سامح شكري: نتوقع من قطر مواقف تبرهن على قبول ما اتفق عليه في الرياض

وزير الخارجية المصري لـ(«الشرق الأوسط») : ديمستورا لديه أفكار طيبة حول سوريا.. وروسيا تسعى إلى مجموعة عمل أقليمية ودولية

سامح شكري: نتوقع من قطر مواقف تبرهن على قبول ما اتفق عليه في الرياض
TT

سامح شكري: نتوقع من قطر مواقف تبرهن على قبول ما اتفق عليه في الرياض

سامح شكري: نتوقع من قطر مواقف تبرهن على قبول ما اتفق عليه في الرياض

* القيادة السعودية تمنت أخيرا على مصر، عقب الاتفاق التكميلي الذي تحقق في قمة الرياض الخليجية الأخيرة، أن تتجاوز خلافاتها مع قطر.. كيف تلقيتم هذه الدعوة وهل هناك تدابير عملية لترجمتها إلى واقع؟
- كانت مصر سريعة في التفاعل تقديرا للعاهل السعودي الملك عبد الله، وتأكيدا لأن مصر ليست هي الطرف الذي بادر إلى اتخاذ أي مواقف «غير ودية»، وإنما هي تعمل من أجل التضامن العربي، وتسعى لأن تكون علاقاتها مع أشقائها العرب وثيقة، حميمية وتتحلى بكثير من التعاون. وكما أشار إليه السيد رئيس الجمهورية في المؤتمر الصحافي «الذي عقده في إيطاليا»، فإن الكرة ليست في ملعبنا، ونتوقع أن يتخذ الطرف الآخر (قطر) مواقف تبرهن على قبوله ما اتفق عليه في قمة الرياض، وأن يتبع سياسات تبرهن على أنه يبادلنا التوجه نفسه حتى تكون العلاقات أخوية ومبنية على الاحترام المتبادل ومراعاة مصلحة كلا الطرفين. نتصور ونتمنى أن تكون كل الدول العربية حريصة على مصلحة مصر وأمنها القومي، وعلى تدعيمهما، كما تحرص مصر من جهتها على أن تكون طرفا فاعلا في حماية الأمن القومي العربي والعمل على توطيده.
* عمليا، ماذا تطلبون من قطر؟
- المطلوب من قطر أن تكون سياستها داعمة لمصر ولأمنها القومي في هذه المرحلة، وأن تكون بعيدة عن أي عمل يؤدي إلى زعزعة الاستقرار فيها، وأن تتصرف بما يساعد على تحقيق هذا الهدف.
* المعروف والمتداول أن الخلاف مع قطر يدور حول دعم الدوحة لـ«الإخوان المسلمين» وموضوع قناة «الجزيرة».. هل هذه هي الحال أم أن هناك مآخذ أخرى على الدوحة؟
- أنا أترك الحكم على ذلك للمتابع لهذه المسائل، وعليه أن يستخلص بنفسه ردودا على هذه الأسئلة المهمة من خلال مراقبته وقراءته، وأنتم كإعلاميين لديكم على ما أعتقد هذه القدرة.
* يعني هذا أنكم تحملون الإعلام هذه المسؤولية؟
- بالتأكيد.. على كل المتابعين لكل هذا الشأن أن يقروا بما هو عليه الحال وتقييم هذه العلاقات والسياسات.
* في المؤتمر الصحافي المشترك في قصر الإليزيه، كان هناك تركيز على وحدة المقاربة للملف السوري بين مصر وفرنسا.. ولكنني شخصيا لا أعتقد بوجود وحدة موقف بين البلدين.. هل لكم أن توضحوا لنا هذه المسألة؟
- في الحقيقة، كان هناك تفاهم وتوافق فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الملف السوري، وكان هناك توافق في الآراء التي طرحها الرئيسان لجهة الحافظ على وحدة الأراضي السورية ومصلحة الشعب السوري ووقف نزيف الدم وعلى ضرورة البحث عن حل سياسي لهذا الأزمة. وكل هذه عناصر توافق وبرأينا يتعين أن يقوم عمل مشترك في إطار المجتمع الدولي للتوصل إلى حل سياسي.
