تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (2)‬

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
TT

تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)

في الحلقة الثانية من مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يروي قصة اليوم الأخير من ولايته التي يصفها بـ«الولاية الشاقة» في 22 سبتمبر (أيلول) 1988، ويتحدث عن الصعوبات التي واجهها لتشكيل حكومة انتقالية تكون مهمتها التحضير لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعدما عجز المجلس النيابي عن ذلك. ويقول الجميل إنه عندما وجد أن خيار المجلس العسكري برئاسة قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون، هو الخيار الأفضل، وحصل على موافقة جميع أعضائه الستة، فوجئ بالإعلام السوري يعلن استقالة الضباط المسلمين الثلاثة قبل أن يعلموا هم بذلك. وهنا نص الحلقة الثانية.

بعد ليلة مضطربة، بزغ أخيراً فجر 22 أيلول 1988، اليوم الأخير في الولاية الشاقة. تناولت فطوري وحدي، منزوياً في مكتبي يتملّكني شعور بقلق تشوبه المرارة. فيما عكفتُ على آخر عمل دستوري لي، هو تشكيل حكومة انتقالية، كان حسين الحسيني يسعى بقوة إلى جمع البرلمان لانتخاب مخايل ضاهر في ساحة النجمة. بدا من المستبعد أن يؤمّن النصاب المطلوب. عند الثانية عشرة ظهراً، قُضي الأمر: عشرة نواب فقط كانوا حاضرين في القاعة، فأُرجئت الجلسة إلى الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر اليوم التالي.
كان سليم الحص قد أبلغني عودته عن استقالة حكومة ليس هو رئيسها الأصيل، بل وكالة بعد اغتيال الرئيس المستقيل رشيد كرامي. انتحل الصفة رسمياً خلافاً لأحكام الدستور، الأمر الذي لم يكن في وسعي القبول به. لذا، كان عليّ أن أشكّل حكومة جديدة بحسب ما يقتضيه الدستور، وكما درجت التقاليد اللبنانية.
لرئاسة الحكومة الانتقالية، فكّرتُ في الرئيس شارل حلو في مسودّة افتراضية كنتُ أعددتها تحوّطاً لهذا اليوم، في مواجهة الشغور المحتمل، بغية إدارته. مهّدتُ لهذا الخيار بمفاتحته، والدوافع التي تحدوني على طرح اسمه، ورهاني على أنه وحده القادر على إمرار المرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب خلف لي متى وصلنا إلى الحائط المسدود، فوافق. رجل حكيم معتدل، يعي في عمق دقّة المعادلة الوطنية وحساسيتها، ويحرص عليها هو الذي عايشها في الحقبتين بالغتي الأهمية في تاريخنا الوطني، الدستورية والشهابية. فوق الصراعات. يحاور الجميع، ويحظى باحترام وطني، ويسعه جمع اللبنانيين لا التفريق فيما بينهم. لم أعثر على سواه بمثل مواصفاته.
لم تكن تلك المرّة الوحيدة التي أفاتح الرئيس السابق في هذه المهمة. لاحقاً، في 10 أيلول، أوفدتُ إليه إيلي سالم وسيمون قسيس لإطلاعه على مخاوفي من التطوّرات المقبلة بأخطارها المتوقّعة بعد 22 أيلول، فعادا إليّ بالموافقة المبدئية.
لم أكن أودّ الوصول إلى هذا المفترق، وهو إصدار مرسوم حكومة انتقالية تحلّ محلّ رئيس الجمهورية. في المقابل يقتضي جبه الامتحان بالتمسّك بتقاليدنا وأعرافنا الوطنية والمحافظة عليها. اقتديتُ بسابقة الرئيس بشارة الخوري، في 18 أيلول 1952، حيث استقال من منصبه، وكلّف مارونياً ترؤس حكومة انتقالية تخلف رئيساً انتهت ولايته دونما انتخاب آخر. لأن صلاحيات رئيس الجمهورية، في مرحلة الشغور، تمسي بحسب الدستور في عهدة مجلس الوزراء وكالة، ولأن المنصب الشاغر هو لرئيس الدولة الماروني، كان لا بدّ من إبقاء الصلاحيات تلك في يد الطائفة المسند إليها عُرفاً هذا المنصب، وجود ماروني على رأس حكومة تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية، ويشكّل ضماناً لاستمرار أعرافنا الوطنية المهيبة، المقدّرة، والجديرة بالاحترام. في سبيل ذلك فكّرتُ أولاً في شارل حلو.
التاسعة صباح 22 أيلول دعوتُه إلى قصر بعبدا للتشاور. اعتذر عن عدم قبول المهمة متذرّعاً بحاله الصحّية، كما بحال زوجته ما يُحتّم عليه ملازمتها كل الوقت، ويحول دون مقدرته على «تحمّل المسؤولية الضخمة» تلك بحسب قوله. اعتقد، في قرارة نفسه، أنه قد يمسي مُلزماً إبرام اتفاقات محرجة له. كان للتردّي الأمني أثره في قراره المستجدّ، هو الذي يؤثر السلام على العنف. اقترح عليّ عندئذ مرشّحاً بديلاً منه قال قبل أن يسمّيه إن له موصفات ملائمة: ماروني، منفتح، لديه اتصالات طيّبة بالأفرقاء جميعاً مسلمين ومسيحيين، ويتمتع بتقديرهم.
ثم أضاف: «هو أيضاً من عائلة حلو».
سمّى بيار حلو.
