حزب «العدالة» التركي يستعمل سياسة «العصا والجزرة» لتطويع وسائل الإعلام

إردوغان يعد الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي «منصات للشتائم»

مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
TT

حزب «العدالة» التركي يستعمل سياسة «العصا والجزرة» لتطويع وسائل الإعلام

مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية

تشكل العلاقة بين وسائل الإعلام والحزب الحاكم في تركيا مادة جدل واسع في البلاد، بعد انهيار الهدنة مع حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب إردوغان في عام 2011، الذي وصل ذروته أخيرا مع الحرب التي يشنها الحزب والحكومة على ما يسمونه «الكيان الموازي»، الاسم الذي يطلقونه على جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الأميركية ويسيطر على مجموعة واسعة من وسائل الإعلام التركية.
ويقوم حزب العدالة والتنمية بالتحكم في 6 صحف و8 قنوات تلفزيونية، يقول خصومه إنه تم شراؤها من خلال العمولات مقابل المقاولات أو المناقصات. لكن العنوان الأبرز للعلاقة مع الإعلام تتجلى في رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب إردوغان الذي يمتلك علاقة جدلية بوسائل الإعلام التركية، وهو ما يثير المؤسسات الدولية التي ترعى حرية الإعلام، فيما قالت تقارير الاتحاد الأوروبي وبعض المؤسسات الدولية إن حرية الإعلام في تركيا قد تراجعت خلال الـ12 عاما الماضية أي منذ أن تولى «العدالة» سدة الحكم في البلاد.
وانتقد رئيس جمعية حماية الصحافيين، ومقرها نيويورك، جويل سيمون، في مقال بصحيفة الـ«غارديان» البريطانية، حرية الصحافة في تركيا. وتطرق في مقاله إلى تفاصيل الاجتماع الذي عقدته الجمعية مع إردوغان الشهر الماضي، قائلا: «إذا كان إردوغان يتصرف علنا بهذا الشكل مع مجموعة من الصحافيين الدوليين، فمن يعلم ماذا يقول في دائرة خاصة؟».
واستغرب سيمون في مقاله كيف أن إردوغان تجاهل في اللقاء الذي جمعهما المعتاد في التعامل مع هذه الأمور، فلم يعرب عن ولائه العميق الذي لا يتغير تجاه حرية الصحافة، أو يوضح السبب الذي يجعله يتخذ موقفا متوترا. ولفت سيمون إلى أن إردوغان لم يتبع هذا السيناريو المتعارف عليه، موضحا أن رئيس الجمهورية التركي شرع في الهجوم عليهم وأبدى موقفا مشاكسا منذ بداية الاجتماع. وأوضح أن إردوغان يصف أخبار وسائل الإعلام بـ«الانحياز والتدخل»، مضيفا أن «هدفه الرئيسي ليس الإعلام المحلي على الرغم من كثرة التوبيخات التي يوجهها له، بل (نيويورك تايمز) و(سي إن إن) العالمية، وأنه قال إنه لن يتسامح على الإطلاق مع الإساءات، كما ذكر أنه يعارض شبكة الإنترنت».
بدوره يقول، طارق أونال، وهو خبير إعلامي ومدير شبكة «روتا» للأخبار، إن عام 2011 نقطة تحول في علاقة حكومة «العدالة والتنمية» مع الإعلام بجميع وسائله، حيث بدأ الطرفان بسل السيوف لمواجهة كليهما الآخر، وأعلنت الحكومة على لسان رئيس وزرائها آنذاك أنها لن ترحم أيّا من وسائل الإعلام التي تقف بجانب الطرف المعارض لسياستها. و«لهذا السبب أقول إن (العدالة والتنمية) كان يستخدم أسلوب (التقية) منذ تولية السلطة حتى عام 2011، أو بمعنى آخر أسقط القناع عن وجهه في موضوع الحريات، والسبب في هذا أنه بعد أن تمكن من السلطة المطلقة في البلاد لم يعد يحتاج إلى ديمقراطية أو إلى إعلام حر يليق بالمعايير الدولية والأوروبية، وبهذا بداء الصراع بين الحكومة ووسائل الإعلام». ويقول أونال لـ«الشرق الأوسط» إن «إردوغان شخص لا يحب الإعلام والإعلاميين قطعا، وإنما استطاع الاستفادة منهم على مر السنين الماضية، ولهذا يستقبل الإعلاميين الذين يرى فيهم إمكانية لتمرير أفكاره والدعاية لحكومته وحزبه، ونرى هذا على أرض الواقع، لأنه يمنع جميع الإعلاميين والمؤسسات التي تنتقده من المشاركة في جولاته أو في المؤتمرات التي يعقدها».