* لكن بعض المشكلة هي في تعريف الحل السياسي.. بالنسبة لفرنسا هذا يعني رحيل الرئيس الأسد بطريقة أو بأخرى.. أما بالنسبة إليكم فأتصور على ما أعتقد، الرأي مختلف.. أليس كذلك؟
- هناك تفاهم وتوافق يتزايدان في الأوساط الدولية لجهة ضرورة التعامل مع المعطيات الحالية بشكل يؤدي إلى حماية الشعب السوري، كما أن هناك رغبة في تفعيل الإطار السياسي حتى نحقق هدف الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والخروج من دائرة العنف ومواجهة التحديات المرتبطة بالإرهاب، وكل ذلك يتطلب منا جميعا أن ننظر في كيفية تفعيل هذه الأهداف وتحقيقها ومن أجل ذلك لا بد من استكشاف كل المناحي التي قد تؤدي إلى ذلك وأنتم تعلمون أن هناك أفكارا كثيرة مطروحة، بالإضافة إلى مشاورات كثيفة بين الكثير من الأطراف الدولية المهتمة للتوصل إلى خريطة الطريق المناسبة والمفيدة.
* الجميع يعرف أن فشل مؤتمر «جنيف2» مرده للخلاف على حسم مسألة مصير الرئيس السوري، وبكلام آخر، هل هناك اليوم قبول لما يقوله النظام السوري من أنه السد المنيع أمام الإرهاب؟
- أريد أن أشدد على زيادة الاهتمام الدولي بالملف، وبالبحث عن الإطار المناسب الذي يؤدي إلى تحقيق الأهداف التي فصلتها سابقا. ولكن على المجتمع الدولي أن يصوغ التوجه السياسي والقدرة على العمل لتحقيق هذا الهدف. لا أقول إن هناك توحدا في الرؤى، ولكن هنالك رغبة مشتركة واستعداد للتشاور والتفاعل بين الكثير من الدول الإقليمية والدولية للوصول إلى نقطة تمكننا من الهدف المرجو.
* هل اطلعتم على تصريحات الوزير فابيوس صباح الثلاثاء التي أعلن فيها عن السعي لإقامة مناطق آمنة مع مناطق حظر جوي ومن غير استبعاد توجيه «ضربات غامضة» ضد قوات النظام السوري؟
- لم أطلع على هذه التصريحات، ولكن الحوار الذي كان لنا «مع الوزير الفرنسي» لم يتطرق ولم نستشف منه هذه الرؤية. وربما هناك أفكار تتم بلورتها وربما ستطرح على الشركاء الآخرين. ولكن ما كان متداولا خلال المباحثات مع السيد الرئيس لم يأتِ على ذكرها، بل هو تأكيد على فكرة الحفاظ على وحدة سوريا.
* ما رأي مصر في الأفكار التي طرحها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا حول سوريا، وتحديدا حول تجميد القتال في بعض الجبهات، وخصوصا في حلب؟
- للمبعوث الدولي أفكار طيبة تتناول تجميد الوضع العسكري في حلب كمقدمة لتفعيل السعي لمنع سفك مزيد من الدماء ومحاولة الخروج من دائرة العنف، وهو قد طرح أفكاره علينا وشرح لنا أبعادها، وأكد أن وضع الآليات المناسبة جارٍ لتحقيق هذا الهدف وهو يحظى بدعمنا لأننا نؤيد وقف النار في أي جزء «في سوريا» وهو توجه نؤيده لأنه يحمي الشعب السوري من المزيد من سفك الدماء والتدمير. إذا ما تم قبول هذه المبادرة وتكررت في أماكن أخرى مما يؤدي إلى حماية أكبر للمدنيين، فسيحظى ذلك بدعمنا أيضا. وإذا عملنا وقف إطلاق النار، فمن غير شك فذلك مكسب مهم، وقد يؤدي إلى إذكاء فكرة المفاوضات والحل السياسي.
* لكن المعارضة السورية متحفظة جدا إزاء أفكار دي ميستورا؟
- هناك تحفظات من قبل كل الأطراف في بداية أي مبادرة.. لكن المبعوث الأممي لديه الكثير من القدرة على جذب الأطراف وطلب منا توظيف علاقاتنا مع المعارضة ومع كل الأطراف لشرح أهدافه وتوضيحها، وخصوصا إمكانية أن تفضي إلى الذهاب نحو الحل السياسي عندما يتم التخلي عن الخيار العسكري.
* كثيرون يتحدثون عن «مبادرة» روسية.. أعرف أن علاقاتكم جيدة مع القيادة الروسية.. هل هناك مبادرة كهذه وما مضمونها في حال وجودها؟ وهل وجود وزير الخارجية السوري وليد المعلم في موسكو دليل على وجودها؟
- تحدثت الكثير من المرات مع الوزير سيرغي لافروف، وأعلم أن لديه أفكارا ربما لم تكتمل في شكل مبادرة. ما نعلمه هو طرح فكرة إيجاد مجموعة عمل إقليمية ودولية الهدف منها الوصول إلى رؤية مشتركة وتصور حل سياسي للقضية السورية. الوزير لافروف لم يطلعني على عناصر محددة لمبادرة، ولكن كان هناك حديث لمسعى لإقامة مجموعة العمل التي يأمل أن تكون لها مبادرة ما في الموضوع السوري.
