ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

نقد معرفي أم شعرية إدراكية

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟
TT

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

ألم يحِن الأوان لتوحيد المصطلحات النقدية والفكرية؟

تواجه الثقافة العربية الحديثة اليوم، بفعل مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية، عدداً لا يحصى من الإشكاليات المعرفية؛ منها كيفية التعامل مع النظريات الأدبية الجديدة وتطبيقها على مستوى الممارسة النقدية والتنظير النقدي، وما تمخض عن ذلك من هذا الدفق الذي لا ينقطع من المصطلحات والمفاهيم المترجمة أو الموضوعة. وتبرز الحاجة الماسة اليوم لضبط هذه المصطلحات النقدية وتوحيدها تجنباً للوقوع في أخطاء معرفية جسيمة تشتت أذهان القراء وتغطي على الدلالة الحقيقية لهذا المصطلح أو ذاك.
ومن المصطلحات الحديثة التي بدأت تشيع وتنتشر في ثقافتنا العربية خلال العقد الأخير، وتنظم حولها المؤتمرات، وتصدر بحقها المؤلفات مصطلح النقد المعرفي، أو العرفاني أو العرفني. ولو عدنا إلى أصل المصطلح في اللغات الأجنبية ومنها الإنجليزية والفرنسية لوجدناه يحيلنا إلى مصطلح «Cognitive Poetics»، الذي يمكن ترجمته بالشعرية الإدراكية، كما يمكن ترجمة مصطلح «Cognitive Criticism» بالنقد الإدراكي، وذلك لوجود فروقات كبيرة بين المصطلحات المتقاربة في هذا المجال منها: المعرفة (Knowledge)، والإدراك (Cognition)، والفهم (Perception) وغيرها.
لقد سبق أن أصدر الدكتور الأزهر الزناد، أستاذ اللسانيات في جامعة منوبة التونسية كتاباً مهماً حول هذا الموضوع هو «نظريات لسانية عرفنية»، عام 2010، وقد رجح الباحث مصطلح «عرفنة» و«العرفان» على بقية المصطلحات؛ ومنها «الإدراك»، مع أنه قدم تصوراً علمياً شاملاً لطبيعة هذا الاتجاه ودلالته وتطبيقاته، ذلك أن مفهوم العرفان مفهوم فلسفي وصوفي يرتبط بتلقي المعرفة عن طريق الحدس. ونتذكر جيداً تقسيم الدكتور محمد عابد الجابري للأنظمة المعرفية العربية إلى عرفانية وبرهانية وبيانية. وهذا الأمر المثير للبس، وجدناه أيضاً في مبحث الدكتور محمود خليف خضير الحياني (من جامعة الموصل) في كتابه «النقد المعرفي للنص الأدبي: مقاربة في النظرية والأصول والمفاهيم» الصادر عام 2018. وكان الكتاب بعيداً كل البعد عن مفهوم النقد الإدراكي، واكتفى بتقديم مفاهيم عامة ومقدمات موسوعية عن علاقة النقد بالمعرفة دون أن يقترب من المفهوم المطروح للنقاش.
لكني من جانب آخر، وجدت دراسة مهمة لأكاديمية عراقية من جامعة القادسية هي الدكتورة وحيدة صاحب حسن، توقفت بالتفصيل أمام أهم اتجاهات النقد الإدراكي، لكنها مع ذلك وقعت في مطب الترجمة من خلال توظيف مصطلح النقد المعرفي، كما نجد ذلك في ورقتها البحثية «النقد الأدبي المعرفي المعاصر: الأصول، المرجعيات، المفهوم» المنشور عام 2018، وأعجبني منها ضبط الباحثة للمفهوم وعرضها للمفاهيم المتاخمة لهذ المصطلح، مثل perception وcognition، حيث عبرت عن قناعتها برفض مفهوم الإدراك وتفضيلها لمصطلح المعرفة، مع أنها أشارت بوضوح إلى بقية الترجمات المقترحة، ومنها مقترح الدكتور الأزهر الزناد بتفضيل العرفنة تارةً والعرفان تارةً أخرى.
ومن الكتب المهمة التي ترجمت إلى اللغة العربية كتاب الناقد بيتر ستوكويل الموسوم «Cognitive Poetics- An Introduction» وترجمته الدقيقة «الشعرية الإدراكية: مقدمة». وقد ترجمته د.سلوى سليمان نقلي عام 2010 تحت عنوان «مقدمة في النقد الشعري المعرفي». ومن هنا نرى أن المترجمة لم تقتصر على ترجمة المصطلح بالمعرفي بدل الإدراكي بل أضافت له كلمة الشعرية، فأصبح المصطلح «النقد المعرفي الشعري»، ويبدو أنها تابعت الخطأ الشائع في ترجمة كتاب «الشعرية» (Poetics) بـ«فن الشعر»، وهي ترجمة تسبب تشوشاً في تلقي القارئ.
وقد سبق للناقد د. إبراهيم بن منصور التركي أن نشر دراسة مبكرة في هذا المجال عام 2006 في صحيفة «الرياض»، تحت عنوان «من النقد الثقافي إلى النقد المعرفي»، أشار فيه إلى أهمية النقد الثقافي، وأشاد بإنجازات الدكتور عبد الله الغذامي في هذا الميدان، لكنه عبر عن اعتقاده بأن ما سماه النقد المعرفي - ويقصد به الإدراكي، بدأ يزاحم النقد الثقافي. وكشف الناقد عن إدراك واسع للمفهوم.
وكانت جامعة عباس لغرور في الجزائر قد نظمت مؤتمراً دولياً تحت عنوان «النقد الثقافي استراتيجية النقد المعرفي» في فبراير (شباط) 2015، شارك فيها عدد من الباحثين الذين فحصوا فيها مستويات التماثل والتباين بين النقدين الثقافي والمعرفي.
لكن الإنجاز الأهم في التعريف بهذا الاتجاه النقدي الجديد، يتمثل في إقدام مجلة «فصول» المصرية على إصدار عدد موسوعي شامل صيف 2017 يحمل الرقم 100 من المجلة ضم العشرات من الدراسات الموضوعة والمترجمة؛ منها دراسات لرموز النقد الإدراكي. وقد لاحظنا في هذا العدد تعارضاً وتفاوتاً في ترجمة المصطلح، فبعض الدراسات مالت إلى ترجمته بالنقد المعرفي وأخرى بالعرفاني أو العرفني، لكن بعضها الآخر فضل مصطلح «النقد الإدراكي»، كما أن أسرة تحرير المجلة قد اختارت في غلاف المجلة الأول مصطلح «الإدراكيات»، في مقابل مصطلح العلوم الإدراكية (Cognitive Sciences) الذي أدرجته على غلافها الأخير. وبذا فما أتمناه أن يكون هذا الاختيار من قبل المجلة دعوة إلى جميع المترجمين والباحثين لاعتماد مصطلح «النقد الإدراكي» بديلاً عن المصطلحات المجاورة الأخرى التي يروج لها الآن في الدراسات الأكاديمية.
وقبل هذا وذاك، بات من حق القارئ علينا أن نعرفه على دلالة المصطلح وأصوله ومرجعياته في النقد الحديث. يمكن الاتفاق مبدئياً مع الناقدين رينيه ويلبك وأوستن وارين في كتابهما «نظرية الأدب»، على أن مناهج النقد تنقسم إلى قسمين؛ هما مناهج النقد الداخلي (Intrinsic) أو النصي (Textual)، وهي التي تعنى بالبنى الداخلية والشكلية للنص الأدبي وتمثلها معظم اتجاهات نقد الحداثة وما بعد الحداثة مثل البنيوية والتفكيكية، فضلاً عن مدرسة الشكلانيين الروس ومدرسة براغ، وهي تجمع على القول إنه لا يوجد شيء خارج النص، وترفض فحص أي من عناصر السياق الخارجي مثل المؤلف والقارئ والمجتمع والتاريخ والميثولوجيا وغيرها، والاكتفاء بالنص بوصفه بنية محايثة مكتفية بذاتها. أما القسم الثاني فيضم المناهج الخارجية (Extrinsic) أو السياقية (Contextual) التي تعنى بفحص دور المؤلف والقارئ وتأثير التاريخ والبنية الاجتماعية والثقافية في تشكل النص وبنائه، دون أن تهمل كلياً البنية النصية الداخلية.
ترى أين يمكن أن نضع النقد الإدراكي أو المعرفي هذا؟ إنه يقع ضمن المناهج الخارجية أو السياقية، وذلك لأنه يعني أساساً بفحص ردود أفعال القارئ الذهنية والعقلية عند تلقي النص الأدبي والأثر الفني، ومعنى ذلك أن هذا المنهج يقع خارج إطار القسم الأغلب من مناهج النقد الحداثي وما بعد الحداثي، بوصفه نقداً سياقياً يعنى بكيفية فك القارئ لشفرات النص الأدبي، وهو في هذا قريب إلى حد «نقد استجابة القارئ»، الذي مثلته كتابات الناقدين الألمانيين ياوس وايزر، كما أنه ينتمي إلى الدراسات النفسية، فالنقد الإدراكي يتعلق بعمل الدماغ، والعمليات الذهنية التي تدور في داخل دماغ المتلقي بوصفه قارئاً للنص.
وكان بيتر ستوكويل قد أشار في كتابه «الشعرية الإدراكية: مقدمة»، إلى أن الشعرية الإدراكية هي طريقة جديدة للتفكير تنطوي على تطبيق اللسانيات الإدراكية وعلم النفس على النصوص الأدبية. وأشار ستوكويل إلى ظهور نماذج تسلط الضوء على قضية الإبداع منها المخططات الذهنية (Scenario) والأطر أو المدارات المعرفية والأنساق الذهنية (Schemas) والبنى الكبرى (Macrostructures). وتذهب كاترين فوكس إلى أن العلوم الإدراكية تضم التخصصات التي تتعلق بمختلف جوانب النشاط الحسي والفكري التي بواسطتها يتعرف بها الإنسان على العالم من حوله من خلال علوم مختلفة مثل بيولوجيا الأعصاب، وعلم النفس، والذكاء الصناعي، ونظرية الاتصال، وفلسفة العقل وغيرها.
وبين ميهايو أنطونتش أن العلوم العرفانية ظهرت في سبعينات القرن الماضي بوصفها ردة فعل لمهاجمة سلوكية وبنيوية الخمسينات والستينات، ومثلت قطيعة شرعية مع النظرة القائلة إن الذهن البشري لوحة فارغة. وتستدرك لازريا بيليخوفا من أوكرانيا أن اللسانيات الإدراكية تذهب إلى أن اللغة ليست نتاج بنى خاصة في الدماغ، وإنما هي نتاج كفاية إدراكية عامة يستعملها البشر في تفكيرهم وتجربتهم.
ومن الجدير بالذكر أن أول من اجترح مصطلح الشعرية الإدراكية هو الناقد روفن تسور (Reuven Tsur) عام 1971 الذي أعلن أن هدف هذه النظرية هو الكشف عن العلاقة بين بنية نص ما، والخصائص الإنسانية الكامنة فيها، وكذلك استقصاء العمليات الوسيطة التي تدور في عقل القارئ، وقد طبق هذا الناقد نظريته هذه في دراسة الشعر والإيقاع والوزن وغير ذلك. وقد برز بعد ذلك عدد كبير من النقاد والباحثين الذين درسوا مختلف الجوانب المتعلقة بتطبيق العلوم الإدراكية في مجال دراسة الدلالة والأسلوب والاستعارة واللسانيات وغير ذلك، أمثال جورج لاكوف (George Lakoff) ومارك تيرنر ومارك جونسن وجيمس برلن ولندا فلاور وبيتر ماكسويل، وعشرات غيرهم.
يبقى السؤال الأهم: لماذا نصر على تفضيل مصطلح الإدراكي على المعرفي؟
تبين الدراسات الخاصة بالوعي والإدراك والمعرفة وجود مستويات مختلفة لا يمكن الخلط بينها بسهولة. فقد أصبح مفهوم الإدراك مؤسسة قائمة بذاتها ووجدت له معاجم ومؤلفات وموسوعات خاصة؛ منها انسكلوبيديا الإدراك التي حررها Nadal في أميركا.
أما مفهوم المعرفة (knowledge) فيحتل موقعاً أعلى في دراسات الوعي الإنساني، ويختلف نوعياً عن مفهوم الإدراك (cognition)، وأمامي الآن دراسة باللغة الإنجليزية تقع في 54 صفحة مخصصة للتمييز بين مصطلحي المعرفة والإدراك، ويمكن مراجعتها على صفحات الشبكة العنكبوتية بيسر؛ وهي: Knowledge and Cognition , Najib Callaos، ويشير فيها الباحث إلى أن هدفه هو محاولة تقديم أنموذج منهجي و«سبرنطيقي» للتمييز بين مفهومي المعرفة والإدراك.
وأخيراً فأود التأكيد على أهمية تلقي ومتابعة وتداول المفاهيم والمصطلحات النقدية والفكرية الجديدة، لكن من المهم أيضاً الاتفاق على وحدة هذه المصطلحات تجنباً للخلط واللبس والاضطراب في عملية التلقي. ونتذكر جيداً أن كثيراً من هذه المصطلحات قد استقرت في المعاجم النقدية الاصطلاحية إلى حد كبير مثل البنيوية التي كانت تسمى أحياناً الهيكلية والتفكيكية التي اقترح بعضهم ترجمتها بالتقويضية والشعرية التي كانت تترجم بفن الشعر، مثلما حدث مع كتاب أرسطو المهم عن الشعرية.
وتقع على عاتق المؤسسات الأكاديمية والثقافية والمجلات والمواقع الرصينة أن تحرص على توحيد المصطلح وضبطه وتحديد حمولاته الفكرية والمعرفية والمفاهيمية خدمة للثقافة العربية، وتعميقاً لآليات المثاقفة والتواصل في الفكر الإنساني.
-ناقد عراقي



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.