ويرى أونال أن إردوغان «يكن العداء الأكبر لوسائل الإعلام الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي»، مشيرا إلى أنه في اجتماع لممثلي وسائل الإعلام الإلكترونية والحكومة والأكاديميين «كان واضحا أن إردوغان يرى الإعلام الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي ليس إلا نافذة تسمح للناس بشتم الحكومة، باختصار هذه هي نظرة إردوغان للإعلام إلكتروني، ولهذا يطمح إردوغان بجميع الوسائل للحد من انتشاره، وإذا لزم الأمر تقليص حرية التواصل الاجتماعي بين الجميع، ويريد استصدار القوانين ليتيح لحكومته إغلاق أي مؤسسة إعلامية لا تروق له».
وقال أونال: «أنا أعمل في المجال الإعلامي منذ الثمانينات، وأنا شاهد على أن جميع الحكومات كانت تدعم أو تنشئ بعض وسائل إعلام تستطيع من خلالها أن تنقل وجهه نظرها للشارع، أي تصبح لسان حالها والناطقة باسمها، ولكن تلك الحكومات لم تكن تشن حملات ترهيب وإقصاء لوسائل الإعلام الأخرى كما تفعل حكومة (العدالة والتنمية)».
ويشير إلى أن وسائل الإعلام الموالية تنقسم إلى 3 فئات؛ فئة برأسمال الحزب، وفئة أجبرت على الولاء، وفئة أخرى هي الإعلام المكمم. ويعطي مثلا كيف أن الحزب قام بإنشاء إعلام برأسمال الحزب مباشرة ليكون لسان حاله ومن بينها «تلفزيون 24»، وفضائية «آ» للأخبار، و«تلفزيون 360»، هذه الفضائيات الـ3 أقيمت برأسمال الحزب لتكون الناطقة باسمه، وهذا هو القسم الأول من الإعلام. أما القسم الثاني، فيتكون من قنوات موالية مثل «القناة الـ7» و«قناة ألف» و«تلفزيون آ.ت.ف»، وتلك القنوات اختارت أن تكون موالية لأنه توجد لأصحابها مصالح مع الحكومة. كما يوجد قسم ثالث من الإعلام، وهو الإعلام المكمم، الذي أجبر على الخضوع للحكومة لكي يبقى على قيد الحياة، وأكبر مثال على هذا، مجموعة «دوغوش» للإعلام التي توجد فيها قناة «إن تي في» الإخبارية، ومجموعة «دوغان» التي تمتلك العشرات من الفضائيات، ومن بينها «سي إن إن تورك».
ويوضح أونال أن وسائل الإعلام التي أنشأها «العدالة والتنمية» تمول بطريقتين؛ «الأولى الإعلانات للشركات والمنتجات الخاصة، والثانية الإعلانات الحكومية لمؤسسات الدولة وهي من أهم الإعلانات التي تريد وسائل الإعلام أن تأخذها، فنرى أن وسائل إعلام الحكومة تعج بإعلانات بنوك الدولة؛ (خلق بنك) و(زراعات بنك) وخطوط الطيران التركية، كما أن أكثر الشركات الخاصة في تركيا تتسابق لإعطاء الإعلانات لتلك القنوات لأنها تريد أن تنال رضا الحكومة لكي تمنحها من مناقصات من الدولة، وبعض الشركات تعطي إعلانات لإبعاد بلاء الحكومة عنها سواء في الضرائب أو في معاملاتها الرسمية».
ويتابع أونال أن «الأمر نفسه ينطبق على صحفهم الموالية؛ وعلى رأسها جريدة (ستار) التي اشتراها المقربون من إردوغان، وجريدة (ميلاد) التي لا يصل عدد المطبوع منها إلى 10 آلاف نسخة، ولكنها تأخذ نصيبها في الإعلانات مثل جريدة (حرييت) أو جريدة (زمان) التي تبيع مليون نسخة، ومقدار الإعلانات الذي أخذته جريدة (ميلاد) من المؤسسات الحكومية في 3 أشهر من هذا العام يصل إلى 900 ألف ليرة، أي نحو 400 ألف دولار. في المقابل أخذت جريدتا (حرييت) و(زمان) في الفترة نفسها نحو مليون ليرة، أي 450 ألف دولار. باختصار جريدة لا تمثل 10 في المائة من حجم جريدة (حرييت) تتساوى معها في إعلانات الدولة».
