وزير الخارجية الفرنسي يؤكد دعم بلاده لإقامة دولة فلسطينية

باريس تعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن لاستئناف مفاوضات السلام

وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس يتحدث في الجمعية الوطنية في باريس أمس  أثناء نقاش حول الاعتراف بالدولة الفرنسية (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس يتحدث في الجمعية الوطنية في باريس أمس أثناء نقاش حول الاعتراف بالدولة الفرنسية (رويترز)
TT

وزير الخارجية الفرنسي يؤكد دعم بلاده لإقامة دولة فلسطينية

وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس يتحدث في الجمعية الوطنية في باريس أمس  أثناء نقاش حول الاعتراف بالدولة الفرنسية (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس يتحدث في الجمعية الوطنية في باريس أمس أثناء نقاش حول الاعتراف بالدولة الفرنسية (رويترز)

استغل وزير الخارجية الفرنسي جلسة المناقشات في الجمعية الوطنية، التي كانت مخصصة أمس لمناقشة مشروع قرار يحث الحكومة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لتوضيح موقفه من مسألة تثير انقساما حادا بين الكتل النيابية والأحزاب السياسية، حيث تتداخل فيها السياسة الداخلية والاعتبارات الدبلوماسية والخيارات الاستراتيجية.
وإذا كان لوران فابيوس قد حرص على إعادة التأكيد على أن التصويت على مشروع القرار لا يلزم الحكومة، فإنه شدد بقوة على دعم بلاده لإقامة دولة فلسطينية تقوم على حدود سنة 1967، إلى جانب دولة إسرائيل، وتكون القدس عاصمة الدولتين، مضيفا أن باريس مستعدة للاعتراف بها، ولكن «في الزمن المناسب» بحيث لا يكون الاعتراف بدولة «افتراضية».
لكن الأهم في كلمة فابيوس أنها كشفت عن سعي فرنسي لإطلاق مبادرة دبلوماسية - سياسية مزدوجة: واحدة في مجلس الأمن الدولي، وأخرى على الأرجح في العاصمة الفرنسية. وفيما يخص الجزء الأول قال الوزير الفرنسي إن باريس «تعمل في مجلس الأمن مع شركائها لمحاولة استصدار قرار دولي يهدف إلى إعادة إطلاق مفاوضات السلام والانتهاء منها خلال عامين، والتي تتبناها الحكومة الفرنسية». لكن الوزير الفرنسي نبه إلى أن باريس «تسعى لتلافي قيام محادثات لا تنتهي»، ولذلك دعا إلى بلورة روزنامة دقيقة ومحددة للمفاوضات التي يجب أن تنتهي، حسب قوله، خلال عامين لا أكثر. أما فائدة القرار الدولي، الذي لن تطرحه باريس من غير التفاهم المسبق مع الفلسطينيين والجانب العربي، فإنه يهدف، إلى جانب وضع الروزنامة، إلى إعادة تعيين الإطار الذي ستجرى فيه المفاوضات، وإعادة تأكيد محددات السلام التي تقول باريس إنها «معروفة للجميع». وكرر فابيوس أكثر من مرة أن بلاده «ترفض أن تكون المفاوضات حجة لاستمرار الوضع القائم»، ولا «وسيلة لرفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية».
بموازاة ذلك، عادت باريس لطرح فكرتها الجديدة - القديمة، الداعية إلى مؤتمر دولي للسلام «لأنه يتعين الخروج من وضع المفاوضات (وجها لوجه بين الطرفين)، ولهذا السبب فإن باريس أعلنت أنها «تريد إيجاد الظروف «الملائمة» لقيام جهد جماعي دولي من أجل السلام»، وترجمته العملية في مؤتمر دولي للسلام، وأنها «جاهزة للقيام بالمبادرة»، كما أنها تريد ضم الدول الـ5 دائمة العضوية، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي ودول معنية بالسلام. بيد أن فابيوس امتنع عن إعطاء تاريخ محدد لمؤتمر لا يمكن أن ينعقد من غير موافقة الطرفين والدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. وسارع النائب اليميني بيار لولوش إلى القول إن واشنطن «لا تريد مؤتمرا دوليا.. وأوروبا غير متحمسة لهذه الفكرة». أما إذا لم تفلح هذه الجهود فعندها «سيتعين على فرنسا أن تتحمل مسؤولياتها وأن تعترف من غير تأخير بالدولة الفلسطينية».
