ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

نقد معرفي أم شعرية إدراكية

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟
TT

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

تواجه الثقافة العربية الحديثة اليوم، بفعل مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية، عدداً لا يحصى من الإشكاليات المعرفية؛ منها كيفية التعامل مع النظريات الأدبية الجديدة وتطبيقها على مستوى الممارسة النقدية والتنظير النقدي، وما تمخض عن ذلك من هذا الدفق الذي لا ينقطع من المصطلحات والمفاهيم المترجمة أو الموضوعة. وتبرز الحاجة الماسة اليوم لضبط هذه المصطلحات النقدية وتوحيدها تجنباً للوقوع في أخطاء معرفية جسيمة تشتت أذهان القراء وتغطي على الدلالة الحقيقية لهذا المصطلح أو ذاك.
ومن المصطلحات الحديثة التي بدأت تشيع وتنتشر في ثقافتنا العربية خلال العقد الأخير، وتنظم حولها المؤتمرات، وتصدر بحقها المؤلفات مصطلح النقد المعرفي، أو العرفاني أو العرفني. ولو عدنا إلى أصل المصطلح في اللغات الأجنبية ومنها الإنجليزية والفرنسية لوجدناه يحيلنا إلى مصطلح «Cognitive Poetics»، الذي يمكن ترجمته بالشعرية الإدراكية، كما يمكن ترجمة مصطلح «Cognitive Criticism» بالنقد الإدراكي، وذلك لوجود فروقات كبيرة بين المصطلحات المتقاربة في هذا المجال منها: المعرفة (Knowledge)، والإدراك (Cognition)، والفهم (Perception) وغيرها.
لقد سبق أن أصدر الدكتور الأزهر الزناد، أستاذ اللسانيات في جامعة منوبة التونسية كتاباً مهماً حول هذا الموضوع هو «نظريات لسانية عرفنية»، عام 2010، وقد رجح الباحث مصطلح «عرفنة» و«العرفان» على بقية المصطلحات؛ ومنها «الإدراك»، مع أنه قدم تصوراً علمياً شاملاً لطبيعة هذا الاتجاه ودلالته وتطبيقاته، ذلك أن مفهوم العرفان مفهوم فلسفي وصوفي يرتبط بتلقي المعرفة عن طريق الحدس. ونتذكر جيداً تقسيم الدكتور محمد عابد الجابري للأنظمة المعرفية العربية إلى عرفانية وبرهانية وبيانية. وهذا الأمر المثير للبس، وجدناه أيضاً في مبحث الدكتور محمود خليف خضير الحياني (من جامعة الموصل) في كتابه «النقد المعرفي للنص الأدبي: مقاربة في النظرية والأصول والمفاهيم» الصادر عام 2018. وكان الكتاب بعيداً كل البعد عن مفهوم النقد الإدراكي، واكتفى بتقديم مفاهيم عامة ومقدمات موسوعية عن علاقة النقد بالمعرفة دون أن يقترب من المفهوم المطروح للنقاش.
لكني من جانب آخر، وجدت دراسة مهمة لأكاديمية عراقية من جامعة القادسية هي الدكتورة وحيدة صاحب حسن، توقفت بالتفصيل أمام أهم اتجاهات النقد الإدراكي، لكنها مع ذلك وقعت في مطب الترجمة من خلال توظيف مصطلح النقد المعرفي، كما نجد ذلك في ورقتها البحثية «النقد الأدبي المعرفي المعاصر: الأصول، المرجعيات، المفهوم» المنشور عام 2018، وأعجبني منها ضبط الباحثة للمفهوم وعرضها للمفاهيم المتاخمة لهذ المصطلح، مثل perception وcognition، حيث عبرت عن قناعتها برفض مفهوم الإدراك وتفضيلها لمصطلح المعرفة، مع أنها أشارت بوضوح إلى بقية الترجمات المقترحة، ومنها مقترح الدكتور الأزهر الزناد بتفضيل العرفنة تارةً والعرفان تارةً أخرى.
ومن الكتب المهمة التي ترجمت إلى اللغة العربية كتاب الناقد بيتر ستوكويل الموسوم «Cognitive Poetics- An Introduction» وترجمته الدقيقة «الشعرية الإدراكية: مقدمة». وقد ترجمته د.سلوى سليمان نقلي عام 2010 تحت عنوان «مقدمة في النقد الشعري المعرفي». ومن هنا نرى أن المترجمة لم تقتصر على ترجمة المصطلح بالمعرفي بدل الإدراكي بل أضافت له كلمة الشعرية، فأصبح المصطلح «النقد المعرفي الشعري»، ويبدو أنها تابعت الخطأ الشائع في ترجمة كتاب «الشعرية» (Poetics) بـ«فن الشعر»، وهي ترجمة تسبب تشوشاً في تلقي القارئ.
وقد سبق للناقد د. إبراهيم بن منصور التركي أن نشر دراسة مبكرة في هذا المجال عام 2006 في صحيفة «الرياض»، تحت عنوان «من النقد الثقافي إلى النقد المعرفي»، أشار فيه إلى أهمية النقد الثقافي، وأشاد بإنجازات الدكتور عبد الله الغذامي في هذا الميدان، لكنه عبر عن اعتقاده بأن ما سماه النقد المعرفي - ويقصد به الإدراكي، بدأ يزاحم النقد الثقافي. وكشف الناقد عن إدراك واسع للمفهوم.
وكانت جامعة عباس لغرور في الجزائر قد نظمت مؤتمراً دولياً تحت عنوان «النقد الثقافي استراتيجية النقد المعرفي» في فبراير (شباط) 2015، شارك فيها عدد من الباحثين الذين فحصوا فيها مستويات التماثل والتباين بين النقدين الثقافي والمعرفي.
لكن الإنجاز الأهم في التعريف بهذا الاتجاه النقدي الجديد، يتمثل في إقدام مجلة «فصول» المصرية على إصدار عدد موسوعي شامل صيف 2017 يحمل الرقم 100 من المجلة ضم العشرات من الدراسات الموضوعة والمترجمة؛ منها دراسات لرموز النقد الإدراكي. وقد لاحظنا في هذا العدد تعارضاً وتفاوتاً في ترجمة المصطلح، فبعض الدراسات مالت إلى ترجمته بالنقد المعرفي وأخرى بالعرفاني أو العرفني، لكن بعضها الآخر فضل مصطلح «النقد الإدراكي»، كما أن أسرة تحرير المجلة قد اختارت في غلاف المجلة الأول مصطلح «الإدراكيات»، في مقابل مصطلح العلوم الإدراكية (Cognitive Sciences) الذي أدرجته على غلافها الأخير. وبذا فما أتمناه أن يكون هذا الاختيار من قبل المجلة دعوة إلى جميع المترجمين والباحثين لاعتماد مصطلح «النقد الإدراكي» بديلاً عن المصطلحات المجاورة الأخرى التي يروج لها الآن في الدراسات الأكاديمية.
وقبل هذا وذاك، بات من حق القارئ علينا أن نعرفه على دلالة المصطلح وأصوله ومرجعياته في النقد الحديث. يمكن الاتفاق مبدئياً مع الناقدين رينيه ويلبك وأوستن وارين في كتابهما «نظرية الأدب»، على أن مناهج النقد تنقسم إلى قسمين؛ هما مناهج النقد الداخلي (Intrinsic) أو النصي (Textual)، وهي التي تعنى بالبنى الداخلية والشكلية للنص الأدبي وتمثلها معظم اتجاهات نقد الحداثة وما بعد الحداثة مثل البنيوية والتفكيكية، فضلاً عن مدرسة الشكلانيين الروس ومدرسة براغ، وهي تجمع على القول إنه لا يوجد شيء خارج النص، وترفض فحص أي من عناصر السياق الخارجي مثل المؤلف والقارئ والمجتمع والتاريخ والميثولوجيا وغيرها، والاكتفاء بالنص بوصفه بنية محايثة مكتفية بذاتها. أما القسم الثاني فيضم المناهج الخارجية (Extrinsic) أو السياقية (Contextual) التي تعنى بفحص دور المؤلف والقارئ وتأثير التاريخ والبنية الاجتماعية والثقافية في تشكل النص وبنائه، دون أن تهمل كلياً البنية النصية الداخلية.
ترى أين يمكن أن نضع النقد الإدراكي أو المعرفي هذا؟ إنه يقع ضمن المناهج الخارجية أو السياقية، وذلك لأنه يعني أساساً بفحص ردود أفعال القارئ الذهنية والعقلية عند تلقي النص الأدبي والأثر الفني، ومعنى ذلك أن هذا المنهج يقع خارج إطار القسم الأغلب من مناهج النقد الحداثي وما بعد الحداثي، بوصفه نقداً سياقياً يعنى بكيفية فك القارئ لشفرات النص الأدبي، وهو في هذا قريب إلى حد «نقد استجابة القارئ»، الذي مثلته كتابات الناقدين الألمانيين ياوس وايزر، كما أنه ينتمي إلى الدراسات النفسية، فالنقد الإدراكي يتعلق بعمل الدماغ، والعمليات الذهنية التي تدور في داخل دماغ المتلقي بوصفه قارئاً للنص.
وكان بيتر ستوكويل قد أشار في كتابه «الشعرية الإدراكية: مقدمة»، إلى أن الشعرية الإدراكية هي طريقة جديدة للتفكير تنطوي على تطبيق اللسانيات الإدراكية وعلم النفس على النصوص الأدبية. وأشار ستوكويل إلى ظهور نماذج تسلط الضوء على قضية الإبداع منها المخططات الذهنية (Scenario) والأطر أو المدارات المعرفية والأنساق الذهنية (Schemas) والبنى الكبرى (Macrostructures). وتذهب كاترين فوكس إلى أن العلوم الإدراكية تضم التخصصات التي تتعلق بمختلف جوانب النشاط الحسي والفكري التي بواسطتها يتعرف بها الإنسان على العالم من حوله من خلال علوم مختلفة مثل بيولوجيا الأعصاب، وعلم النفس، والذكاء الصناعي، ونظرية الاتصال، وفلسفة العقل وغيرها.
وبين ميهايو أنطونتش أن العلوم العرفانية ظهرت في سبعينات القرن الماضي بوصفها ردة فعل لمهاجمة سلوكية وبنيوية الخمسينات والستينات، ومثلت قطيعة شرعية مع النظرة القائلة إن الذهن البشري لوحة فارغة. وتستدرك لازريا بيليخوفا من أوكرانيا أن اللسانيات الإدراكية تذهب إلى أن اللغة ليست نتاج بنى خاصة في الدماغ، وإنما هي نتاج كفاية إدراكية عامة يستعملها البشر في تفكيرهم وتجربتهم.
ومن الجدير بالذكر أن أول من اجترح مصطلح الشعرية الإدراكية هو الناقد روفن تسور (Reuven Tsur) عام 1971 الذي أعلن أن هدف هذه النظرية هو الكشف عن العلاقة بين بنية نص ما، والخصائص الإنسانية الكامنة فيها، وكذلك استقصاء العمليات الوسيطة التي تدور في عقل القارئ، وقد طبق هذا الناقد نظريته هذه في دراسة الشعر والإيقاع والوزن وغير ذلك. وقد برز بعد ذلك عدد كبير من النقاد والباحثين الذين درسوا مختلف الجوانب المتعلقة بتطبيق العلوم الإدراكية في مجال دراسة الدلالة والأسلوب والاستعارة واللسانيات وغير ذلك، أمثال جورج لاكوف (George Lakoff) ومارك تيرنر ومارك جونسن وجيمس برلن ولندا فلاور وبيتر ماكسويل، وعشرات غيرهم.
يبقى السؤال الأهم: لماذا نصر على تفضيل مصطلح الإدراكي على المعرفي؟
تبين الدراسات الخاصة بالوعي والإدراك والمعرفة وجود مستويات مختلفة لا يمكن الخلط بينها بسهولة. فقد أصبح مفهوم الإدراك مؤسسة قائمة بذاتها ووجدت له معاجم ومؤلفات وموسوعات خاصة؛ منها انسكلوبيديا الإدراك التي حررها Nadal في أميركا.
أما مفهوم المعرفة (knowledge) فيحتل موقعاً أعلى في دراسات الوعي الإنساني، ويختلف نوعياً عن مفهوم الإدراك (cognition)، وأمامي الآن دراسة باللغة الإنجليزية تقع في 54 صفحة مخصصة للتمييز بين مصطلحي المعرفة والإدراك، ويمكن مراجعتها على صفحات الشبكة العنكبوتية بيسر؛ وهي: Knowledge and Cognition , Najib Callaos، ويشير فيها الباحث إلى أن هدفه هو محاولة تقديم أنموذج منهجي و«سبرنطيقي» للتمييز بين مفهومي المعرفة والإدراك.
وأخيراً فأود التأكيد على أهمية تلقي ومتابعة وتداول المفاهيم والمصطلحات النقدية والفكرية الجديدة، لكن من المهم أيضاً الاتفاق على وحدة هذه المصطلحات تجنباً للخلط واللبس والاضطراب في عملية التلقي. ونتذكر جيداً أن كثيراً من هذه المصطلحات قد استقرت في المعاجم النقدية الاصطلاحية إلى حد كبير مثل البنيوية التي كانت تسمى أحياناً الهيكلية والتفكيكية التي اقترح بعضهم ترجمتها بالتقويضية والشعرية التي كانت تترجم بفن الشعر، مثلما حدث مع كتاب أرسطو المهم عن الشعرية.
وتقع على عاتق المؤسسات الأكاديمية والثقافية والمجلات والمواقع الرصينة أن تحرص على توحيد المصطلح وضبطه وتحديد حمولاته الفكرية والمعرفية والمفاهيمية خدمة للثقافة العربية، وتعميقاً لآليات المثاقفة والتواصل في الفكر الإنساني.
-ناقد عراقي



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.