* مَنْ مِن المفترض أن تضم هذه المجموعة من أطراف؟
- هي في إطار التكوين والبلورة، وأتصور أنها ستضم أطرافا إقليمية ودولية لها تأثير على المشهد السوري، ولا أريد استباق الأحداث، وأريد ترك الإعلان عن تشكيلها للوزير لافروف نفسه.
* ليبيا مستمرة في الانزلاق نحو الهاوية ولا يبدو أن الوساطات ومنها وساطة المبعوث الأممي مؤثرة على تطور الوضع فيها.. إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وهل من مخرج ما؟
- الوضع في ليبيا خطير.. هناك مبادرة وضعتها دول الجوار الليبي وهي مؤهلة إذا حسنت النيات، وكان هناك استعداد لقبولها، أن تؤدي إلى وضع أساس الحل السياسي وحوار وطني. وهذا تم التفاهم عليه في المؤتمر الوزاري الذي استضافته القاهرة في شهر أغسطس (آب) الماضي. المبادرة تشجع على الحوار الوطني بين الأطراف التي تنبذ العنف والخيار العسكري والحرص على وحدة وسلامة الأراضي الليبية. طبعا هناك شرعية تمثلت في مجلس النواب وهي تعبر عن إرادة الشعب الليبي بفضل الانتخابات الحرة والديمقراطية، وبالتالي فالحكومة المنبثقة عنه تعبر عن إرادة الشعب الليبي. وهذه الشرعية يجب أن تحظى بدعم كل الأطراف الدولية. هناك اعتراف دولي بهذه الحكومة «التي يرأسها عبد الله الثني». بالمقابل، هناك طرف ما زال يتشبث باللجوء إلى العنف والخيار العسكري ويحاول فرض إرادته على الشعب الليبي بأن يحظى بمكانة في أي حوار ينشأ اعتمادا على ما حققه من إنجازات مدعومة بالعمل العسكري. ولكن بالطبع هذا الأمر لا يمكن أن يستقيم. هناك معادلة سياسية والتقسيم برزت من خلال الانتخابات البرلمانية التي يتعين احترام نتائجها.
* لكن قرار المجلس الأعلى الليبي زاد الوضع غموضا وتشويشا.. أليس كذلك؟
- هناك تفسيرات قانونية كثيرة مرتبطة بهذا الحكم منها من لا يعتد به لاعتبارات قانونية لا تقبل تفسير الآخرين القائل لأنه يترتب عليه حل مجلس النواب. ولا ننسى أنه صدر تحت ضغط وترهيب القضاة وشهدنا أن بعضهم اختار الهرب من طرابلس سواء قبل الحكم أو بعده بسبب الضغوط التي كانت تمارس. فضلا عن ذلك، المجتمع الدولي لم يتفاعل مع هذا الحكم وبقي التأييد بصفة عامة لجانب الشرعية الممثلة بمجلس النواب والحكومة المنبثقة عنه.
* هل أنتم وباريس على نفس الموجة بالنسبة لهذا الملف؟
- بالتأكيد، هناك توافق واسع في رؤى الجانبين.
* أنتم تدعمون الشرعية الليبية، لكنها متحالفة مع فرقاء من غير الشرعية يقاتلون معها ومنهم مثلا اللواء خليفة حفتر.. كيف يمكن أن يستقيم هذا الأمر؟
- مجلس النواب أصدر قرارا بإعادة اللواء حفتر إلى الرتبة العسكرية ودمجه مجددا في صفوف الجيش بموجب قرار رسمي. وهو اليوم جزء لا يتجزأ من الجيش الشرعي الرسمي.
* لكنَّ هناك قسما من ليبيا مع الشرعية التي تتحدثون عنها وقسما آخر له رأي مختلف. هل هذا يعني أن الحرب ستدوم إلى ما لا نهاية؟ هل يمكن ترك الأطراف تستقوي وتستمر في القتال؟
- لا إطلاقا، هناك جهود برناردينو ليون ونحن ندعمه في البحث عن إطار سياسي للحل وخلق حوار وطني يتيح تراجع من يستغل قدراته العسكرية لفرض توجهاته العمل على دمجه في العملية السياسية وفقا لحجمه ولخيارات الشعب الليبي. السلطة مصدرها الشعب وهو يعبر عن خياراته في صندوق الاقتراع ونتائج الانتخابات التي حصلت الصيف الماضي توفر مؤشرات لحجم كل طرف وهو ما يتعين قبوله.