كنتُ قد فكرتُ فيه، ولكن لم أحسم قراري. نائب عاليه منذ عام 1972 ووزير سابق، وطني صميم، كما هو صديق قديم لكمال جنبلاط والإمام موسى الصدر في آن واحد، ومن مؤسسي «حركة المحرومين». عضو في كتلة مجيد أرسلان في البرلمان مذذاك. معتدل، لا يثير حفيظة أي من الأفرقاء وهو ما يتيح التعاون معه.
استدعيتُه إلى القصر في الحادية عشرة والنصف بعد استقبالي قائد الجيش. وافق بادئ ذي بدء بلا تردّد على تشكيل الحكومة الانتقالية، مُعبّراً عن مخاوفه - المبرّرة طبعاً - من الصعوبة الفائقة لهذه المهمة.
من مكتب في قصر بعبدا باشر مشاورات تأليف حكومته. يُريدها موسّعة تضم الأفرقاء الأساسيين الفاعلين، فاستدعاهم تباعاً لمناقشة مشاركتهم فيها، مسيحيين ومسلمين. سرعان ما بدأت الفيتوات تهبط عليه. بعض الشخصيات السنّية، بمَن فيهم الأكثر اعتدالاً، رفض المشاركة في حكومة انتقالية تضم ميشال عون وسمير جعجع، لا سيّما أن هؤلاء يُحمّلانهما لسبب أو آخر مسؤولية اغتيال رئيس الحكومة السنّي رشيد كرامي، بينما نحن في صدد حكومة وحدة وطنية متوازنة. من دون عون وجعجع، كما أفرقاء في المقلب الآخر، تصبح حكومة منحازة تمثّل أطرافاً دون آخرين، وبالتالي لا يمكنها أن تحكم أو تدوم. كنت تبلّغتُ من عون وجعجع بالذات إصراراً جدّياً على مشاركتهما في الحكومة الانتقالية، رافضين أي حلّ يستبعدهما، ما يُضطرهما، إن استُبعدا، إلى اتخاذ مواقف صارمة. حتى مفتي الجمهورية، الذي قلّما اتهم بالتطرّف، أبلغ إلى بيار حلو أن أحداً من أبناء طائفته «لن يشارك في هذه الحكومة الشاذة إذا ضمّت في عدادها الرجلين».
من بعد الظهر حتى المساء، أخفق بيار حلو في جمع فريق حكومي من حول مهمته الجديدة، وكان يطلعني تباعاً على مراحلها. إذ ذاك اختار الاعتذار أخيراً، آخذاً بنصيحة صديقين له هما ميشال إده وخليل أبو حمد.
بوصول بيار حلو إلى طريق مسدودة، في محاولة مني لمعاكسة القدر مع احتمال الخروج على التقاليد، كلّفتُ داني شمعون استطلاع نيّة الرئيس سليم الحص، صديقه مذ ترافقا في الجامعة الأميركية في بيروت، في تأليف حكومة انتقالية تمثّل القوى السياسية جميعها، بمَا فيها «القوات اللبنانية». بيد أنه أصرّ على الإبقاء على الحكومة المستقيلة نفسها التي يرأسها وكالة، مع استعداد لإدخال تعديلات طفيفة عليها بتوسيعها: توزير داني شمعون خلفاً لوالده الرئيس كميل شمعون، وعمر كرامي خلفاً لشقيقه الرئيس رشيد كرامي، إلى أربعة وزراء آخرين، من بينهم جورج سعادة وجوزف سكاف. قَبِلَ بتعيين نائبين لرئيس الحكومة، أرثوذكسي هو عبد الله الراسي، وماروني هو داني شمعون، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً مشاركة ميشال عون وسمير جعجع، في حين تضم التشكيلة الحكومية الزعماء السياسيين وقادة الميليشيات الآخرين، لا سيّما منهم حلفاء دمشق أمثال وليد جنبلاط ونبيه برّي. ثم أصرّ على أن تظلّ اجتماعات الحكومة في مقرّها في بيروت الغربية، في القصر الحكومي في محلة الصنائع. بذلك يكون الحص جارى الصيغة الحكومية التي عرضها عبد الحليم خدّام على ريتشارد مورفي في 3 أيلول 1988، أي الإبقاء على الفريق الوزاري لسليم الحص كما هو، والإبقاء على اجتماعات مجلس الوزراء في منطقة نفوذ السوريين وحدهم.
بقبولي بالصيغة التي اقترحها الرئيس الحص على داني شمعون، أكون قد سلّمتُ البلد مُكبَّلاً إلى سوريا. للفور رفضت، فليس وارداً لدي توقيع مرسوم كهذا وإصداره لأنها غير متوازنة، ومعظم أعضائها معارضون من حلفاء لدمشق، وليس عندهم، لأسباب شتى، أي هامش مناورة إلا تحت جناح دمشق. في المنطقة الشرقية لم يكن وارداً لدى القوى السياسية والعسكرية، ذات الغالبية المسيحية، الاعتراف بسلطة حكومة غير متوازنة، مشكّلة تحت ضغط سوري مباشر، بما سيؤدّي حتماً إلى تقسيم البلد.
منذ ليل 21 أيلول، بعد عودتي في المساء من دمشق إلى بكركي، ومنها إلى قصر بعبدا، أجريتُ مشاورات متلاحقة مع معاوني ونواب، في اجتماعات استمرّت إلى ساعة متأخرة ما بعد منتصف الليل. كان عليّ أن أناقش معهم الخيارات المتاحة قبل بزوغ فجر غد، اليوم الأخير في الولاية. بالتزامن، تلقينا برقية غير مشجّعة من رئيس أساقفة نيويورك الكاردينال جون أوكونور توجّه بها إلى القيادات المسيحية اللبنانية، قائلاً: «عليكم إنقاذ الجمهورية». سلّم مثلنا بأن «ليس ثمّة خيار ديموقراطي»، محذّراً من خطر على «مصير المسيحيين في الشرق». لم تعد الفرص كثيرة، والخيارات صعبة، فإما انتخابات، ولكن من دون مؤشرات جدّية لحصولها بانتخاب رئيس متوافق عليه، وإما الفوضى التي بشّرنا بها ريتشارد مورفي.
قال لي رينه معوّض: «إذا لم تحصل انتخابات، نتحمّل نحن المسؤولية من أميركا إلى الفاتيكان إلى العالم الأوروبي. انتفضنا ضدّ طريقة طرح مخايل ضاهر، وبدل أن يساعدنا الأميركيون، أكدوا الطلب السوري».

