك أنشأ موقعاً إلكترونياً عن هذه «الدولة» الصغيرة، منادياً بـ«القيم العالمية الأساسية» و«حماية البيئة».
ويواجه موت اتهامات قضائية في فرنسا في إطار تحقيق لا يزال مستمراً بشأن قضايا تزوير جوازات سفر وعملات، وهو ما ينفيه.
ويوضح موت لوكالة الصحافة الفرنسية أنه بدأ مساراً يرمي لانتزاع اعتراف خارجي به على أنه «أمير»؛ بدءا بالبرازيل التي يقول إنها منحته اعترافاً دبلوماسياً.
غير أن وزارة الخارجية البرازيلية نفت هذا الادعاء.
وقد ترك الرجل القرية في مارس (آذار) الماضي قبيل فرض تدابير الحجر لمكافحة فيروس «كورونا» المستجد.
ويقول غوستافو أوتولينغي، وهو مؤلف كتاب عن تاريخ سيبورغا، إن «أي أحد لا يمكنه منع أي كان» من إعلان نفسه ملكاً أو دوقاً أو أميراً في المنطقة.
وبالفعل، ثمة كثر نصبوا أنفسهم في هذا الموقع؛ بينهم تنظيم يصف مسؤولوه أنفسهم بأنهم «مدافعون عن الوسط المسيحي» في سيبورغا.
ووسط كل هذه المعمعة، يبقى رجل مصمماً على سيادة القانون في القرية؛ هو رئيس البلدية إنريكو إيلاريوتسي الذي يؤكد أنه على تواصل دائم مع الشرطة الإيطالية. وهو يقول: «لا مكان للأمراء المزيفين أو النصابين في سيبورغا أيّا كانوا».



دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
TT

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)

أقام أغسطس، أول إمبراطور لروما القديمة، النصب ‌التذكاري الذهبي، الذي يُعرف باسم «المَعْلم الذهبي»، في المنتدى الروماني عام 20 قبل الميلاد ليكون بمثابة نقطة انطلاق رمزية لكل الطرق في الإمبراطورية مترامية الأطراف. وشكلت هذه الطرق بالفعل العمود الفقري لأول شبكة نقل على مستوى قارة في ​العالم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأجرى الباحثون الآن تحليلاً هيكلياً مفصلاً لشبكة الطرق في الإمبراطورية، والتي تمتد على مسافة 300 ألف كيلومتر تقريباً وتعبر أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأظهرت الدراسة أن المقولة القديمة «كل الطرق تؤدي إلى روما» لم تكن دقيقة تماماً، وأن أنسب ما تنطبق عليه هذه المقولة هي القسطنطينية العاصمة اللاحقة للإمبراطورية (إسطنبول حالياً).

وخلص الباحثون في الدراسة إلى أن الرومان كانوا يفضلون بناء طرق مستقيمة، لكن التضاريس الوعرة كانت تعرقل أحياناً تحقيق هذا الهدف.

ووثقوا وجود علاقة في العديد من المناطق بين الطرق الرومانية القديمة والطرق السريعة الحديثة.

وشيد الرومان، الذين كانوا بارعين في الهندسة والبناء، طرقا تمتد من ‌صحاري المغرب والجزيرة ‌العربية جنوباً وشرقاً وصولاً إلى اسكوتلندا والمحيط الأطلسي شمالاً ​وغرباً. ‌وربطوا ⁠هذه الطرق ​بالأنهار الصالحة ⁠للملاحة والممرات البحرية لتشكيل شبكة نقل متكاملة.

وقال عالم الآثار القديمة توم بروجمانز من جامعة آرهوس في الدنمارك: «هذه البنية التحتية تعني أن منطقة شاسعة أصبحت أكثر تكاملاً، فقد وفرت منطلقاً بحجم قارة لانتشار الناس والحيوانات والبضائع والأفكار ومسببات الأمراض».

وأضاف بروجمانز، الذي ساعد في إعداد الدراسة التي نشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، أن «الفيالق الرومانية كانت تسير على الطرق للاستجابة للتهديدات وإغاثة زملائها واستعمار أراض جديدة... لكن الطرق نفسها كانت تستخدم في ⁠الغالب للانتقال بشكل متكرر بين المزارع والحقول أو إلى الأسواق المحلية لبيع المنتجات ‌الزراعية».

وتم قياس المسافات البرية من روما انطلاقا من ‌المعلم الذهبي، لكن هل كانت هذه المدينة القديمة الضخمة مركز ​الشبكة حقاً؟

وقال بروجمانز: «هل كل الطرق تؤدي إلى ‌روما؟ ليس بالضرورة».

