تشارلز ديكنز... الأديب ناقداً اجتماعياً

أنشطة متنوعة لتكريمه في الذكرى الـ150 لغيابه

تشارلز ديكنز... الأديب ناقداً اجتماعياً
TT

تشارلز ديكنز... الأديب ناقداً اجتماعياً

تشارلز ديكنز... الأديب ناقداً اجتماعياً

لو تسنى لك قراءة المقدمة التي كتبها الناقد الإنجليزي جليبرت كيث تشيسترتون (1874 – 1936) للطبعة الشعبية من رواية «كريسماس كارول» لظننت أن تشارلز ديكنز (1812 – 1870) مؤلفها أقرب ما يكون قديساً من العصور الوسطى، في الوقت الذي ذهب فيه ناقد ماركسي التوجهات - توماس ألفرد جاكسون (1879 – 1955) - إلى تصنيفه ثورياً راديكالياً نصيراً للبروليتاريا «فكأنما لو كان ماركسياً». لكن الحقيقة أن هذا الروائي والصحافي الإنجليزي القدير لم يكن لا هذا ولا ذاك، وإنما كان رجلاً موهوباً وظّف طاقاته التعبيرية وغضبه من الأوضاع البائسة التي عانتها قطاعات واسعة من مواطنيه عشية صعود الرأسمالية في بلاده لتقديم نقد اجتماعي متقدم لآثام الرأسمالية عبر سلسلة من أعمال أدبية خالدة، تركت في مجموعها أثراً لا ينكر على إدراك الطبقة البرجوازية أوجاع بعض فئات المجتمع الأقل حظاً، وساعدت بشكل أو بآخر في تهذيب القوانين والسياسات التي استهدفتهم، وأصبحت كلاسيكيات في إطار الأدب الإنجليزي الغاضب، لكن المقبول من الجميع، ودائماً داخل الخطوط الحمراء للمنظومة الليبرالية للمجتمع البريطاني.

معارك متعددة
لا يعرف الكثيرون بأن هذا الروائي الشهير الذي ترك وراءه مجموعة من أهم وأشهر الشخصيات في تاريخ الخيال الأدبي لم يتلق تعليماً منتظماً، واضطر إلى العمل في مراهقته لإنقاذ والده من سجن الغارمين. لكن موهبته في الكتابة فرضت نفسها، فعمل محرراً لصحيفة أسبوعية عشرين عاماً، ونشر 15 رواية طويلة، وخمس قصيرة، ومئات القصص القصيرة والمقالات، وألقى بكلمات وقرأ للعموم من نصوصه بكثافة، وكان صوتاً عالياً في كل دعوة إلى حماية الأطفال من تغول الرأسماليين، وتعميم التعليم وتعديل القوانين لمصلحة الأكثرية.
خاض ديكنز معاركه مع سوءات مجتمعه على جبهات عدة. ففي «أوليفر تويست» التي كتبها نحو عام 1830 ولم يكن وقتها قد أصبح شهيراً أو ثرياً – فتلك أمور تحققت لاحقاً - فتح النار على قانون الفقر الجديد - الذي فرضه البرلمان البريطاني حينها وكان يخير المعدمين بالالتحاق ببيوت العمل القاسية، حيث يمنحون الطعام والملجأ مقابل خضوعهم لمنظومة تشغيل أشبه بالعبودية، أو مواجهة حظوظهم في الشارع دون أي مساعدة - . وقد بدأ حينها نشر فصول مسلسلة لقصة رمزية عن طفل يتعرض لمعاملة منهجية سيئة لقيت رواجاً عظيماً حتى قيل إنها وصلت إلى الملكة فيكتوريا وقرأتها بشغف ملحوظ.
وقد تسببت الفصول المتتالية التي كان ينتظر الكثيرون صدورها بتشوق - وجمعت لاحقاً في الرواية الشهيرة كما نعرفها الآن - بصعوبات جمة للساسة وراء قانون الفقر ذاك، على نحو ألجأهم إلى تنفيذ سلسلة من المحاضرات العامة والخاصة لإزالة السمعة السيئة التي التصقت به على يد ديكنز – وأوليفر بطل روايته - .
وقد تضمنت «أوليفر تويست» وصفاً مفعماً بالحياة لنمط حياة الفقراء في أحياء البؤس المحيطة بالمدن، وأصيب كثير من برجوازيي العاصمة لندن بالصدمة عندما علموا بأن حي «جيكوبس آيلاند» السيء الذي وصفه ديكنز في الرواية كان موجوداً بالفعل على بعد أميال قليلة من قصورهم ومساكنهم الفارهة (قبل أن يزال من الخريطة بالكامل عام 1860).
وقد حذر ديكنز لاحقاً في «قصة مدينتين» من أن تجاهل الحكومات للأوضاع الرثة لسكان تلك الأحياء (باريس ولندن) سيدفعهم آجلاً إلى التمرد والعصيان، وعاجلاً إلى الجريمة والموبقات، مستشهداً بالظروف التاريخية للفترة قبل وأثناء الثورة الفرنسية. وهو في مقالاته الصحافية أيضاً كان يدعم التدخل الحكومي لمنع الفوضى الممكنة، ويدعو إلى نشر التعليم العام كوسيلة لتوجيه الفقراء بعيداً عن السلوكيات السيئة، وتأسيس إصلاحيات بدلاً من السجون للأحداث الذين يتورطون بالجرائم.

مواقف متناقضة
حاول ديكنز تقديم الفقراء بصورة مقبولة ومحببة لمواطنيهم البرجوازيين؛ إذ لا يمكن لأحد مهما قسى قلبه وتعجرف طبقياً ألا يحب عائلة «كراتشيت» في «كريسماس كارول» التي بالكاد تجد ما يبل الرمق بما تحصل عليه من أجور متواضعة، لكن أفرادها مع ذلك مفعمون بالدفء والعواطف. تسبب ذلك له في نقد شديد من روائيين لاحقين أمثال أوسكار وايلد وهنري جيمس وفيرجينيا وولف الذين اتهموه بتسطيح الشخصيات والسذاجة العاطفية. وفي الحقيقة، فإن تصدي ديكنز لقضايا الفقر وأوجاع المجتمع أخذته تالياً إلى مسائل العقوبات والإعدام والسجون، وقد كتب في «بانبري رادج – 1841» مديناً إيقاع عقوبة الإعدام بمرتكبي الاعتداءات البسيطة من خلال رواية تاريخية استلهمت أحداث ما عرف بانتفاضة غوردون (1780) وما استتبعته من أحكام قاسية، كما كتب في «ملاحظات أميركية – 1842» نصوصاً عدة لنقد تجربة ابتدعتها الولايات المتحدة تضمنت تأسيس نظام سجون يقوم على العزل الانفرادي والتوجيه الديني، وذلك على الرغم من مقته الشديد للمجرمين الذين كان يرى «أنه يجب أن يسحقوا كما لو أنهم وحوش بدائية، ويزالوا تماماً من الوجود».
وقد أدى هذا التناقض في المواقف إلى انتقادات مبكرة له منذ منتصف القرن التاسع عشر من قبل المواطنين الفقراء داخل العاصمة لندن (على ما سجله تقرير كتبه محقق اجتماعي من تلك الفترة) اتهموه بأنه كان مفضلاً عندهم قبل أن يهوي بشدة ويخون قضيتهم، في حين اعتبره آخرون ذا وجهين يظهر أحدهما في كتابته، والآخر عبر مواقفه الشخصية. نظام المصانع الحديثة كان الفضاء الآخر الذي وجد في ديكنز أشد المنتقدين. المصانع التي كانت تفرض إيقاع حياة جديداً تماماً في الشمال الإنجليزي من خلال توظيف عشرات آلاف المعدمين لساعات طويلة يومياً في ظروف عمل خطرة مقابل أجور زهيدة - بمن فيهم النساء والأطفال - أصابته بالحنق. وكتب بعد زيارته لعدد منها بمانشستر روايته «ذي أولد كيوريس شوب - 1840» والتي ضمنها وصفاً مروعاً لظروف العيش في بلدة صناعية اضطرت بطلة الرواية للإقامة بها. لكنه ما لبث أن تصالح مع فكرة مؤسسة المصنع بعد زيارته إلى الولايات المتحدة عام، 1842 وعاد ليتحدث عن الإمكانات الهائلة التي يحملها التقدم الصناعي للمجتمع البريطاني.
وفي روايته «هارد تايمز – 1854» صبّ جام غضبه على نظم الإدارة في المصانع لا المصانع ذاتها، واصفاً التأثيرات السلبية لمعاملة العمال كمجرد أرقام ضمن معادلة الإنتاج.
وهو في الرواية كما مقالاته من تلك الفترة أشار إلى أن العمال لا يريدون أجوراً أفضل بقدر ما هم في حاجة إلى وظائف تكسب حياتهم الرتيبة معنى، وتمنحهم مساحات للترفيه واستعادة النشاط. وهو بالفعل كان على رأس منتقدي حركة المتطرفين الدينيين (عام 1836) التي أرادت منع أنشطة الترفيه العام في بريطانيا، واقتصار يوم العطلة الأسبوعية على ممارسة الشعائر الدينية وقداديس الكنائس. ومع ذلك، فإنه وصف معظم الأعمال المسرحية والأنشطة الموجهة إلى الطبقة العاملة بأنها «أكوام من الهراء عديم الجدوى أو الفائدة، فيما تبدو الأعمال الأكثر تعقيداً نخبوية وغير قادرة على مخاطبتها».

حضور دائم
نشر ديكنز معظم أعماله مسلسلة، وقد حظيت منذ أولها «بيكويك بيبرز – 1836» بإقبال غير مسبوق، وتلقف القراء فصولها الأسبوعية أو نسخ المجلات التي تنشرها لدرجة أن الجمهور الأميركي الذي كان يترقب العدد الجديد من مجلة ساعة السيد همفري – التي أصدرها ديكنز وحررها لعامين (1840 – 1841) وكانت ترسل كل أسبوع بحراً إلى نيويورك - اقتحم لدى تأخر رسو السفينة مقر إدارة الميناء وتعارك مع الموظفين. وأعماله اليوم ما زالت رهن الطباعة والتداول بكثافة في بلاده وعبر العالم الأنغلوفوني، وتدرس بالمدارس والجامعات، وتحول أغلبها إلى أعمال سينمائية ومسرحية وغنائية مرات عدة.
وستنظم طوال هذا الشهر مؤسسات وبلديات عدة في لندن أنشطة متنوعة لتكريمه في الذكرى الـ150 لغيابه، وطبعاً عبر المنصات الثقافية بسبب جائحة كورونا.
مهما تعددت الآراء في مجمل أعمال تشارلز ديكنز، ومهما تناقضت التصنيفات التي أسبغها النقاد عليه في المراحل المختلفة وصولاً إلى وقتنا الراهن، فإن هنالك إجماعاً على أن الرجل كان أنموذجاً فريداً في توظيف موهبته الأدبية الفذة لنقد الظواهر الاجتماعية السلبية، فكان ضوء كلماته يبرق في عتمة مواضع الألم التي تمس حياة مواطنيه كجزء من التزام إنساني ووطني لا يتزعزع. فإن لم تكن تلك مهمة الأديب فماذا يمكنها أن تكون؟



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».