* إلى أين وصلت العلاقات المصرية - الأميركية؟
- هي وثيقة، وهناك قدر كبير من الحوار والمصالح المشتركة وسعي من قبل الطرفين للتواصل وتقريب وجهات النظر حول الموضوعات التي ليس هناك تطابق حولها، ولكن هناك مساحة كبيرة من الموضوعات والمصالح التي نتوافق بشأنها مع الولايات المتحدة. التنسيق عالي المستوى بيني وبين نظيري الأميركي، واللقاء الذي تم في نيويورك بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس أوباما كان نقطة هامة في إطار العلاقة والتفاعل الأميركي الكامل مع الرئيس والحكومة المصرية بعد الانتهاء من الاستحقاق الثاني من خريطة الطريق بانتخاب السيد الرئيس، ونحن نعمل معا على أن تكون علاقتنا إيجابية وداعمة للطرفين.
* وماذا عن التحفظات التي عبرت عنها السلطات الأميركية منذ التغيرات في مصر في صيف عام 2013؟ هل زالت بشكل نهائي أم بقيت بعض النقاط التي تحتاج لتنقية؟
- لا أنظر اليوم إلى هذه العلاقة أنه يشوبها شيء من التحفظ، إنما هي علاقة طبيعية تتضمن اعترافا كاملا لما حققته مصر من إنجازات في خريطة الطريق ورغبة في التعاون وتحقيق المصالح المشتركة، وأن تكون العلاقة في وجوهها السياسية والاقتصادية والعسكرية علاقة وثيقة ونشهد وصول وفود كثيرة رسمية تزور القاهرة وسعي لدعم الاقتصاد المصري، وقد استقبلنا وفدا من 150 رجل أعمال زار مصر بتحفيز وتشجيع الإدارة الأميركية والتواصل مع واشنطن قائم على كل المستويات والبرامج التربوية التي تشرف عليها الولايات المتحدة قيد التنفيذ ونحن نعمل على أن تكون علاقاتنا طبيعية. وبالطبع، العلاقة بين دولتين لا تعني وجود تطابق تام في الرؤى وأن تختفي بعض الاختلافات في النظرة إلى بعض القضايا الإقليمية والدولية ومعالجتها. هذا لا ينتقص من الاهتمام الثنائي المشترك الذي تم التعبير عنه على كل المستويات، وخصوصا إبان قمة نيويورك.
* لكن لماذا لا تزال واشنطن تفرض بعض القيود على الأسلحة المفترض أن تصلكم؟
- لم تزل هذه القيود موجودة.. الكونغرس كان قد فرضها وهو يطلب من الإدارة أن تثبت وجود وضع يسمح لها بالخروج من هذه القيود. التشريع الذي يحكم المساعدات لمصر مربوط مجموعة من الشروط كان على الإدارة أن تتحقق من توافرها حتى تقوم بالإفراج عن بعض المساعدات التي تم تعليقها. وهناك تشاور واهتمام من الجانبين بأن تصل الإدارة إلى النقطة التي ستمكنها من الحصول على رفع القيود. ونحن نوضح لها المقومات التي يمكن أن تستند إليها ومن غير شك أن المساعدات تخدم مصالح مصر، وإنما هي أيضا لصالح الولايات المتحدة الأميركية. واشنطن كانت حريصة على أن تكون مصر جزءا من التحالف الذي يحارب «داعش» والإرهاب. والمساعدات صورة من صور الشراكة القائمة بين البلدين والشراكة تعتمد على التفاعل والإيجابية في العلاقة، ولذا نحن نترقب العودة إلى النقطة التي تطبق فيها مناحي ذات أهمية في المناطق.
* أول من أمس قال الرئيس هولاند إنه يرغب في مساعدة مصر على الصعيد الأوروبي، لكنه ربط ذلك بـ«توافر الشروط».. ما المقصود بذلك؟
- ما استخلصته من المحادثات التي أجريناها مع الرئيس هولاند هو استعداد فرنسا لأن تكون شارحة للأوروبيين للرؤية المصرية التي تجاوب معها الرئيس الفرنسي وتفهمها. بالتأكيد، في أي علاقة هناك ولا أصفها بشروط هناك توقعات من كل طرف إزاء الطرف الآخر. وهي تحدد مجال وحجم العلاقة ومدى كونها وثيقة. ومثلما هناك توقع من الجانب الأوروبي للمسيرة المصرية للمستقبل فأيضا لنا توقعات من أوروبا في كيفية التفاعل مع مصر لمقاومة الإرهاب وتدعيم الخطة التنموية لمصر والاستقرار في الشرق الأوسط، ولا بد للطرف الأوروبي أن يراعي المصالح المصرية فيها. العلاقة يجب أن تكون تبادلية وليس من طرف واحد.