وأضاف: «تقع روما في موقع مركزي بالنسبة للملاحة البحرية في البحر المتوسط، لكنها ‌ليست مركزية في شبكة الطرق الرومانية بالتحديد. وجدنا أن عواصم الأقاليم كانت تتمتع بمواقع ممتازة على الطرق في أقاليمها، مما يسهل إدارة الأقاليم وجمع الضرائب بفاعلية».

وكانت أنقرة في تركيا ولندن في بريطانيا وكورنث في اليونان بعضاً من هذه العواصم.

وأضاف بروجمانز: «كانت روما نفسها في موقع مركزي على الطرق المقامة على ساحل إيطاليا المطل على ‌بحر طرانة. لكن عندما نظرنا إلى جميع التحركات داخل شبه الجزيرة الإيطالية بأكملها، صدمنا عندما اكتشفنا أن الطريق الأكثر مركزية يتبع في ⁠الواقع ساحل البحر الأدرياتيكي المقابل، ⁠متجاوزاً روما تماماً».

عاصمة جديدة

نقل الإمبراطور قسطنطين العاصمة إلى القسطنطينية في أوائل القرن الرابع الميلادي.

وقال بروجمانز: «كانت هذه العاصمة الجديدة تتمتع بموقع استراتيجي عند ملتقى أوروبا وآسيا، وكشفت أبحاثنا أنها كانت مركزية بشكل غير عادي للسفر البري عبر الإمبراطورية بأكملها، أكثر بكثير من روما».

وأضاف أنها «تقع على مضيق البوسفور، ونعلم أن عبارات كانت تعبر هذا المضيق في العصور القديمة، مما ربط حركة المرور البرية الأوروبية والآسيوية بشكل فعال».

وساهمت هذه الطرق القديمة في تنظيم التفاعلات بين مئات الملايين من الناس لأكثر من ألفي عام بسبب استمرار استخدام عدد منها لفترة طويلة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في سنة 476 ميلادية وسقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والتي تسمى أيضاً الإمبراطورية البيزنطية، عام 1453.

ويقتفي العديد من الطرق السريعة الحديثة أثر تلك القديمة.

وأفاد بروجمانز: «من الأمثلة الرائعة على ذلك طريق ​فيا أوجوستا، الذي يمتد من قادس في جنوب ​إسبانيا إلى جبال البرانس. ويمر الطريق تحت قوس نصر اسمه قوس بيرا بين تاراجونا وبرشلونة، حيث يمكنك أن ترى بوضوح أنه يسير في نفس مسار الطريق السريع الحديث (إن-340)».

اقرأ أيضاً


مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
TT

مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)

جددت واقعة توقيف أحد الأشخاص بمحافظة المنيا (جنوب مصر) وبحوزته 151 قطعة أثرية تعود للعصور المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني من نتاج التنقيب غير المشروع، قضايا «التجارة المحرمة» في الآثار والمجرمة قانونا.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية عن استمرار جهود أجهزة مكافحة جرائم حيازة القطع الأثرية والاتجار بها حفاظاً على ثروات البلاد وتراثها القومي، وفي هذا الإطار أكدت معلومات وتحريات قطاع شرطة السياحة والآثار قيام أحد العناصر الإجرامية بمحافظة المنيا بحيازة قطع أثرية بقصد الاتجار بها.

ووفق بيان للوزارة «عقب تقنين الإجراءات أمكن ضبطه بدائرة مركز شرطة المنيا، وضُبط بحوزته (151) قطعة أثرية متنوعة (2 تابوت أثرى – 37 تمثالاً من الحجر الجيري والبرونزي والفيانس – قاعدة تمثال – تميمة – 3 أوانٍ – قنينة من الفخار –97 عملة معدنية - عدد من القطع الأثرية المتنوعة)، وبمواجهته اعترف بأن القطع الأثرية المضبوطة نتاج أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الآثار بإحدى المناطق الجبلية بدائرة مركز شرطة أبو قرقاص، وحيازته لها بقصد الإتجار، وبعرض المضبوطات على الجهات المعنية أفادت بأن القطع المضبوطة جميعها أثرية تعود للعصور الفرعونية واليونانية والرومانية».

