تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (2)‬

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
TT

تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)

في الحلقة الثانية من مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يروي قصة اليوم الأخير من ولايته التي يصفها بـ«الولاية الشاقة» في 22 سبتمبر (أيلول) 1988، ويتحدث عن الصعوبات التي واجهها لتشكيل حكومة انتقالية تكون مهمتها التحضير لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعدما عجز المجلس النيابي عن ذلك. ويقول الجميل إنه عندما وجد أن خيار المجلس العسكري برئاسة قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون، هو الخيار الأفضل، وحصل على موافقة جميع أعضائه الستة، فوجئ بالإعلام السوري يعلن استقالة الضباط المسلمين الثلاثة قبل أن يعلموا هم بذلك. وهنا نص الحلقة الثانية.

بعد ليلة مضطربة، بزغ أخيراً فجر 22 أيلول 1988، اليوم الأخير في الولاية الشاقة. تناولت فطوري وحدي، منزوياً في مكتبي يتملّكني شعور بقلق تشوبه المرارة. فيما عكفتُ على آخر عمل دستوري لي، هو تشكيل حكومة انتقالية، كان حسين الحسيني يسعى بقوة إلى جمع البرلمان لانتخاب مخايل ضاهر في ساحة النجمة. بدا من المستبعد أن يؤمّن النصاب المطلوب. عند الثانية عشرة ظهراً، قُضي الأمر: عشرة نواب فقط كانوا حاضرين في القاعة، فأُرجئت الجلسة إلى الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر اليوم التالي.
كان سليم الحص قد أبلغني عودته عن استقالة حكومة ليس هو رئيسها الأصيل، بل وكالة بعد اغتيال الرئيس المستقيل رشيد كرامي. انتحل الصفة رسمياً خلافاً لأحكام الدستور، الأمر الذي لم يكن في وسعي القبول به. لذا، كان عليّ أن أشكّل حكومة جديدة بحسب ما يقتضيه الدستور، وكما درجت التقاليد اللبنانية.
لرئاسة الحكومة الانتقالية، فكّرتُ في الرئيس شارل حلو في مسودّة افتراضية كنتُ أعددتها تحوّطاً لهذا اليوم، في مواجهة الشغور المحتمل، بغية إدارته. مهّدتُ لهذا الخيار بمفاتحته، والدوافع التي تحدوني على طرح اسمه، ورهاني على أنه وحده القادر على إمرار المرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب خلف لي متى وصلنا إلى الحائط المسدود، فوافق. رجل حكيم معتدل، يعي في عمق دقّة المعادلة الوطنية وحساسيتها، ويحرص عليها هو الذي عايشها في الحقبتين بالغتي الأهمية في تاريخنا الوطني، الدستورية والشهابية. فوق الصراعات. يحاور الجميع، ويحظى باحترام وطني، ويسعه جمع اللبنانيين لا التفريق فيما بينهم. لم أعثر على سواه بمثل مواصفاته.
لم تكن تلك المرّة الوحيدة التي أفاتح الرئيس السابق في هذه المهمة. لاحقاً، في 10 أيلول، أوفدتُ إليه إيلي سالم وسيمون قسيس لإطلاعه على مخاوفي من التطوّرات المقبلة بأخطارها المتوقّعة بعد 22 أيلول، فعادا إليّ بالموافقة المبدئية.
لم أكن أودّ الوصول إلى هذا المفترق، وهو إصدار مرسوم حكومة انتقالية تحلّ محلّ رئيس الجمهورية. في المقابل يقتضي جبه الامتحان بالتمسّك بتقاليدنا وأعرافنا الوطنية والمحافظة عليها. اقتديتُ بسابقة الرئيس بشارة الخوري، في 18 أيلول 1952، حيث استقال من منصبه، وكلّف مارونياً ترؤس حكومة انتقالية تخلف رئيساً انتهت ولايته دونما انتخاب آخر. لأن صلاحيات رئيس الجمهورية، في مرحلة الشغور، تمسي بحسب الدستور في عهدة مجلس الوزراء وكالة، ولأن المنصب الشاغر هو لرئيس الدولة الماروني، كان لا بدّ من إبقاء الصلاحيات تلك في يد الطائفة المسند إليها عُرفاً هذا المنصب، وجود ماروني على رأس حكومة تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية، ويشكّل ضماناً لاستمرار أعرافنا الوطنية المهيبة، المقدّرة، والجديرة بالاحترام. في سبيل ذلك فكّرتُ أولاً في شارل حلو.
