تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (2)‬

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
TT

تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)

في الحلقة الثانية من مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يروي قصة اليوم الأخير من ولايته التي يصفها بـ«الولاية الشاقة» في 22 سبتمبر (أيلول) 1988، ويتحدث عن الصعوبات التي واجهها لتشكيل حكومة انتقالية تكون مهمتها التحضير لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعدما عجز المجلس النيابي عن ذلك. ويقول الجميل إنه عندما وجد أن خيار المجلس العسكري برئاسة قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون، هو الخيار الأفضل، وحصل على موافقة جميع أعضائه الستة، فوجئ بالإعلام السوري يعلن استقالة الضباط المسلمين الثلاثة قبل أن يعلموا هم بذلك. وهنا نص الحلقة الثانية.

بعد ليلة مضطربة، بزغ أخيراً فجر 22 أيلول 1988، اليوم الأخير في الولاية الشاقة. تناولت فطوري وحدي، منزوياً في مكتبي يتملّكني شعور بقلق تشوبه المرارة. فيما عكفتُ على آخر عمل دستوري لي، هو تشكيل حكومة انتقالية، كان حسين الحسيني يسعى بقوة إلى جمع البرلمان لانتخاب مخايل ضاهر في ساحة النجمة. بدا من المستبعد أن يؤمّن النصاب المطلوب. عند الثانية عشرة ظهراً، قُضي الأمر: عشرة نواب فقط كانوا حاضرين في القاعة، فأُرجئت الجلسة إلى الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر اليوم التالي.
كان سليم الحص قد أبلغني عودته عن استقالة حكومة ليس هو رئيسها الأصيل، بل وكالة بعد اغتيال الرئيس المستقيل رشيد كرامي. انتحل الصفة رسمياً خلافاً لأحكام الدستور، الأمر الذي لم يكن في وسعي القبول به. لذا، كان عليّ أن أشكّل حكومة جديدة بحسب ما يقتضيه الدستور، وكما درجت التقاليد اللبنانية.
لرئاسة الحكومة الانتقالية، فكّرتُ في الرئيس شارل حلو في مسودّة افتراضية كنتُ أعددتها تحوّطاً لهذا اليوم، في مواجهة الشغور المحتمل، بغية إدارته. مهّدتُ لهذا الخيار بمفاتحته، والدوافع التي تحدوني على طرح اسمه، ورهاني على أنه وحده القادر على إمرار المرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب خلف لي متى وصلنا إلى الحائط المسدود، فوافق. رجل حكيم معتدل، يعي في عمق دقّة المعادلة الوطنية وحساسيتها، ويحرص عليها هو الذي عايشها في الحقبتين بالغتي الأهمية في تاريخنا الوطني، الدستورية والشهابية. فوق الصراعات. يحاور الجميع، ويحظى باحترام وطني، ويسعه جمع اللبنانيين لا التفريق فيما بينهم. لم أعثر على سواه بمثل مواصفاته.
لم تكن تلك المرّة الوحيدة التي أفاتح الرئيس السابق في هذه المهمة. لاحقاً، في 10 أيلول، أوفدتُ إليه إيلي سالم وسيمون قسيس لإطلاعه على مخاوفي من التطوّرات المقبلة بأخطارها المتوقّعة بعد 22 أيلول، فعادا إليّ بالموافقة المبدئية.