ودخلت جريدتا «اقشام» و«يني شفق» حلقة الموالاة نتيجة المصالح المشتركة بين أصحابها وحكومة «العدالة» لتكون لسان حال الحكومة.. وبالنسبة لجريدة «صباح»، فقد جمع رجال الأعمال الموالون لحزب العدالة والتنمية أموالا وقاموا بشرائها لتكون ناطقة باسم «العدالة والتنمية».
ويقول جيهون بوزكرت، رئيس تحرير قسم الأخبار السياسية في جريدة «آيدنلك» المعارضة إنه «منذ أن اعتلى إردوغان وحزب (العدالة) سدة الحكم في البلاد وهو يحاول أن تكون جميع وسائل الإعلام في تركيا تحت سيطرته بالكامل، ويظهر هذا جليا في إجابته عن الأسئلة التي يوجهها له الصحافيون؛ إذ يجيب عن الأسئلة بطريقة لم يعتدها أي صحافي في العالم، فمن بين الأجوبة التي رد بها على صحافي لم يعجبه السؤال الذي وجهه إليه، أن قال له بأن رائحة فمه نتنة». ويرى بوزكرت أن «هذا الأسلوب يدل على أن إردوغان لا يتحمل النقد أو الاعتراض على وجهه نظره».
وأشار إلى أن المتعارف عليه في جميع أنحاء العالم أن الحكومات تنتقد بحدة من جميع وسائل الإعلام لأن السلطة بيدها، و«لهذا مع مرور الزمن بدأ الحقد من قبل إردوغان يزداد يوما بعد يوم على وسائل الإعلام التي تنتقده، وبدأ بإقصاء المؤسسات الإعلامية التي تنتقد إجراءات حكومته ودعم المؤسسات التي تنهال عليه بالمديح». ويقول: «منذ عدة سنوات اقتصر المدعوون من الصحافيين على طائرة رئيس الوزراء على ما نسميهم بالصحافيين الموالين فقط لا غير، كما أنهم هم الوحيدون الذين يقبل إردوغان إجراء اللقاءات الصحافية معهم».
وتحدث بوزكرت عن الضغوط التي تتعرض لها الصحافة المعارضة، متهما إردوغان بأنه «قام بالتعاون مع شريكه في السلطة آنذاك جماعة فتح الله غولن بتلفيق اتهامات للإعلاميين والصحافيين الذين كانوا ينتقدونه، بالضلوع في مؤامرة للانقلاب على الحكومة المنتخبة، كما قامت الحكومة بالضغط على الشركات والمؤسسات الخاصة لعدم إعطاء وسائل الإعلام المعارضة لهم إعلانات حتى لا تستطيع هذه الوسائل الاستمرار في البث أو النشر وتكون نهايتها إما البيع أو الإفلاس وإغلاق مكاتبها». وأشار إلى أن أول ضحايا «إردوغان – فتح الله غولن» هو زعيم حزب الشباب جيم أوزان الذي كان يمتلك أيضا وسائل إعلام قوية مثل قناة «ستار» وهي من أكثر القنوات مشاهدة في تركيا وجريدة «ستار» أيضا، وأنه «تم تلفيق التهم لمجموعته الإعلامية ووضعت الدولة يدها على التلفزيون والجريدة والمنشآت التي تعود لعائلة أوزان، مما أجبره على الهروب خارج البلاد، ومن ثم بيعت الجريدة والتلفزيون للمقربين من حكومة إردوغان»، مضيفا أنه تم أيضا «إخضاع كثير من المؤسسات الإعلامية بتخويفها بأن يكون مصيرهم مصير جيم أوزان ووسائل إعلامه».
ويرد بوزكرت قوة الإعلام الموالي لحزب العدالة والتنمية إلى أن المقربين من الحكومة بدأت تهطل عليهم الأموال نتيجة المشاريع والمناقصات التي كانوا يأخذونها من الدولة، و«كانوا بحاجة إلى مؤسسات إعلامية تبرئ وتنقي فسادهم، ولهذا قاموا بإنشاء خزائن لجمع الأموال لشراء المؤسسات الإعلامية التي وضعت الدولة يدها عليها، وكانت صحيفة (صباح) و(تلفزيون آ.ت.ف) من أهم وسائل الإعلام التي اشتراها المقربون من إردوغان».