التاسعة صباح 22 أيلول دعوتُه إلى قصر بعبدا للتشاور. اعتذر عن عدم قبول المهمة متذرّعاً بحاله الصحّية، كما بحال زوجته ما يُحتّم عليه ملازمتها كل الوقت، ويحول دون مقدرته على «تحمّل المسؤولية الضخمة» تلك بحسب قوله. اعتقد، في قرارة نفسه، أنه قد يمسي مُلزماً إبرام اتفاقات محرجة له. كان للتردّي الأمني أثره في قراره المستجدّ، هو الذي يؤثر السلام على العنف. اقترح عليّ عندئذ مرشّحاً بديلاً منه قال قبل أن يسمّيه إن له موصفات ملائمة: ماروني، منفتح، لديه اتصالات طيّبة بالأفرقاء جميعاً مسلمين ومسيحيين، ويتمتع بتقديرهم.
ثم أضاف: «هو أيضاً من عائلة حلو».
سمّى بيار حلو.
كنتُ قد فكرتُ فيه، ولكن لم أحسم قراري. نائب عاليه منذ عام 1972 ووزير سابق، وطني صميم، كما هو صديق قديم لكمال جنبلاط والإمام موسى الصدر في آن واحد، ومن مؤسسي «حركة المحرومين». عضو في كتلة مجيد أرسلان في البرلمان مذذاك. معتدل، لا يثير حفيظة أي من الأفرقاء وهو ما يتيح التعاون معه.
استدعيتُه إلى القصر في الحادية عشرة والنصف بعد استقبالي قائد الجيش. وافق بادئ ذي بدء بلا تردّد على تشكيل الحكومة الانتقالية، مُعبّراً عن مخاوفه - المبرّرة طبعاً - من الصعوبة الفائقة لهذه المهمة.
من مكتب في قصر بعبدا باشر مشاورات تأليف حكومته. يُريدها موسّعة تضم الأفرقاء الأساسيين الفاعلين، فاستدعاهم تباعاً لمناقشة مشاركتهم فيها، مسيحيين ومسلمين. سرعان ما بدأت الفيتوات تهبط عليه. بعض الشخصيات السنّية، بمَن فيهم الأكثر اعتدالاً، رفض المشاركة في حكومة انتقالية تضم ميشال عون وسمير جعجع، لا سيّما أن هؤلاء يُحمّلانهما لسبب أو آخر مسؤولية اغتيال رئيس الحكومة السنّي رشيد كرامي، بينما نحن في صدد حكومة وحدة وطنية متوازنة. من دون عون وجعجع، كما أفرقاء في المقلب الآخر، تصبح حكومة منحازة تمثّل أطرافاً دون آخرين، وبالتالي لا يمكنها أن تحكم أو تدوم. كنت تبلّغتُ من عون وجعجع بالذات إصراراً جدّياً على مشاركتهما في الحكومة الانتقالية، رافضين أي حلّ يستبعدهما، ما يُضطرهما، إن استُبعدا، إلى اتخاذ مواقف صارمة. حتى مفتي الجمهورية، الذي قلّما اتهم بالتطرّف، أبلغ إلى بيار حلو أن أحداً من أبناء طائفته «لن يشارك في هذه الحكومة الشاذة إذا ضمّت في عدادها الرجلين».
من بعد الظهر حتى المساء، أخفق بيار حلو في جمع فريق حكومي من حول مهمته الجديدة، وكان يطلعني تباعاً على مراحلها. إذ ذاك اختار الاعتذار أخيراً، آخذاً بنصيحة صديقين له هما ميشال إده وخليل أبو حمد.
بوصول بيار حلو إلى طريق مسدودة، في محاولة مني لمعاكسة القدر مع احتمال الخروج على التقاليد، كلّفتُ داني شمعون استطلاع نيّة الرئيس سليم الحص، صديقه مذ ترافقا في الجامعة الأميركية في بيروت، في تأليف حكومة انتقالية تمثّل القوى السياسية جميعها، بمَا فيها «القوات اللبنانية». بيد أنه أصرّ على الإبقاء على الحكومة المستقيلة نفسها التي يرأسها وكالة، مع استعداد لإدخال تعديلات طفيفة عليها بتوسيعها: توزير داني شمعون خلفاً لوالده الرئيس كميل شمعون، وعمر كرامي خلفاً لشقيقه الرئيس رشيد كرامي، إلى أربعة وزراء آخرين، من بينهم جورج سعادة وجوزف سكاف. قَبِلَ بتعيين نائبين لرئيس الحكومة، أرثوذكسي هو عبد الله الراسي، وماروني هو داني شمعون، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً مشاركة ميشال عون وسمير جعجع، في حين تضم التشكيلة الحكومية الزعماء السياسيين وقادة الميليشيات الآخرين، لا سيّما منهم حلفاء دمشق أمثال وليد جنبلاط ونبيه برّي. ثم أصرّ على أن تظلّ اجتماعات الحكومة في مقرّها في بيروت الغربية، في القصر الحكومي في محلة الصنائع. بذلك يكون الحص جارى الصيغة الحكومية التي عرضها عبد الحليم خدّام على ريتشارد مورفي في 3 أيلول 1988، أي الإبقاء على الفريق الوزاري لسليم الحص كما هو، والإبقاء على اجتماعات مجلس الوزراء في منطقة نفوذ السوريين وحدهم.
بقبولي بالصيغة التي اقترحها الرئيس الحص على داني شمعون، أكون قد سلّمتُ البلد مُكبَّلاً إلى سوريا. للفور رفضت، فليس وارداً لدي توقيع مرسوم كهذا وإصداره لأنها غير متوازنة، ومعظم أعضائها معارضون من حلفاء لدمشق، وليس عندهم، لأسباب شتى، أي هامش مناورة إلا تحت جناح دمشق. في المنطقة الشرقية لم يكن وارداً لدى القوى السياسية والعسكرية، ذات الغالبية المسيحية، الاعتراف بسلطة حكومة غير متوازنة، مشكّلة تحت ضغط سوري مباشر، بما سيؤدّي حتماً إلى تقسيم البلد.
منذ ليل 21 أيلول، بعد عودتي في المساء من دمشق إلى بكركي، ومنها إلى قصر بعبدا، أجريتُ مشاورات متلاحقة مع معاوني ونواب، في اجتماعات استمرّت إلى ساعة متأخرة ما بعد منتصف الليل. كان عليّ أن أناقش معهم الخيارات المتاحة قبل بزوغ فجر غد، اليوم الأخير في الولاية. بالتزامن، تلقينا برقية غير مشجّعة من رئيس أساقفة نيويورك الكاردينال جون أوكونور توجّه بها إلى القيادات المسيحية اللبنانية، قائلاً: «عليكم إنقاذ الجمهورية». سلّم مثلنا بأن «ليس ثمّة خيار ديموقراطي»، محذّراً من خطر على «مصير المسيحيين في الشرق». لم تعد الفرص كثيرة، والخيارات صعبة، فإما انتخابات، ولكن من دون مؤشرات جدّية لحصولها بانتخاب رئيس متوافق عليه، وإما الفوضى التي بشّرنا بها ريتشارد مورفي.
قال لي رينه معوّض: «إذا لم تحصل انتخابات، نتحمّل نحن المسؤولية من أميركا إلى الفاتيكان إلى العالم الأوروبي. انتفضنا ضدّ طريقة طرح مخايل ضاهر، وبدل أن يساعدنا الأميركيون، أكدوا الطلب السوري».

- آخر الخيارات
بيار حلو وسليم الحص صارا الآن، خارج اللعبة، فلم يبقَ لي سوى أن أكشف ورقتي الأخيرة. أخفقتُ في محاولتي تأليف حكومة سياسية موسّعة، متوازنة، لا تستثني أحداً من الأفرقاء الفاعلين القادرين على العرقلة، على أن ينضم إليها ضابطان كبيران فقط، أحدهما لوزارة الدفاع والآخر لوزارة الداخلية، بسبب ما قد يستجد من أحداث أمنية في المرحلة الجديدة، لم تكن انحسرت مرّة عنا. إذ ذاك يقتضي الذهاب إلى خيار آخر وهو حكومة غير سياسية، إنما في الوقت ذاته ممثِّلة للنسيج الوطني اللبناني، وفي وسعها تحمّل مسؤولياتها. تصوّرتُ عندئذ أن الخيار الوحيد الماثل أمامي وضع الحكم بين يدي مؤسسة. حضرت اثنتان: مجلس القضاء الأعلى برئاسة ماروني هو الشيخ أمين نصّار، رجل منفتح جدير بالمهمة ومتواصل مع كل الفئات، والمجلس العسكري برئاسة ماروني أيضاً هو قائد الجيش العماد ميشال عون. كلتاهما أكثر ائتماناً على وحدة البلاد والوحدة الوطنية، بيد أنني مِلتُ في نهاية المطاف إلى المجلس العسكري، وهو وحده قادر على أن يحمي نفسه والمؤسسات، ويستطيع الإمساك بأمن البلاد، ومواجهة مَن يتسبّب في أي اضطراب ومنع التوتر. مهمة تتعذّر على حكومة قضاة لا يسعها الصمود.