لم أكن أودّ الوصول إلى هذا المفترق، وهو إصدار مرسوم حكومة انتقالية تحلّ محلّ رئيس الجمهورية. في المقابل يقتضي جبه الامتحان بالتمسّك بتقاليدنا وأعرافنا الوطنية والمحافظة عليها. اقتديتُ بسابقة الرئيس بشارة الخوري، في 18 أيلول 1952، حيث استقال من منصبه، وكلّف مارونياً ترؤس حكومة انتقالية تخلف رئيساً انتهت ولايته دونما انتخاب آخر. لأن صلاحيات رئيس الجمهورية، في مرحلة الشغور، تمسي بحسب الدستور في عهدة مجلس الوزراء وكالة، ولأن المنصب الشاغر هو لرئيس الدولة الماروني، كان لا بدّ من إبقاء الصلاحيات تلك في يد الطائفة المسند إليها عُرفاً هذا المنصب، وجود ماروني على رأس حكومة تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية، ويشكّل ضماناً لاستمرار أعرافنا الوطنية المهيبة، المقدّرة، والجديرة بالاحترام. في سبيل ذلك فكّرتُ أولاً في شارل حلو.
التاسعة صباح 22 أيلول دعوتُه إلى قصر بعبدا للتشاور. اعتذر عن عدم قبول المهمة متذرّعاً بحاله الصحّية، كما بحال زوجته ما يُحتّم عليه ملازمتها كل الوقت، ويحول دون مقدرته على «تحمّل المسؤولية الضخمة» تلك بحسب قوله. اعتقد، في قرارة نفسه، أنه قد يمسي مُلزماً إبرام اتفاقات محرجة له. كان للتردّي الأمني أثره في قراره المستجدّ، هو الذي يؤثر السلام على العنف. اقترح عليّ عندئذ مرشّحاً بديلاً منه قال قبل أن يسمّيه إن له موصفات ملائمة: ماروني، منفتح، لديه اتصالات طيّبة بالأفرقاء جميعاً مسلمين ومسيحيين، ويتمتع بتقديرهم.
ثم أضاف: «هو أيضاً من عائلة حلو».
سمّى بيار حلو.
كنتُ قد فكرتُ فيه، ولكن لم أحسم قراري. نائب عاليه منذ عام 1972 ووزير سابق، وطني صميم، كما هو صديق قديم لكمال جنبلاط والإمام موسى الصدر في آن واحد، ومن مؤسسي «حركة المحرومين». عضو في كتلة مجيد أرسلان في البرلمان مذذاك. معتدل، لا يثير حفيظة أي من الأفرقاء وهو ما يتيح التعاون معه.
استدعيتُه إلى القصر في الحادية عشرة والنصف بعد استقبالي قائد الجيش. وافق بادئ ذي بدء بلا تردّد على تشكيل الحكومة الانتقالية، مُعبّراً عن مخاوفه - المبرّرة طبعاً - من الصعوبة الفائقة لهذه المهمة.
من مكتب في قصر بعبدا باشر مشاورات تأليف حكومته. يُريدها موسّعة تضم الأفرقاء الأساسيين الفاعلين، فاستدعاهم تباعاً لمناقشة مشاركتهم فيها، مسيحيين ومسلمين. سرعان ما بدأت الفيتوات تهبط عليه. بعض الشخصيات السنّية، بمَن فيهم الأكثر اعتدالاً، رفض المشاركة في حكومة انتقالية تضم ميشال عون وسمير جعجع، لا سيّما أن هؤلاء يُحمّلانهما لسبب أو آخر مسؤولية اغتيال رئيس الحكومة السنّي رشيد كرامي، بينما نحن في صدد حكومة وحدة وطنية متوازنة. من دون عون وجعجع، كما أفرقاء في المقلب الآخر، تصبح حكومة منحازة تمثّل أطرافاً دون آخرين، وبالتالي لا يمكنها أن تحكم أو تدوم. كنت تبلّغتُ من عون وجعجع بالذات إصراراً جدّياً على مشاركتهما في الحكومة الانتقالية، رافضين أي حلّ يستبعدهما، ما يُضطرهما، إن استُبعدا، إلى اتخاذ مواقف صارمة. حتى مفتي الجمهورية، الذي قلّما اتهم بالتطرّف، أبلغ إلى بيار حلو أن أحداً من أبناء طائفته «لن يشارك في هذه الحكومة الشاذة إذا ضمّت في عدادها الرجلين».
