لماذا يهرب الشعراء إلى الرواية؟

مبدعون ونقّاد: إغراء الجوائز وخلل سوق النشر شجعا على ذلك (1 ـ 2)

أماني فؤاد -  مصطفى أبو مسلم - سهير المصادفة
أماني فؤاد - مصطفى أبو مسلم - سهير المصادفة
TT

لماذا يهرب الشعراء إلى الرواية؟

أماني فؤاد -  مصطفى أبو مسلم - سهير المصادفة
أماني فؤاد - مصطفى أبو مسلم - سهير المصادفة

عبر التاريخ الأدبي الحديث، تلاقحت الأجناس الأدبية، وتبادلت الأدوار، وظلت العلاقة بينها قابلة دوماً للتجاور والتقاطع؛ وثمة نماذج مبدعة مهمة في تاريخنا الثقافي، والعالمي، جمعت بين أكثر من صناعة أدبية. لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، وأصبح يرقى إلى مستوى الظاهرة الأدبية: لماذا يهجر قسم من الشعراء العرب الشعر، ويتفرغون لكتابة الرواية، هل الأمر يتعلق بضيق المساحة القرائية للشعر، وأيضاً قماشته، بينما هي متسعة في الرواية؟ هل لأن الأخيرة تحظى بجوائز وترجمات، وبالتالي تحقق شهرة أكبر لصاحبها؟ يعزز هذا السؤال أن أغلب ما قدمه الشعراء من أعمال روائية لم يضف جديداً للمنجز السردي... ثم، ألم يكن من الأجدى أن يذهب الشعراء إلى المسرح، الفن الأقرب لروح الشعر؟
هنا... آراء شاعرة وشاعر خاضا غمار هذه التجربة، وناقدة لها دورها في المشهد الأدبي:

- أماني فؤاد (ناقدة): إغراءات الرواية
أتعجب من تصريحات البعض في الصحافة الثقافية بكثير من الأحكام القطعية في الفن والأنواع الأدبية، فهناك من يصرح بموت الشعر، أو إفلاس الشعراء، دون رصد وتحليل حقيقي للمنتج من هذا اللون الإبداعي. تسعى تلك الأصوات لإطلاق العناوين اللافتة، لكنها في الحقيقة تلامس مجرد سطوح القضايا والظواهر، فلا يتعمقون في النظر إليها، ولا الوعي بطبيعة سياق اللحظة الزمنية التي نعيش تفاعلاتها، لا الشعر بإمكانه أن ينتحر، ولا أن يفلس الشعراء، فلكل نوع أدبي سماته الخاصة وتقنياته المميزة. والأكثر أهمية أن لكل نوع احتياجاً وطبيعة إبداعية تغطي نزوعاً في الإبداع وطريقاً للبوح، وفي ذائقة التلقي أيضاً، فكل من الأنواع الأدبية لا يشبه الآخر، وكل نوع يضيء منطقة من الإنسان: المنتج للفن، والمتلقي له. ولذا لا مجال للمنافسة أو لموت أحد الأنواع وانتهائه.
ميزة الشعر في التكثيف، والتقاط الشعرية من سردية الكون، له طبيعة الومضة الخاطفة التي تلتقط توتراً ما، في الحدث، أو داخل الإنسان، أو الموجودات، حيث الذبذبة العالية أو المغايرة للهاث في السرد والرغبة في الإحاطة بكل شيء. كما أن الشعر يقبض على الزمن اللحظي لا الممتد في معظمه. فحياتنا كما تسير في خط تتوالى فيه الساعات والأيام والسنوات والأحداث التي تشغل مبدعي الرواية، لكن تظل لحظاتها الومضية هي الأكثر وقعاً على الإنسان، ولها خاصية العيش في ذاكرته، تلك اللحظات التي تشبه البرق في الاختلاف، وسرعة الوجود ودلالته حتى وإن اتسمت بالهدوء. تتحرك الرواية أفقياً في زمن ممتد في الحاضر أو تقافزات حرة في الماضي أو المستقبل، وتشبع عند الكاتب مناطق إبداع مختلفة، وتزيح الستار عن رؤية ما، فلا تتنافس الأنواع الأدبية بقدر ما تحقق تكامل مواهب الكتابة والخلق الفني عند المبدع. اعتاد العرب على ما يشبه التخصص في الكتابة، في حين نرى تعدد أنواع الكتابة الأدبية وفنون أخرى مثل الفن التشكيلي عند المبدع الواحد في الغرب، وتبقى الظاهرة هناك لا تثير التساؤل. نلاحظ بالطبع تسيد الرواية في اللحظة الحاضرة التي نعيشها، وقلة إصدارات المجموعات القصصية نسبياً، وذلك لعديد من الأسباب، من أبرزها تعدد الجوائز التي رصدتها المؤسسات والدول العربية لكتابة الرواية، وهو ما أغرى بعض الشعراء للانتقال إليها على حساب الشعر، هذا عدا أن الروايات التي تفوز بالجوائز يتم ترجمتها، وهنا تستحوذ على الشعراء رغبات مشروعة في الانتشار والعالمية كما يتصورون. كما أن الشعر الفائق يحتاج لمبدع فائق المستوى؛ يلتقط شعرية الوجود، ويمتلك قدرة المغايرة والتجريب والتفرد، وناصية اللغة والموسيقى، والقدرة على تكثيف الوجود، وشطب وإزاحة كل ما تكتظ به السرديات، ودائماً يظل الشطب أصعب كثيراً من الاسترسال في حكي الأشياء كلها. أضف إلى ذلك أن دور النشر تقبل على طبع الروايات، وتعطي مقابلاً مادياً لمبدعيها، في حين تأخذ التكلفة المادية للإصدار من كاتب الديوان أو المجموعة القصصية، كما يتزايد إقبال القراء على الرواية أكثر من إقبالهم على الشعر والقصة القصيرة رغم مفارقة مقولات أننا بعصر السرعة، والتيك أواي. وأحسب أن مرجعية هذه الظاهرة تعود لإشباع الرواية لدى القراء، خصوصاً فئة طلبة الجامعة، قراءة يجدون فيها ذواتهم ويومياتهم العادية، يرون فيها أحلامهم وإخفاقاتهم ونوازعهم، أي أنها تمنحهم صوراً من حياتهم، أو ما يطمحون إليه من احتياجات بسيطة، بخاصة الروايات الأكثر مبيعاً، أو ما يطلقون عليه «البيست سيلر»، بغض النظر عن المستوى الفني والفكري، كما أنها في بعض الأحيان تقدم لهم وجبة مشوقة بوليسية، حيث التوق إلى المغامرة ولذة الكشف بعد الغموض. وفي ظني أن أسباب عدم ذهاب الشعراء لفن المسرح يعود لعدم وجود مواسم وعروض مسرحية في مجتمعاتنا كالغرب وأميركا، أو حتى في مصر في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كما أن الفترة التي زادت فيها العروض المسرحية في مصر كانت عروضاً تجارية تخضع لمعايير تسويقية لا تتلاءم مع الفن الراقي المحمل بالرؤى، إضافة إلى أن كتابة المسرح لا توفر لها المؤسسات جوائز عالية القيمة.

