نجاة وزير الداخلية المصري من محاولة اغتيال بعبوة ناسفة

رجال شرطة ومواطنون حول موقع الانفجار الذي استهدف موكب وزير الداخلية المصرية بضاحية مدينة نصر أمس (أ.ب)
رجال شرطة ومواطنون حول موقع الانفجار الذي استهدف موكب وزير الداخلية المصرية بضاحية مدينة نصر أمس (أ.ب)
TT

نجاة وزير الداخلية المصري من محاولة اغتيال بعبوة ناسفة

رجال شرطة ومواطنون حول موقع الانفجار الذي استهدف موكب وزير الداخلية المصرية بضاحية مدينة نصر أمس (أ.ب)
رجال شرطة ومواطنون حول موقع الانفجار الذي استهدف موكب وزير الداخلية المصرية بضاحية مدينة نصر أمس (أ.ب)

نجا وزير الداخلية المصري، اللواء محمد إبراهيم، أمس، من محاولة اغتيال فاشلة بعبوة ناسفة زرعت على جانب الطريق بالقرب من منزله بمدينة نصر (شرق القاهرة). وأسفر الانفجار عن إصابة 21 شخصا، وصفت حالة أحدهم بالخطيرة، بحسب المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، اللواء هاني عبد اللطيف.
وأضاف عبد اللطيف لـ«الشرق الأوسط» أن «11 مدنيا أصيبوا جراء الانفجار، بينهم طفل عمره سبع سنوات ويدعى فارس بترت ساقه، في حين أصيب 10 من أفراد الشرطة المرافقين للوزير، بينهم أمين شرطة بترت ساقه أيضا».
ونفى عبد اللطيف ما تردد عن مقتل اثنين من مستهدفي موكب الوزير أمس، مؤكدا أن عبوة ناسفة شديدة الانفجار زرعت على جانب الطريق وتم تفجيرها عن بعد، بحسب تحليل مبدئي لخبراء المفرقعات، استهدفت موكب الوزير مباشرة في شارع مصطفى النحاس بمدينة نصر. وعقب نحو ساعتين من التفجير الذي استهدف موكبه، ظهر وزير الداخلية في لقطات بثها التلفزيون الرسمي لدى وصوله إلى مقر وزارة الداخلية في وسط القاهرة. وقال الوزير الذي بدا متماسكا، إن «الهجوم على موكبه ليس النهاية، بل بداية لموجة من الإرهاب»، مضيفا أن الحادث عودة لإرهاب الثمانينات والتسعينات، وأنه لا يستبعد تورط جهات خارجية بالتنسيق مع عناصر داخلية لإحداث حالة من الإرهاب.
وأشار اللواء إبراهيم إلى أن الآثار الارتدادية للانفجار بدت واضحة على السيارة التي استقلها، مشيرا إلى تدمير سيارات الحراسة المرافقة له.
وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن محاولة الاغتيال الفاشلة، كلف المستشار هشام بركات، النائب العام، أمس، نيابة أمن الدولة بإجراء تحقيق عاجل في محاولة اغتيال إبراهيم.
وتباينت أمس المعلومات الأولية حول طبيعة العملية وطريقة تنفيذها، حتى كتابة هذا التقرير.. وفي حين أشارت الرواية الرسمية إلى «عبوة ناسفة»، بحسب اللواء عبد اللطيف، قالت مصادر النيابة، إن المعاينة الأولية أظهرت أن سيارة مفخخة كانت تنتظر على جانب الطريق، وبداخلها عبوات ناسفة انفجرت عن طريق جهاز تحكم عن بعد أثناء مرور موكب وزير الداخلية، وعثرت النيابة أثناء المعاينة على بعض «كرات البلي» داخل السيارة، بحسب مصدر قضائي، بينما أشار بيان لوزارة الداخلية نشر لاحقا إلى أنه «عثر على أشلاء بشرية بموقع الحادث، جارٍ تحديد هويتها»، وهو ما يفتح باب احتمالية أخرى أن تكون العملية «انتحارية».
كما أفادت المعاينة بأن هناك 3 مراكز للانفجار، حيث وجدت النيابة آثار فتحات في الأرض بثلاثة أماكن تبعد كل فتحة عن الأخرى نحو مترين تقريبا. وقال المصدر القضائي، إن تلك الفتحات تؤكد أن الانفجار تم عن طريق ثلاث عبوات ناسفة تم وضع اثنتين منها في مستوى ارتفاع لا يزيد على نصف متر، في حين ترجح المعاينة أن العبوة الثالثة كانت على ارتفاع أكثر من ثلاثة أمتار، وقد تكون سقطت من أعلى، وذلك نظرا لأن هناك فتحة أعمق من الأخريين.