من بعد الظهر حتى المساء، أخفق بيار حلو في جمع فريق حكومي من حول مهمته الجديدة، وكان يطلعني تباعاً على مراحلها. إذ ذاك اختار الاعتذار أخيراً، آخذاً بنصيحة صديقين له هما ميشال إده وخليل أبو حمد.
بوصول بيار حلو إلى طريق مسدودة، في محاولة مني لمعاكسة القدر مع احتمال الخروج على التقاليد، كلّفتُ داني شمعون استطلاع نيّة الرئيس سليم الحص، صديقه مذ ترافقا في الجامعة الأميركية في بيروت، في تأليف حكومة انتقالية تمثّل القوى السياسية جميعها، بمَا فيها «القوات اللبنانية». بيد أنه أصرّ على الإبقاء على الحكومة المستقيلة نفسها التي يرأسها وكالة، مع استعداد لإدخال تعديلات طفيفة عليها بتوسيعها: توزير داني شمعون خلفاً لوالده الرئيس كميل شمعون، وعمر كرامي خلفاً لشقيقه الرئيس رشيد كرامي، إلى أربعة وزراء آخرين، من بينهم جورج سعادة وجوزف سكاف. قَبِلَ بتعيين نائبين لرئيس الحكومة، أرثوذكسي هو عبد الله الراسي، وماروني هو داني شمعون، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً مشاركة ميشال عون وسمير جعجع، في حين تضم التشكيلة الحكومية الزعماء السياسيين وقادة الميليشيات الآخرين، لا سيّما منهم حلفاء دمشق أمثال وليد جنبلاط ونبيه برّي. ثم أصرّ على أن تظلّ اجتماعات الحكومة في مقرّها في بيروت الغربية، في القصر الحكومي في محلة الصنائع. بذلك يكون الحص جارى الصيغة الحكومية التي عرضها عبد الحليم خدّام على ريتشارد مورفي في 3 أيلول 1988، أي الإبقاء على الفريق الوزاري لسليم الحص كما هو، والإبقاء على اجتماعات مجلس الوزراء في منطقة نفوذ السوريين وحدهم.
بقبولي بالصيغة التي اقترحها الرئيس الحص على داني شمعون، أكون قد سلّمتُ البلد مُكبَّلاً إلى سوريا. للفور رفضت، فليس وارداً لدي توقيع مرسوم كهذا وإصداره لأنها غير متوازنة، ومعظم أعضائها معارضون من حلفاء لدمشق، وليس عندهم، لأسباب شتى، أي هامش مناورة إلا تحت جناح دمشق. في المنطقة الشرقية لم يكن وارداً لدى القوى السياسية والعسكرية، ذات الغالبية المسيحية، الاعتراف بسلطة حكومة غير متوازنة، مشكّلة تحت ضغط سوري مباشر، بما سيؤدّي حتماً إلى تقسيم البلد.
منذ ليل 21 أيلول، بعد عودتي في المساء من دمشق إلى بكركي، ومنها إلى قصر بعبدا، أجريتُ مشاورات متلاحقة مع معاوني ونواب، في اجتماعات استمرّت إلى ساعة متأخرة ما بعد منتصف الليل. كان عليّ أن أناقش معهم الخيارات المتاحة قبل بزوغ فجر غد، اليوم الأخير في الولاية. بالتزامن، تلقينا برقية غير مشجّعة من رئيس أساقفة نيويورك الكاردينال جون أوكونور توجّه بها إلى القيادات المسيحية اللبنانية، قائلاً: «عليكم إنقاذ الجمهورية». سلّم مثلنا بأن «ليس ثمّة خيار ديموقراطي»، محذّراً من خطر على «مصير المسيحيين في الشرق». لم تعد الفرص كثيرة، والخيارات صعبة، فإما انتخابات، ولكن من دون مؤشرات جدّية لحصولها بانتخاب رئيس متوافق عليه، وإما الفوضى التي بشّرنا بها ريتشارد مورفي.
قال لي رينه معوّض: «إذا لم تحصل انتخابات، نتحمّل نحن المسؤولية من أميركا إلى الفاتيكان إلى العالم الأوروبي. انتفضنا ضدّ طريقة طرح مخايل ضاهر، وبدل أن يساعدنا الأميركيون، أكدوا الطلب السوري».