وفي المقابل، يتهم جيم كوجك، وهو كاتب ومحرر في جريدة «يني شفق» الموالية، ما سماه «الكيان الموازي» بالتسبب باعتقال الكثير من الصحافيين الذين لا تتناسب أفكارهم مع أفكار الكيان الموازي. ويقول كوجك لـ«الشرق الأوسط» إن «تركيا تعيش الآن أفضل فترات حرية الإعلام في تاريخها الحديث، فالجميع يكتب ويرسم وينقد كما يشاء، لكن الحرية لا تعني الاعتداء وشتم وتوبيخ الآخرين، فحرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين».
ويضيف: «لا توجد دولة في العالم تسمح لأي صحافي بأن يسب أو يشتم رئيسا أو مسؤولا انتخب بطريقة شرعية، لكننا نرى في وسائل التواصل الاجتماعي أن الرئيس يحقر ويشتم في بعض وسائل الإعلام الإلكتروني، فمن الطبيعي أن تقوم مؤسسات القضاء في تركيا بتحريك دعاوى ضد من يتطاول على مسؤول في الدولة». ورأى أن «هذه الإجراءات عندما تطبق في بريطانيا أو ألمانيا أو أميركا يكون الأمر طبيعيا، ولكن عندما تطبق في تركيا تكون انتهاكا لحريات الإعلام».
وإذ اعترف بوجود صحافيين اعتقلوا بتهمة الانتماء لتنظيمات محظورة، فإنه كرر اتهامه «الكيان الموازي» بتلفيق التهم، مشيرا إلى أن «الأغلبية العظمى من الدعاوى القضائية التي أقيمت ضد الصحافيين كانت على أساس السب والشتم والتعدي على الحريات الشخصية للمواطنين ومن بينهم مسؤولو الدولة».
ويشير كوجك إلى أن «الكيان الموازي» يمتلك الكثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، «فهم كانوا يمهدون لانقلاب على الشرعية، ولهذا من الطبيعي أن تكون هناك محاسبة لتلك الوسائل، وبقدر الإمكان تقليص مجال عملها وانتشارها». ويقول: «السيد إردوغان بصفته رئيسا منتخبا يتقبل وبكل صدر رحب الانتقادات الإيجابية والمعقولة، ولكنه لا يتحمل بأي شكل من الأشكال التطاول عليه وعلى حزبه أو على أي مسؤول في حكومات (العدالة والتنمية)، وهذا شيء طبيعي لمن يريد المحافظة على سمعة حزبه وحكوماته»، معتبرا أنه «من الطبيعي أن يقوم بدعم مؤسسات إعلامية موالية له مثل (قناة 24)، أو مجموعة جريدة (صباح) لكي تستطيع الصمود أمام أقدم وأقوى مجموعات إعلامية يتحكم بها رجال أعمال لا يوجد لهم هدف غير تحقيق مكاسب مادية على حساب الشعب».
وأضاف: «في البداية كان يتبع حزب (العدالة) صحيفة وتلفزيون، أما اليوم فقد أصبح له الكثير من وسائل الإعلام، وأنا لا أرى في هذا أي محظور، وهو شيء طبيعي جدا أن يكون لكل حزب وسائله الإعلامية، ومن الطبيعي أن يكون هناك إعلام بديل غير الإعلام الذي اعتدناه من إعلام النخب الذي يوجه ويخدم فقط رأس المال ورجال الأعمال. أما بالنسبة لعدم السماح لبعض وسائل الإعلام بالدخول إلى الاجتماعات أو الفعاليات التي تقوم بها رئاسة الجمهورية أو الحكومة، فهي تصرفات عادية لأن هذا لا يطبق على الجميع، بل فقط على وسائل الإعلام التي تتبع الكيان الموازي»، موضحا أن «هذا القرار أتى بعد أن أثبت القضاء أن الكيان الموازي كان يخطط للانقلاب على الشرعية، ولهذا تم منع جميع وسائل إعلامه من المشاركة في الاجتماعات الرسمية، وهو نوع من أنواع أخذ الحيطة والحذر»، مشيرا إلى أن الحكومات التي كانت قبل «العدالة» كانت تحظر دخول كثير من الوكالات والصحف إلى اجتماعاتها، و«أيضا رئاسة الأركان كانت تحظر دخول العشرات من الصحف، ومن بينها جريدة (زمان) ووكالة (جيهان) و(يني شفق) وجريدة (عقد) وجميع الإعلام المحافظ لم يكن يسمح لهم بالدخول إلى رئاسة الأركان».