- سهير المصادفة: سفر للرواية بلا عودة
كان وسيظل الشعر دائماً ذروة الهرم الإبداعي؛ هرم أنواع الكتابة كلها، ولذلك لا نكاد نقرأ سيرة أحد الروائيين العالميين الكبار؛ خصوصاً مَن فازوا بجائزة نوبل، أكبر وأهم الجوائز الأدبية، إلا ونجد فيها إشارة إلى ديوان أو ديوانين أو حتى محاولة شعرية لم تُنشر، حتى الكولومبي ماركيز صاحب «نوبل» كتب في بداية حياته بعض القصائد الشعبية لتُغنى. الشعر عمود الكتابة بشكل عام، وكل رواية أو قصة أو مسرحية أو حتى مقالة تفتقد إلى روح الشعر لا يعول عليها كثيراً، وتظل مثل الحواديت الملقاة على الأرصفة، نقرأها ثم ننساها.
أصبحت الرواية الآن ليست في العالم العربي فحسب، ولكن أيضاً في الغرب، هي الأكثر انتشاراً وإنتاجاً وقراءةً، ويطلقون عليها الآن: «كتاب الحياة»، ربما لأن العالم غادر فترة مراهقته وفتوته وشبابه، وأصبح عجوزاً حكيماً، بعد أن فقد براءته ودهشته وعاطفته المشبوبة، وأصبح يتلعثم في استخدام المجاز، بل بصراحة أكثر بات يجد صعوبة في تقبله. صار العالم العجوز الحكيم يجلس الآنَ خلف حاسوب ليتابع عبر ذراته الإلكترونية أدق تفاصيل الكرة الأرضية، مقرباً أمام عينيه أحد الشواطئ المتجمدة في القطب الشمالي، ليشاهد يوميات دب بني صغير ابتداء من لحظة استيقاظه من النوم وحتى لحظة نومه، أو طقوس زواج نوع من الفراشات فوق نبتة نادرة في جنوب أفريقيا، ولم تعد لديه الرغبة أو الحماس، ليقف أمام الحشود قارئاً ألوان هزيمته بصوت منغم. نعم الرواية ابنة الهزيمة، وانسحاق الفرد أمام تعقيد المشاهد وتناسلها إلى درجة مخيفة لا تستطيع محاصرتها آلاف الصفحات، ولكنها في الوقت نفسه الجنس الأدبي الأكثر تسامحاً، حيث يمكنها استيعاب كل أشكال الكتابة الأخرى والفنون والعلوم والمعارف مثل: الشعر والأغنيات والفن التشكيلي والموسيقى والتاريخ والجغرافيا وتقريبا كل شيء، وهي لذلك مدونة الكتابة الآن وكتاب حياتها، ولأن العرب قديماً قالوا «إن النثر فضَّاح الشعراء»، فالرواية رغم آلاف العناوين التي تصدر مذيلة بتوقيعها تفضح كُتَّابها من غير الشعراء، لأنهم لن يكونوا روائيين جيدين أبداً، فالشاعر القادم من حدائق الشعر جاهز بأدواته اللغوية والأسلوبية ليكتب رواية فارقة. وعلى سبيل المثال لا الحصر الرواية البديعة: «في فمي لؤلؤة» للشاعرة الروائية الفنانة التشكيلية ميسون صقر.
وفي النهاية لا أظن أن الجوائز أو الشهرة أو التوزيع سبب هجرة الشعراء أو غيرهم إلى الرواية، فبعضهم وأنا منهم حصدوا الشهرة والمكانة والجوائز من الشعر أيضاً قبل أن يكتبوا الرواية.

- مصطفى أبو مسلم: الشعر عباءتي المفضلة
لا أؤمن بالتخصصات في الكتابة، فالكاتب يستطيع صياغة أفكاره في أي قالب، سواء في الشعر أو الرواية أو القصة، أو أي قالب آخر، لذلك ما يقال عن إفلاس الشعراء لا أراه تعبيراً صحيحاً يناسب تنقلات الكاتب بين الأصناف الأدبية المختلفة، فعلاقة الرواية بالشعر أو بالسرد عموما تظهر بشكل واضح عن طريق عدة مشاهد تكون فيها اللغة الشعرية محورها الرئيسي، ويصبح الشعر واضحاً من خلال السرد، أو من خلال الصور التي يستطيع الكاتب فيها تجسيد الحالة الإنسانية، فيتمكن من الخروج بالراوية من سراديب التراكيب والبناء التقليدي، الذي ينتج عنه سرد ممل ورتيب للمتلقي. كل رواية في رأيي هي قصيدة بشكل ما، وبعض القصائد في بعض الحالات نستطيع تصنيفها كقصة، فكل قالب فني بدون الشعر يعتبر باهتاً، وسيزول بمرور الوقت. فبعض شخصيات وأبطال الروايات قد يحولهم الكاتب لعصف شعري يمشي أمام العالم.
ما هي المبررات الفنية والموضوعية وراء ما يسميه البعض «اللهاث السردي»، وهل أصبحنا أمام ما يشبه القانون أو المعادلة الفنية: كلما ضاقت قماشة الشعر، اتسعت في الرواية؟ الكثير من الأفكار لدي لا يمكن صياغتها في قالب شعري، بل عن طريق أنماط كتابية مختلفة كالمسرح أو السيناريو أو الرواية، وقد منح الشعر الكثير من الجماليات للرواية كالتصوير والكثافة التعبيرية التي تلتقطها عين الكاتب وتصوغها كمشاهد فوتوغرافية لتحوّله لصورة إبداعية مختلفة في خصائصها عن الواقع اختلافاً قد يكون جذرياً أحياناً. أرى أن التواصل بين الشعر والرواية أصبح أمراً ملحاً لدى الكثير من الكتاب، خصوصاً الذين يكتبون من منطلق إيمانهم بوحدة الإبداع وعن طريق الرؤية التي أستطيع تسميتها بالتواصل اللاإرادي، فكل منهما يستطيع منح الآخر بعداً جديداً، فالشعر هو أسلوب التعبير الإنساني المرتبط بالوعي والإحساس والتفاعل الفردي أو الشخصي، أما الرواية فيتسع نطاقها ليتضمن الحياة بأبعادها المختلفة، ليعبر عن الوعي الجمعي عن طريق رؤية شخصية في بعض الأحيان.
صدقاً أعتبر الجوائز ما هي إلا مجرد مقابر للكاتب الذي يعتبرها هدفاً يستحق الكتابة لأجله، نعم، قد تخلق حالة من التنافسية بين الكتاب، لكن في النهاية تقييم الكتابة مبني على ذائقة لجان التحكيم بتلك الجوائز، ففوز رواية ما مثلاً دون أخرى لا يعكس أهميتها أو عدمها. وأستغرب، ولا أعلم ما هي أسباب الصراع القائم بين الأنماط الأدبية لدى الكتاب في الساحة الثقافية العربية، فالعديد من الشعراء أو الروائيين أو كتاب المسرح في إحدى مراحل حياتهم كتبوا الشعر، ومنهم فوكنر، وأورويل، وهمنغواي، وشكسبير، والماغوط الذي كتب الشعر والمسرح والرواية. لذلك أرى من الصعب، بل من التعسف، أن يتعمد الكثيرون الفصل بين الإبداع، ووضع جدران وحواجز بينها، الكتابة الأدبية مكملة لبعضها بعضا، والمهم تقييم مجمل تجربتك في هذا السياق. لدي العديد من المشاريع في الكتابة على المدى القصير بعد صدور روايتي الأولى «2030» عن «دار ميريت»، انتهيت من تجربتي الروائية الثانية، ولدي ديوانان شعر فصحى يصدران قريباً عن «الهيئة العامة المصرية للكتاب»، وعلى المدى الطويل لدي مشاريع في الرواية وسيناريوهات لأفلام قصيرة، أرى أني ما زال أمامي الكثير من العمل، ولا بد أن أبذل المزيد من الجهد، لكني في كل الأحوال مهما تنقلت بين الأصناف الأدبية سيظل الشعر هو عباءتي المفضلة وبيتي الذي لا أرتاح إلا فيه، أو كما قال والت ويتمان: الشعر هو ضوء نادر لا يمكن وصفه، يضيء الضوء نفسه متجاوزاً كل الإشارات واللغات والأوصاف.



