إيران تحاول كبح الاستفزازات بالقرب من الانتخابات الأميركية

إيران تحاول كبح الاستفزازات بالقرب من الانتخابات الأميركية
TT

إيران تحاول كبح الاستفزازات بالقرب من الانتخابات الأميركية

إيران تحاول كبح الاستفزازات بالقرب من الانتخابات الأميركية

بعد التوترات المتزايدة التي كادت تفضي إلى حرب، خففت إيران من نهجها تجاه الغرب وانتقلت من سياسة الاستفزاز إلى سياسة «تعاون محدود».
ويعكس التغيير الجديد محاولة تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، والتي يقول الإيرانيون إنها «قد تفيد» الرئيس دونالد ترمب في الانتخابات المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ما من مكان يعكس التغيير مثل العراق، حيث دعمت إيران رئيس الوزراء المدعوم من أميركا، وأمرت الميليشيات العميلة بوقف هجماتها الصاروخية على القوات الأميركية.
وفي حين أن الأميركيين يرفضون علانية أي تغيير في الموقف الإيراني، فقد جاء ردهم هادئاً وبطرق متواضعة وغير مباشرة.
وتمثل المتنفسات الأخيرة مجتمعة انفراجاً أوليّاً. وحتى لو لم تستمر أو تؤدي إلى إنهاء الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة، فقد خفضت بالفعل من سخونة العلاقة وقللت من خطر الصراع المفتوح.
وفي هذا الصدد، قالت زميلة «معهد الشرق الأوسط» رندة سليم إنه «من غير المحتمل أن تحدث حرب، لكن لا يزال خطر المواجهة قائماً. غير أنها أقل احتمالية؛ لأن نية اللاعبين الأساسيين تغيرت. فإيران والولايات المتحدة لا تريدان حرباً قبل 6 أشهر من الانتخابات الأميركية».
وقال محللون إن «التحول الإيراني الذي لم تعلنه أو تبينه علناً يبدو تكتيكياً»، مشيرين إلى أن البلاد لا تزال تعارض بشدة طلب إدارة ترمب إعادة التفاوض على اتفاقها النووي مع الغرب، وأنها لم تتراجع عن هدفها في إطاحة الجيش الأميركي من الشرق الأوسط. وعلناً، لا يزال كلا البلدين متورطاً في حرب كلامية.
لكن الإشارات الأخيرة لخفض التصعيد كانت مهمة:
- فبعد شهور من هجمات الكرّ والفرّ على القوات الأميركية في العراق والتي دفعت الولايات المتحدة وإيران إلى حافة الحرب في يناير (كانون الثاني) الماضي، ألغت إيران الميليشيات العميلة وتوقفت الهجمات إلى حد كبير.
- وعندما اختار البرلمان العراقي رئيس الوزراء المدعوم من الولايات المتحدة الشهر الحالي، وافقت إيران، التي لعبت دوراً فعالاً في اختيار الحكومات العراقية السابقة، في النهاية على الاختيار وساعدت في توليه منصبه.
- في أبريل (نيسان) الماضي، تواصلت إيران مع الولايات المتحدة لفتح مفاوضات لتبادل الأسرى، وعرضت الإفراج عن جندي أميركي مخضرم تحتجزه إيران مقابل طبيب أميركي إيراني محتجز من قبل الأميركيين.
- تم تقليص الهجمات على السفن التجارية والناقلات في الخليج العربي التي هددت واحداً من أكثر ممرات الشحن ازدحاماً في العالم خلال معظم فترات العام الماضي، وإن لم تنتهِ الهجمات تماماً.
ويشير دبلوماسيون ومسؤولون ومحللون عراقيون وإيرانيون إلى مجموعة من أسباب التغيير، بما في ذلك الخوف من الحرب مع الولايات المتحدة. وأشاروا أيضاً إلى أن إيران تجاوزت حدودها - مكافحة وباء فيروس «كورونا»، واقتصاد الصهاريج، واضطرابات عامة في الداخل - وتحتاج إلى الحد من كل ذلك.