- آخر الخيارات
بيار حلو وسليم الحص صارا الآن، خارج اللعبة، فلم يبقَ لي سوى أن أكشف ورقتي الأخيرة. أخفقتُ في محاولتي تأليف حكومة سياسية موسّعة، متوازنة، لا تستثني أحداً من الأفرقاء الفاعلين القادرين على العرقلة، على أن ينضم إليها ضابطان كبيران فقط، أحدهما لوزارة الدفاع والآخر لوزارة الداخلية، بسبب ما قد يستجد من أحداث أمنية في المرحلة الجديدة، لم تكن انحسرت مرّة عنا. إذ ذاك يقتضي الذهاب إلى خيار آخر وهو حكومة غير سياسية، إنما في الوقت ذاته ممثِّلة للنسيج الوطني اللبناني، وفي وسعها تحمّل مسؤولياتها. تصوّرتُ عندئذ أن الخيار الوحيد الماثل أمامي وضع الحكم بين يدي مؤسسة. حضرت اثنتان: مجلس القضاء الأعلى برئاسة ماروني هو الشيخ أمين نصّار، رجل منفتح جدير بالمهمة ومتواصل مع كل الفئات، والمجلس العسكري برئاسة ماروني أيضاً هو قائد الجيش العماد ميشال عون. كلتاهما أكثر ائتماناً على وحدة البلاد والوحدة الوطنية، بيد أنني مِلتُ في نهاية المطاف إلى المجلس العسكري، وهو وحده قادر على أن يحمي نفسه والمؤسسات، ويستطيع الإمساك بأمن البلاد، ومواجهة مَن يتسبّب في أي اضطراب ومنع التوتر. مهمة تتعذّر على حكومة قضاة لا يسعها الصمود.
استرجعتُ سابقة عام 1952 عندما عيّن بشارة الخوري، قبل أن يتنحّى، قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، الماروني، على رأس حكومة انتقالية. استدرتُ إذن صوب الجيش، والمجلس العسكري المُعاد تعيينه من حكومة رشيد كرامي تبعاً لموازين القوى الجديدة التي نشأت عام 1984. فيه تتمثّل حقيقة التنوّع اللبناني بمكوّناته الطائفية المختلفة، من خلال انتماء أعضائه الستة إلى الطوائف الست الرئيسية. سمّاهم أفرقاء الحكومة وليسوا على عداء مع سوريا، ولا يستهدفون أحداً. المجلس العسكري بذلك معبر، ليس إلى الأفرقاء فحسب، بل أيضاً إلى القوى والطوائف المتعدّدة، وهو ما يجعله يتمتّع بمظلتين وطنية وذاتية.
منعاً لأي التباس، أبقيتُ هذا المجلس على حاله، بلا أي تعديل، إلا أنني تجاوزتُ كل مآخذي على رئيسه ميشال عون ـ أياً تكون مسوّغاتها ـ لأن مصلحة البلد كانت تفرض ذلك. بعض معاونيَّ، عندما ناقشنا هذا الخيار، اقترحوا عليّ تطعيم حكومة المجلس العسكري بوزراء مدنيين، كوزير الخارجية يكون قريباً مني، ويُبقي قنوات التواصل مع الخارج، لكنني فضّلتُ عدم إحداث أي ثغرة في الحكومة الجديدة. مهمتها مقيَّدة بواجب واحد يُمليه الدستور، هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية فقط. لا مسؤوليات أخرى تنتظرها، أو أمامها، لأنها مؤقتة انتقالية لوظيفة ملحّة مستعجلة لا أولوية تتقدّمها، تنتقل إليها صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة بموجب المادة 62 من الدستور. تتولى الحكم باسم تلك الصلاحيات، وكالة بأعضائها جميعهم، أشبه بقيادة جماعية. بذلك أكون عيّنتُ حكومة المجلس العسكري ولا حكومة ميشال عون.
في هذا اليوم، كان مقرّراً عقد جلسة انتخاب الرئيس، لكن في ساحة النجمة، بحسب دعوة حسين الحسيني تحت الضغط السوري المتمادي. مع ذلك، لم يحضر سوى 13 نائباً. فوجّه دعوة ثالثة في الغداة، 23 أيلول، في المكان نفسه. اليوم الأول بعد انتهاء ولايتي.
تحويل المجلس العسكري إلى حكومة أقلّ الحلول سوءاً. بقي عليّ الاتصال شخصياً بأعضائه الستة للتأكد من أنهم لن يتنحّوا عند تعيينهم. قبل أن أصدر آخر مرسوم رئاسي لي، خابرتُهم جميعهم فلم يعتذر أحد، وشكروني على ثقتي بهم. بيد أنهم فوجئوا، منذ ما بعد منتصف ليل 22 أيلول، مثلما فوجئتُ بدوري، بإعلان استقالة الضبّاط المسلمين الثلاثة: محمود طي أبو ضرغم ونبيل قريطم ولطفي جابر. استقالة إعلامية كانت دمشق السبّاقة إلى الكشف عنها من إذاعتها، من غير أن يُوجّه أي منهم كتاباً خطياً بها في ذلك الوقت، ولا لاحقاً.
