من أسقطنا في الوحدة القاتلة؟

عزلة الوباء الجديد ووباء العزلة القديم

من أسقطنا في الوحدة القاتلة؟
TT

من أسقطنا في الوحدة القاتلة؟

من أسقطنا في الوحدة القاتلة؟

لم تعد مسألة تأثيرات العزلة والوحدة على صحة الأفراد النفسيّة والعقليّة مقتصرة على نصوص الروائيين المقسومين وتهويمات الشعراء الغاوين. لقد اعتلت هذه المصطلحات لجّة الجدل منذ سنوات أقلّه في المجتمعات الغربيّة من بوابة إدارة أوجاع العيش المعاصر، وغالباً بحثاً عن حلول طبية من عقاقير وتقنيات سيكولوجية لتقليل آثارها (السلبيّة) على إنتاجيّة الأفراد العاملين أو لجم تكاليف العناية بالمتقاعدين والمتعطلين. وتحفلُ صحف أوروبا بنقاشات حول السياسات التي ينبغي للسّلطات تبنّيها في ذلك الاتجاه، لا سيّما ببريطانيا التي يُقدّر – وفق حملة إنهاء الشعور بالوحدة - بأن ثلاثين في المائة من مواطنيها يعيشون حالة وحدة دائمة أو غالبة، فيما يصنّف الخبراء الجزيرة بـ«عاصمة المتوحدين في أوروبا»، وهؤلاء أكثر عرضة للموت بنسبة الثلث مقارنة بمن لا يعانون منها. ومنذ العام 2018 تم بالفعل تعيين وزير متفرّغ بحكومة لندن لإدارة ملف الشعور بالوحدة الذي انتشر كوباء يفتك بصحة الأفراد، ويقضي عليهم بأسرع ما قد يفعله تدخين 15 سيجارة في اليوم الواحد، فكأنّه «جذام العصر الجديد». بل وكتب فيفيك مورثي كبير الجراحين الأميركيين عام 2017 «طوال سنوات خدمتي في العناية بالمرضى لم تكن أكثر الأوجاع انتشاراً السكري أو أمراض القلب. ما يسقم ناسنا الشعور بالوحدة».
ولا شكّ أن المخاوف بهذا الشأن تضاعفت منذ تفشي جائحة كورونا، والعزلة المنزليّة الإجباريّة التي فرضت على مليارات البشر حول العالم، من شرقه إلى غربه حتى لم يعد الغارقون داخل كوابيس وحدتهم يدرون أيهم سيقضي عليهم أولاً: وباء العزلة القديم، أم عزلة الوباء الجديد!
مقاربة الغربيين للتّعاطي مع أوجاع الوحدة متأتيّة من منطلق فلسفي فرداني وفق الثقافة الرأسماليّة السائدة، فكأنها مرض كما الأمراض الأخرى تاريخي ويسقم أشخاصاً غير محظوظين دون غيرهم، وربما يكون السبيل الأمثل لكبحه تناول عقاقير تعمل بيوتات صناعة الأدوية الأميركيّة على تطويرها لتكون مصدر إثراء لها على نسق السّموم التي تروّجها لمحاربة الاكتئاب. ولسخرية القدر، فإن السيّدة التي تقود تلك الأبحاث الدوائيّة الآن هي البروفسورة ستيفاني كاسيبّو زوجة وزميلة البروفسور جون كاسيبّو الذي وضع مع رفيق له (ويليام باتريك) أول كتاب علمي الطابع حول الشّعور بالوحدة (الوحدة: الطبيعة الإنسانيّة والحاجة للتواصل الاجتماعي - 2008) واعتبر فيه أن «البشر وكأنهم مفطورون على الترابط الاجتماعي والتلاقي مع الآخرين»، ولذا فإن «عيش صناديق الشقق الصغيرة في مدن مزدحمة لا يعرف أحد فيها أحدا، أو تغلب عليها العلاقات السطحية العابرة، يتعارض جملة وتفصيلاً مع إرثنا التطوري من أسلافنا»، إذ ربمّا كان هذا التوق للبقاء على تواصل سرّ نجاة البشر، وتمكّنهم من مواجهة الوحوش وتغوّلات الطبيعة كمجموع لا فرادى. عند كاسبيّو الوحدة تحوّلت من شعور مؤقت محدود في العصور السحيقة إلى مرض مزمن أوجاعه دائمة في راهن وقتنا، وهو كما كل توتّر عصبي مستدام يدمر صحة الشرايين والقلوب، ويُضعف نظام المناعة بل والقدرات المعرفيّة أيضاً، وهو كليّاً أو جزئيّاً وراء معظم حالات التورّط بتناول المسكرات، وتعاطي المخدرات، وكثير من حوادث الانتحار المؤسفة.
لكن وجهة النظر هذه تبدو مختبريّة محضة، وتفتقد لسند من التاريخ. ديفيد فينسنت في (العزلة - 2020) يذهب إلى التّفريق بين العزلة الاختياريّة والشّعور بالوحدة. فالعزلة فيزيائيّة أساساً، وقد تكون ضروريّة وإيجابيّة أحياناً لترتيب ذواتنا أو إنجاز أعمالنا دون مقاطعات مستمرّة، ولا تقود الناس إلى الفناء بعكس الشّعور بالوحدة الذاتي الذي يمكن المعاناة منه ولو في مكان مزدحم – والذي يراه قاتلاً. فيما تمضي مؤرخة المشاعر الإنسانيّة فايي باوند – ألبرتي في (تأريخ للشعور بالوحدة – 2019) إلى المجادلة بأن الوحدة ليست شعوراً فرديّاً بيولوجياً محضاً، بل نوع من استجابة لمعمار اجتماعي نتاج دور مجتمعي وحالة مكانيّة – زمانيّة في السياسة والثقافة والاقتصاد معاً.
والحقيقة أنّه وفق تأريخ للنصوص الأدبيّة التي وصلتنا فإن الشّكوى من العزلة أو الشعور بالوحدة لم يكن معروفاً –كما نفهمه اليوم– قبل القرن الثامن عشر وبدايات صعود الرأسماليّة الحديثة. وحتى العام 1800 كان الشّعراء الرومانتيكيون والفلاسفة والعابدون يعتبرون العزلة جائزة ومكسباً وطريقاً للسمو والتحليق. وكتب ويليام وردزوورث عن لحظات ساحرة في «تجولت وحيداً كغيمة»، فيما كانت متعة جان جاك روسّو الخالصة استغراقاته المتوحدة مشياً وكتب في ذلك نصاً جميلاً. وبينما لا يظهر (روبنسون كروزو – 1719) في رواية الإنجليزي دانيال ديفو معنياً كثيراً بالوحدة، يبدو أن وحش الدّكتور (فرانكشتاين – 1818) في رواية الإنجليزيّة مارس شيلي كان أوّل الذين وقعوا بين براثن صقيع الوحدة والعزلة بعد أن أنكره النّاس ولفظوه من بينهم.
وبحسب (تأريخ الشعور بالوحدة) فإن ولادة جنين الوحدة الشقي هذا عادة ما تترافق مع تحولات ثوريّة الطابع ديموغرافيّة - اقتصادية كتلك التي تزامنت مع الثورة الصناعيّة وما رافقها من هجرة واسعة من الأرياف نحو المدن بحثاً عن فرص العمل في المصانع، وشيوع العلاقات الماديّة، والازدحامات الخانقة وظروف العيش الساحق، والفردانيّة على حساب التضامن الجماعي للأسر الممتدة والورع الديني الذي كان يمنح قلوب اليائسين نوعاً من السّلوى. ولا مناص لكل عالم اجتماع أو سيكولوجيا جاد اليوم من حسبان تأثيرات السّياسات الاقتصادية النيوليبراليّة في التسبب بتحوّل شعور الوحدة إلى هذه الحالة الوبائيّة النّسق سواء عند الطّبقات العاملة، أو المشردين، أو المهاجرين وضحايا الحروب أو كبار السنّ، أو العاشقين المتباعدين، كما ردود الأفعال المرتبطة بها كالسمنة والإدمان وغيرها. وتزعم باوند - ألبيرتي في كتابها بأنّ الشعور بالوحدة، ليس إلا عباءة اسم يلتحفه خليط فرداني متفاوت من مشاعر الاغتراب المتشابكة بين خوف وغضب وكراهيّة وحقد وأسف وخجل وفقدان وغيرة ورثاء للذات.
ومع ذلك كلّه، وبغير طموحات شركات الأدوية لإنتاج تلك الحبة السحريّة المضادة للإحساس بالوحدة، فإن أحداً لا يعلم تماماً ما يمكن فعله لمكافحة هذا الوباء القاتل دون تقويض أساسيات المجتمع الرأسمالي برمّتها. يقترح البعض مثلاً تبنٍ شخصي للعزلة الاجتماعية دواءً للشعور بالوحدة، وبناء تقبّل تدريجي من الصغر لفكرة العيش مع الذات والاستمتاع بها. بل كانت الأديبة الإنجليزيّة فرجينيا وولف تصرّ – وهي التي انتحرت من الكآبة بالغرق في 1941 - على أن كل فرد من العائلة يجب أن تكون له غرفته الخاصّة كي يمكنه أن يحظى بالفرصة لتطوير ذاته كإنسان. لكّن تلك بالطّبع وأمثالها من الحلول النخبويّة الطابع لا تبدو أطباقاً دانية إلا لطائفة قليلة من الأثرياء والموسرين من علية القوم وأعلى منسوب الطبقة الوسطى أكثر من أن تكون أمراً عمليّاً في متناول الملايين الذين تحاصرهم الوحدة، وهم غالبهم من الشّبان صغار السنّ، والفقراء والأمهات العازبات والمتقاعدين الذين فقدوا الصلة بأبنائهم أو خسروا شركائهم في الحياة. ومما يصعّب الأمر على هؤلاء - في أجواء التقشّف بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 وسعي الحكومات المحموم لتقليص التّقدمات الاجتماعية والخدمات العامّة – أن الشعور بالوحدة أشبه بدائرة لها بداية دون نهاية، إذ أن المستوحدين يصبحون مع مرور الوقت لا اجتماعيين، ويفقدون ثقتهم بقدرتهم على التعاطي الندي مع الآخرين، وكثيراً ما يعجزون عن بناء علاقات صحيّة متوازنة مستقبلاً. إنها مصيدة عصرنا، ولا فكاك منها.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».