زمن الأشباح... التواصل الافتراضي يشرّع "الغوستينغ" أو الاختفاء المفاجئ

الـghosting أو الاختفاء المفاجئ، ظاهرة معاصرة تتحوّل إلى سلوك شبه اعتيادي (بكسلز)
الـghosting أو الاختفاء المفاجئ، ظاهرة معاصرة تتحوّل إلى سلوك شبه اعتيادي (بكسلز)
TT

زمن الأشباح... التواصل الافتراضي يشرّع "الغوستينغ" أو الاختفاء المفاجئ

الـghosting أو الاختفاء المفاجئ، ظاهرة معاصرة تتحوّل إلى سلوك شبه اعتيادي (بكسلز)
الـghosting أو الاختفاء المفاجئ، ظاهرة معاصرة تتحوّل إلى سلوك شبه اعتيادي (بكسلز)

لم تجد اللغة العربية بعد الكلمة الملائمة لتوصيف ذاك الشخص الذي يتوقّف عن الردّ على الرسائل والاتصالات ويتبخّر بين ليلةٍ وضُحاها. تكتفي بإطلاق عبارة "الاختفاء المفاجئ" على هذه الحالة، التي تذهب اللغة الإنجليزيّة إلى تسميتِها باسمٍ دقيقٍ جداً هو "غوستينغ" Ghosting، نسبةً إلى الشبَح.

منهُم مَن وصلَتْهُ رسالة "واتساب" بدليل أنّ السهمَين تلوّنا بالأزرق، لكنه سمعها أو قرأها ولم يُجِب. ومِنهُم مَن تلاشى اهتمامُه فجأةً فما عادَ يدوس "لايك" على "ستوري" إنستغرام. ومنهُم مَن توقّف عن الردّ على تطبيق المواعَدة وذهب إلى حدّ الحظر أو "البلوك".

على غرار الأشباح، يعمد هؤلاء إلى الانسحاب من حياة الآخرين وقطع التواصل معهم من دون شرحٍ ولا سابق إنذار، وكأنّهم لم يظهروا فيها أصلاً. عوامل كثيرة لعبت دوراً في تفاقم تلك الظاهرة خلال السنوات الأخيرة وتَحوّلِها إلى سلوكٍ طبيعيّ، على رأسها سطوة الهواتف الذكية والتواصل الافتراضي. مع العلم بأنّ "الغوستينغ" لا ينحصر بالعلاقات العاطفية، إنما ينسحب على الصداقات والروابط العائلية والمهنية.

يتوقف الناس فجأةً عن الردّ على الاتصالات والرسائل فيتحوّلون أشباحاً افتراضيين (بكسلز)

تعريف "الغوستينغ"

ظهرت كلمة Ghosting في القاموس الأميركي العريق "مريام وبستر" للمرة الأولى عام 2017، ما يؤكّد أنّ الظاهرة حديثة العهد. ووفق تعريف القاموس، فهو "تصرّف يتمثّل في قطع جميع أشكال التواصل مع شخص ما بشكل مفاجئ ومن دوت تقديم أي تفسير، وذلك من خلال التوقّف عن استقبال المكالمات الهاتفية منه أو تجاهل الرسائل النصية وغيرها".

أما الأسباب التي تدفع بالمرء إلى أن يختفي فجأةً أو أن يتحوّل شبحاً افتراضياً، فتتنوّع مع تنوّع الحالات. بين هؤلاء مَن يفقد اهتمامه بالعلاقة فيقرر الانسحاب منها بصَمت، خصوصاً إذا كانت العلاقة حديثة العهد. ومنهم مَن يتصرّف كذلك تجنُّباً للمواجهة والجدال. ثمّة فئةٌ أخرى وهُم المُثقلون بأعباء نفسية ولا طاقة لديهم على التمسّك بأي تواصل أو علاقة. وينقسم هؤلاء إلى قسمَين: الأشخاص الميّالون إلى العدوانية المقنّعة والتهرّب من المسؤوليات، والأشخاص ذوو نمط الارتباط القلِق الذين يصعب عليهم الاستمرار في علاقة.

تتعدّد الأسباب التي تدفع بالشخص إلى الاختفاء الافتراضي المفاجئ (بكسلز)

كيف تحوّل "الغوستينغ" إلى سلوك رائج؟

* العالم الافتراضي.. شبح خلف شاشة

أليسَ ذاك الجالس خلف شاشة هاتفه أو حاسوبه أشبَه بالشبَح؟ يقول ما يشاء، يصمت متى يشاء، ويظهر ثم يختفي عندما يشاء. لقد جرّدت وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المُراسَلة مثل "واتساب" و"تلغرام"، ومنصّات المواعَدة كـ"تندِر" و"بامبل"، الناس من مقدارٍ كبير من كيانهم الإنساني.

الجزء الأكبر من التواصل في أيامنا هذه، يجري بشكلٍ افتراضي، وهذا يجعل النظر إلى الطرف الآخر باعتباره مجرّد رقم أو صورة، بدلاً من التعامل معه على أنه إنسان حقيقي لديه مشاعر.

لقد سهّل العالم الرقمي تجاهل الآخرين. فالسلوك عبر الإنترنت حطّم جزءاً كبيراً من أخلاقيات التعامل مع الآخر وسهّل كسر القيود التي لا يمكن تحطيمها وجهاً لوجه. أن تواجه شخصاً بكلمة جارحة عبر رسالة نصية أسهل بكثير من قولها في وجهه.

التواصل الافتراضي يحوّل الطرف الآخر إلى رقم أو صورة (بكسلز)

* وهم الخيارات اللامتناهية

تُنَمّي تطبيقات المواعدة والتواصل الاجتماعي عقليّةً استهلاكيّة لدى مستخدِميها، فيميلون إلى التعامل مع العلاقات البشريّة والعاطفية وكأنها أشياء يمكن التخلّص منها. وما يسهّل ذلك هو الاعتقاد بأنّ العثور على شريك آخر لا يتطلّب أكثر من تمرير إصبع على الشاشة.

* عدوى الجيل زد

الجيل زد هو الأكثر ممارسةً لسلوك "الغوستينغ" والأكثر تضرُراً منه، يليه جيل الألفيّة. في دراسة حديثة أجراها مركز Thriving Center of Psychology، أفاد 84% من أبناء الجيل زد وجيل الألفيّة بأنهم كانوا ضحية اختفاء مفاجئ أو ghosting، ما ترك لديهم مشاعر سلبيّة متراوحة ما بين الحزن والخيبة والانزعاج.

إلّا أنّ الأمر لا يتوقف عند هذا الحدّ، إذ غالباً ما يلجأ الأشخاص الذين تعرضوا لهذا الموقف إلى ممارسته بدورهم مع الآخرين، ما يحوّل الظاهرة إلى حلقة مفرغة. فبمجرّد أن يختبر المرء الانزعاج الناتج عمّا تعرّض له من اختفاء مفاجئ، قد يتبنّى السلوك ذاته كآليّة دفاع عن النفس.