ضبط شخص بحوزته قطع أثرية في المنيا (وزارة الداخلية)

وكانت أجهزة المن قد ضبطت من قبل العديد من الحالات المشابهة من بينها ضبط شخص بحوزته 277 قطعة أثرية بالمنيا في أبريل (نيسان) الماضي، وضبط 9 أشخاص بحوزتهم 118 قطعة أثرية تماثيل وقطع متنوعة في محافظة القاهرة، خلال أغسطس (آب) الماضي.

ويجرم القانون المصري تجارة الآثار والتنقيب غير المشروع عنها، ويحدد القانون 117 لسنة 1983 اختصاصات ومسؤوليات التنقيب باعتبار المسؤول عنها المجلس الأعلى للآثار، وبخلاف ذلك تصل عقوبات التنقيب غير المشروع عن الآثار والاتجار بها إلى السجن المؤبد وغرامة 5 ملايين جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن «هناك حالة من الهوس لدى البعض من الشعب المصري للحلم بالثراء السريع عبر التنقيب غير المشروع عن الآثار؛ ما يتطلب تحرك الدولة سريعاً في اتخاذ بعض الإجراءات لوقف عمليات التنقيب والحفر خلسة عن الآثار، بتشديد العقوبات، والعمل سريعاً على تسجيل الأماكن الأثرية بالكامل، وزيادة الحراسة المشددة على المواقع والمناطق الأثرية، وعمل دوريات أمنية للحد من انتشار هذه الظاهرة، حيث إنه يعد إهداراً لتاريخ وحضارة المصريين والآثار المصرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر «يتطلب تعديلات جديدة بقانون حماية الآثار، تتضمن تأمين من يقوم بالإبلاغ عن أعمال الحفر خلسة، ومكافآت مالية كبرى».

وأشار إلى أن «هناك خطورة كبيرة على الآثار التي تنتج عن الحفر خلسة، وتعد كارثة بكل المقاييس، فهذه الآثار تهرب وتباع في المزادات العلنية بالخارج، وليس لنا أي حقوق في عودتها؛ لأنها غير مسجلة، ولا نملك دليلاً على خروجها بطريقة غير شرعية، ومن العجيب أنه حين يتم اكتشاف آثار مصرية بالخارج مهربة، يطلب الجانب الأجنبي إثبات أن هذه الآثار مصرية، وحين ترد مصر بأنها آثار مصرية، ولكنها غير مسجلة يعدها الجانب الأجنبي مسوغاً له لبيع هذه الآثار في المزادات».


مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
TT

مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)

«ضع الغناء والموسيقى أمامك، وألقِ كل شرّ خلفك، وتذكّر الأفراح، حتى يأتي يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت»، بهذه الجملة المنحوتة على جدار مقبرة مصرية قديمة في الأقصر، بدأ الموسيقار المصري راجح داوود كلمته احتفالاً باليوم المصري للموسيقى، الذي يواكب ذكرى رحيل «فنان الشعب» سيد درويش (رحل في 15 سبتمبر «أيلول» 1923) أحد أهم رموز التجديد في الموسيقى.

واستشهد داوود بكلمات لكبار فلاسفة العالم، من بينهم شوبنهاور: «كل الفنون تطمح إلى أن تكون موسيقى». ونيتشه: «من دون الموسيقى، ستكون الحياة خطأ»، وهانس كريستيان أندرسن: «حين تعجز الكلمات، تتكلم الموسيقى».

وقال الموسيقار المصري إن الموسيقى لم تكن ترفاً لدى المصري القديم، بل جزءاً من حياته وحضارته. فكانت الموسيقى حاضرة في العمل والاحتفال والطقوس وسائر المناسبات، بل كانت الموسيقى دائماً على اتصال بإيقاع الحياة نفسها.

وأضاف أنه «بينما عرف المصريون القدماء الآلات الموسيقية، وصوروا العازفين والمغنين والراقصين على جدران المعابد والمقابر، يأتي اليوم دورنا، بكل ما أوتينا من أدوات تكنولوجية واتصالات عابرة للبحار والقارات، لإحياء تلك الصور والمدونات إلى موسيقى تصدح بها أرجاء الكون».

وأكد داوود أن «سيد درويش كان نقطة تحول من عالم الصالونات والنخب إلى العامل والفلاح والجندي والشارع، ليكمل الطريق بعده القصبجي وزكريا أحمد وعبد الوهاب والسنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد فوزي ومحمد الموجي في جسر متنوع ومختلف في قوالبه وهيئته وأطيافه الموسيقية».

