«معركة باريس»: ثلاث نساء يتنافسن للفوز برئاسة البلدية

جميعهن متحدرات من عائلات أجنبية

من اليسار إلى اليمين: رشيدة داتي، آن هيدالغو، أنياس بوزين (أ.ف.ب)
من اليسار إلى اليمين: رشيدة داتي، آن هيدالغو، أنياس بوزين (أ.ف.ب)
TT

«معركة باريس»: ثلاث نساء يتنافسن للفوز برئاسة البلدية

من اليسار إلى اليمين: رشيدة داتي، آن هيدالغو، أنياس بوزين (أ.ف.ب)
من اليسار إلى اليمين: رشيدة داتي، آن هيدالغو، أنياس بوزين (أ.ف.ب)

يعود قسم كبير من الفرنسيين اليوم إلى صناديق الاقتراع، في الجولة الثانية من الانتخابات المحلية التي أُجلت ثلاثة أشهر بسبب تفشي وباء «كوفيد - 19». ووسط توقعات بأن تعاني الدورة الثانية مما عانت منه الأولى، أي امتناع نسبة كبيرة من الناخبين عن أداء الواجب الانتخابي، بسبب الخوف المستمر من العدوى، فإن الأنظار تتركز على عدد من المدن الرئيسية كالعاصمة باريس ومرسيليا وليون وليل وتولوز وبوردو، وأيضاً مدينة لو هافر، حيث رئيس الحكومة إدوار فيليب الذي يتواجه مع خصم شيوعي عنيد. ومصير فيليب رئيساً للحكومة مرتبط جزئياً بمصير الانتخاب، خصوصاً أن الرئيس إيمانويل ماكرون يتأهب لإجراء تعديل حكومي واسع للعامين المتبقيين له في قصر الإليزيه.
وبما أن الانتخابات محلية الطابع، فإن لكل معركة خصوصيتها. إلا أن باريس ترتدي طابعاً استثنائياً. فبلدية العاصمة لها بعد محلي ودولي على السواء. فبرنامج كل زيارة دولة لرئيس أو ملك أو أمير يتضمن لقاء رئيس البلدية. وتتمتع البلدية بميزانية تصل إلى 5.209 مليار يورو، وباستثمارات سنوية تزيد على 1.5 مليار يورو. وتعد بلدية باريس من كبريات الجهات الموظفة، إذ يبلغ عديد موظفيها (لعام 2019) 50.5 ألف موظف ما يضاهي عديد موظفي مفوضية الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة. لكن بلدية باريس تعاني من ديون تقارب الـ7 مليارات يورو. يضاف إلى ذلك كله أن رئاسة بلدية باريس يمكن أن تكون منصة لمناصب أعلى، والدليل على ذلك أن جاك شيراك الذي احتل هذا المنصب من عام 1977 وحتى عام 1995 انتقل منها إلى قصر الإليزيه، حيث أمضى 12 عاماً.
تتنافس في باريس المقسمة إلى 17 دائرة انتخابية ثلاث لوائح: الأولى، لائحة رئيستها الحالية أن هيدالغو التي تشغل هذا المنصب منذ الانتخابات الأخيرة عام 2014. وهيدالغو، عضو الحزب الاشتراكي، نجحت في تشكيل لائحة تضم كافة مكونات اليسار والخضر. وحسب آخر استطلاعات الرأي، فإن حظوظ لوائحها بالفوز كبيرة، حيث يتوقع أن تحصل، وفق استطلاع أجري لصالح مجلة «جي دي دي»، على 44 في المائة من الأصوات، متقدمة على لائحة اليمين التقليدي التي تقودها الوزيرة السابقة رشيدة داتي، المقدر لها أن تحصل على 35 في المائة من الأصوات. أما اللائحة الثالثة التابعة للحزب الرئاسي «الجمهورية إلى الأمام» فتقودها وزيرة الصحة السابقة أنياس بوزين. وبعكس الآمال السابقة التي كانت معلقة على «معركة باريس»، حيث حصل المرشح الرئاسي ماكرون على أعلى نسبة من الأصوات، فإن إدارة الحزب الرئاسي لها كانت بمثابة الكارثة السياسية. فمن جهة، اضطر بنجامين غريفو، الوزير السابق والمرشح الرسمي إلى الانسحاب، وسط المعمعة، بسبب فضيحة جنسية. واستدعيت بوزين للحلول مكانه في منتصف الطريق. إلا أنها لم تنجح في اجتذاب المرشح «الانفصالي» النائب سيدريك فيلاني، ولا وفرت الدفعة السياسية الضرورية لمسار جديد ما شتت الأصوات وجعل اللائحة الرئاسية في وضع بالغ الصعوبة إلى حد أن خمس من اقترعوا للائحة في الدورة الأولى ينوون التخلي عنها والتصويت للائحة اليمين.