استرجعتُ سابقة عام 1952 عندما عيّن بشارة الخوري، قبل أن يتنحّى، قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، الماروني، على رأس حكومة انتقالية. استدرتُ إذن صوب الجيش، والمجلس العسكري المُعاد تعيينه من حكومة رشيد كرامي تبعاً لموازين القوى الجديدة التي نشأت عام 1984. فيه تتمثّل حقيقة التنوّع اللبناني بمكوّناته الطائفية المختلفة، من خلال انتماء أعضائه الستة إلى الطوائف الست الرئيسية. سمّاهم أفرقاء الحكومة وليسوا على عداء مع سوريا، ولا يستهدفون أحداً. المجلس العسكري بذلك معبر، ليس إلى الأفرقاء فحسب، بل أيضاً إلى القوى والطوائف المتعدّدة، وهو ما يجعله يتمتّع بمظلتين وطنية وذاتية.
منعاً لأي التباس، أبقيتُ هذا المجلس على حاله، بلا أي تعديل، إلا أنني تجاوزتُ كل مآخذي على رئيسه ميشال عون ـ أياً تكون مسوّغاتها ـ لأن مصلحة البلد كانت تفرض ذلك. بعض معاونيَّ، عندما ناقشنا هذا الخيار، اقترحوا عليّ تطعيم حكومة المجلس العسكري بوزراء مدنيين، كوزير الخارجية يكون قريباً مني، ويُبقي قنوات التواصل مع الخارج، لكنني فضّلتُ عدم إحداث أي ثغرة في الحكومة الجديدة. مهمتها مقيَّدة بواجب واحد يُمليه الدستور، هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية فقط. لا مسؤوليات أخرى تنتظرها، أو أمامها، لأنها مؤقتة انتقالية لوظيفة ملحّة مستعجلة لا أولوية تتقدّمها، تنتقل إليها صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة بموجب المادة 62 من الدستور. تتولى الحكم باسم تلك الصلاحيات، وكالة بأعضائها جميعهم، أشبه بقيادة جماعية. بذلك أكون عيّنتُ حكومة المجلس العسكري ولا حكومة ميشال عون.
في هذا اليوم، كان مقرّراً عقد جلسة انتخاب الرئيس، لكن في ساحة النجمة، بحسب دعوة حسين الحسيني تحت الضغط السوري المتمادي. مع ذلك، لم يحضر سوى 13 نائباً. فوجّه دعوة ثالثة في الغداة، 23 أيلول، في المكان نفسه. اليوم الأول بعد انتهاء ولايتي.
تحويل المجلس العسكري إلى حكومة أقلّ الحلول سوءاً. بقي عليّ الاتصال شخصياً بأعضائه الستة للتأكد من أنهم لن يتنحّوا عند تعيينهم. قبل أن أصدر آخر مرسوم رئاسي لي، خابرتُهم جميعهم فلم يعتذر أحد، وشكروني على ثقتي بهم. بيد أنهم فوجئوا، منذ ما بعد منتصف ليل 22 أيلول، مثلما فوجئتُ بدوري، بإعلان استقالة الضبّاط المسلمين الثلاثة: محمود طي أبو ضرغم ونبيل قريطم ولطفي جابر. استقالة إعلامية كانت دمشق السبّاقة إلى الكشف عنها من إذاعتها، من غير أن يُوجّه أي منهم كتاباً خطياً بها في ذلك الوقت، ولا لاحقاً.
كنت قد راعيتُ ضرورة استشارة القادة الروحيين والسياسيين، كي لا أضع أحداً أمام الأمر الواقع.