وشاركت قطاعات وهيئات وزارة الثقافة بعدد من الفعاليات للاحتفاء بهذه المناسبة بالقاهرة وكافة المحافظات المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية.

تمثال سيد درويش في أوبرا الإسكندرية (فيسبوك)

وقال المخرج عادل حسان، رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إن برنامج وزارة الثقافة للاحتفال باليوم يتضمن برنامج الهيئة العامة لقصور الثقافة، وبه عدد من الحفلات الموسيقية من خلال الفرق الفنية التابعة للهيئة بمحافظات مصر، أبرزها: فرقة القاهرة للموسيقى العربية، كورال مركز الجيزة الثقافي، بجانب فرق الموسيقى العربية المتنوعة.

ويعقد المجلس الأعلى للثقافة جلسة تثقيفية بعنوان «قبل الستارة... سيد درويش وصناعة الأوبريت» بإدارة الدكتورة حنان أبو المجد، أستاذ التاريخ والتحليل الموسيقى، وعميد المعهد العالي للموسيقى «الكونسيرفتوار».

وشارك قطاع الفنون التشكيلية بإقامة ورشة رسم لنخبة من كبار الفنانين التشكيليين بحارة سيد درويش بكوم الدكة بالإسكندرية خلال الفترة من 7 سبتمبر حتى 13 سبتمبر، وكذلك بقاعة «ممر 35» يوم 21 سبتمبر. ويشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بتقديم عرض خاص للفرقة القومية للموسيقى الشعبية بقاعة صلاح جاهين، بينما تشارك أكاديمية الفنون برئاسة الدكتورة نبيلة حسن؛ بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية بقيادة المايسترو محمد عبد الستار.

كما ستشارك الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية في الاحتفالية بندوة بعنوان «اليوم المصري للموسيقى»، ويصاحب الندوة معرض توثيقي عن فنان الشعب سيد درويش، يضم مجموعة من الصور والمواد التوثيقية التي تستعرض مسيرته الفنية وإسهاماته البارزة في تاريخ الموسيقى والغناء المصري.

ومن المقرر إقامة احتفال كبير على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، سوف يشهد تكريم 5 من رموز الموسيقى والغناء المصري، تقديراً لإسهاماتهم الفنية في تاريخ الموسيقى المصرية، وهم «الموسيقار صلاح الشرنوبي، والفنانة عايدة الأيوبي، والدكتور ناير ناجي، والدكتور خيري الملط، والفنان والملحن عهدي شاكر»، وتُقدم خلاله الفرقة الموسيقية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية مختارات غنائية تمثل تاريخ وتراث الموسيقى المصرية.

أمسية تستدعي تراث سيد درويش (وزارة الثقافة)

ويستعيد قصر الأمير بشتاك «بيت الغناء العربي» بشارع المعز لدين الله الفاطمي، التابع لصندوق التنمية الثقافية، تجربة الموسيقار سيد درويش، من خلال أمسية فنية بعنوان «فنان الشعب... سيد درويش»، بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لوفاته.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن «تخصيص يوم للموسيقى في ذكرى سيد درويش يأتي في إطار إحياء مصر لرموزها، فسيد درويش معروف أنه واحد من أهم المجددين في الموسيقى المصرية والعربية بشكل عام، فقد غيّر شكل الأغنية في مصر، أخذ من الشارع والحقول حتى مجتمع الصيادين والموظفين وغيرهم من فئات الشعب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «إحياء ذكراه وتخصيص يوم للموسيقى بالتزامن مع هذه الذكرى أمر مهم جداً، ومن المهم الحفاظ على هذا الطقس وإحياء ذكراه بهذا الشكل كل عام، ويتم تعريف الأجيال الجديدة به، ويكفي أنه الفنان الوحيد الذي تغنت فيروز بإحدى أغانيه، وأتمنى أن يكون الاحتفال أكبر كل عام، ويساهم دائماً في استعادة تراث سيد درويش».

ولد سيد درويش في 17 مارس (آذار) عام 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية، وسافر إلى القاهرة عام 1917 وشارك في ثورة 1919 وقدّم أغنية «قوم يا مصري» التي تعدّ رمزاً للنهضة المصرية، كما لحّن ما يقرب من 20 مسرحية، من بينها «فشر» و«قولوا له»، و«العشرة الطيبة» و«الهلال» و«كليوباترا»، كما لحّن العديد من الأدوار و التواشيح، ومن أهم أعماله وأبرزها نشيد «بلادي بلادي» الذي أخذ عنه السلام الوطني لمصر.