حين تكون الهوية النسوية صراعاً من أجل البقاء

مارغريت آتوود في عملها الجديد «حكاية الخادمة»

مارغريت آتوود
مارغريت آتوود
TT

حين تكون الهوية النسوية صراعاً من أجل البقاء

مارغريت آتوود
مارغريت آتوود

مارغريت آتوود كاتبة روائية شاعرة ناقدة كندية مارست الكتابة منذ سبعينيات القرن الماضي، ولها عدة أعمال روائية، آخرها روايتاها «اضطراب» (2006) و«الفيضان» (2009)، ومن كتبها النقدية «أهداف متحركة: الكتابة والنية» (2004)، ولها أيضاً مجموعات شعرية، ويعد كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي» أقدم كتبها النقدية وأهمها، وقد صدر في طبعته الأولى عام 1972، وطبع ثانية عام 2013 بطبعة «نثرلاند» بنيويورك. وقد صدرت لها بداية هذه السنة ترجمة عربية لروايتها الأخيرة «حكاية الخادمة» (Hand Maids) في الإمارات العربية المتحدة (2019). وفيها اختار المترجم أحمد العلي كلمة «الجارية». ولا أجد المسوغ الذي ذكره في سبب هذا الاختيار مقنعاً، لأن لكلمة الجارية في المخيال العربي مثل ما لها في المخيال الأوروبي، وهو مختلف تماماً عن دلالة كلمة الخادمة.
في هذه الرواية، تؤكد آتوود سردياً هويتها النسوية، كما أكدتها نقدياً في كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي».
وقيمة هذا الكتاب الأخير تكمن في مادته النقدية التي أظهرت فيها آتوود مقدرة نقدية كبيرة، وهي تدشن أدباً كان في وقت تأليفها الكتاب ما زال غير معترف به، وهو ما جعل تصديها لإنجازه عملاً جريئاً، أظهرت فيه براعة تحسب لصالح النقد النسوي، مواجِهة ما كان الآخرون يسعون إليه من تفنيد مشروعها والالتفاف عليه. ولعل أوضح دليل على ذلك التصدي أنها سمته «البقاء» (survival)، وكأنها تستشرف مآلاً قادماً سيكون فيه للأدب الكندي مكانة، أسوة بسائر الآداب الأخرى، وبالفعل تحقق ذلك، وصار كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي» هو القاعدة التي يبنى عليها دارسو هذا الأدب أبحاثهم وهم يتتبعون تطوره، ويبحثون في قضاياه وظواهره.
ونجاح آتوود في مهمتها النقدية دليل على قدرتها في إثبات الجدارة النسوية، مقاومة كل المحاولات التي أرادت إفشال مشروعها الفتي. وقد كشفت عنه في تقديمها للطبعة الثانية، مبينة أن «الأدب الكندي كان يراودها كإحساس هو بمثابة شيء مقدس. وأن فارلي موات -وهو كاتب كندي، أشهر أعماله رواية (شعب الغزلان) ورواية (لن يبكي الذئب)- قال لها إنها الآن الهدف، وسوف يطلقون النار عليها»، في إشارة إلى أن أي مشروع نقدي فتي بسبب هشاشة أركانه وعدم استقرار أساساته عادة ما يكون عرضة للهجوم والإقصاء.
وتشير آتوود أيضاً إلى أن هذا الكتاب تمتع في طبعته السبعينية بأفضل المبيعات. وكما أنّ الأشياء تتغير بسرعة -والقول لآتوود- كان الأدب الكندي يتطور تطوراً ثقافياً ملحوظاً بين الأربعينيات والخمسينيات، ثم صارت تشيع فيه الحيوية التي اتضحت بشكل جلي في عام 1972، ولم يعد الأدب الكندي يوصف بأنه في الدرجة الثانية بعد الأدب الإنجليزي أو الأدب الأميركي، أو أنه يماثل الأدب الأسترالي، في كونه ثقافة بطرة أنتجتها الحداثة الكولونيالية، بل غدا هو البقاء «على قيد الحياة».
ومن يقرأ الكتاب، يجد أنّ آتوود شيدت فيه أساسات مهمة في نقد الأدب الكندي، سواء في تناولها موضوعات ثقافية تتعلق بالطبيعة الكندية ووحوشها وحيواناتها، أو في معالجتها بعض القضايا معالجة أنثروبولوجية، واقفة عند الهنود والإسكيمو والطواطم الأجداد المستكشفين والمستوطنين والمهاجرين.
والمهم في رواية «حكاية الخادمة» أنها عكست الجرأة والتحدي أنفسهما اللذين عرفت بهما مارغريت آتوود وهي تستثمر إمكانياتها الأدبية شعرية ونقدية وروائية، مستجمعة قواها الثقافية والفكرية، معبرة عن الكينونة الأنثوية التي همشها النظام الذكوري وجعلها تابعة له، ليس لها أن تقول «لا»، بل عليها دوماً أن تقول «نعم».
ولقد حظيت هذه الرواية بمكانة في الأدب العالمي، لا بسبب كثرة ترجماتها إلى مختلف اللغات أو بسبب ما نالته من اهتمام نقدي أو صدارتها قائمة مبيعات الكتب، بل لبراعة المؤلفة في تجسيد القسوة الذكورية وهي تبطش بالنسوية، وفي الآن نفسه التعبير عن هوية المرأة وشجاعتها في المطالبة بالتحرر الذي هو قضية نساء العالم جميعاً.
وأول مؤكدات الهوية النسوية هو العتبة المناصية «أنا أروي، إذن أنت موجود» التي اعتلت العنوان الرئيس في الغلاف الأمامي، وفيها اختزلت الكاتبة لب الرواية، وكثفت المراد منها، جاعلة الخادمة هي البطلة الساردة بضمير المتكلم.
أما المكان الروائي فرسم بطريقة هندسية تعكس ما فيه من الانعزال والانفراد والانضباط الصارم، ليبدو كالسجن أو المصحة أو الدير، محاطاً بالأسلاك الشائكة، مملوءاً بالرعب والخوف والصمت. أما المكين فكان عبارة عن مجموعة فتيات أجبرن على الخدمة، وقبلن باستعلائية الآخر -السيد الذي عاملهن بجفاء ممارساً معهن كل صنوف التمييز. فمثلاً، لا يسمح لهن باستعمال الأبواب الأمامية، ولا الكلام جهراً، مع ضرورة «الاحتشام؛ بمعنى الاختفاء التام»، وكل واحدة مثل أي دمية باستطاعة السيد التحكم في مصيرها، وحتى ضربها «تعلمت الواحدة منا كيف تقرأ حركة شفتي الأخرى». وبسبب هذه الصرامة، صرن مقتنعات بأنْ ليس لهن سوى خدمة هؤلاء السادة الذين ملكوهن داخلياً، وسخروهن لخدمتهم خارجياً، فلا خيار أمامهن غير خيار هوبسن «أما هذا أو لا شيء». ومن ثم، لا انعتاق من هذه السيطرة ولا إفلات من قبضتها.
والغريب أن هذه الهيمنة الذكورية لم يجسدها الرجال وحدهم في الرواية، بل جسدتها أيضاً النساء اللائي ما صرن سيدات إلا لأنهن قبلن أن يكن تابعات للنظام البطرياركي، ويعاملن بنات جنسهن بالطريقة نفسها التي بها يعاملهن السادة الرجال. وهو ما شعرت به الساردة حين قابلت سيدة المنزل لأول مرة، فبدت لها خشنة الطبع كأنها رجل، متنكرة لأنثويتها، منسلخة عن نسويتها، مطاوعة الذكورية بكيان مستلب «هبطت عليّ مشاعر إحباط وخيبة، تمنيتها أن تغدو أختاً كبيرة لي، أردت تحويلها إلى كيان أمومي، إلى إنسانة تفهمني وتحميني». وكذلك كان حال الخالة ليديا التي كانت مهمتها توجيه الخادمات ومراقبتهن كي يعملن بروتين لا يخرجن فيه عن النظام الذكوري.
وبسبب هذه الأجواء القسرية المكهربة، والمشاعر السلبية المفزعة، تقرر الساردة أن تتكلم، ولو مع نفسها، مقتنعة بأنها ما دامت تروي، فإن الآخر موجود معها، كتعالق اشتراطي مع عقلانية القاعدة الديكارتية القائلة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، بانية عليها قاعدتها السرية الخاصة «أنا أروي، إذن أنت موجود». وكان ستيوارت ميل قد أكد أن المرأة التي تقرأ، وأكثر منها التي تكتب، تعد عنصراً مزعجاً متناقضاً، ولذلك صار واجباً تنشئة النساء على اكتساب صفات السريات والمحظيات وخدم المنازل (كتابه «استعباد النساء»، ص 70).