الجيل زد هو الأكثر ممارسةً لسلوك "الغوستينغ" (بكسلز)

كورونا عزّزت "الغوستينغ"

وفق استطلاع أجرته مجلة "كوزموبوليتان" قبل سنوات قليلة، فإنّ 80 % من المستطلَعين تعرّضوا لمزيد من الـ"غوستينغ" خلال فترة جائحة كورونا.

وتُعدّ الجائحة أحد أبرز العوامل المحفّزة لهذا السلوك البشريّ المستجدّ، لا سيما أنها بدّلت أولويات التعامل الاجتماعي وقدرة التحمّل في التواصل بين البشر. تركت العزلة الطويلة والمخاوف الصحية الناس في حالةٍ من الهشاشة العاطفية والانكفاء الاجتماعي، فلجأ كثيرون إلى التقوقع على الذات والتوقّف عن الردّ. صارت الأولويّة بعد صدمة كورونا لتجنُّبِ كل ما هو غير مُريح، فحتى المُحادثات الصادقة باتت تبدو صعبة.

أما أبرز ما شرّع حرية الاختفاء المفاجئ من على شاشة الآخرين ومن حياتهم خلال الجائحة، فكانت القيود المفروضة في تلك الآونة؛ من الحَجر المنزلي والامتناع عن اللقاءات الاجتماعية، وصولاً إلى التواصل والعمل عن بُعد. هذا الغياب لأي وجود ملموس في العالم الواقعي جعل من السهل للغاية الاختفاء تماماً من حياة شخصٍ ما.

القيود المفروضة خلال جائحة كورونا عززت ظاهرة الغوستينغ (بكسلز)

أشباح في الصداقة والعمل والعائلة

لا يقتصر الاختفاء المفاجئ على ذاك المعجب الذي ضاع أثرُه بعد أوّل مواعدة. إذ يَحدث أن يتوقّف الأصدقاء، سواء كانوا قدامى أم عابرين، فجأةً عن الردّ على الرسائل أو يغادرون مجموعات واتساب من دون إنذار. وقد يعود السبب في ذلك إلى شعور عام بالإرهاق الاجتماعي أو رغبة ضمنيّة في إنهاء العلاقة من طرف واحد.

تمتدّ ظاهرة "الغوستينغ" إلى داخل العائلات إذ يَحدث أن يقطع أفراد العائلة علاقاتهم بصَمت، متجاهلين المكالمات أو الدعوات في الأعياد من دون مناقشة الأسباب الكامنة وراء ذلك.

أما أماكن العمل والعلاقات بين الموظّفين ومُديريهم فلم تَنجُ هي الأخرى من حالات الاختفاء، وما ضاعف ذلك انتشار تقنية العمل عن بُعد في معظم الشركات لا سيما بعد جائحة كورونا.


تفاعل مصري مع تأجيل حفل شاكيرا في الأهرامات

شاكيرا شاركت في احتفاليات عالمية كبرى (إنستغرام)
شاكيرا شاركت في احتفاليات عالمية كبرى (إنستغرام)
TT

تفاعل مصري مع تأجيل حفل شاكيرا في الأهرامات

شاكيرا شاركت في احتفاليات عالمية كبرى (إنستغرام)
شاكيرا شاركت في احتفاليات عالمية كبرى (إنستغرام)

حظي إعلان الفنانة الكولومبية شاكيرا تأجيل حفلها الذي كان من المقرر إقامته يوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بمنطقة الأهرامات بالجيزة، بتفاعل واسع من المتابعين وجمهور النجمة العالمية ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي.

وعلى الرغم من إعلان شاكيرا موعداً جديداً للحفل ضمن جولتها الغنائية حول العالم ليكون في الثاني من أبريل (نيسان) 2027 فإن ردود الفعل الحزينة والغاضبة والمتعجبة من تأجيل الحفل استمرت في تصدُّر المشهد، خصوصاً مع إعلان شاكيرا أن السبب يعود إلى ظروف المنطقة، ما عدَّه بعضهم مبرراً غريباً للتأجيل، وعزوا تعجبهم إلى أن «مصر تحظى باستقرار وأمان وهو ما ينعكس بشكل لافت على الحركة السياحية».

وتعد هذه هي المرة الثانية التي تعلن فيها شاكيرا تأجيل حفلها في مصر الذي كان مقرراً يوم 7 أبريل الماضي، وجرى تأجيله إلى 28 نوفمبر، وفقاً لما أعلنته في مقطع فيديو سابق باللغة العربية، وجهت فيه حديثها إلى جمهورها في مصر.