- آخر الخيارات
بيار حلو وسليم الحص صارا الآن، خارج اللعبة، فلم يبقَ لي سوى أن أكشف ورقتي الأخيرة. أخفقتُ في محاولتي تأليف حكومة سياسية موسّعة، متوازنة، لا تستثني أحداً من الأفرقاء الفاعلين القادرين على العرقلة، على أن ينضم إليها ضابطان كبيران فقط، أحدهما لوزارة الدفاع والآخر لوزارة الداخلية، بسبب ما قد يستجد من أحداث أمنية في المرحلة الجديدة، لم تكن انحسرت مرّة عنا. إذ ذاك يقتضي الذهاب إلى خيار آخر وهو حكومة غير سياسية، إنما في الوقت ذاته ممثِّلة للنسيج الوطني اللبناني، وفي وسعها تحمّل مسؤولياتها. تصوّرتُ عندئذ أن الخيار الوحيد الماثل أمامي وضع الحكم بين يدي مؤسسة. حضرت اثنتان: مجلس القضاء الأعلى برئاسة ماروني هو الشيخ أمين نصّار، رجل منفتح جدير بالمهمة ومتواصل مع كل الفئات، والمجلس العسكري برئاسة ماروني أيضاً هو قائد الجيش العماد ميشال عون. كلتاهما أكثر ائتماناً على وحدة البلاد والوحدة الوطنية، بيد أنني مِلتُ في نهاية المطاف إلى المجلس العسكري، وهو وحده قادر على أن يحمي نفسه والمؤسسات، ويستطيع الإمساك بأمن البلاد، ومواجهة مَن يتسبّب في أي اضطراب ومنع التوتر. مهمة تتعذّر على حكومة قضاة لا يسعها الصمود.
استرجعتُ سابقة عام 1952 عندما عيّن بشارة الخوري، قبل أن يتنحّى، قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، الماروني، على رأس حكومة انتقالية. استدرتُ إذن صوب الجيش، والمجلس العسكري المُعاد تعيينه من حكومة رشيد كرامي تبعاً لموازين القوى الجديدة التي نشأت عام 1984. فيه تتمثّل حقيقة التنوّع اللبناني بمكوّناته الطائفية المختلفة، من خلال انتماء أعضائه الستة إلى الطوائف الست الرئيسية. سمّاهم أفرقاء الحكومة وليسوا على عداء مع سوريا، ولا يستهدفون أحداً. المجلس العسكري بذلك معبر، ليس إلى الأفرقاء فحسب، بل أيضاً إلى القوى والطوائف المتعدّدة، وهو ما يجعله يتمتّع بمظلتين وطنية وذاتية.
منعاً لأي التباس، أبقيتُ هذا المجلس على حاله، بلا أي تعديل، إلا أنني تجاوزتُ كل مآخذي على رئيسه ميشال عون ـ أياً تكون مسوّغاتها ـ لأن مصلحة البلد كانت تفرض ذلك. بعض معاونيَّ، عندما ناقشنا هذا الخيار، اقترحوا عليّ تطعيم حكومة المجلس العسكري بوزراء مدنيين، كوزير الخارجية يكون قريباً مني، ويُبقي قنوات التواصل مع الخارج، لكنني فضّلتُ عدم إحداث أي ثغرة في الحكومة الجديدة. مهمتها مقيَّدة بواجب واحد يُمليه الدستور، هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية فقط. لا مسؤوليات أخرى تنتظرها، أو أمامها، لأنها مؤقتة انتقالية لوظيفة ملحّة مستعجلة لا أولوية تتقدّمها، تنتقل إليها صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة بموجب المادة 62 من الدستور. تتولى الحكم باسم تلك الصلاحيات، وكالة بأعضائها جميعهم، أشبه بقيادة جماعية. بذلك أكون عيّنتُ حكومة المجلس العسكري ولا حكومة ميشال عون.
في هذا اليوم، كان مقرّراً عقد جلسة انتخاب الرئيس، لكن في ساحة النجمة، بحسب دعوة حسين الحسيني تحت الضغط السوري المتمادي. مع ذلك، لم يحضر سوى 13 نائباً. فوجّه دعوة ثالثة في الغداة، 23 أيلول، في المكان نفسه. اليوم الأول بعد انتهاء ولايتي.
تحويل المجلس العسكري إلى حكومة أقلّ الحلول سوءاً. بقي عليّ الاتصال شخصياً بأعضائه الستة للتأكد من أنهم لن يتنحّوا عند تعيينهم. قبل أن أصدر آخر مرسوم رئاسي لي، خابرتُهم جميعهم فلم يعتذر أحد، وشكروني على ثقتي بهم. بيد أنهم فوجئوا، منذ ما بعد منتصف ليل 22 أيلول، مثلما فوجئتُ بدوري، بإعلان استقالة الضبّاط المسلمين الثلاثة: محمود طي أبو ضرغم ونبيل قريطم ولطفي جابر. استقالة إعلامية كانت دمشق السبّاقة إلى الكشف عنها من إذاعتها، من غير أن يُوجّه أي منهم كتاباً خطياً بها في ذلك الوقت، ولا لاحقاً.