وتعيش مصر حالة من الاضطرابات الأمنية منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي في 3 يوليو (تموز) الماضي، تحت ضغط المظاهرات الشعبية، لكن موجة من أحداث عنف دام اجتاحت البلاد، بعد أن فضت السلطات الأمنية بالقوة اعتصامين لمؤيدي مرسي، قتل خلالها المئات منتصف الشهر الماضي.
وأغلقت السلطات الأمنية الطرق المؤدية لموقع الانفجار الذي استهدف اللواء إبراهيم، وقامت بتمشيط المنطقة. وظهرت آثار التدمير على واجهة المحال التجارية ونوافذ العقارات بشارع مصطفى النحاس، وتبدت آثار الانفجار بوضوح على سيارتين تابعتين للشرطة من موكب تأمين الوزير، بالإضافة لثلاث سيارات أخرى لمواطنين كانت تقف على جانب الطريق.
وقال شهود عيان، إن دوي انفجار ضخم سمع عند الساعة العاشرة والنصف صباحا بالتوقيت المحلي، في حين تضاربت الروايات بشأن تبادل إطلاق نار أعقب الانفجار، فبينما قال أحد شهود العيان ويدعى محمد السيد، إنه سمع تبادلا لإطلاق النار عقب الانفجار، نفى شاهد عيان آخر يدعى شريف عبد الحميد الأمر، قائلا إن «حالة من التوتر والفوضى سادت المكان، لكن لم أشاهد أو أسمع تبادلا لإطلاق النار». وأعلنت حالة الطوارئ في البلاد في 14 أغسطس (آب) الماضي لمدة شهر، وفرض حظر التجوال في 14 محافظة مصرية لمدة 11 ساعة، قبل أن يتم تخفيفه مرتين، لكن مصادر أمنية وسياسية توقعت تمديد حالة الطوارئ لشهر آخر، عقب محاولة اغتيال وزير الداخلية.
وعقب الحادث، أكدت الرئاسة المصرية أنها «لن تسمح بعودة الإرهاب بوجهه القبيح مجددا للبلاد، وتعهدت بألا يفلت مرتكبو الجرائم الإرهابية، أيا كانت انتماءاتهم، من سيف القانون وقبضة العدالة». وقالت في بيان إنها تابعت «العملية الإرهابية التي استهدفت وزير الداخلية ومواطنين أبرياء، ترويعا للمجتمع والقائمين على أمنه، وإرهابا لإرادة المصريين في التوجه نحو مستقبلهم المستحق». وشددت على أن «مثل هذه الأحداث الإرهابية لن تثني الدولة المصرية عن عزمها على المضي في طريق المستقبل، بل تزيدها إصرارا وإيمانا وعزما على استكمال ما وعدت به من عدم السماح لكائن من كان، بأن يرهب الشعب المصري أو يقف في مسيرة مستقبله». كما أدان الجيش محاولة استهداف وزير الداخلية وقال في بيان له أمس، إن الجيش قيادة وضباطا يدينون المحاولة الآثمة لاغتيال وزير الداخلية، واعتبر المحاولة «تبعد عن روح جميع الأديان السماوية التي نزلت بالمحبة والتسامح، والتي تبتعد عن روح الشعب المصري».
وأضاف الجيش في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، ووقعه الفريق أول عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة، أن تلك المحاولة الآثمة لن تؤثر على الروح المعنوية لرجال القوات المسلحة والشرطة في القبض على العناصر الإرهابية وتنفيذ الإجراءات الأمنية بكل حزم، ولكنها ستشد من أزرهم في تنفيذها بحزم للتعامل مع جميع العناصر الإرهابية في البلاد.
من جانبه، أدان مجلس الوزراء المصري برئاسة الدكتور حازم الببلاوي الحادث، قائلا في بيان له أمس، إن «الحادث الإجرامي لن يثني الحكومة عن مواجهة الإرهاب بكل قوة وحسم، وكذا الضرب بيد من حديد على كل يد تعبث بأمن الوطن، حتى يعود الاستقرار إلى ربوع مصرنا الحبيبة».
وأضاف البيان الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن رئيس مجلس الوزراء يتابع تطورات الحادث، والجهود الحالية لضبط الجناة وتقديمهم للعدالة، كما قام بالاطمئنان على حالات المصابين من المواطنين ورجال الشرطة.