«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
TT

«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)

تتجه شركة «ديزني» إلى تعزيز حضورها في السوق السعودية، مستفيدة من النمو الذي يشهده قطاع الترفيه والإعلام في المملكة، وتطوّر الكفاءات الإبداعية المحلية، في حين تسعى إلى توسيع شراكاتها الإقليمية وتطوير خدماتها الرقمية لمواكبة التحولات في سلوك المشاهدين.

تميم فارس، رئيس «ديزني» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قال خلال حوار مع «الشرق الأوسط» إن التحوّلات التي يشهدها قطاع الترفيه في المملكة العربية السعودية، ضمن «رؤية 2030»، أسهمت في إيجاد بيئة تدعم توسع الشركات العالمية، وتفتح المجال أمام مشاركة المواهب السعودية في مشاريع الإنتاج والمحتوى الترفيهي.

وأوضح فارس أن «عدد الشركات العاملة في القطاع ارتفع من نحو 10 شركات قبل عام 2016 إلى أكثر من أربعة آلاف شركة حالياً، في حين يستهدف القطاع الإسهام في توفير 450 ألف وظيفة ضمن مستهدفات (رؤية 2030). ولقد واكبت (ديزني) تطور صناعة الترفيه السعودية منذ إعادة افتتاح دور السينما، عندما كان فيلم (بلاك بانثر) Black Panther الذي أنتجته (مارفل) التابعة للشركة، أول فيلم يُعرض مع عودة النشاط السينمائي إلى المملكة».