كنت قد راعيتُ ضرورة استشارة القادة الروحيين والسياسيين، كي لا أضع أحداً أمام الأمر الواقع.
قبل منتصف ليل 22 أيلول، اتصلتُ بالبطريرك صفير. كان نائماً، فطلبتُ إيقاظه كي أُخطره بالخيار الأخير. كان أول مَن أُبلغ المآل من خارج المجتمعين في القصر.
قلتُ له: «أجرينا اليوم جلسة ماراثونية طويلة مع كل الإخوان، النواب والقوات اللبنانية والجيش. عرضنا كل الحلول الممكنة حيال الفراغ الدستوري، وكنا بين ثلاثة احتمالات: الأول حكومة الرئيس الحص بالأكثرية الموجودة فيها لمصلحة فريقه، وهي غير متوازنة، ولا يمكنها أن تحكم. الثاني حكومة موسّعة تضم كل الأطراف لكنها في النهاية تصبح مسيحية فقط، لأن المسلمين بمَن فيهم المعتدلون لن يمشوا فيها..».
عقّب البطريرك: «سمعتُ الأخبار. يبدو أن المفتي وشمس الدين حذّرا منها».
أضفتُ: «أما الاحتمال الثالث فهو المجلس العسكري برئاسة الجنرال عون، وتتمثّل فيه كل الطوائف والأفرقاء. لذا اعتمدنا الحلّ الثالث الذي هو المؤسسة العسكرية، والمجلس العسكري بأعضائه الستة. الجنرال عون قربي، ونبحث في هذا الأمر. المشكلة خطيرة للغاية. وعلى الأقلّ لن نسلّم المقدّرات من دون أن نعرف إلى أين تتجه؟».
قال: «تلقيتُ مكالمة من بوسطن، من الكاردينال لارو، يقول إن السلطات هناك تسعى إلى تغيير مكان الجلسة. يطلبون منا حلحلة الموضوع قليلاً. قلنا لهم أي حلحلة؟ قالوا انتخبوا (يللي قلناه لكم). المرشّح المفروض. نحن نطالب بالحرّية، فهل ننتخب لهم مرشّحاً وحيداً؟ أنا أحب انتخاب رئيس، لكن برضا الناس».
قلت: «اضطررتُ إلى أن أتخذ هذا الموقف».
رد: «قد يكون هو الأسلم. إن شاء الله خيراً. المهم ألا تتأزم أكثر وترجع البلاد إلى الوراء».
عقبت: «على أي حال يقتضي أن نظلّ في هذه الفترة مستنفَرين. على الكتف حمّال ونحن مقبلون على تطوّرات سياسية لا نعرف إلى أين تقودنا».
علّق: «ما هيي هيك. يبدو أن الأميركيين لا يزالون على الموقف نفسه».
قلت: «نعم».
ختم: «لسوء الحظ».
لا بدّ أيضاً من إبلاغ سمير جعجع بهذه الصيغة. حضر إلى القصر الجمهوري، ولمّا رأى نفسه مُستبعداً من التركيبة أظهر خيبة أمل كبيرة، وطلب استمهاله لحظات للتفكير في الموضوع. بعد محادثة مقتضبة على انفراد مع العماد عون، الذي كان موجوداً في القصر، عاد يُبلغني موافقته. ثم غادر مكتبي بسرعة ليُعلن أمام الصحافة تأييده الحكومة العتيدة ورئيسها، ويصفها بأنها «حكومة الاستقلال». علمتُ فيما بعد أن جعجع حصل من عون، في أثناء هذا اللقاء القصير في مقابل تأييده المشروط، على وعد بإطلاق يد «القوات اللبنانية» في المناطق المسيحية التي لا وجود للجيش السوري فيها، وعدم تدخّل الجيش في النزاعات الحزبية الداخلية.
دقائق قبل انتصاف ليل 22 أيلول 1988، لحظة انتهاء ولايتي، وقّعتُ بمرارة كبيرة ـ إنما مرتاح الضمير ـ آخر مرسوم رئاسي لي برقم 5387، ينصّ على تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة العماد عون. في الحال، أعربت معظم الحكومات العربية والأجنبية عن دعمها. اتصل فرنسوا ميتران هاتفياً بجورج بوش، المنتخَب حديثاً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فصرّح الأخير قائلاً: «أعترف بحكومة لبنان، وسأطلب من الروس أن يفعلوا الشيء ذاته».
تلك الليلة، بدت طاولة مكتبي فارغة. هي التي ظلّت على الدوام مثقلة بالملفات. شعرتُ بأنني منهك من التعب والمِحَن، لكن فخور بأداء واجبي حتى النهاية.



قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
TT

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية، اللواء الركن خالد القملي، إن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة، ويتجاوز استهداف السفن إلى توسيع شبكات التهريب، وتعزيز القدرة على رصد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية (الشرق الأوسط)

وكشف القملي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن سفناً يستخدمها الحوثيون للتهريب باتت تجوب سواحل البحر الأحمر علناً، من دون إطفاء أجهزة التتبع، بعدما كانت تطفئها في السابق خشية ضبطها من خفر السواحل اليمنية.

وحذّر من أن المخاطر المرتبطة بالسيطرة على مواقع ساحلية وجزرية لا تقتصر على تهريب الأسلحة، بل تشمل تهريب معدات الاتصالات والتقنيات مزدوجة الاستخدام والمخدرات والمكونات العسكرية.

وشدد اللواء القملي على أن مواجهة هذه الشبكات تستدعي «ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً»، والتعامل مع مسار التهريب بوصفه شبكة متكاملة تمتد من الساحل الصومالي وجيبوتي إلى باب المندب والساحل الغربي اليمني.

تغيّر طبيعة التهديد الحوثي

أكد رئيس خفر السواحل اليمنية أن التطورات الأخيرة في المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر غيّرت طبيعة التهديد الحوثي؛ إذ لم يعد، وفق تقديره، مقتصراً على الجانب العسكري المباشر أو حرية الملاحة، بل امتد إلى شبكات التهريب والصلات المحتملة مع تنظيمات مسلحة في المنطقة.

عناصر من خفر السواحل الجيبوتية خلال دورية سابقة في باب المندب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تأمين مسارات الإمداد البحري وتوسيعها بين الساحل الغربي اليمني والقرن الأفريقي، مستفيدين من طبيعة المنطقة الجغرافية وكثافة حركة القوارب الصغيرة والجلبات.

وأضاف: «بدلاً من الاعتماد على مسار واحد، بات في إمكان الجماعة، استخدام مواقع ساحلية وجزرية متعددة لاستقبال الشحنات وإخفائها وإعادة توزيعها، لكن الأخطر هو تنوع المواد التي يمكن نقلها عبر تلك المسارات، فإلى جانب الأسلحة، يفتح امتداد شبكات التهريب عبر خليج عدن والساحل الصومالي المجال أمام نقل معدات اتصالات وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومخدرات ومكونات عسكرية، مع إمكان تغيير الطرق ووسائط النقل لتفادي الاعتراض».

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة (إعلام محلي)

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية في الرياض نيل هوب اتهم إيران بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

ولفت القملي في هذا السياق إلى ما أوردته تحقيقات أممية بشأن تنويع الحوثيين سلاسل إمدادهم ومصادر حصولهم على الأسلحة والمعدات، عادّاً ذلك مؤشراً إلى تطور قدراتهم التنظيمية والتشغيلية.

باب المندب... ورقة ضغط

وحذّر رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية من انتقال الحوثيين من امتلاك القدرة على استهداف السفن إلى امتلاك مواقع جغرافية استراتيجية تتيح لهم مجالاً أوسع للرصد والإنذار المبكر والاستهداف قرب باب المندب.

وقال إن «وجود سواحل وجزر ومواقع قريبة من المضيق تحت سيطرة طرف يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق مسلحة يرفع مستوى المخاطر أمام السفن العابرة، ويزيد احتمالات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والحماية، فضلاً عن احتمال دفع بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه رحلاتها بعيداً عن المنطقة».

وتابع بقوله: «لا تكمن الخطورة بالضرورة في قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب إغلاقاً كاملاً، بل في امتلاكهم القدرة على إبقاء المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية عند مستوى مرتفع، واستخدام الممر البحري ورقة ضغط متى أرادوا».

وتُظهر متابعة المنظمة البحرية الدولية لأمن البحر الأحمر استمرار اهتمامها بالهجمات التي استهدفت السفن والبحارة في المنطقة؛ كما مدّد مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2026 تكليف الأمين العام تقديم تقارير بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

توسع الصلات مع جماعات مسلحة

وتطرق اللواء خالد القملي إلى بُعد آخر يراه مثيراً للقلق، يتمثل في احتمال أن تهيئ السيطرة على مواقع في باب المندب بيئة بحرية أكثر ملاءمة لتوسيع الاتصالات القائمة بين الحوثيين وشبكات مسلحة في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها حركة «الشباب» الصومالية، عبر مسارات يصعب ضبطها بالكامل.

أكد القملي أن سيطرة الحوثيين على باب المندب تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة (سبأ)

وحذّر من احتمال انتقال العلاقة من تبادل الأسلحة أو تهريبها إلى تعاون أوسع يشمل التمويل والمعدات والخبرات والتكنولوجيا والاتصالات، مستفيدة من شبكات التهريب القائمة بين اليمن والصومال.

ومن شأن حدوث ذلك، وفق تقدير القملي، أن يحوّل باب المندب من ممر لوجستي إلى حلقة وصل تشغيلية بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، ويوسع نطاق التهديد ليشمل خليج عدن والمنطقة المقابلة للساحل اليمني.

ربط منظومات المراقبة والاعتراض

أكد اللواء القملي أن الإجراءات الأمنية داخل المياه اليمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها للتعامل مع مسارات تهريب تمتد عبر الساحل الصومالي وخليج عدن وجيبوتي وباب المندب.

ودعا إلى تعزيز التعاون المباشر بين خفر السواحل اليمني ونظرائه في الصومال وجيبوتي، خصوصاً في تبادل المعلومات البحرية والاستخباراتية، وتتبع القوارب المشبوهة، وتنسيق عمليات الاعتراض.

باتت الجماعة الحوثية قادرة على استخدام مسارات متعددة لاستقبال الشحنات المهربة وفقاً للواء القملي (إ.ب.أ)

ويشمل هذا التعاون، وفق القملي، مراقبة حركة الجلبات وسفن الصيد التي تُستخدم لنقل الأسلحة والمخدرات والمعدات. لافتاً إلى أن «المتابعة الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن مكافحة التهريب في باب المندب لا تتحقق بالسيطرة على الجانب اليمني من الممر وحده، وإنما تتطلب ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً».

وخلص رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إلى أن التعامل مع الساحل الصومالي وجيبوتي وباب المندب والساحل الغربي اليمني بوصفها أجزاء من شبكة تهريب واحدة هو الأساس لمنع الحوثيين أو الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي من استغلالها، والحيلولة دون تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مساحة تتحرك فيها تلك الشبكات بحرية أكبر.


الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
TT

الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

«سنختبر ولاءكم في الجبهات وفي أعداد المجندين»... بهذه الجملة طالب القادة الحوثيون أعيان ووجهاء الساحل الغربي اليمني خلال الأيام الماضية، بعد سيطرة الجماعة على مناطق حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.

فلم تكد الجماعة المتحالفة مع إيران تحكم قبضتها على مديريات الساحل الغربي، حتى بدأت بفرض منظومة من الإجراءات الأمنية والمالية والاجتماعية تستهدف إحكام السيطرة على السكان، عبر ابتزاز الوجهاء والأعيان لتجنيد مقاتلين، وإخضاع الأطفال والشبان لدوراتها الثقافية، وفرض الجبايات على التجار، بالتزامن مع حملات اعتقال ومداهمة ونهب لممتلكات خاصة ومرافق عامة.

وقالت مصادر محلية إن القادة الميدانيين الحوثيين ألزموا الأعيان والمشايخ ومسؤولي الأحياء، المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهم أصحاب مناصب شبه رسمية، في بلدات وأرياف مديريات المخا وذوباب وموزع والوازعية في محافظة تعز، وحيس والخوخة في محافظة الحديدة، بتجنيد مقاتلين وإلحاق أطفال وشبان بما تسمى «الدورات الثقافية»، وحذرتهم من التخلف عن تنفيذ تلك المطالب.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن القادة الحوثيين أبلغوا الوجهاء والأعيان بأنهم يخضعون لـ«اختبار ولاء» بعد نحو 8 أعوام من سيطرة الحكومة الشرعية على المنطقة، وطالبوهم بإثبات ولائهم من خلال تنفيذ مهام تشمل التجنيد والتجسس على السكان وجمع الجبايات.

نازحون في مخيم قرب عدن هربوا من جحيم الحوثيين في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

وقالت المصادر إن القادة الحوثيين دأبوا على تذكير هؤلاء الأعيان بأنهم يخضعون لاختبار ولاء، وعليهم إثباته من خلال رفد معسكرات التدريب والجبهات والدورات الثقافية بالشباب والأطفال.

وبحسب المصادر، حددت الجماعة حصصاً متفاوتة من المقاتلين والأطفال لكل منطقة وفق كثافتها السكانية، لكنها طالبت الوجهاء الذين رصدت تعاونهم مع السلطات المحلية خلال فترة سيطرة الحكومة بمضاعفة تلك الحصص، وتجنيد أقاربهم لإظهار «حسن النوايا».

حظر تجول غير معلن

بحسب المصادر، طالبت الجماعة الحوثية السكان في الساحل الغربي، بإقناع أقاربهم النازحين في مناطق سيطرة الحكومة بالعودة، لا سيما المنتمين إلى الجيش اليمني. وترجح المصادر أن يكون ذلك وسيلة لتجنيد بعض العائدين، أو اعتقالهم وإجبارهم على الكشف عن معلومات عسكرية وأمنية.

ولا تقتصر إجراءات السيطرة على التجنيد؛ ففي مديريتي حيس والخوخة، أفادت مصادر محلية بأن مسلحين حوثيين يتبعون ما تسمى «هيئة الزكاة»، داهموا محال تجارية وفرضوا على ملاكها مبالغ مالية، إلى جانب إلزامهم بتقديم مواد غذائية لعناصر الجماعة.

قادة حوثيون في مدينة الخوخة على الساحل الغربي (إعلام حوثي)

وطبقاً للمصادر، فإن الحوثيين احتجزوا عدداً من التجار الذين رفضوا دفع المبالغ المفروضة، ولم تطلقهم إلا بعد دفع المبالغ المطلوبة منهم إلى جانب غرامات تأخير.

وافتتحت الجماعة، بعد ساعات من سيطرتها على حيس، مقراً لما تسمى «هيئة الزكاة» في المديرية، ضمن مساعيها لفرض الجبايات على السكان والتجار، وتعويض خسائرها المادية في التصعيد العسكري وفقاً لمراقبين.

وفي المخا، تصاعدت المخاوف بين السكان مع استمرار الإجراءات الأمنية والمداهمات والاعتقالات، خصوصاً بعد احتجاز شابين من أبناء المدينة ونقلهما إلى منطقة البرح، الواقعة بينها ومدينة تعز باتجاه الشرق.

وتتحدث مصادر حقوقية عن اقتحام منازل واعتقال مدنيين وأشخاص تشتبه الجماعة في ارتباطهم بالقوات الموالية للحكومة، إلى جانب تقارير عن اعتقال صحافيين وناشطين.

واشتكى السكان من فرض قيود مشددة على الحركة والتجمعات، خصوصاً خلال ساعات المساء، ما يضطرهم إلى المبيت في منازلهم قبل مغيب الشمس.

30 ألف سلة غذائية في الساحل الغربي اليمني استولى عليها الحوثيون (إعلام حوثي)

وكشف عدد من الأهالي لـ«الشرق الأوسط»، عن اضطرارهم إلى ترك هواتفهم في المنازل بسبب إجراءات التفتيش التي تطالهم خلال تجولهم في الخارج أو مزاولة أعمالهم وأنشطتهم اليومية، وإجبارهم على فتحها والخضوع للتحقيق في حال اشتبه عناصر الجماعة في محتوياتها.

نهب المساعدات

تتزامن الإجراءات الأمنية والمالية الحوثية مع اتهامات للجماعة بالاستيلاء على ممتلكات ومرافق وموارد مخصصة للسكان. وقالت السلطات المحلية التابعة للحكومة اليمنية في الحديدة، إن الجماعة استهدفت عيادات طبية ومستودعات للغذاء والإيواء ومشروعاً للإمداد المائي مدعوماً من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

كما أدانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اقتحام مخازن تابعة لمركز الملك سلمان وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات محلية ودولية في الساحل الغربي، والاستيلاء على محتوياتها الإغاثية، محذرة من أن تعطيل تلك المنشآت يعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها.

الحوثيون جيّروا خدمات المنشآت الحيوية والصحية في الساحل الغربي لصالح أنشطتهم (إعلام حوثي)

وقالت الوزارة إن العيادات المدعومة من مركز الملك سلمان كانت تقدم خدمات مجانية لنحو ربع مليون مستفيد سنوياً، تشمل الفحوصات والعمليات الجراحية والأدوية، معتبرة أن تعطيلها يضاعف الأعباء على المرضى والأسر الأكثر احتياجاً.

وفي مؤشر على اتساع نطاق التداعيات، وثق تقرير حقوقي 958 جريمة وانتهاكاً في مديريات الساحل الغربي، بينها المخا وذوباب والوازعية وموزع وحيس والخوخة، خلال الفترة من 3 إلى 11 سبتمبر (أيلول)، شملت الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام المنازل ونهب الممتلكات، إلى جانب نزوح نحو 2300 أسرة.

وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى أن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي لا تتوقف عند التحول العسكري في خريطة النفوذ، بل تترافق مع محاولة لإعادة تشكيل الحياة المحلية وفق منظومة من الولاء والجباية والرقابة الأمنية، في وقت يدفع فيه المدنيون تكلفة إضافية من حريتهم ومواردهم ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.


2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
TT

2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)

تكبّدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في ثماني جبهات يمنية، وفق حصيلة أعلنتها القوات الحكومية، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، حيث تصطدم هجمات الجماعة المتواصلة بالضربات الحكومية الاستباقية ضمن مسعاها لتثبيت خطوط التماس وقطع طرق الإمداد القادمة من مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 706 عمليات استهداف نوعية ودقيقة في جبهات كتاف، والبقع، وعلب، والجوف، ومأرب والبيضاء، ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والقناصة والمدفعية وراجمات الصواريخ، مشيرة إلى أن هذه العمليات أسفرت، حسب حصيلتها، عن مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال ثلاثة أيام.

وأوضحت القوات الحكومية أن العمليات طالت مواقع وعناصر وقدرات عسكرية للجماعة، وأدت إلى تدمير أو إعطاب ناقلات جنود وعربات وتعزيزات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وعتاد ومعدات أخرى.