من جانبه، قال أحمد المسلماني، المستشار الإعلامي للرئيس المؤقت عدلي منصور، في تصريحات صحافية، إن الحادث الغاشم الذي وقع لوزير الداخلية «يدفعنا للاستمرار لمواجهة الإرهاب واستكمال النهوض بالملف الأمني». واستنكرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر محاولة اغتيال وزير الداخلية، وقال عمرو دراج القيادي في تنظيم الإخوان المسلمين وتحالف دعم الشرعية المؤيد للرئيس المعزول محمد مرسي، إنه يدين الاعتداء. وأكد دراج في بيان صادر عن تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده جماعة الإخوان ويطالب بعودة مرسي، أمس، أن «التفجير مدان أيا كان مرتكبوه.. ونحن نؤكد مجددا منهجنا السلمي الذي توضحه كل احتجاجاتنا». وسارعت الجماعة الإسلامية، وهي أحد الفصائل الداعمة لمرسي، إلى نفي أي صلة لها بمحاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها وزير الداخلية، أمس، مؤكدة إدانتها للعملية أيا كانت الجهة التي تقف وراءها. وتبنت الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي استهداف وزراء وسائحين غربيين ومسيحيين مصريين في التسعينات لإقامة دولة إسلامية في البلاد، لكن السلطات الأمنية واجهتهم بعنف وأحكمت الرقابة على تلك الجماعات، التي قام قادتها بمراجعات فكرية داخل السجون.
وقالت الجماعة في بيان لها: «تؤكد الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية (ذراعها السياسية) إدانتهما لتلك العملية أيا كانت الجهة التي تقف وراءها وأيا كانت مبرراتها، لأن تلك التفجيرات فضلا عن أنها قد تؤدي إلى إراقة دماء لا يصح شرعا إراقتها، فإنها ستفتح بابا من الصراع الدموي بين أبناء الوطن الواحد قد لا ينغلق قريبا، وهو ما يجب أن تتكاتف جميع الجهود لمنع حدوثه».
ومن جانبه، قال الشيخ إسماعيل الجن، القيادي في الجماعة الإسلامية جنوب مصر، إننا «نرفض أي محاولة لاغتيال أي قيادي أو سياسي، ومنهجنا الفكري في الجماعة يتعارض مع العنف والقتل». ودافع الجن عن «الإخوان» قائلا: «أي اتهامات موجهة للجماعة الإسلامية أو (الإخوان) أو تحالف الشرعية باطلة ولا يمكن قبولها»، رافضا توجيه أي اتهامات للإسلاميين دون دلائل، وقال الجن لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجماعة الإسلامية والجهاد ينظمون فعاليات سلمية».
وكانت جماعة معروفة باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، أحد أذرع تنظيم القاعدة، دعت في بيان أذيع على شبكة الإنترنت مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، المصريين لحمل السلاح ضد الجيش وقالت، إن «القمع الدموي للمحتجين الإسلاميين يبين عدم جدوى الوسائل السلمية».
وقال أبو محمد العدناني، المتحدث باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام، في رسالة مسجلة، إن «جيوش الطواغيت من حكام ديار المسلمين هي بعمومها جيوش ردة وكفر، وإن القول اليوم بكفر هذه الجيوش وردتها وخروجها من الدين، بل بوجوب قتالها وفي مقدمتها الجيش المصري، لهو القول لا يصح في دين الله خلافه».
من جانبه، حذر اللواء سامح سيف اليزل، الخبير العسكري والاستراتيجي، من أن تكون عملية استهداف وزير الداخلية بداية لتوجه الجماعات المتطرفة إلى القاهرة ومحافظات مصر، بعد أن كانت تتمركز في شبه جزيرة سيناء. وأشار سيف اليزل إلى أن ذلك يشكل خطورة كبيرة على البلاد، ويعيدنا لسيناريوهات عنف وإرهاب الجماعات الإسلامية خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، وتوقع أنه لو تمكنت هذه الجماعات من تنفيذ مخططات في القاهرة ووسط الدلتا والصعيد، سوف تمتد تلك العمليات الإرهابية لسنوات طويلة، وسيصعب السيطرة عليها.
وتابع سيف اليزل قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «مطلوب الآن مد العمل بحالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر أخرى قابلة للتجديد لحين استقرار الأوضاع، وتفعيل دور أجهزة الكشف عن المفرقعات، وتمشيط الشوارع والطرق الرئيسة والعامة ووسائل المواصلات من أي مفرقعات أو قنابل».



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)