وبهذه الرؤية، صار الحكي هو السلاح الذي به تحول صمتها إلى كلام. وما دامت تتكلم، فإن هناك من يسمعها، وستتبدل عزلتها إلى ألفة، متمكنة من إثبات هويتها، باقية على أمل الخلاص من الإذلال الذكوري. وهذا البقاء هو نفسه البقاء الذي أرادته مارغريت آتوود للأدب الكندي الذي كان هامشياً، فمركزته وجعلته حاضراً بهوية وخصوصية بين سائر الآداب العالمية.
ولأن البقاء هو الهدف، تغدو الحياة في نظر الساردة حباً وشمساً وزهوراً، وقد انقلب المكان الذي كان معادياً إلى مكان رحب مألوف، تتجسد فيه هويتها «هو ليس سجناً، بل امتيازاً». وأحد أشكال توكيد البقاء هو سيطرتها على المكان بالوصف، فلا تترك تفصيلاً من تفصيلاته إلا وذكرته، مستعملة أسلوب التحديق والحملقة اللذين بهما تكشف عن زيف المكان واختلاقيته.
أما وصف المكين فهو الشكل الثاني لتوكيد البقاء الذي به دللت الساردة على قسوة النظام البطرياركي، مركزة على وصف غطاء الرأس ورداء البدن اللذين فيهما تتجلى حالة الإذلال التي بها يحجم النظام الذكوري فاعلية المرأة الخادمة، ويقيد طاقتها، ويحول دون تحررها، كقولها: «القلنسوتان حول وجهينا حاجبتا الضوء، يصعب علينا رفع أنظارنا أو استقبال المشهد كاملاً أو لأي أمر آخر، لكننا نرى قدراً ضئيلاً كل مرة بتحريك الرأس سريعاً إلى أعلى ثم أسفل، وإلى الجانبين والوراء، لقد تعلمنا كيف نرى العالم في لقطات لاهثة».
وفي هذا اللباس قسوة هي بمثابة شفرة سمتها جوليا كرستيفيا «الدناءة»، وفيها تتجلى «الواجهة الأخرى للشفرات الدينية والأخلاقية والآيديولوجية». ومن أمثلة القسوة والدناءة أيضاً الجثث المتدلية من الحائط الكنيسي وغرفة الانتظار في عيادة الطبيب وغيرهما.
وعلى مستوى الزمان، يغدو الليل هو زمن النسوية الذي فيه تجد الساردة متسعاً من الحرية والأمان «إن الليل بالنسبة لي زمني الذي أخرج فيه»، وفيه تستطيع الساردة أن تحول صمتها إلى كلام، وحياتها إلى قصة، شاعرة أنها على مستوى الكتابة حية تعيش باحترام، متخذة من السرد سلاحاً تماماً كشهرزاد التي بقيت على قيد الحياة بالحكي الليلي «ما أحكيه هو في الوقت نفسه قصة تدور داخل رأسي، فيما أتابع حياتي، أحكي لا أكتب، فليس عندي ما أكتب به، والكتابة محرمة في جميع الأحوال، لكن إن كانت قصة رغم دورانها في رأسي، فلا بد أن أحكيها لأحد، فأنت لا تحكي قصة لنفسك... فقط الآخر دوماً هناك... إنه هناك حتى لو لم يكن هناك أحد».
وإذا كان الليل هو زمنها، فإن جسدها ليس هو الخطيئة التي فيها عارها، بل هو موضوعها الذي فيه مستقبلها، لذا تحاول الغوص فيه «أريد أن أشعر بقيمي في أمور أستحقها ولا أستحقها، أريد أن أكون أعلى من أي قدر». وكلما غاصت فيه وجدت نفسها أكثر، وتأكدت أنّ لها هويتها، وأنها قادرة على البقاء، مهما كانت القيود التي تريد إزالتها ومحوها «إنهم لا يخشون هروبنا، بل يخشون تلك المهارب الأخرى التي يمكنك فتحها في داخلك، في جسدك، إذا تمكنت من الحصول على شفرة حادة».
وما تنتهي إليه الرواية يجسده قول ستيوارت ميل إنه «منذ أن أصبح للنساء قدرة على تدوين مشاعرهن، والتعبير عنها عن طريق الكتابة، سجل عدد متزايد منهن احتجاجهن ضد الوضع الاجتماعي القائم» (كتابه «استعباد النساء»، ص 51). وبهذا الاحتجاج الذي جسدته بطلة رواية «الخادمة»، تكون مارغريت آتوود تلميذة نجيبة لفرجينا وولف وسيمون دي بوفوار.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».