دخان يتصاعد من موقع للحوثيين استهدفه الجيش اليمني (رويترز)

وتعكس هذه الحصيلة، وفق رواية القوات المسلحة اليمنية، اتساع نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق اللوجستي للجماعة الحوثية، في وقت تدفع فيه الأخيرة بمزيد من العناصر والتعزيزات إلى الجبهات للحفاظ على مكاسبها الأخيرة في الساحل الغربي، وفتح مسارات ضغط جديدة على تعز.

معركة تعز

في تعز، بدت الجبهة الأكثر نشاطاً خلال الساعات الأخيرة، مع تزامن الهجمات البرية الحوثية مع ضربات جوية استهدفت مواقع التجميع والتخزين والتحرك.

ونفَّذ الطيران الحربي، وفق مصادر عسكرية رسمية خمس غارات على مواقع حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال التابع لسلاح المهندسين.

وقالت مصادر ميدانية إن الضربات جاءت بالتزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية حوثية ووصول تحشيدات إلى المنطقة، وإن بعض الأهداف كانت تستخدم لتخزين الأسلحة والمعدات.

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

كما استهدف الطيران الحربي تعزيزات حوثية في منطقة المرزم بالربيعي غرب مدينة تعز، وقالت مصادر عسكرية إن إحدى الغارات أصابت دبابة وأدت إلى احتراقها.

وفي الجبهات الغربية، تصدت القوات الحكومية لهجوم حوثي في جبهة العنين، كما أفادت مصادر محلية بتصدي القوات الحكومية ومقاتلين من أبناء المنطقة لهجمات شنتها الجماعة على بني بكاري والعنين في جبل حبشي، عقب وصول تعزيزات حوثية كبيرة إلى المديرية.

وبالتوازي، استهدفت المدفعية الحكومية تجمعات ومواقع حوثية في الأقروض، والكدحة، وسائلة غراب، والجعشاء والزيبيا، كما دمرت مدفعاً في البحابح واستهدفت طقماً عسكرياً في ضاحة الرباح، وفق موجز للمركز الإعلامي لمحور تعز.

وأعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة حوثية فوق جبهة الكدحة. وتواصلت في المقابل الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي؛ إذ أطلقت الجماعة أكثر من ست قذائف باتجاه قرى في منطقة الضباب غرب تعز، متسببة، وفق مصادر محلية، في أضرار مادية بالمنازل وحالة من الذعر بين السكان.

نزيف الإمدادات

لا تقتصر المعركة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين على المواقع الأمامية؛ إذ تحولت طرق نقل المقاتلين والعتاد أهدافاً رئيسية للعمليات الحكومية.

وتقول مصادر محلية إن الحوثيين دفعوا بمئات العناصر من اتجاه فرع العدين في محافظة إب باتجاه جبل رأس في الحديدة، على متن عشرات الحافلات، لتعزيز جبهات الوازعية، والبرح وبني عمر.

كما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية كبيرة باتجاه جبهة حيفان في تعز، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن تحركات حوثية تستهدف الضغط نحو مديريات الشمايتين، والتربة والمقاطرة من أكثر من اتجاه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على ضغطها العسكري غرب تعز، بالتزامن مع الدفع باتجاه حيفان والمناطق الشرقية والجنوبية، في محاولة لإيجاد مسارات متعددة نحو المحافظة.

وفي المقابل، تركز القوات الحكومية على استهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط القتال، مستفيدة من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية.

وقال الناطق العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية قتلت أربعة خبراء إيرانيين قال إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في محافظة تعز، دون إيراد تفاصيل عن هوياتهم.

ضغط في لحج

في لحج، تواصلت المواجهات على المحاور المتصلة بالساحل الغربي والمناطق المطلة على باب المندب، مع استمرار القصف والتحركات العسكرية في الوازعية، والمضاربة، ورأس العارة، والأغبرة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن قوات العمالقة نفَّذت ضربات بطائرات مسيّرة ضد تجمعات وآليات حوثية في كهبوب، بالتزامن مع صد هجوم جديد للجماعة.

وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية حكومية في جبهات الصبيحة، حيث تفقَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، رفقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري، سير العمليات ومستوى الجاهزية في الخطوط الأمامية.

وأكد الصبيحي أهمية رفع الجاهزية واليقظة والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية، مشيداً بثبات القوات في مختلف المواقع.

وتظهر تطورات تعز ولحج أن خطوط التماس منذ أيام لا تزال ثابتة نسبياً رغم كثافة الهجمات والتعزيزات، لكن ثبات الخريطة لا يعني هدوء الجبهات؛ إذ تحاول الجماعة الحفاظ على مكاسبها في الساحل الغربي، في حين تعمل القوات الحكومية على استنزاف القوة البشرية والعسكرية التي تدفع بها إلى مناطق القتال.

وتقول القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت أهدافاً عسكرية، في حين تتبادل مع الحوثيين الاتهامات بشأن الأضرار المدنية الناجمة عن الغارات والقصف. وأكد النزيلي أن القوات الحكومية تلتزم، وفق قوله، باستهداف الأهداف العسكرية المشروعة وقواعد القانون الدولي الإنساني.