وقالت شاكيرا في رسالة نشرتها عبر خاصية «ستوري» بموقع «إنستغرام» إنها كانت متحمسة لرؤية جمهورها في مصر يوم 28 نوفمبر، وإن أحد أحلام مسيرتها الفنية أن تغني عند الأهرامات، وإنها مضطرة للانتظار لفترة أطول.

وأوضحت: «تقرر التأجيل بسبب الظروف الراهنة في المنطقة، فمع وضع سلامة الجميع ورفاهيتهم على رأس الأولويات، اتخذ القرار الصعب بتأجيل حفلنا»، وتابعت موجهة حديثها إلى مصر: «أنا قادمة».

شاكيرا في إحدى حفلاتها (إكس)

وتصدرت شاكيرا «الترند» على «غوغل» في مصر الأحد بعد إعلانها تأجيل الحفل، وحظي الخبر باهتمام لافت وتعليقات كثيرة بين حزن وتعجب.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» محمد فتحي أن «التفاعل المصري الواسع مع تأجيل حفل شاكيرا في الأهرامات يكشف عن أن الجمهور لا يتعامل مع الحدث بوصفه مجرد حفل غنائي، بل بوصفه حدثاً يرتبط بصورة مصر السياحية ومكانتها الثقافية عالمياً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الجمهور المصري يعرف شاكيرا، وبعضه يحبها لكن ما أثار التفاعل هو اهتمام الجمهور المصري بصورة بلاده، وتأثره بالأحداث الإقليمية، وتطلعه إلى استمرار الفعاليات العالمية على أرض مصر».

ولفت إلى أن «التأجيل جاء للمرة الثانية خلال العام نفسه، وهو ما يفسر حالة التفاعل الكبيرة بين خيبة أمل الجمهور والتعاطف مع الفنانة، والتساؤلات حول تأثير الظروف الإقليمية على الفعاليات الفنية الكبرى، خصوصاً أن سبب التأجيل في عبارة (ظروف المنطقة) يمثل عنصراً مهماً في توسيع دائرة الانتشار والترند».

وعدّ فتحي أن «ارتباط الحفل بالأهرامات يمنحه قيمة رمزية تتجاوز الترفيه، إذ يرى الجمهور في استضافة نجمة عالمية بهذا الحجم فرصة لتعزيز صورة مصر بوصفها وجهة قادرة على الجمع بين التاريخ والفن والسياحة».

وتعد شاكيرا (49 عاماً) من أشهر المطربات الاستعراضيات في العالم ولها العديد من الألبومات والجولات الناجحة في أنحاء العالم، كما اختيرت لتقديم أحداث واحتفاليات كبرى مثل افتتاح كأس العالم لكرة القدم، وكذلك حفل ختام البطولة الكبرى.

ويرى الناقد الموسيقي المصري محمود فوزي السيد أن «شاكيرا غنت من قبل أمام الأهرامات في بداية الألفية الجديدة، وكان حفلاً كبيراً، لكن تأجيل حفلها للمرة الثانية وإعلانها أن ذلك بسبب ظروف المنطقة أراه أمراً غير مبرر».

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار التأجيل ربما يعود إلى تقديرات خاصة بها أو لإدارة أعمالها، لكنها لا علاقة لها بظروف المنطقة ومصر تحديداً؛ لأن البلد ينعم باستقرار وأمان تام، يتضح من المهرجانات والاحتفالات الكبرى التي تقام دورياً، واليوم نحتفل بمرور عام على افتتاح لمتحف المصري الكبير وسط أعداد كبيرة من السائحين الذين زاروه على مدار العام، وما زالوا يتوافدون عليه».

وأبدى السيد تمنيه أن يقام الحفل في الموعد الجديد الذي أعلنته الفنانة، عادّاً حضورها لمصر والغناء أمام الأهرامات مرة أخرى رسالة مهمة على أن مصر تحتفي وتجتذب فنون العالم.


«أبيليمود»... دواء واعد في مواجهة فيروس التهاب الكبد «E»

التهاب الكبد «E» من الأسباب الرئيسية لالتهاب الكبد الفيروسي الحاد (جامعة فلوريدا)
التهاب الكبد «E» من الأسباب الرئيسية لالتهاب الكبد الفيروسي الحاد (جامعة فلوريدا)
TT

«أبيليمود»... دواء واعد في مواجهة فيروس التهاب الكبد «E»

التهاب الكبد «E» من الأسباب الرئيسية لالتهاب الكبد الفيروسي الحاد (جامعة فلوريدا)
التهاب الكبد «E» من الأسباب الرئيسية لالتهاب الكبد الفيروسي الحاد (جامعة فلوريدا)

كشفت دراسة دولية عن فاعلية واعدة لدواء «أبيليمود» (Apilimod) في الحد من عدوى فيروس التهاب الكبد «E»، من خلال استهداف بروتين داخل الخلايا البشرية يساعد الفيروس على دخولها، ما قد يفتح المجال أمام تطوير نهج علاجي جديد لمواجهة العدوى.

وأوضح الباحثون، بمشاركة فرق بحثية من مؤسسات في ألمانيا وبلجيكا، أن الدواء يعطّل نشاط بروتين يُعرف باسم «PIKfyve»، المسؤول عن تنظيم وظائف بعض الحجرات الداخلية في الخلايا، ما يعيق دخول الفيروس وإطلاق مادته الوراثية داخلها. ونُشرت النتائج، الجمعة، في دورية «eGastroenterology».

والتهاب الكبد «E» عدوى فيروسية تصيب الكبد، وتنتقل غالباً عن طريق تناول مياه أو أطعمة ملوثة، وتسبب أعراضاً تشمل الحمى والإرهاق والغثيان وآلام البطن واصفرار الجلد والعينين. ويتعافى معظم المصابين تلقائياً، لكن العدوى قد تكون خطيرة، خصوصاً لدى النساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون ضعف المناعة.

ورغم أن الفيروس يُعد من الأسباب الرئيسية لالتهاب الكبد الفيروسي الحاد، فإن الخيارات العلاجية لا تزال محدودة. ويُستخدم عقار «ريبافيرين» (Ribavirin) في بعض الحالات خارج نطاق النشرة الدوائية المعتمدة، لكنه قد يسبب آثاراً جانبية سامة، ويُمنع استخدامه خلال الحمل، كما لا يحقق استجابة موثوقة لدى جميع المرضى.

وفي إطار البحث عن بدائل، اختبر الفريق مجموعة من المركبات الدوائية التي تستهدف آليات داخل الخلايا البشرية تشارك في نقل المواد ومعالجتها، ويستغلها الفيروس خلال عملية دخوله إلى الخلايا.

وأظهرت النتائج أن «أبيليمود» كان الأكثر فاعلية بين المركبات المختبرة، مقارنة بمركبات «رالوكسيفين» و«فيراباميل» و«كلوروكين» و«تاموكسيفين»؛ إذ نجح في تثبيط العدوى بتركيزات نانومولية في خلايا كبدية مزروعة في المختبر.

وللتحقق من آلية عمله، خفّض الباحثون إنتاج بروتين «PIKfyve» داخل الخلايا باستخدام تقنية الحمض النووي الريبي المتداخل الصغير (siRNA)، ما أدى إلى تراجع العدوى بنحو 40 في المائة. كما أظهرت مثبطات أخرى للبروتين تأثيراً مماثلاً.

وكشفت تجارب إضافية أن تأثير الدواء يتركز في مرحلة دخول الفيروس إلى الخلايا، وليس في مرحلة تكاثره بعد إطلاق مادته الوراثية. كما أدى تثبيط البروتين إلى انخفاض نشاط إنزيمين، هما «كاتيبسين B» و«كاتيبسين L»، اللذان يساعدان على تفكيك الغلاف البروتيني للفيروس وتحرير مادته الوراثية داخل الخلية.

وامتدت الاختبارات إلى خلايا كبدية بشرية أولية، حيث انخفضت العدوى دون حدوث تراجع مماثل في حيوية الخلايا، وإن كان تحقيق هذا التأثير يتطلب تركيزات أعلى من الدواء.

كذلك اختبر الباحثون الدواء على فئران مصابة بسلالة فيروس التهاب الكبد «E» الخاصة بالفئران، بجرعة يومية بلغت 75 ملليغراماً لكل كيلوغرام من وزن الجسم، على مدى 12 يوماً. ورصدوا انخفاضاً في مستويات المادة الوراثية للفيروس في عدد من الأنسجة، لكن التراجع في إجمالي العبء الفيروسي المطروح مع البراز لم يصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية المعتاد.

وأكد الباحثون أن النتائج لا تزال في المرحلة ما قبل السريرية، وأن هناك حاجة إلى إجراء دراسات إضافية لتحديد الجرعات الآمنة والفاعلة، واختبار تأثير الدواء في الأنماط الجينية المختلفة للفيروس، وتقييم مدى قدرته على مواجهة العدوى المزمنة، قبل بحث إمكانية استخدامه علاجاً للمرضى.