الكفاءات

وتابع تميم فارس، أن نمو القطاع «أتاح فرصاً جديدة للتعاون مع الكفاءات المحلية»، لافتاً إلى أن الشركة «وجدت خلال إعداد أحدث مشاريعها في المملكة عدداً من المواهب يفوق توقعاتها؛ الأمر الذي يعكس تطور البيئة الإبداعية السعودية وقدرتها على المشاركة في مشاريع عالمية».

وفي هذا السياق، كشف عن أن الشركة عملت خلال الأشهر الستة الماضية مع أكثر من 40 موهبة سعودية من الممثلين والكتّاب وصنّاع المحتوى والتقنيين، لتنفيذ أول مشروع لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية، وذلك من خلال فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5).

وذكر فارس أن «تعدد الكفاءات المحلية جعل اختيار المشاركين في المشروع من أبرز التحدّيات التي واجهت فريق العمل»، معرباً عن تطلّعه إلى أن تكون هذه التجربة بداية لمزيد من المشاريع التي تستفيد من المواهب السعودية خلال السنوات المقبلة.

الشراكات المحلية

فيما يتعلق باستراتيجية الشركة الأميركية العملاقة لتعزيز حضورها في المملكة، شدد فارس على أهمية الشراكات مع المؤسسات المحلية والإقليمية، ومن بينها «إس تي سي» و«إم بي سي»، في تسهيل وصول خدمات «ديزني» إلى الجمهور السعودي، وتوسيع انتشار المنصة في المنطقة.

وبالتوازي، أوضح أن الشركة تعمل على تطوير أساليب تقديم محتواها العالمي بما يتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مركّزاً على أن امتلاك «ديزني» تاريخاً يمتد أكثر من مائة سنة في صناعة الترفيه «لا يعفيها من ضرورة مواصلة العمل لكسب ثقة المشاهدين في ظل المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي».

ثم أشار إلى أن الشركة «تسعى إلى تحقيق ذلك من خلال توسيع مكتبة المحتوى، وتطوير تجربة المستخدم، وتقديم أعمال أكثر ارتباطاً باهتمامات الجمهور العربي، إلى جانب الاستفادة من الشراكات المحلية لتسهيل الوصول إلى المشتركين».

تجربة المشاهدة

جدير بالذكر، أن «ديزني» أطلقت منصة جديدة بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تتضمّن توسيع مكتبة المحتوى، خصوصاً الإنتاجين التركي والكوري، إلى جانب تطوير تجربة المشاهدة وإضافة مزايا تستهدف العائلات والأطفال.

وهنا، أوضح فارس أن الشركة «تولي أهمية خاصة لملاءمة المحتوى المعروض في العالم العربي مع الثقافة والقيم المحلية»، مشيراً إلى أن «جميع الأعمال تخضع للمراجعة، بما يشمل المشاهد والحوارات والمواد المدبلجة، مع استبعاد ما لا يتناسب مع خصوصية المنطقة».

وأضاف أن المنصة الجديدة ستتضمن مساحة مخصّصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، توفّر واجهة مبسطة تسهّل عليهم التنقّل بين البرامج والأفلام، وتمنح أولياء الأمور خيارات أوسع للتحكم في طبيعة المحتوى الذي يشاهده أطفالهم.

وتوقع فارس أن تشهد المرحلة المقبلة «تركيزاً أكبر على تطوير تجربة المشاهدة، وتقديم القصص العالمية بأساليب تتناسب مع الجمهور العربي، والاستفادة من نمو صناعة الترفيه في المملكة لتوسيع التعاون مع المواهب المحلية».

تميم فارس رئيس «ديزني+» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الحفل الذي أُقيم أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)

«ديزني» توسّع حضورها سعودياً

وحقاً، كما سبقت الإشارة، كانت منصة «ديزني» قد أعلنت في وقت سابق تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، عبر فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5) بمشاركة مجموعة من الممثلين والكوميديين وصنّاع المحتوى المحليين، في خطوة تعكس اهتمام الشركة بالاستفادة من تطور صناعة الترفيه في المملكة وتنامي الكفاءات الفنية والإبداعية.

