أيام بيكيت الأخيرة تُلهب خيال مايليس بيسيير في {الزمن الثالث}

الرواية الفائزة بجائزة «غونكور» الفرنسية

مايليس بيسيير
مايليس بيسيير
TT

أيام بيكيت الأخيرة تُلهب خيال مايليس بيسيير في {الزمن الثالث}

مايليس بيسيير
مايليس بيسيير

أصبح لجائزة غونكور الفرنسية الأدبية الرفيعة الآن أربعة فروع، فاز بها أربعة كتّاب وكاتبات: جائزة الرواية الأولى، فازت بها الصحافية الإذاعية مايليس بيسيير عن روايتها «الزمن الثالث»، - منشورات غاليمار -، وجائزة القصة القصيرة التي فازت بها الكاتبة آنا سيير عن مجموعتها القصصية «في قلب الصيف الذهبي»، - دار ميكور دي فرانس -، وجائزة السيرة الذاتية التي فاز بها تيري توماس عن كتابه «هيجو - برات سيرة متشابهة»، - دار غراسيه -، وجائزة الشعر التي فاز بها الشاعر المعروف ميشيل ديغييه عن أعماله الكاملة.
تبدأ الروائية الفرنسية مايليس بيسيير روايتها «الزمن الثالث» هكذا: «كان يلوح من بعيد مبنى أبيض، وهو دار العجزة الذي يحمل اسم (لي تييرز تان) أي، الزمن الثالث، في شارع ريمي ديمونسيل في الدائرة الرابعة عشرة لباريس، حيث تنتصّب شجرة قائمة لوحدها في قلب الفناء. نزلاء دار العجزة ينظرون بعين الشك والريبة إلى هذا العجوز المتقاعد الذي اسمه صموئيل بيكيت، ذي الوجه المظلم المليء بالتجاعيد والثقوب».
صموئيل بيكيت أسطورة الأدب والخيال في فرنسا والعالم، هذا العملاق الذي خلّدت مسرحيته «في انتظار غودو» اسمه في أذهان الفرنسيين والعالم حتى ذهب عنوانها مثلاً شعبياً عن الخواء واللاجدوى والعبث. وكان الوسط الأدبي يطلق على بيكيت الآيرلندي، الذي هاجر إلى فرنسا، لقب «الوحش المقدس لأدب القرن العشرين»، وهو الحاصل على جائزة نوبل عام 1969 عن أعماله، لطالما أثار جدلاً كبيراً عندما فضّل خيار اللغة الفرنسية للكتابة، والتخلي عن لغته الأم الإنجليزية جزئياً، كما فعل الفيلسوف إيمانويل سيوران الذي سيصبح صديقاً له وسيلتقيان بانتظام في باريس عبر مناقشات مكثفة، باعتباره أحد رواد مسرح العبث إلى جانب مؤلفين مشهورين آخرين أمثال يوجين يونيسكو، وجان جينيه وآرثر آدموف.
صموئيل بيكيت الذي اخترع أسلوبه المتفرّد، استطاع أن يلعب بكلمات اللغة التقليدية ويُخرجها من رتابتها المعهودة، جاعلاً من حياته سيرة إبداعية وشكلاً من أشكال الكتابة.
من هذا المنطلق، ألهبت الأيام الأخيرة التي عاشها في دار العجزة خيال الصحافية الإذاعية مايليس بيسيير، لتكتب روايتها الأولى، مستوحية عنوان روايتها من اسم دار العجزة «الزمن الثالث». وتخيلت حياة بيكيت اليومية في جميع تفاصيلها، حيث عاش مجهولاً، وعجوزاً مهملاً، وكأنه ينتظر موت أحد شخصيات رواياته ومسرحياته، لكنه في الواقع، كان ينتظر موته الخاص، ويتجه نحو الصمت الأبدي.
لم تنسخ الكاتبة الوقائع اليومية لحياة الكاتب، بل أبدعت حياة موازية متخيلة لكاتب عظيم يجد نفسه عاجزاً ووحيداً ومهملاً، هذا الذي شغل الناس بإبداعاته في باريس والعالم.
لقد حققت مؤلفة الرواية التوازن الملائم بين الخيال والواقع، من دون فصلهما، بل جعلت القارئ في حالة تشويق لمعرفة أيامه الأخيرة، التي لم يتناولها أحد سوى هذه الرواية. إنه الآن في سن الشيخوخة - 83 عاماً - انسحب من الحياة العامة، وانطوى على نفسه، في عزلة رهيبة، كما عاشها في سائر أيامه، ولكنها الآن أكثر سواداً. وهو يكتشف بنفسه الفكرة التي دارت حولها موضوعات أعماله: العبث واللاجدوى من الحياة. وتنتقل رواية «الزمن الثالث» إلى ذكرياته مع سوزان، زوجته المخلصة، التي أحبّها بيكيت من أعماقه، وتزوج منها في عام 1961. وكانت سنداً له، فلم تمل من طرق أبواب الناشرين من أجل نشر أعماله في البدايات الأولى، بل وتخلت عن مهنتها الموسيقية، وكرست نفسها بالكامل للاهتمام به، وهي تكبره بست سنوات إذ توفيت عن عمر يناهز الـ88 من عمرها في عام 1989 أي قبل خمسة أشهر من رحيله، حيث دُفن بيكيت إلى جوارها في مقبرة مونبرناس في باريس.
وتصور الروائية كيف أن هذا الرجل بدأ يتدهور في أواخر أيامه، وهو الذي كان رياضياً، معتاداً على المشي، فقد أخذ جسده القوي والنحيف يذبل يوماً بعد آخر، حتى كان يردد كما في الرواية: «لا أسمح لنفسي بالتدهور ولا أحاول تخفيف الروابط العزيزة علي، أنا ببساطة رجل عجوز، مرهق ومتعب، تتناهى إلى أسماعي أغنية حفار القبور».
أصبحت أعراض الشيخوخة تبدو عليه بوضوح، وهو يخضع لرعاية الدكتور سيرجنت، وهو أحد أصدقائه، ومرضه هو إصابته بانتفاخ الرئة والانهيار المتكرر، وفقدان الوعي، ولذلك جذر وراثي عائلي من مرض (باركنسون) أو الخرف من جهة الأم، كما كشفت الروائية. ورغم هشاشته الجسدية، كان يصارع الموت، مردداً: «ماذا يمكن أن تطلب عن رجل منهار؟» في هذه الأيام الأخيرة، أدرك بيكيت أن نهايته اقتربت، ومصيره ليس بعيداً عن فحوى مسرحيته: نهاية اللعبة!
نجحت الكاتبة، في روايتها الأولى، في لملمة حياة بيكيت، ووضعها في قالب شعري روائي، ولغة ماهرة ومختصرة ودقيقة، متذكرة الأشخاص الذين صاغوا حياة الكاتب، وعلى الخصوص جيمس جويس، صاحب الأثر الخالد «يوليسيس»، الذي فقد عمله سكرتيراً خاصاً له، ثم أصبحا أفضل صديقين في تاريخ الأدب. وكان القاسم المشترك بينهما حب اللغة، وشغفهما في حب دانتي والكتاب المقدّس والتمرد على القساوسة. وامتدت صداقة بيكيت إلى مرافقة جويس في جميع نزهاته ورحلاته، وتحوله إلى صديق لعائلته، زوجته وأبنائه لوسيا وجورجيو.
تتدفق رواية «الزمن الثالث» في محاكاة موازية لما كتبه صموئيل بيكيت من حوارات داخلية وأسلوب تيار الوعي، بحيث نتخيّل أن بيكيت هو الذي يكتب الرواية عن أيامه الأخيرة، وهذه الحرفية جعلت من الرواية أكثر تكثيفاً وإيجازاً ودقة، وأقرب إلى روح بيكيت وأعماله. هي رواية صغيرة لم تتجاوز 182 صفحة، لكنها مؤثرة ونابضة بالحياة، تجمع بين المسرحية والرواية، وكأننا أمام مسرح حي، فها هي شخصياته الأثيرة تظهر «مالون» في روايته «مالون يموت» أو شخصية «فلاديمير» البطل المُصاب بالعجز في مسرحية «في انتظار غودو». هكذا سيطر صوت بيكيت على الرواية بكاملها وهو يغوص في أعماق حياته، كأننا نقرأ مونولوجاً طويلاً نابعاً من ذات الكاتب الراحل، ومن مزيج أعماله في العبث واللاجدوى، وهو جزء من مسرح العبث الذي كان أحد رواده.
زمن الرواية هو خمسة أشهر من أيام بيكيت الأخيرة، حيث يتحول دار العجزة إلى ما يشبه المسرح، لا يسمع فيه أي شيء سوى صوت سوزان زوجته الراحلة، وصوت جيمس جويس، وجيروم ليندن، ناشره، الذي يقرأ في المترو مخطوطة روايته «مولي»، وهو يقهقه، وكذلك صوت جيرانه الذي يصرخ، لأن قناع الأكسجين وقع منه، وتظهر له أمه «ماي» ويردد: «كان علي أن أقتلها قبل الولادة»!
حاولت الروائية مايليس بيسيير أن تشتبك مع نصوص بيكيت، وتستخرج محتواها الوجودي الأنطولوجي. إنها ليست سيرة لبيكيت بل رواية عنه، تمتزج فيها الفكاهة السوداء والسخرية، والأيام الرتيبة، والذكريات، والعزلة. كلها عناصر تشكّل مجرى هذه الرواية المتفردة، والغريبة، والمبدعة.