قبل منتصف ليل 22 أيلول، اتصلتُ بالبطريرك صفير. كان نائماً، فطلبتُ إيقاظه كي أُخطره بالخيار الأخير. كان أول مَن أُبلغ المآل من خارج المجتمعين في القصر.
قلتُ له: «أجرينا اليوم جلسة ماراثونية طويلة مع كل الإخوان، النواب والقوات اللبنانية والجيش. عرضنا كل الحلول الممكنة حيال الفراغ الدستوري، وكنا بين ثلاثة احتمالات: الأول حكومة الرئيس الحص بالأكثرية الموجودة فيها لمصلحة فريقه، وهي غير متوازنة، ولا يمكنها أن تحكم. الثاني حكومة موسّعة تضم كل الأطراف لكنها في النهاية تصبح مسيحية فقط، لأن المسلمين بمَن فيهم المعتدلون لن يمشوا فيها..».
عقّب البطريرك: «سمعتُ الأخبار. يبدو أن المفتي وشمس الدين حذّرا منها».
أضفتُ: «أما الاحتمال الثالث فهو المجلس العسكري برئاسة الجنرال عون، وتتمثّل فيه كل الطوائف والأفرقاء. لذا اعتمدنا الحلّ الثالث الذي هو المؤسسة العسكرية، والمجلس العسكري بأعضائه الستة. الجنرال عون قربي، ونبحث في هذا الأمر. المشكلة خطيرة للغاية. وعلى الأقلّ لن نسلّم المقدّرات من دون أن نعرف إلى أين تتجه؟».
قال: «تلقيتُ مكالمة من بوسطن، من الكاردينال لارو، يقول إن السلطات هناك تسعى إلى تغيير مكان الجلسة. يطلبون منا حلحلة الموضوع قليلاً. قلنا لهم أي حلحلة؟ قالوا انتخبوا (يللي قلناه لكم). المرشّح المفروض. نحن نطالب بالحرّية، فهل ننتخب لهم مرشّحاً وحيداً؟ أنا أحب انتخاب رئيس، لكن برضا الناس».
قلت: «اضطررتُ إلى أن أتخذ هذا الموقف».
رد: «قد يكون هو الأسلم. إن شاء الله خيراً. المهم ألا تتأزم أكثر وترجع البلاد إلى الوراء».
عقبت: «على أي حال يقتضي أن نظلّ في هذه الفترة مستنفَرين. على الكتف حمّال ونحن مقبلون على تطوّرات سياسية لا نعرف إلى أين تقودنا».
علّق: «ما هيي هيك. يبدو أن الأميركيين لا يزالون على الموقف نفسه».
قلت: «نعم».
ختم: «لسوء الحظ».
لا بدّ أيضاً من إبلاغ سمير جعجع بهذه الصيغة. حضر إلى القصر الجمهوري، ولمّا رأى نفسه مُستبعداً من التركيبة أظهر خيبة أمل كبيرة، وطلب استمهاله لحظات للتفكير في الموضوع. بعد محادثة مقتضبة على انفراد مع العماد عون، الذي كان موجوداً في القصر، عاد يُبلغني موافقته. ثم غادر مكتبي بسرعة ليُعلن أمام الصحافة تأييده الحكومة العتيدة ورئيسها، ويصفها بأنها «حكومة الاستقلال». علمتُ فيما بعد أن جعجع حصل من عون، في أثناء هذا اللقاء القصير في مقابل تأييده المشروط، على وعد بإطلاق يد «القوات اللبنانية» في المناطق المسيحية التي لا وجود للجيش السوري فيها، وعدم تدخّل الجيش في النزاعات الحزبية الداخلية.
دقائق قبل انتصاف ليل 22 أيلول 1988، لحظة انتهاء ولايتي، وقّعتُ بمرارة كبيرة ـ إنما مرتاح الضمير ـ آخر مرسوم رئاسي لي برقم 5387، ينصّ على تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة العماد عون. في الحال، أعربت معظم الحكومات العربية والأجنبية عن دعمها. اتصل فرنسوا ميتران هاتفياً بجورج بوش، المنتخَب حديثاً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فصرّح الأخير قائلاً: «أعترف بحكومة لبنان، وسأطلب من الروس أن يفعلوا الشيء ذاته».
تلك الليلة، بدت طاولة مكتبي فارغة. هي التي ظلّت على الدوام مثقلة بالملفات. شعرتُ بأنني منهك من التعب والمِحَن، لكن فخور بأداء واجبي حتى النهاية.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.