وتفاجأت طهران عندما رد الأميركيون على مقتل مقاول أميركي في العراق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بقتل قائد «فيلق القدس» الإيراني، قاسم سليماني. وهددت الولايات المتحدة برد غير متناسب إذا قتل أميركي آخر، وهو أمر لا يمكن لإيران تحمله.
وكتب السفير الإيراني السابق لدى الصين، محمد حسين مالك، في مجلة «الدبلوماسية الإيرانية» في أبريل يقول إن «إيران تعيد تعريف سياساتها الإقليمية بعد الجنرال سليماني. فهي تعيد تنظيم أوراقها، وتعيد تقييم قدراتها، ودخلت الساحة بمنظور وخطة جديدتين».
خلصت إيران أيضاً إلى أن التوترات المتصاعدة مع الولايات المتحدة يمكن أن تثير نزاعاً مسلحاً قد يكون مؤلماً لإيران، لكنه سيفيد ترمب سياسياً، مما يحسن من فرص إعادة انتخابه، وفقاً لأشخاص مطلعين على السياسة. فمنذ توليه مهام منصبه، انسحب ترمب من الاتفاقية النووية مع إيران وفرض عقوبات اقتصادية معوقة دمرت الاقتصاد الإيراني.
وقال أحد مستشاري وزارة الخارجية الإيرانية إنه حتى «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» الذي يدير ميليشيات بالوكالة من العراق إلى لبنان - أمر «بالعمل بشكل محافظ والإبقاء على حالة الترقب والانتظار» حتى نوفمبر المقبل.
بالإضافة إلى الانتخابات الأميركية في نوفمبر، فإن إيران تتطلع إلى قرار لمجلس الأمن الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل يحدد ما إذا كان سيجري تمديد حظر دولي على الأسلحة ضدها. وقال محللون إن إيران حتى ذلك الحين تريد تجنب عزل أعضاء مجلس الأمن.
وتبرر إدارة ترمب «حملة الضغط القصوى» ضد إيران، بما في ذلك العقوبات والتهديدات العسكرية، بسعيها إلى إرغام طهران على إعادة التفكير في استراتيجيتها.
وقد صرح المبعوث الأميركي الخاص بإيران، برايان هوك، الثلاثاء بأن «الضغط يؤتي ثماره. لأكثر من 3 سنوات، قمنا باحتواء إيران والتصدي لها من خلال الردع والدبلوماسية. كما انكسر النظام بسبب عقوباتنا. واليوم يواجه قادة إيران خياراً: إما التفاوض مع الرئيس ترمب، وإما مواجهة الانهيار الاقتصادي».
وأشار الأميركيون إلى أن الهجمات في الخليج العربي قد توقفت بعد أن أمر ترمب البحرية بإغراق أي سفن إيرانية تضايق السفن الأميركية.
في الوقت نفسه، ورغم التصريحات «كل شيء أو لا شيء»، فقد تعاملت الولايات المتحدة مع إيران بشكل غير مباشر. فبعد أن قبلت إيران المرشح المدعوم من الولايات المتحدة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، منحت الولايات المتحدة العراق إعفاءً لمدة 4 أشهر من العقوبات الأميركية على إيران حتى تتمكن بغداد من شراء الغاز من طهران. وكان التنازل - أطول من التنازل المعتاد من 30 إلى 45 يوماً - بمنح إيران حق الاستفادة من الأموال في حالات الحاجة الشديدة.
شمل اتصال آخر بين الخصمين مناقشات حول تبادل محتمل للسجناء شارك فيه الضابط البحري الأميركي المخضرم مايكل وايت، وطبيب إيراني محتجز لدى الولايات المتحدة. يبدو أن المحادثات قد توقفت في الأيام القليلة الماضية، لكن لا يبدو أن أياً من الطرفين قد تخلى عنها.
وفي لفتة محتملة أخرى، قال محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، في مارس (آذار) الماضي، إن الولايات المتحدة سمحت بالإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المجمدة في دول ثالثة لصالح إيران، رغم أن المفهوم على نطاق واسع أن المدفوعات كانت لشراء النفط.
وينفي المسؤولون الأميركيون أن يكونوا قد سمحوا بدفع أي أموال مجمدة لإيران.
ويصف المحللون الغربيون التحولات الإيرانية بأنها «تتكيف مع الأوضاع المتغيرة».
وفي هذا الإطار، ذكر زميل بارز لمؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، جاريت بلانك، أن «ما رأيناه يصدر عن إيران خلال الشهرين الماضيين يسهل تفسيره على أنه تحول تكتيكي على المسرح، وليس تغييراً استراتيجياً».
وقال مسؤولون إيرانيون في العراق حيث كان التراجع ذهاباً وإياباً مع الولايات المتحدة أكثر شفافية، إن «إيران كانت في النهاية أكثر اهتماماً باستقرار العراق من تثبيت مرشحها المفضل».
كما أدانت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العراق في الخريف الماضي والتي أدت إلى استقالة رئيس الوزراء السابق، نفوذ إيران وقوة الميليشيات العميلة لها.
وبحلول مارس الماضي، حيث لا يزال البرلمان غير قادر على الاتفاق على رئيس وزراء جديد، كان العراق يواجه مجموعة من المشكلات الأخرى أيضاً؛ فقد أدى انخفاض أسعار النفط إلى حرمان الحكومة من مصدر دخلها الرئيسي، وأغلقت القيود المفروضة لمكافحة جائحة فيروس «كورونا» مفاصل الاقتصاد.
تعتمد إيران على الاقتصاد العراقي بوصفه سوقاً لسلعها ومصدراً غير مشروع للدخل من خلال الميليشيات المدعومة من إيران. وفي هذا السياق، قالت أريان تبتباي، زميلة «معهد الشرق الأوسط» بـ«صندوق مارشال» الألماني، إن «إيران ترى العراق إحدى أهم دولتين لديها من ناحية أمنها، لأنها تعلم أن ما يحدث في العراق لن يبقى محصوراً في العراق».
في أبريل الماضي، جاء إسماعيل قاآني، الذي حلّ محل سليماني قائداً لـ«فيلق القدس»، إلى بغداد برسالة واضحة. وصرح لكبار القادة السياسيين العراقيين بأن طهران كانت منزعجة من الفوضى الاقتصادية في العراق، وأن «الأمور ليست على ما يرام في العراق، ولا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو؛ لأن العراق سيصبح عبئاً على إيران»، وفقاً لأحد كبار القادة السياسيين العراقيين الذي التقى قاآني.
وبعدما أصبح العراق على وشك الانهيار وبعد تهديد الأميركيين بإنهاء الإعفاءات من العقوبات على العراق ورفض مساعدة اقتصادها المتعثر، لوحت إيران بإشارات.
وقال سياسي عراقي بارز طلب عدم نشر اسمه إن «إيران بالغت في تدخلاتها، وقد استنزفت: في لبنان وسوريا ثم الاحتجاجات في الخريف، وحقيقة أن الشيعة احتجوا على إيران أدت إلى شعورهم بالهزيمة».
ولم تقبل إيران فقط (رئيس الوزراء العراقي مصطفى) الكاظمي الذي اختارته الولايات المتحدة، بل ضغطت أيضاً على الأطراف المتحالفة معها في العراق لدعمه. وهو ما عدّه المسؤولون الغربيون نصراً.
قال دبلوماسي غربي بارز طلب عدم نشر اسمه: «الحكاية منذ عام 2003 هي أن الغرب سمح للسياسة العراقية بالتحول نحو إيران. لكن في الواقع هنا، هذه المرة، دعم الأميركيون والبريطانيون الكاظمي من البداية، ولم تفعل إيران ذلك، وكانت إيران هي من تحركت قليلاً».

*خدمة «نيويورك تايمز»



تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
TT

تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)

شارك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس شخصياً، خلال الأسبوعين الماضيين، في محادثات غير مباشرة مع إيران، بهدف التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات، بحسب ما كشف موقع «أكسيوس» نقلاً عن مصدرين مطلعين على هذه الاتصالات.

دور فانس يعكس مساعي واشنطن للخروج من الحرب

وبحسب «أكسيوس» يعكس انخراط فانس المكثف في هذه المحادثات توليه مسؤولية إخراج الولايات المتحدة من حرب حمّلها مسؤولية الخسارة الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات هذا الأسبوع. كما يرفع مستوى الجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة إلى أعلى المستويات داخل الإدارة الأميركية.

وقال مسؤولون أميركيون ومصادر إقليمية للموقع إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستعد، في الوقت الراهن، لمنح الجهود الدبلوماسية فرصة للمضي قدماً، ويريد معرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى أي نوع من الاتفاق.

اتصالات شبه يومية مع وسطاء قطريين وباكستانيين

وكشفت مصادر مطلعة مباشرة على المحادثات لـ«أكسيوس» أن فانس يجري اتصالات شبه يومية مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ووسطاء آخرين، لمناقشة المفاوضات مع إيران.

ويشارك في هذه الجهود أيضاً المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مستشار ترمب وصهره.

وأضافت المصادر أن فانس والوسطاء القطريين والباكستانيين ناقشوا إمكانية عقد اجتماع فني على مستوى الخبراء بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام المقبلة، إلا أن هذا الاجتماع لم يُعقد حتى الآن.

فانس سبق أن عارض الحرب ودافع عن الحل الدبلوماسي

وكان فانس من أكثر الأصوات تشككاً في الحرب داخل الدائرة المقربة من ترمب قبل اندلاعها في نهاية فبراير (شباط)، إذ دعا بدلاً من ذلك إلى التوصل إلى حل دبلوماسي.

وقاد فانس الفريق الأميركي المفاوض في قمة أبريل (نيسان) بشأن إيران، والتي عُقدت في إسلام آباد، كما شارك شخصياً في المحادثات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو (حزيران).

ثم ترأس الوفد الأميركي في جولة من المحادثات المباشرة مع إيران في سويسرا، وانتهت بتعهد إيراني بدعوة مفتشي الأمم المتحدة إلى زيارة منشآتها النووية.

لكن «الحرس الثوري» الإيراني استأنف هجماته على السفن بعد ذلك بوقت قصير، ما أدى إلى انهيار مذكرة التفاهم.

رسالة من فانس إلى مسؤول إيراني لاستئناف المفاوضات

أما التطور الأبرز وفق «أكسيوس»، فكان قبل أسبوعين، إذ بعث فانس برسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، واقترح فيها استئناف المفاوضات المباشرة.

وبحسب الموقع، قال مسؤولون إيرانيون إن رسالة فانس أسهمت في إيجاد زخم إيجابي باتجاه استئناف المفاوضات.

تقدم بطيء في الوساطة وإشارات إلى إمكان التوصل لاتفاق

وأشارت مصادر مشاركة في جهود الوساطة، وفق «أكسيوس»، إلى أن المحادثات أحرزت تقدماً، لكن بوتيرة بطيئة جداً.

وقال رئيس الوزراء القطري، مساء الجمعة: «عملنا خلال الأسبوعين الماضيين مع زملاء في الإدارة الأميركية لديهم نية حقيقية لإيجاد سبيل لاحتواء الوضع، وخفض التصعيد. وبفضلهم، وبفضل الأصوات الحكيمة في طهران، تمكّنا من منع خروج الوضع عن السيطرة».

وأضاف أن المحادثات مع إدارة ترمب استمرت بعد الانتخابات النصفية، وإن لم تكن بالوتيرة نفسها التي شهدتها الأيام التي سبقتها، «لأن لديهم قضايا أخرى».


«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
TT

«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)

كانت مجموعة من الدبلوماسيين الأميركيين تستقل مروحية إسرائيلية في أوائل عام 1960، عندما لفت انتباه أحدهم موقع بناء يمتد في صحراء النقب، على بعد نحو 20 ميلاً غرب البحر الميت.

وأشار المسؤول الأميركي إلى الموقع، وسأل مرافقه الإسرائيلي، عدي كوهين، من وزارة المالية، عن طبيعة المنشأة التي يجري تشييدها، فأجابه كوهين بأنها «مصنع للمنسوجات»، وفق ما قاله للأميركيين، ومن بينهم السفير الأميركي لدى إسرائيل آنذاك، أوجدن ريد.

لكن ما رآه الراكب كان منشأة ديمونا النووية، التي تُعرف اليوم بأنها مهد الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. ولم يمر سوى عدة أشهر قبل أن يطالب ريد بعقد اجتماع مع كوهين، بعدما تمكنت أجهزة الاستخبارات الأميركية من تحديد الطبيعة الحقيقية لموقع البناء.

وجاء في برقية دبلوماسية أميركية سرية، ضمن مجموعة من الوثائق التي رفعت عنها السرية وجمعها أرشيف الأمن القومي، وتتضمن تفاصيل رحلة المروحية: «تعامل كوهين في البداية مع الأمر باستخفاف، لكن الانطباع الذي تكوّن هو اعتقاده بأن المفاعل يمكن استخدامه في نهاية المطاف لأغراض تسليحية».

وبعد خمس سنوات اكتشف مسؤولون أميركيون معنيون بالملف النووي اختفاء مئات الأرطال من اليورانيوم المخصب بدرجة تصلح لصنع الأسلحة من منشأة في ولاية بنسلفانيا. ورأى بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية أن هذه الكمية حُوّلت لاستخدامها في البرنامج الإسرائيلي، وهو ما أشار إليه أيضاً فيلم وثائقي حديث، وفق ما أفادت شبكة «سي إن إن» الأميركية.

تعبير شائع على الأسلحة

وعلى مدى السنوات الستين التالية حافظت الولايات المتحدة وإسرائيل على موقف ملتبس، فلم تعترف أي منهما بتطوير الترسانة النووية الإسرائيلية. وأصبح رد كوهين العفوي على الدبلوماسيين الأميركيين، عندما وصف منشأة ديمونا بأنها «مصنع للمنسوجات»، تعبيراً شائعاً يستخدمه المسؤولون الإسرائيليون للتلميح إلى أسلحة البلاد النووية. حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أشار إلى واقعة «مصنع المنسوجات» خلال اجتماع مع رئيس لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية في خطاب ألقاه في 14 يوليو (تموز).

وتحول الأمر بمرور الوقت إلى ما وصفه المؤرخ الإسرائيلي الأميركي أفنير كوهين بأنه «أسوأ سر معروف في العالم». وتقوم السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً على التعتيم، أو الغموض، من خلال التلميح إلى امتلاك إسرائيل أسلحة نووية، من دون تأكيد ذلك رسمياً.

وساعدت هذه السياسة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقف معلن يعارض تطوير دول إضافية أسلحة نووية، كما جنّبت إسرائيل التساؤلات بشأن كيفية حصولها على القنبلة، أو ما إذا كانت قد حصلت عليها بالفعل.

لكن هذا الوضع المستقر قد يكون في طريقه إلى التغير، مع تقدم البرامج النووية لدول أخرى في المنطقة. فالولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حرباً ضد إيران -جزئياً- لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، رغم أن خبراء بارزين في منع الانتشار النووي يرون أن هذه الجهود قد تكون غير مجدية.

وقد يبدو أن الدعم الأميركي الذي ظل راسخاً لطموحات إسرائيل العسكرية بدأ يتآكل. ففي يوم الثلاثاء قال الرئيس دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قد توقف نحو 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل مع نهاية العام، لأنها «لم تعد بحاجة إليها». كما دأب عدد من المشرعين الديمقراطيين ومجموعات الضغط خلال السنوات الأخيرة على المطالبة بإنهاء ما وصفوه بتظاهر الولايات المتحدة بعدم معرفة حقيقة الأسلحة النووية الإسرائيلية.

وقال النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن الموقف الأميركي القائم على الغموض تجاه الترسانة الإسرائيلية أصبح سياسة متقادمة «تحولت إلى أمر متهور وخطير».

وأشار كاسترو، العضو في لجنتي الشؤون الخارجية والاستخبارات بمجلس النواب، إلى أن خوض الولايات المتحدة حرباً إلى جانب إسرائيل من دون معرفة «الخط الأحمر» الذي قد يدفعها إلى استخدام السلاح النووي، ومن دون توضيح خطط الطوارئ في حال استخدام تلك الأسلحة، أو استهداف المنشآت النووية بضربات عسكرية، كل ذلك ينطوي على مخاطر.

سر يعرفه الجميع

وإذا جرى التخلي عن سياسة الإنكار الضمني، فسيكون ذلك مدخلاً لإعادة النظر في جذور التكنولوجيا النووية الإسرائيلية، وسنوات من المناورات التي استهدفت منع ظهور أدلة قاطعة على وجود البرنامج التسليحي.

فالمفتشون الأميركيون لم يعثروا قط على المنشأة السرية تحت الأرض في ديمونا، التي استُخدمت لإنتاج البلوتونيوم الصالح لصنع القنابل. ووفقاً لفيلم وثائقي تلفزيوني باللغة العبرية عُرض عام 2024 بعنوان «الذرة وأنا»، وشمل مقابلات نُشرت بعد وفاة رئيس سابق لجهاز استخبارات إسرائيلي كان مكلفاً بدعم البرنامج التسليحي، كان مسؤولون إسرائيليون يعمدون إلى إغلاق مدخل المصعد المؤدي إلى المنشأة قبل وصول المفتشين.

وقد يؤدي الكشف عن هذه المعلومات أيضاً إلى مزيد من تقويض مصداقية الولايات المتحدة، في وقت تواصل فيه معارضة انضمام دول أخرى إلى النادي النووي. كما قد يفضي إلى فرض عقوبات اقتصادية، أو حظر مبيعات الأسلحة لمعاقبة الدول الساعية إلى امتلاك القنبلة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن «السياسة المتبعة منذ فترة طويلة تقضي بعدم تعليق الوزارة علناً على التقارير المتعلقة بمنظومات أو أوضاع عسكرية محددة».

ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق، فيما أحالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن استفسار «سي إن إن» إلى مكتب رئيس الوزراء، الذي لم يقدم رداً.

وقال ماثيو كرونيغ، الخبير الاستراتيجي في الشؤون النووية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون: «إذا أعلنت إسرائيل أنها دولة نووية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على دول أخرى في المنطقة لتحذو حذوها. وسباق تسلح نووي منفلت في الشرق الأوسط ليس أمراً جيداً للسياسة الأميركية».

وخلال جلسة استماع علنية أمام الكونغرس في يونيو (حزيران)، واجه كاسترو وزير الخارجية ماركو روبيو بأسئلة بشأن هذه المسألة.

وقدم روبيو، الذي يُعد ثاني أميركي بعد هنري كيسنجر يتولى في الوقت نفسه منصبي كبير الدبلوماسيين ومستشار الأمن القومي، ربما أكثر التقييمات العلنية صراحة التي يقدمها مسؤول دبلوماسي أميركي بشأن هذه المسألة.

وقال روبيو: «أعتقد أن معظم دول العالم ترى أنهم يمتلكونها، لكننا لم... هم لم يعترفوا بذلك علناً. وباعتبار ذلك جزءاً من سياستنا الخارجية، فإننا لا نتحدث عن الأمر بهذه الطريقة أيضاً، لأسباب متعددة».

بناء سياسة الإنكار

قال خبراء لـ«سي إن إن» إن سياسة السرية نشأت بدافع ضرورات الحرب الباردة. فقد خشيت الولايات المتحدة وإسرائيل أن يؤدي الكشف عن البرنامج إلى إطلاق برامج نووية عسكرية عربية برعاية الاتحاد السوفياتي، كما خشيت إسرائيل التداعيات الدبلوماسية التي قد تترتب على إعلانها رسمياً دولة تمتلك أسلحة نووية.

وفي العام نفسه الذي اكتشفت فيه المنشأة في بنسلفانيا اختفاء اليورانيوم، زار هنري كيسنجر تل أبيب، وأطلع كبار مسؤولي البعثة الأميركية في السفارة على محادثاته مع الإسرائيليين.

وكان كيسنجر، الذي عمل آنذاك أستاذاً في قسم العلوم الحكومية بجامعة هارفارد، مستشاراً للسياسة الخارجية لدى عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة. وبعد أقل من أربع سنوات، وتحديداً في عام 1969، تولى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون.


الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
TT

الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)

أكد الجيش الإيراني أنه أصبح «أقوى» وأكثر استعداداً مما كان عليه عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في فبراير (شباط)، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية اليوم (السبت).

ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية عن المتحدث باسم الجيش، محمد أكرمي نيا، قوله إن القوات الإيرانية «في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب، بفضل خبرتها في المواجهة المباشرة مع أميركا والكيان الصهيوني»، مضيفاً أنها «اكتسبت حافزاً والتزاماً وثقة أكبر بالنفس».