كنت قد راعيتُ ضرورة استشارة القادة الروحيين والسياسيين، كي لا أضع أحداً أمام الأمر الواقع.
قبل منتصف ليل 22 أيلول، اتصلتُ بالبطريرك صفير. كان نائماً، فطلبتُ إيقاظه كي أُخطره بالخيار الأخير. كان أول مَن أُبلغ المآل من خارج المجتمعين في القصر.
قلتُ له: «أجرينا اليوم جلسة ماراثونية طويلة مع كل الإخوان، النواب والقوات اللبنانية والجيش. عرضنا كل الحلول الممكنة حيال الفراغ الدستوري، وكنا بين ثلاثة احتمالات: الأول حكومة الرئيس الحص بالأكثرية الموجودة فيها لمصلحة فريقه، وهي غير متوازنة، ولا يمكنها أن تحكم. الثاني حكومة موسّعة تضم كل الأطراف لكنها في النهاية تصبح مسيحية فقط، لأن المسلمين بمَن فيهم المعتدلون لن يمشوا فيها..».
عقّب البطريرك: «سمعتُ الأخبار. يبدو أن المفتي وشمس الدين حذّرا منها».
أضفتُ: «أما الاحتمال الثالث فهو المجلس العسكري برئاسة الجنرال عون، وتتمثّل فيه كل الطوائف والأفرقاء. لذا اعتمدنا الحلّ الثالث الذي هو المؤسسة العسكرية، والمجلس العسكري بأعضائه الستة. الجنرال عون قربي، ونبحث في هذا الأمر. المشكلة خطيرة للغاية. وعلى الأقلّ لن نسلّم المقدّرات من دون أن نعرف إلى أين تتجه؟».
قال: «تلقيتُ مكالمة من بوسطن، من الكاردينال لارو، يقول إن السلطات هناك تسعى إلى تغيير مكان الجلسة. يطلبون منا حلحلة الموضوع قليلاً. قلنا لهم أي حلحلة؟ قالوا انتخبوا (يللي قلناه لكم). المرشّح المفروض. نحن نطالب بالحرّية، فهل ننتخب لهم مرشّحاً وحيداً؟ أنا أحب انتخاب رئيس، لكن برضا الناس».
قلت: «اضطررتُ إلى أن أتخذ هذا الموقف».
رد: «قد يكون هو الأسلم. إن شاء الله خيراً. المهم ألا تتأزم أكثر وترجع البلاد إلى الوراء».
عقبت: «على أي حال يقتضي أن نظلّ في هذه الفترة مستنفَرين. على الكتف حمّال ونحن مقبلون على تطوّرات سياسية لا نعرف إلى أين تقودنا».
علّق: «ما هيي هيك. يبدو أن الأميركيين لا يزالون على الموقف نفسه».
قلت: «نعم».
ختم: «لسوء الحظ».
لا بدّ أيضاً من إبلاغ سمير جعجع بهذه الصيغة. حضر إلى القصر الجمهوري، ولمّا رأى نفسه مُستبعداً من التركيبة أظهر خيبة أمل كبيرة، وطلب استمهاله لحظات للتفكير في الموضوع. بعد محادثة مقتضبة على انفراد مع العماد عون، الذي كان موجوداً في القصر، عاد يُبلغني موافقته. ثم غادر مكتبي بسرعة ليُعلن أمام الصحافة تأييده الحكومة العتيدة ورئيسها، ويصفها بأنها «حكومة الاستقلال». علمتُ فيما بعد أن جعجع حصل من عون، في أثناء هذا اللقاء القصير في مقابل تأييده المشروط، على وعد بإطلاق يد «القوات اللبنانية» في المناطق المسيحية التي لا وجود للجيش السوري فيها، وعدم تدخّل الجيش في النزاعات الحزبية الداخلية.
دقائق قبل انتصاف ليل 22 أيلول 1988، لحظة انتهاء ولايتي، وقّعتُ بمرارة كبيرة ـ إنما مرتاح الضمير ـ آخر مرسوم رئاسي لي برقم 5387، ينصّ على تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة العماد عون. في الحال، أعربت معظم الحكومات العربية والأجنبية عن دعمها. اتصل فرنسوا ميتران هاتفياً بجورج بوش، المنتخَب حديثاً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فصرّح الأخير قائلاً: «أعترف بحكومة لبنان، وسأطلب من الروس أن يفعلوا الشيء ذاته».
تلك الليلة، بدت طاولة مكتبي فارغة. هي التي ظلّت على الدوام مثقلة بالملفات. شعرتُ بأنني منهك من التعب والمِحَن، لكن فخور بأداء واجبي حتى النهاية.



عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.


حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
TT

حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)

في موجة جديدة من العقوبات الأميركية منذ إدراج الحوثيين في اليمن على لوائح الإرهاب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حزمة عقوبات جديدة استهدفت البنية الاقتصادية الخفية للجماعة، من النفط والسلاح، إلى الطيران والتهريب البحري.

القرار، الذي شمل 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، لا يكتفي بتجفيف الموارد، بل يسعى إلى خنق شبكات التمويل العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بإيران، مروراً بالإمارات وسلطنة عمان، وصولاً إلى مواني البحر الأحمر.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي في سياق استراتيجية أوسع لحرمان الحوثيين من القدرة على تمويل أنشطتهم العسكرية، وهجماتهم على الملاحة الدولية، واستخدام الاقتصاد سلاحاً ضد اليمنيين أنفسهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات من الضغوط الدولية، فإن وزارة الخزانة الأميركية تكشف عن أن الحوثيين ما زالوا يجنون أكثر من مليارَي دولار سنوياً من مبيعات نفطية غير مشروعة. هذه الإيرادات لا تُستخدَم لتحسين الأوضاع المعيشية، بل تُحوَّل مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يُفرض على اليمنيين شراء الوقود بأسعار باهظة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غاليتين أمام وزارة الخزانة في واشنطن (رويترز)

العقوبات الجديدة استهدفت شبكة شركات واجهة لعبت دور الوسيط بين النفط الإيراني والحوثيين، أبرزها شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، مثل «الشرفي لخدمات النفط»، و«أديما للنفط»، و«أركان مارس للبترول».

وتقول واشنطن إن هذه الشركات تلقت دعماً مباشراً من الحكومة الإيرانية، وسهّلت شحنات نفط شهرية، بينها شحنات مجانية، مخصصة لتعزيز القدرات المالية للحوثيين.

كما برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي بوصفها حلقة وصل لتحويل الأموال، من بينها «جنات الأنهار للتجارة العامة»، التي أُعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقاً تحت اسم آخر، في محاولة للالتفاف على العقوبات.

وتشير «الخزانة» إلى أن هذه الشبكات لم تكن تجارية بحتة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية - عسكرية هدفها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد، داخلياً وإقليمياً.

تهريب الأسلحة

الضربة الأميركية لم تقتصر على النفط، بل طالت شبكات تهريب الأسلحة التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية، ومستودعات، ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

ومن بين أخطر القضايا التي كشفتها «الخزانة»، محاولة تهريب 52 صاروخ «كورنيت» مضاداً للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، عبر سلطنة عمان إلى صنعاء، قبل أن تتم مصادرتها.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها شركة «الرضوان للصرافة والتحويل»، التي وُصفت بأنها «الخزنة المالية» لعمليات شراء السلاح، حيث استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب، ودفع أثمان مكونات صواريخ وأنظمة عسكرية متقدمة.

الجماعة الحوثية تستغل العقوبات داخلياً لقمع السكان وإجبارهم على مناصرتها (أ.ب)

وفي تطور لافت، كشفت العقوبات عن محاولة الحوثيين دخول مجال الطيران التجاري ليس لأغراض مدنية، بل كأداة مزدوجة لتهريب البضائع وتوليد الإيرادات. فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين للجماعة لتأسيس شركتَي «براش للطيران» و«سما للطيران» في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها بالتواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان.

وترى واشنطن أن هذا التوجه يكشف عن انتقال الحوثيين من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم واجهات مدنية لتغطية أنشطة عسكرية.

الشحن البحري

كان البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى بؤرة توتر دولي، حاضراً بقوة في لائحة العقوبات الأميركية الجديدة، فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانٍ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة «البراق للشحن»، وسفينتها «ALBARRAQ Z»، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد «الخزانة» أن هذه العمليات وفَّرت دعماً اقتصادياً مباشراً للحوثيين، بعد تصنيفهم «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً».

هجمات الحوثيين البحرية أدت إلى غرق 4 سفن شحن وقرصنة خامسة خلال عامين (أ.ف.ب)

الأخطر، وفق واشنطن، هو التحذير من العقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل «عن علم» معاملات كبيرة لصالح أشخاص أو كيانات مدرجة. فمكتب «OFAC» يملك صلاحية حظر أو تقييد الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عملياً عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أدرجت الحوثيين «منظمةً إرهابيةً عالميةً مصنفةً تصنيفاً خاصاً»، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، اعتباراً من 16 فبراير (شباط) 2024، ثم صنّفتها لاحقاً أيضاً «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» بموجب المادة 2019 من قانون الهجرة والجنسية في 5 مارس (آذار) 2025.