وجاء الإعلان خلال فعالية نظّمتها الشركة في حي جاكس بالرياض، وكشفت خلالها عن إطلاق تطبيق جديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ابتداءً من 6 أكتوبر، يتضمن تحديثات لتخصيص المحتوى، وإتاحة المشاهدة خلال السفر، وتحسين أدوات الرقابة الأبوية، إلى جانب توسيع مكتبة الأعمال العالمية.

هذا، وشارك في أداء أصوات شخصيات «حكاية لعبة 5» باللهجة السعودية كل من إبراهيم الخير الله في دور «باز يطير»، وصهيب قدس في دور «وودي»، وريم الحبيب في دور «جيسي»، ومالك نجر في دور «سمارتي بانتس»، وأسيل سراج في دور «ليلي باد»، وياسر السقف في دور «أطلس»، إلى جانب مجموعة أخرى من الفنّانين وصنّاع المحتوى السعوديين. ولقد أوضحت الشركة أن إعداد النسخة السعودية راعى الخصائص اللغوية والفكاهة والسياق الثقافي المحلي، مع المحافظة على مضمون الفيلم الأصلي وشخصياته، في تجربة تستهدف تقريب المحتوى العالمي من الجمهور السعودي، وإتاحة فرص جديدة أمام المواهب المحلية للمشاركة في الإنتاجات العالمية.

تطوّر صناعة السينما

من جهة أخرى، وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، قال الفنان السعودي إبراهيم الخير الله، الذي يؤدي صوت شخصية «باز يطير»، إن «دبلجة الفيلم باللهجة السعودية تعكس التطور الذي تشهده صناعة السينما في المملكة، وتنامي اهتمام الجمهور بالأعمال التي تعبّر عن ثقافته وتفاصيل حياته اليومية». ورأى «أن تقديم شخصيات عالمية معروفة بأصوات سعودية يمثّل خطوة مهمة للفنانين المحليين».

وعلى صعيد الخدمات الرقمية، تشمل تحديثات التطبيق الجديد تطوير نظام التوصيات ليصبح أكثر ارتباطاً بتفضيلات المشاهدة الفردية، وإتاحة مشاهدة المحتوى خلال السفر في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى.

كذلك، تتضمن التحديثات توفير مساحة مخصصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، إلى جانب تطوير أدوات الرقابة الأبوية، وإتاحة إنشاء ملفات شخصية محمية برمز تعريف شخصي، وتحديد صلاحيات الوصول إلى المحتوى المخصص للبالغين، بما يمنح العائلات تحكماً أكبر في تجربة المشاهدة.

وفي إطار المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي، تسعى «ديزني» إلى توسيع خيارات المحتوى المتاحة للمشتركين في المنطقة، عبر تقديم مزيد من الإنتاجات التركية والكورية، إلى جانب أعمال جديدة من استوديوهات «ديزني» و«بيكسار» و«مارفل» وغيرها.

الأعمال المرتقبة

هذا، وقد استعرضت الشركة خلال فعاليتها في الرياض التي أقيمت أخيراً مجموعة من الأعمال المرتقبة، من بينها الموسم الثاني من المسلسل التركي «الخليفة»، والمسلسل الكوري «انتقام إمبراطورة»، المقرر عرضه في 4 نوفمبر (تشرين الثاني)، والموسم الثاني من «صُنِع في كوريا»، فضلاً عن النسخة الحية من فيلم «موانا»، والموسم الثالث والعشرون من المسلسل الطبي «غرايز أناتومي»، ومسلسل «مهمة فيجن» من إنتاج «مارفل».

وتأتي هذه الخطوات مع اتجاه الشركة إلى الجمع بين توسيع مكتبتها العالمية وتطوير تجربة مشاهدة تتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مستفيدة من نمو قطاع الترفيه السعودي، وتطوّر الشراكات مع المؤسسات المحلية، وتزايد الطلب على المحتوى الرقمي في المنطقة.

الشركة عملت خلال الأشهر الماضية مع أكثر من 40 موهبة محلية لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية


مواقع إخبارية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتجاوز أزمة «تراجع الزيارات»

مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
TT

مواقع إخبارية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتجاوز أزمة «تراجع الزيارات»

مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)

في ظل استمرار تراجع الزيارات واتجاه مواقع إخبارية للعمل من أجل الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي، تتجدّد التساؤلات بشأن لجوء مواقع إلى الذكاء الاصطناعي من أجل «جلب» الزيارات. وفي حين أكد خبراء استمرار أزمة «زيرو ترافيك»، شدد هؤلاء على «الحاجة لبناء علاقات قوية مع الجمهور واستغلال الذكاء الاصطناعي في بناء العلامة التجارية للمؤسسة الإعلامية».

تقرير حديث نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» رصد تجارب مؤسسات إعلامية للتعامل مع عصر «ما بعد العمل من أجل محركات البحث (SEO)». وذكر التقرير أن «زيارات المواقع الإخبارية من محرّك البحث (غوغل) تراجعت بنسبة 40 في المائة خلال الفترة بين يوليو (تموز) 2025 ويوليو 2026، مما يثير قلق الناشرين إزاء ما يعرف بـ(غوغل زيرو)، أي توقّف محرّك البحث عن إحالة المستخدمين إلى المواقع الإخبارية».

ولفت التقرير أيضاً إلى أنه «على مدى العقدين الماضيين، عملت غرف الأخبار على جعل إنتاجها الصحافي مناسباً للظهور في محرّكات البحث، لكن مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات عبر روبوتات الدردشة بدلاً من الدخول إلى المواقع الإخبارية، مما دفع المؤسسات الإعلامية إلى البحث عن وسائل للحفاظ على بقائهم في عصر الذكاء الاصطناعي».

كذلك، نقل التقرير عن عزرا إيمان، مدير الذكاء الاصطناعي في الإعلام لدى الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار «وان-إيفرا»، قوله إن «منصات الذكاء الاصطناعي تعطي الآن الأولوية لمصادر مختلفة لأنها تستخدم أنظمة مختلفة للبحث واسترجاع المعلومات، وتميل إلى التركيز على عدد محدود من المصادر، مما يجعل من الصعب على المؤسسات الصغيرة اختراق هذا المجال».

الدكتورة ليلى دومة، الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، صرحت في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «أزمة (زيرو ترافيك) ليست مجرد أزمة تقنية مرتبطة بتراجع الزيارات، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في منظومة إنتاج المحتوى الإعلامي وتوزيعه واستهلاكه، وفي طبيعة العلاقة بين المؤسسات الصحافية والمنصات الرقمية».

وأردفت أن «الانتقال من محرّكات البحث التقليدية إلى محرّكات الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يطرح إشكالية أساسية هي: كيف يُمكن للمؤسسات الإعلامية الحفاظ على القيمة الاقتصادية لمحتواها في ظل استهلاكه خارج فضاءاتها الرقمية؟». ومن ثم، أوضحت أن «الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي، قد يعزز مرئية المؤسسات الإعلامية ومصداقيتها، لكنه لا يضمن بالضرورة تحويل هذا الظهور إلى زيارات فعلية، لا سيما عندما يحصل المستخدم على المعلومة كاملة دون الحاجة إلى الرجوع إلى المصدر الأصلي».

بالتالي، تعتقد دومة أن «تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة التفكير في الاستراتيجيات الاتصالية والاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، من خلال الاستثمار في المحتوى الأصلي والحصري، وتعزيز العلاقة المباشرة مع الجمهور، وتنويع قنوات التوزيع، إلى جانب تطوير استراتيجيات الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي (GEO) من دون التخلي عن أسس محركات البحث (SEO)».


هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات