الكتابة... في مواجهة الانتحار

مبدعون يستعيدون اللحظة الحرجة عبر أعمالهم وتجاربهم

الكتابة... في مواجهة الانتحار
TT

الكتابة... في مواجهة الانتحار

الكتابة... في مواجهة الانتحار

ماذا يفعل المبدع حين ينخفض سقف الحياة، ويصل إلى حافة لحظة حرجة يتفاقم فيها الإحساس باللاجدوى، ويصبح كل شيء على شفا الانتحار؟ في هذا التحقيق يتحدث كتاب وشعراء عن تجربتهم مع تلك اللحظة الحرجة، وكيف واجهوها بالكتابة حتى أصبحت طوقاً للخلاص والنجاة لهم من هذه المحنة.

سيد الوكيل (روائي مصري): تطهير من الحزن
كان لوفاة أبي أثره النفسي السيئ عليّ، خاصة أني عشت معه تفاصيل مرضه قبل الموت، وقضيت معه أربعين يوماً في المستشفى، أتابع حالته الصحية، وأراه كل يوم وهو في حالة سيئة، وتأثرت بما يعانيه. بعد وفاته، أصبت بحالة اكتئاب، وتصورت أن الكتابة قد تطهرني من الحزن والوجع، وأنها قد تخلصني من إحساس بذنب على خطأ قد أكون اقترفته يوماً في حق أبي وأمي. وبالفعل، كتبت رواية «الحالة دايت» التي صدرت في عام 2012.
في الرواية، قدمت رؤيتي عن الموت، وحملتها بقدر كبير من البوح، إذ يعد الفصل الأول منها كتابة ذاتية، وكنت أتصور أن الكتابة عن وجعي قد تطهرني، لكن اكتشفت أن العكس صحيح، فالكتابة تثبت الشعور الداخلي، وتقويه في ذات المبدع، لأنها تجعلني أعيش التجربة مرة أخرى بكل تفاصيلها، وعند العودة مرة أخرى لما كتبته بعد مرور وقت، وقراءة ما كتبته، يداهمني الإحساس ذاته الذي كنت فيه ساعة الكتابة بكل وجعه وتفاصيله.

نورا ناجي (روائية مصرية): بديل للانتحار
بدايتي مع الكتابة كان السبب فيها رغبتي في الهرب من التفكير في الانتحار؛ كنت مصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وأعيش في بلد غريب بعيد، لا أتحدث لغته ولا أعرف شوارعه، وحيدة جداً ومحبطة. وفي لحظة كنت جالسة على مقعد خشبي في حديقة، وخلفي جبل ضخم بدا وكأنه جاثم على صدري، قررت أن أكتب، فكتبت رواية «الجدار» في عام 2014.
في العام التالي، انفصلت عن والد ابنتي، وعدت إلى مصر مع طفلة صغيرة؛ كنت مرتبكة غير متوازنة. ويبدو أن نشر الرواية في عام 2016 أنقذني من هذا التخبط؛ شعرت بأنني قمت بإنجاز ما، وبدا وكأني تطهرت نفسياً من كل إحباطاتي وفشلي، لكن الاكتئاب لم يختفِ، كان يعود في نوبات قاسية؛ كتبت من قبل أنني كدت أقفز من شرفة البيت، ولم يمنعني سوى حبال الغسيل الممتدة، وخوفي من أن تعيقني عن السقوط، وفي اللحظة نفسها وقفت طفلتي خلفي تغني لي وتخبرني أنها تحبني، بكيت كثيراً جداً وقررت الذهاب للطبيب النفسي.
تمارين الكتابة مع الطبيب جعلتني أعود مرة أخرى لنسج رواية، فكتبت «بنات الباشا» التي نشرت في 2018. والحقيقة أنها كانت حزينة جداً، لكن في الوقت نفسه أسدت لي من جديد خدمة التطهير النفسي، والتخلص من المخاوف والإحباطات. الكتابة تنقذني في كل مرة أشعر فيها أنني فرغت من الحياة أو استسلمت، الكتابة تمنحني طاقة للعودة والمحاربة من جديد؛ يعني الكتابة تحييني من دون أي مبالغة.

موسى حوامدة (شاعر فلسطيني): الهروب من مسلسل {كورونا}
بسبب ظروف الحجر في مصر، وعدم قدرتي على السفر بعد إغلاق كل شيء، شعرت بالاختناق والضيق، وبات لا مناص من السجن الاختياري أو الإجباري لا فرق، بت لا أميز بين الليل والنهار. نعم، سبق أن سُجنت أكثر من مرة، وعشت مرارة الحبس الانفرادي، لكن ذلك حدث في وقت سابق، كان الجسد والروح ربما أقوى على التحمل، أما الآن لن أقول أني فكرت بالانتحار، لكني وصلت إلى حافة الكآبة، خاصة أنه لم يكن أمامي سوى متابعة الأخبار عبر التلفزيون التي تعزف كلها على الوتر نفسه للمرض والموت، فحفظت المذيعين والمحللين، وإحصائيات انتشار المرض، وأعداد الموتى، وكدت أجن، لدرجة وصلت معها إلى اليأس وفقدان الأمل.
وفي هذه الأثناء، تذكرت الكتابة، لكني شاعر، والشعر لا يحل الأزمة، فالقصيدة تأتي مرة واحدة وتنتهي، فذهبت لإعادة النظر فيما كنت كتبته من سيرتي الذاتية منذ سنوات بعيدة، وكنت أركن ذلك لقادم الأيام، قلت لعل نجاتي هنا في إعادة النظر ليس فيما كتبت، بل فيما لم أكتب، وبدأت بالفعل منذ أيام أكتب مقدمة للسيرة، فصارت المقدمة مادة جديدة لا بد أن تتصدر الكتاب، أو لعلها تأخذ منحى آخر. فعلاً، الكتابة أنقذتني من الجنون والهم والغم، ومن متابعة مسلسل كورونا، فالكتابة هي قارب نجاة من المرض النفسي أو الكآبة، وحتى الانتحار، ولولاها لانفجرت غيظاً.

سونيا بو ماد (روائية لبنانية): رحمة من السماء
في لحظات انعدام الثقة في الواقع والناس، لن تشغلنا النتيجة التي باعتقادنا لن تكون بأسوأ الاحتمالات من واقعنا على الأرض، لهذا نفكر في وقت ما بالانتحار مطمئنين أرواحنا بأننا أصحاب القرار الأخير حين تكون الحياة أشدّ قسوة مما نستطيع تحمله، وتلوح صرخة واحدة في أذهاننا: «سأجعلكم تندمون وتبكون وتحاسبون أنفسكم على وجعي، وإن كان ثمن هذا حياتي». لقد كنتُ واحدة من هؤلاء الأشخاص، حيث راودتني هذه المشاعر، لكني لم أستطع أن أكون أشدّ قسوة من الأرض وأهلها.
في عيادة الطب النفسي أحاول أن أشبه الأرض وأهلها، وأن أعاملهم بالمثل دون أن أموت، أحاول أن أتقن الكذب والتملق والتمثيل والقسوة، إن نجحت في ذلك سيبقى باب النهاية موصداً حتى إشعار آخر أقرره بنفسي، وإن لم أنجح حينها سيضاف اسم آخر إلى جانب فرجينا ولف وداليدا وآخرون كثُر ماتوا بصمت. لكني إلى الآن لم أنسَ رحمة السماء التي أعطتني بيدي الثانية مفتاحاً آخر، إنها الكتابة التي تراقص روحي وذاتي وكينونتي، أفتح بها باب السعادة والأمل، باب الرسائل في روايات قصيرة وطويلة، ومسرح، وروايات، وخواطر، وقصص أطفال لنبدأ بالإصلاح قبل ابتداء المشكلات.
أدخلتني الكتابة إلى عالم الطمأنينة الذي يختبئ بالقرب من باب النهاية، ما زلت أبكي بعد نهاية كل رواية، أبكي كي لا أعود إلى الواقع، إلى عالم يحكمني ولا أحكمه، ألملم شجاعتي وأبدأ بالكتابة من جديد، أبحث في دائرة أكبر وأوسع عن أناس تشبهني، تجد ما تبحث عنه في كتاباتي. أكتب عن القاتل وأحاكمه، أحتضن الزانية وأمنحها السلام، أقبض على السارق وأعطيه تلك الحلوى التي سرقها أول مرة ليتذوّقها.

أحمد إبراهيم الشريف (روائي مصري): وقود الكتابة
الكتابة ابنة الشعور، وليدة الحزن أو الفرح، كما أن الألم جزء أساسي منها لأنه يختصر معنى العالم في لحظة واحدة، وكم مرة كنت شاهداً على ألم قاسٍ وفقد موجع؛ رأيت أماً تفقد ابنها الوحيد وتقف لا تعرف ماذا تصنع في هذه الحياة الضنينة، وكتبت ذلك؛ هذا الألم هو وقود الكتابة.
في روايتي «طريق الحلفا»، اقتربت من حافة الموت، وهي ليست فكرة فلسفية فقط، لكن لها أصلاً في الواقع. كنت طفلاً صغيراً أسبح في النيل تحت الماء، وعندما طفوت برأسي كان مركب شراعي كبير قد اقترب مني، كاد يصطدم برأسي، وذلك يعني النهاية. وقتها، لم أشعر بالفزع، لقد استسلمت وانفتحت روحي على اتساعها من الرحابة، وانتظرت أن يلامسني قاع المركب الخشبي الثقيل، وفجأة جذبني أحدهم من ذراعي وأبعدني فارتعبت. ظل هذا الإحساس يسكنني، ولم يفارقني أبداً، لذا فإنني في رواية «طريق الحلفا» كتبت فصلاً بعنوان «مديح الموت»، كتبته بكل المشاعر التي في داخلي، بمعرفتي الكاملة أن ألم الموت ليس من نصيب الميت، لكنه من نصيب أحبابه.

عزة حسين (شاعرة مصرية): حياة بديلة
«لا تكتب الشعر إلا إذا كنت تشعر أنك ستموت إذا لم تفعل»... أتوقف كثيراً أمام تلك الجملة، متسائلة هل كان ريلكة يدرك أنه يقترح على الشاعر الشاب الشعرَ كحياة بديلة، كنجاة، أو وصفة شفاء مجربة. أذكر أنني امتثلت لهذه النصيحة ضمنياً قبل خمسة عشر عاماً، لم أكن قد قرأت ريلكة، ولا التقيت أحداً من مريديه، ولم تكن مدارس التداوي بالفن والرقص والكتابة مطروحة كما هو الحال الآن، ولا أعرف كيف نبت الشعر خياراً منافساً للانتحار، وكيف صمد حتى اكتمل بين يدي ديواني الأول في قصيدة النثر «على كرسي هزاز» التي كانت وقتها خياراً فنياً جديداً بالنسبة للطالبة التي كنتها.
صدر لي من بعده ديوانان: «ما لم يذكره الرسام» و«من شرفة موازية لشريط قطار»، لكنني إلى وقت قريب كنت كلما اضطررت لمعاودة قراءته أو بعض قصائده، وتذكرت كيف كنت أفكر أو أشعر وقت كتابتها، أوقن أن بإمكان الشعر أن يجعلك تتأمل حياتك كناجٍ. المشكلة هي عندما تؤمن أنت بذلك، عندما تتأكد أن الشعر -الإبداع عموماً- هو نفسه الألم الذي لا معنى للحياة من دونه، كما يقول شوبنهاور، فلا تطيق وجودك في غيابه، خاصة إذا كنت من هؤلاء الذين لا يكتبون إلا إذا شعروا بأنهم سيموتون إن لم يفعلوا! للأسف الذين اقترحوا الكتابة بصفتها علاجاً لم يقترحوا علاجاً لحبسة الكتابة، حيث تنتظر من كل صفحة بيضاء أن تمنحك الأمل بنجاة جديدة.

عماد غزالي (شاعر مصري): الكتابة فعل مقدس
في تجربتي الخاصة مع الكتابة، اختبرت لحظات كثيرة جعلتني أعيد توصيف لحظة الألم، فهي أشبه بعملية جراحية يجريها الوعي المختبئ لذاته، نستخرج عبرها جمرة ملتهبة من الأعماق، كنا قبل الكتابة لا نعرف صفتها أو مكانها، نعرف فقط مقدار الألم ووقع تصاعده. وإذا شارفت الكتابة رحابة الإبداع، فإنها تتجاوز كونها بوحاً أو تطهراً أو تنفيساً عن نواتج المعاناة، لتصبح شكلاً من الخلق والفاعلية وإعادة تشكيل وعي الذات بنفسها وبالعالم، ولست أشك في أن كثيراً ممن بدأوا بالكتابة بصفتها بوحاً وعلاجاً للألم استطاعوا عبر المثابرة الوصول لمنطقة الإبداع، تلك التي لا تكتفي بالعبور من حال إلى حال، لكنها تنزع إلى الخلق والتبصر والرؤية الحقة. قد لا يحيط أي وصف بالمعنى الحقيقي للكتابة لأنها فعل مقدس وسر من الأسرار الكبرى، كالحياة والحلم والميلاد والموت.

شاكر عبد الحميد (أستاذ علم نفس الإبداع): تطهير الذات
الكتابة أحد أساليب مواجهة الألم وإخفاقات لحياة، وهي بديلة للانسحاب والانطواء والأمراض النفسية، وطريقة للعلاج، بصفتها وسيلة للوجود وتحقيق الذات، وممارستها تخفض الإحساس بالتوتر، والتجارب في هذا السياق تثبت أن لها آثاراً إيجابية كثيرة، نظراً لقدرتها على تطهير الذات من الوجع والألم، فالإبداع في عمومه منقذ من الهلاك والاكتئاب. أما مهاجمة الاكتئاب للمبدع مرة أخرى بعد انتهائه من الكتابة، فمسألة نسبية تختلف من شخص لآخر، فقد يشعر بعضهم بعد إنجاز مهمة الكتابة بفراغ وخواء يعيده إلى ما نطلق عليه اكتئاب ما بعد الكتابة، خاصة أنه فترة الكتابة كان محتشداً بالطاقة والأحلام، يكرس جهده وتفكيره في إنجاز مهمته الإبداعية، ثم بعد الانتهاء يشعر بعودته لنقطة البداية، وهناك آخرون يتخلصون من الاكتئاب تماماً بالكتابة حتى بعد الانتهاء منها.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.