بيد أن لمعركة باريس جانباً رئيسياً لا يقل أهمية عن الجانب السياسي، ويتناول الطابع الشخصي للمرشحات الثلاث، ولمسيرة كل منها. فالمرشحة الاشتراكية «والرئيسة الحالية» آن هيدالغو «واسمها الكامل آنا ماريا هيدالغو آلو» ولدت في مدينة سان فرناندو عام 1959 في إسبانيا من أب عامل كهربائي وأم خياطة، وانتقلت مع عائلتها إلى فرنسا في عام 1962 وهي في سن الرابعة من العمر. وحصلت هيدالغو على الجنسية الفرنسية وهي ابنة الـ14 ربيعاً. إلا أنها في عام 2003، استعادت جنسيتها الإسبانية، وهي بالتالي مزدوجة الجنسية. وبفضل دراستها الجامعية، وانتمائها إلى الحزب الاشتراكي الذي هيمن على الحياة السياسية والإدارية في عهد الرئيس فرنسوا ميتران، ولاحقاً في عهد رئيس الحكومة ليونيل جوسبان، فإن هيدالغو، التي كانت قريبة من أمين عام الحزب فرنسوا هولند، انتمت إلى عدة وزارات حتى اختارها رئيس بلدية باريس السابق الاشتراكي برتراند دولانويه مساعدة له، ودعمها لتتمكن من خلافته، وهو ما تحقق له ولها في عام 2014.
ما يجمع بين المرشحات الثلاث أنهن متحدرات من عائلات أجنبية، ما يدل أن الأبواب ليست مغلقة بوجه من يتمتع بالكفاءة والطموح. فمرشحة اليمين رشيدة داتي ولدت عام 1965 على التراب الفرنسي، وهي الابنة الثانية لعائلة مغربية من 11 ولداً. والدها، لمبارك داتي، عامل بناءً، وأمها زهرا من أصل جزائري. أمضت السنوات الأولى من حياتها في مدينة شالون سور سون (جنوب شرقي فرنسا)، وكانت سنوات دراستها الأولى في مدرسة كاثوليكية بعدها انتقلت إلى مدرسة حكومية. وبعد دراستها الجامعية في القانون وعملها في الحقل القضائي لسنوات، حصلت على مرتبة قاض.
وبفضل علاقات نسجتها مع متنفذين سياسيين واقتصاديين، تنقلت في العديد من المناصب. إلا أن الحظ ابتسم لها حقيقة عندما اختارها المرشح الرئاسي اليميني نيكولا ساركوزي ناطقة باسم حملته الانتخابية. وبعد فوزه بقصر الإليزيه، عينها في 2007 وزيرة للعدل وهي المرة الأولى التي تصل فيها شخصية من أصول مغاربية إلى منصب وزاري سيادي. وبقيت في هذا المنصب عامين بعدها أصبحت نائبة في البرلمان الأوروبي ورئيسة بلدية الدائرة السابعة البورجوازية في باريس، حيث أعيد انتخابها في الدورة الأولى يوم 15 مارس (آذار) الماضي.
أما أنياس بوزين، رئيسة لائحة «الجمهورية إلى الأمام»، فإنها متحدرة من عائلة يهودية بولندية الأصل هاجرت من مدينة لودز بعد احتلال الجيش الألماني لبولندا. وأرسل جدها وجدتها ووالدها، وكان عمره 14 عاماً، إلى معسكر أوشفيتز، وحده والدها واسمه أيلي بوزين عاد منه حياً بعد نهاية الحرب. وقد تنقل ما بين فلسطين التي تحت الانتداب البريطاني ومدينة وهران الجزائرية تحت الإدارة الفرنسية، قبل أن يستقر في فرنسا في عام 1956، حيث مارس الطب متخصصاً بالجراحة. ووالدة بوزين عالمة نفس وكاتبة.
ووزيرة الصحة السابقة التي ولدت في باريس في عام 1962 طبيبة ومحاضرة جامعية. وشغلت عدة مناصب صحية، وانتمت إلى هيئات ومجالس إدارية، فيما زوجها يشغل أيضاً منصباً صحياً رئيسياً. إلا أن بوزين لم تظهر على المسرح السياسي إلا بعد أن اختارها الرئيس ماكرون في 2017 وزيرة للصحة قبل أن تعهد إليها مهمة خوض معركة بلدية باريس.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».