ويفهم من كلام فابيوس أن باريس لن تسير اليوم وراء السويد التي كانت أول بلد أوروبي غربي يعترف بالدولة الفلسطينية، وما قام به البرلمان الإسباني والبريطاني، وأنها ستعطي نفسها مهلة عامين، فإما أن يأتي الاعتراف في إطار اتفاق سلام نتيجة مفاوضات، وفي حال الفشل، سيكون الاعتراف بمثابة «رد» على المماطلة والتعطيل. وحسب رأيه فإنه في مواجهة التعطيل «من واجب فرنسا التحرك من أجل السلام».
وأثار كلام فابيوس حماس نواب اليسار بمختلف أطيافه، ونواب حزب الخضر الذين صفقوا طويلا لرئيس الدبلوماسية، بينما بقي نواب اليمين جامدين. وجاءت كلمة الوزير الفرنسي في نهاية جلسة مناقشة لم يتدافع النواب لحضورها، فبقيت الصالة شبه خالية، إلا أن ضعف الحضور لم يؤثر على قوة وعنف المداخلات بين المعسكر اليساري المتحمس للاعتراف، ومعسكر اليمين المعارض له، باستثناء بعض الأصوات المغردة خارج السرب، مثل صوت النائب أكسيل بونياتوفسكي الذي أيد بقوة الاعتراف بفلسطين دولة، رغم انتمائه إلى حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني.
وسيحسم الموضوع الثلاثاء المقبل، موعد التصويت، قبل أن تنتقل المسألة إلى مجلس الشيوخ الذي سيصوت على مشروع مماثل يوم 11 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وينتظر أن يمر مشروع القرار في مجلس النواب بحيث تنضم فرنسا إلى بريطانيا وإسبانيا وآيرلندا التي عرفت مسارات مشابهة، لكن بعكس الدول الأوروبية التي تعاونت فيها الأكثرية والمعارضة على نص «إجماعي».
وعرض برونو لورو، رئيس مجموعة النواب الاشتراكيين، خلال الجلسة، الحجج الأساسية التي دفعت بمجموعته إلى تقديم مشروع القرار، وهي الحجج التي استعادتها إليزابيث غيغو، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية، والنائب فرنسوا دو روجي، رئيس مجموعة النواب الخضر، والنائب عن مجموعة جبهة اليسار فرنسوا أرنسي، إضافة إلى أكسيل بونياتوفسكي. وسعى النائب كريستيان أستروزي، المقرب من الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في بداية الجلسة، إلى سحب مشروع القرار من التداول بحجة عدم احترامه القانون الداخلي لمجلس النواب، لكن رئيس المجلس كلود برتولون رد طلبه. وكان مائير حبيب، النائب عن فرنسيي الخارج، وأكثرهم عددا القاطنون في إسرائيل، الأكثر عنفا حيث استخدم لغة تستعيد كل كليشيهات اليمين الإسرائيلي المتطرف، وذهب إلى حد تسمية الضفة الغربية بـ«يهودا والسامرة». وقال حبيب إن الاعتراف سيكون «اعترافا بالإرهاب بوصفه وسيلة ضغط سياسية مشروعة، وسيكون بمثابة رسالة لحماس تقول: استمري في القتل. حماس مثل (داعش) و(القاعدة)». وختم حبيب بالقول إن «القدس عاصمة الشعب اليهودي منذ 3 آلاف عام». والمدهش أن جيلبير كولار، النائب عن الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) استخدم اللغة نفسها للنائب حبيب، علما بأن يهود فرنسا وأصدقاء إسرائيل دأبوا على استهداف اليمين المتطرف، الذي يصفونه بـ«معاداة السامية والتطرف». وكان حبيب الشخص الوحيد الذي صفق لكولار.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.