* متى يمكن أن نتصور تخلص مصر من ظاهرة الإرهاب في الأمد المنظور؟ كيف تنظرون إلى هذه المسألة؟ هل هذا العمل سيتطلب منكم وقتا طويلا؟
- عندما ترتكز السياسات الأوروبية على مقاومة الإرهاب والعمل على القضاء على هذه الظاهرة، يتعين على أوروبا أن تقف إلى جانب مصر عندما تواجه الإرهاب. ونحن ننتظر من أوروبا أن توفر لنا الدعم، سواء أكان سياسيا أو ماديا أو عسكريا وتوفير ما تحتاج مصر إليه في حربها على الإرهاب وحماية جنودنا حتى لا يتم استهدافهم وتمكينهم من تعقب العناصر الإرهابية.
بالمقابل، مصر تقوم بهذه الحرب ضد الإرهاب في سيناء وتتحمل التضحيات مراعاة لظروف سيناء ووجود مناطق سكانية كثيفة يلجأ إليها الإرهابيون وحرصنا على عدم وقوع ضحايا مدنية بريئة. وكان من السهل «محاربة الإرهاب» لو كانت هناك عمليات عسكرية عشوائية لا تراعي سلامة المدنيين. لكن هؤلاء مصريون والدولة تحافظ عليهم وترعاهم وهو ما نتمسك به.
أما بالنسبة للفترة الزمنية، فنحن نبذل كل جهد ونأمل التخلص من هذه الظاهرة قريبا وهناك إجراءات يجري القيام بها منذ الحادث الأخير (مقتل مجموعة عسكرية في تفجير في سيناء)، وأتصور أنه سيكون لها الأثر القوي في نجاح الحرب ضد الإرهاب. وأهم شيء هو تكاتف الشعب المصري ولفظه لهذا الفكر والأعمال وتضامنه مع أجهزة الدولة.
* العالم شغل في الأيام الماضية بمفاوضات الملف النووي الإيراني.. هل عدم النجاح في هذه المفاوضات سيدفع برأيكم إيران لسياسات متشددة في المنطقة؟ وامتدادا، إلى أين وصلت علاقاتكم مع إيران.. هل هناك محاولات لكسر الجليد معها؟
- الموضوع النووي موضوع ذو أهمية على الصعيدين الإقليمي والدولي والدول الكبرى يفترض بها أن تجد المعادلة التي تضمن عدم انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط وعدم حيازة أي من الدول لهذا السلاح منعا لسباق تسلح نووي يكون له أثره الوخيم على هذه المنطقة. وبالتأكيد الكل يتابع ما أقره عدد من الدول من عقوبات على إيران إلى حين التوصل إلى اتفاق. نحن ندعم مبدأ عدم انتشار الأسلحة النووية ونطالب بمنطقة شرق أوسط خالية من السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل كما نتابع عن قرب مفاوضات النووي الإيراني ونطالب بأن يؤدي الاتفاق إلى وثوق المجتمع الإقليمي والدولي بأن برنامج إيران سلمي ونحن في نفس الوقت نؤيد حق الدول في برامج نووية سلمية للاستفادة من الطاقة النووية طالما التزمت بالشرعية الدولية ونظام الضمانات المطلوب من الوكالة الدولية للطاقة النووية لتبرهن للعالم سلمية برنامجها. نرى في الوصول إلى اتفاق كهذا أهمية بالغة للاستقرار المنطقة والاطمئنان لعدم قيام سباق نووي حتى لا يصبح لطرف ما قد يجعله يتوهم أنه ميزة استراتيجية ويختل ميزان القوى في المنطقة ويكون له أثر هدام وغير محسوب.
في موضوع العلاقة مع إيران، لم يتغير الوضع كثيرا خلال الـ25 سنة الماضية. العلاقة مجمدة والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة، ولم تسفر بعض المحاولات من الجانبين عن أي تطور وفي هذه المرحلة نتعامل مع إيران في الإطار المتعدد. لدينا عضوية مشتركة في الكثير من المنظمات الإقليمية والدولية. لكن العلاقات الثنائية ليست فيما يجب أن تكون عليه بين بلدين بحجم مصر وإيران. نأمل للمستقبل سياسات وفرصة لاستعادة علاقة طبيعية عندما تكون للجانب الإيراني رغبة وانتهاج سياسات مشجعة على التفاعل المشترك.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended