«مكة» في الفن التشكيلي السعودي

أسئلة كثيرة وإجابات غير مكتملة في حوار الفن والمقدس

من أعمال أحمد ماطر  -  «زمزم».. من أعمال مهدي الجريبي  -  من أعمال الفنان عبد المجيد رضوي
من أعمال أحمد ماطر - «زمزم».. من أعمال مهدي الجريبي - من أعمال الفنان عبد المجيد رضوي
TT

«مكة» في الفن التشكيلي السعودي

من أعمال أحمد ماطر  -  «زمزم».. من أعمال مهدي الجريبي  -  من أعمال الفنان عبد المجيد رضوي
من أعمال أحمد ماطر - «زمزم».. من أعمال مهدي الجريبي - من أعمال الفنان عبد المجيد رضوي

طرحتُ قبل أسابيع موضوعا للنقاش في مواقع التواصل الاجتماعي (واتس أب، وفيسبوك، وتويتر، وإنستغرام)، من خلال أسئلة تدور في حقيقتها حول علاقة المقدس بالفن. ومن بين تلك الأسئلة: هل هناك حركة تشكيلية في مكة؟ أين موقع مكة من الفن التشكيلي السعودي خاصة، والوطن العربي عامة؟ هل استطاع الفنان المكّي أن يقدم شيئا من رؤيته الفنية عبّر فيها عن قداسة المكان؟ لماذا لم تتكون هناك مدرسة مكية في الفن الإسلامي تختص بالمعمار والرسم والزخرفة والخط والنحت؟ ما مدى تأثير فناني مكة على غيرهم من الفنانين في الوطن العربي؟
وجاءت بعض الإجابات مختلفة في الفهم، متسمة بالضعف، غير خالية من مفاهيم البعض الخاطئة، وبعضها الآخر كان بعيدا كل البعد عن مركزية الموضوع وهدفه الرئيس.
من بين المفاهيم الخاطئة ما يظنه كل فنان مولود في مكة بأنه فنان مكيّ. وهناك فرق شاسع بين فنان ولد في مكة وفنان لا يعيش فيها، لكنها تمثل له هوية دينية ومعرفية.
ومن الفنانين الذين شاركوا في النقاش والإجابة عن بعض الأسئلة: صديق واصل، وعبد الله البراك، وأمينة الناصر، ونورة المطلق، وجلال الطالب، وهديل محضر، وعبد الرحمن السليمي، ومحمد الخبتي، وحسين شريف من الإمارات.
أحد الفنانين التشكيلين ممن شاركوا في الإجابة قال: «ممكن، لأن مكة لم تكن تاريخيا عاصمة لأي دولة أو خلافة إسلامية، لا سياسيا ولا اقتصاديا». بينما قال أحد فناني المدينة المنورة: «بما أعتقده يا صديقي أن تجارب صديقنا الفنان مهدي الجريبي هي من أعمق التجارب التي لامست حواف سؤالك هذا، وابتعدت عن النظرة السطحية للمعالجة البصرية للأجواء المكيّة التي اعتمدها كثير من الملونين، دمت بوعي».
ويرى الفنان التشكيلي مدير صحيفة «فنون الخليج» الإلكترونية أن صعوبة هذا السؤال تبدو «ربما من أن الإجابة منفية كنفي حقيقة الفن بالمفهوم السطحي للإسلام».
كما أورد رئيس جمعية جسفت للفنون التشكيلية فرع مكة، سردا مطولا أشبه بعرض تاريخي، قال فيه: «لقد اطلعت على الموضوع الذي طرحه الأخ سامي، أين موقع مكة في الفن التشكيلي (...)؟ من رأيي الخاص، السؤال يتكون من شقين؛ الشق الأول: يوجد علامة استفهام وذكاء من الأخ سامي من حيث أين موقع مكة من الفن التشكيلي السعودي. وهناك إجابات كثيرة جدا تاريخيا، مثل ظهور الفنان عبد الحليم رضوي، وهو من مواليد مكة، والفنان أحمد فلمبان. وأغلب الفنانين التشكيلين السعوديين من مكة المكرمة، أمثال: يوسف جاها، وحسن عبد المجيد، وسليمان باجبع، وفائز أبو هريس، ومهدي الجريبي، ومحمد زكي، وزهير مليباري، وضيف الله القرني وغيرهم. وهناك فنانون آخرون قدموا أعمالا فنية عن مكة المكرمة، أمثال أيمن يسري، ومهدي، وعبد الناصر غارم، وأحمد ماطر، وناصر السالم، وصديق واصل، وسامي جريدي. وهناك مصورون فوتوغرافيون من فناني مكة صوروا مكة المكرمة.
أما الشق الثاني من السؤال: هل استطاع الفنان المكّي أن يقدّم شيئا من رؤيته الفنية يعبّر فيها عن قداسة المكان؟ فأقول، نعم يوجد فنانون قدموا أعمالا كثيرة ولم يذكروا. كذلك يوجد في مكة جداريات عدة أنجزها فنانو مكة في حدائق عدة، وتحت الكباري. أيضا يوجد للجنة الاستشارية لأمانة العاصمة المقدسة مشروعها الذي طرحته قبل 5 سنوات، وكنت حينذاك المنسق للجنة، حين جرى اختيار فنانين من مكة للدراسة. بعد ذلك، جرى تنفيذ مسابقة دولية، وأنجزت في مكة جداريات تعد الكبرى، وهي من أعمال أمل فلمبان، وسعود خان وغيرهما».
وردت إحدى الفنانات المنتمية إلى مكة، على تعليق أحد الفنانين بأنه قد تناسى ذكر بعض الفنانين في سرده التاريخي، من أمثال عبد الله الشلتي، وسعيد قمحاوي، وعبد الله حماس، وأمينة آل ناصر.
وقال فنان من الطائف يقيم حاليا في جدة: « شك أن هذا التساؤل منطقي ومهم، كون مهبط الوحي، مكة المكرمة، يستحق منا كفنانين مسلمين، لما لمكة في قلوبنا من مكانة وارتباط روحي وجسدي كبيرين. وتقع على أبناء مكة مسؤولية كبرى في هذا المجال بالتأكيد (...) ولو نظرنا حولنا، وتحديدا إلى المحترفين المصري والعراقي كمثال، لوجدنا أنهما ساهما بإسهاب في تقديم الحضارات المتعاقبة على بلديهما كالفرعونية والآشورية وغيرهما، يصل إلى حد المبالغة في الطرح (...) والقضية ليست ملونا أو غير ملون، فاللون أو أي خامة أخرى، ما هو إلا وسيلة توصيل، ولكن كيف يكون هذا التوصيل ومدى نجاحه وعمقه؟ لو أخذنا تجربة سعودية كمثال، وواحدا من أبناء مكة المكرمة، لوجدنا الدكتور عبد الحليم رضوي (رحمه الله) وفلسفته ومنهجيته، وهي الطواف حول الكعبة المشرفة، أو بمعنى آخر: الدوران عكس عقارب الساعة. أيضا تجربة عبد الرحمن خضر، التي حاول أن يقدمها بأسلوب أعمق وحلول جيدة قياسا بغيره. وكلاهما ملون، بينما مهدي الجريبي - مع احترامي لتجربته ذات المدلوت الفلسفية وذات النسق الحداثي - لم تكن مكة المكرمة ومكانتها قضيته، وإنما نجده استغل شعر الحجاج والمعتمرين وماء زمزم) كدلالة على بقاء الأثر، فقط لخدمة قضيته التي يتبناها منذ سنوات».

* ناقد فني سعودي



العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،