- مقطع من الرواية
«لطالما كانت سوزان تجري إلى جانبي طويلاً. عبر الغابة، على الأوراق الميتة والنديّة، نطأ بأقدامنا الجذور المدفونة في الأشجار. ركضنا سوية، والرياح تهّب على حقائبنا الصغيرة، وتدفعنا دائماً إلى أعماق الليل. انتابنا الخوف من قرقعة خطواتنا وصرير أقدامنا. ركضنا إلى أبعد ما يكون، ركضنا من الخوف. سوزان أوجعتها قدميها، ولكنها رغم ذلك استمرت على الركض. أشواك العوسج قرصتنا. سيقاننا تدّق الأرض، شعرتُ بقلبي يركض هو الآخر، مثل سوزان. وهي تقبض على كتفي، ومعطفي، وتتعلق بي لترفع قدميها المتعبتين عن الأرض الثقيلة التي تحملها كعبء كبير، كرصاصٍ يمزّق باطن نعلها».
«في شارع دومونسيل، لم أعد أسمع طيور النورس، ولم أعد أسمع حتى صوت سوزان أو أي صوت آخر. لم أعد أسمع سوى أصوات الماضي. وداعاً... وداعاً... أيام الطفولة البريئة».
«صوت جويس يدفئ قلبي، ويتدفق إلى تحت غطائي القديم. إنه يعزف الموسيقى، وهو يكتب. قدماه تطيران تحت البيانو، بالضغط على محرّك انطلاق الصوت. جويس يصنع الموسيقى والغناء مع لكْنة - كورك - ولكْنة أبيه. تبقى الأصوات جميلة. إنه يغني إلى الأصدقاء: جولاس، جيلبرت، الأخوان ليون، ويغني إلى - نينو -. أسمع ثملاً تحت الطاولة. البيت يهتّز، وفتاة ترقص. إنها الفتاة، ابنة جويس: لوسيا. أغلق عينيّ. عندما ينتهي جويس من تقديم العرض، سوف ينهض على ثلاثة أقدام: قدماه، وعصاته المصنوعة من شجرة الدردار. يقدم لي التحية ويطلب مشروباً لأنه آيرلندي».
ملاحظات حول الملف الطبي: 5689 83/ صموئيل باركلي بيكيت/ الطول: 182 سم/ الوزن: 63 كيلوغرام.
«السيد بيكيت مريض لكنه حريص على استثمار وقته. يقرأ ويكتب في الليل، ويستيقظ متأخراً. بالنسبة لي، اعتدتُ على زيارة غرفته بعد الانتهاء من دورتي على المرضى من الساعة التاسعة وخمسة وأربعين دقيقة إلى العاشرة، حتى لا أضايقه. لم يكن كسولاً بل كان يذهب بنفسه إلى التواليت دون مساعدة الممرضة. إنه مريض صامت، لكنه مهذّب مع العاملين. يتناول وجبات طعامه إلى غرفته، كما يفضّل، ويبقى منعزلاً عن نشاطات النزلاء ولا يشارك بها في دار العجزة».



الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».


أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
TT

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

بعد 4 سنوات من الغياب، يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة»، الذي يُعَول عليه لاستعادة مساره الصحيح كنجم شُباك، تصدرت أغلب أفلامه أعلى الإيرادات، وحقق من خلالها نجاحاً جماهيريا لافتاً، غير أن مجموعة من أحدث أفلامه لم تحقق الإيرادات المعتادة أو النجاح المنشود، على غرار «خيال مآتة»، و«واحد تاني» اللذين عُرضا في عاميْ 2019 و2022.

وتحدَّد يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لعرض فيلم «حدوتة» الذي تشارك في بطولته أمينة خليل وماجد المصري وخالد الصاوي، إلى جانب رحمة أحمد، وشيرين، ومحمد عبد العظيم، ويظهر به بعض نجوم التمثيل ضيوف شرف. والفيلم من إنتاج أحمد بدوي، بمشاركة صندوق «بيغ تايم» السعودي، وكتبه أحمد عبد الرحمن، وإخراج مازن أشرف.

وتدور أحداث العمل في إطار كوميدي اجتماعي، ويؤدي أحمد حلمي من خلاله شخصية رجل فقَدَ والديه منذ طفولته، وتولت تربيته أسرة بديلة، في حين يتعرض لسلسلة من المفارقات الكوميدية والإنسانية التي تؤثر في مسار حياته وتكشف عن جوانب مختلفة من شخصيته.

ويلتقي حلمي في أول تعاون له مع الفنانة أمينة خليل، كما يُعد هذا التعاون الأول بينه وبين المخرج مازن أشرف، الذي يُعد هذا العمل ثاني أفلامه بعد فيلمه الأول «5 جولات».

كان أحمد حلمي قد انتهى من تصوير فيلم آخر، هذا العام، بعنوان «أضعف خلقه»، الذي تُشاركه بطولته هند صبري، وهو من تأليف وإخراج عمر هلال، في ثاني أفلامه بعد «فوي فوي فوي»، وإنتاج محمد حفظي، ويدور في إطار الكوميديا السوداء، وتقرَّر تأجيل عرضه للصيف المقبل.

ويرى الناقد خالد محمود أن استعادة حلمي تألقه فنياً بعد فترة تراجع قد تفتح الباب ليس فحسب لعودته لما كان عليه، بل سوف تسهم كذلك في استعادة أغلب نجوم جيله مكانتهم.

ملصق الفيلم الذي يعيد أحمد حلمي للمنافسة من جديد (حساب أحمد حلمي على «إنستغرام»)

وأضاف محمود، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حلمي نجم محبوب، حقق جماهيرية لافتة عبر اختيارات ذكية، لكن أفلامه الماضية لم تحقق النجاح الجماهيري نفسه، ولم تشهد توحده مع الشخصيات التي يقدمها كأفلامه السابقة التي لم يعتمد فيها على موهبته فحسب، ولكن على ذكاء الفكرة وتفردها، مما وضعه في مكانة مختلفة تَجاوب معها الجمهور بشكل كبير.

ولفت محمود إلى أن «آفة نجوم الكوميديا المصريين عدم العمل على تطوير المشروع الذي يقدمونه وتفضيلهم المنطقة الآمنة، خوفاً من تغيير قد يصيب أو يخطئ، لكن من المهم أن يتجاوز حلمي ذلك، ويستعيد مكانته عبر اختيارات تُحسَب له، وقد يكون فيلم (حدوتة) فرصة أخرى وليست أخيرة، مثل بعض نجوم جيله؛ لأن مكانة حلمي كممثل لم يشغلها أحد، وهناك حالة جيدة تربطه بالجمهور، لكن الغياب لـ4 سنوات لم يكن في صالحه ولا صالح السينما ولا الجمهور».

في السياق نفسه، تستقبل صالات السينما، خلال الفترة المقبلة، عدداً من الأفلام الجديدة، مِن بينها فيلم «ولا كان عالبال» من بطولة نور النبوي وياسمينا العبد في أولى بطولاتها السينمائية إلى جانب أشرف عبد الباقي ومروان المسلماني، وإخراج أحمد عماد، والمقرر عرضه 28 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وقد جرى تصوير أغلب مشاهد الفيلم بمدينة الأقصر (جنوب مصر)، حيث البطل مرشد سياحي يقود فوجاً سياحياً ويقع في حب فتاة وسط المعابد التاريخية.

كما يُعرَض في اليوم نفسه فيلم «نصيب»، من بطولة ياسمين صبري ومعتصم النهار، وقد تأجّل عرضه لنهاية الشهر ليبعد نسبياً عن توقيت طرح فيلمها «مطلوب عائلياً» مع كريم عبد العزيز الذي انطلق عرضه في السابع من الشهر الحالي، وتصدَّر إيرادات الأفلام منذ اليوم الأول لعرضه. أما فيلم «نصيب» فتدور أحداثه من خلال فتاة جميلة تجد نفسها أمام أكثر من عريس، وتخوض رحلة بحث عن الشخص المناسب الذي يمكن أن يشاركها حياتها. الفيلم من تأليف أحمد عبد الفتاح، وإخراج أحمد خالد أمين.

ملصق فيلم «ولا كان عالبال» (الشركة المنتجة)

وأشار الناقد خالد محمود إلى أن العروض السينمائية تتواصل بشكل جيد بعد موسم الصيف الذي شهد تنوعاً لافتاً وأفلاماً ذات إنتاجات كبيرة حققت إيرادات مماثلة، على غرار فيلم «DOGS 7».

لكن الناقد أحمد سعد الدين يرى أن اختيار توقيت عرض فيلم «حدوتة» غير موفَّق، حيث يُطرَح يوم افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي. وقال، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «كان يجب على صُناع الفيلم إدراك أن توجه الجمهور يكون للمهرجان الذي يعرض أفلاماً من مختلف دول العالم، مما يؤثر سلباً على الأفلام المصرية التي تُعرَض في التوقيت نفسه».

ولفت إلى أن «إيرادات الفيلم يتحدد مصيرها من الأسبوع الأول»، مشيراً إلى «أن أحمد حلمي من النجوم الذين يتوقع منهم الجمهور تقديم موضوعات شيقة، مثلما اعتادوا منه، عبر أفلام تحترم عقل المتفرج، لكن فيلميه الأخيرين لم يصادفهما الإقبال الجماهيري نفسه الذي لقيته أفلامه السابقة».

وتصدرت أفلام أحمد حلمي شُباك التذاكر بمصر مرات عدة على غرار «صايع بحر» 2004، و«زكي شان» 2005، و«مطب صناعي» 2006، و«كده رضا» 2007، و«آسف على الإزعاج» 2008، و«ألف مبروك» 2009، و«عسل أسود» 2010، و«إكس لارج» 2011، و«على جثتي» 2013.