هل نحن مستعدّون لاستقبال «الفيروسات النائمة»؟

الطبيعة تفرض شروطها على البشرية عبر صحة الإنسان والاقتصاد

هل نحن مستعدّون لاستقبال «الفيروسات النائمة»؟
TT

هل نحن مستعدّون لاستقبال «الفيروسات النائمة»؟

هل نحن مستعدّون لاستقبال «الفيروسات النائمة»؟

كانت السمة البارزة للعصر الحديث هي قدرة الإنسان على تغيير كل ركن من أركان الكوكب من خلال استنزاف موارده والتحكم بنظمه البيئية. لكن الشهور القليلة الماضية أظهرت حزم الطبيعة في فرض شروطها على البشرية بأسرها، عبر التأثير على صحة الإنسان وتهديد النمو الاقتصادي. وبينما تطغى أعداد الإصابات والوفيات الناتجة عن وباء «كورونا» على ما عداها من الأخبار في وسائل الإعلام، تسبب الانخفاض الحاد في ساعات العمل وحركة المرور على الطرقات وتراجع الانبعاثات الصناعية في تحسين نوعية الهواء حول العالم والحفاظ على حياة كثيرين.
فقد أدت إجراءات مواجهة الفيروس في أوروبا خلال شهر أبريل (نيسان) إلى انخفاض بنسبة 40 في المائة في متوسط مستوى التلوث بثاني أوكسيد النيتروجين، و10 في المائة في متوسط مستوى التلوث بالجسيمات المعلقة، مما ساعد في تجنب 11 ألف حالة وفاة كانت متوقعة بسبب تلوث الهواء. لكن أعداد المتوفين في أوروبا بسبب «كورونا» خلال الفترة نفسها فاق هذا بكثير. عدا عن أن هذه التقديرات التي نشرها «مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف»، تخص قارة واحدة خلال شهر واحد. لكن تلوث الهواء يتسبب بوفاة 7 ملايين إنسان حول العالم سنوياً، وفقاً لأرقام منظمة الصحة العالمية، التي تشير أيضاً إلى أن 91 في المائة من سكان العالم يعيشون في أماكن لا يتمتع هواؤها بالحد الأدنى من المواصفات المطلوبة.
وقد رصدت دراسات حديثة وجود ارتباط محتمل بين فيروس «كورونا» وتلوث الهواء. ويقترح فريق من الباحثين في جامعة بولونيا الإيطالية انتقال الفيروس على أسطح الأجسام المعلقة في الهواء، مما يفسر ارتفاع معدلات الإصابة في أجزاء من شمال إيطاليا، بصفتها واحدة من أكثر المناطق تلوثاً في أوروبا. وكانت دراسة نشرت سنة 2004 أظهرت انتقال فيروس «سارس» في الهواء بواسطة الرذاذ (إيروسول). كما أظهرت الإحصاءات علاقة بين ضعف مناعة الجهاز التنفسي عند الأشخاص المقيمين في مناطق ذات مستويات تلوث هواء مرتفعة وزيادة عدد الإصابات والوفيات بفيروس «كورونا».
وتتأكد يوماً بعد يوم العلاقة الوثيقة بين النشاط البشري والجائحات المرضية، التي لا تقتصر على انتشار الأوبئة، بل ترتبط أيضاً بظهورها وانتقالها في أغلب الأحيان من الحيوان إلى الإنسان. وفيما يُرجَّح أن أصل تفشي جائحة «كوفيد-19» يعود إلى انتقال الفيروس من أحد أنواع الخفافيش في سوق للحوم والحيوانات الحية في الصين، فالثابت أن 60 في المائة من جميع الأمراض المعدية بين البشر هي أمراض حيوانية المنشأ، و75 في المائة من الأمراض المعدية التي ظهرت حديثاً ويتسارع انتشارها في العالم تأتي عن طريق الحيوانات. لكن اللوم لا يقع على الحيوانات، إذ إن النشاط البشري هو الذي اقتحم موائلها الطبيعية، وليس العكس. كما أن أساليب الإنتاج الحيواني والزراعي المكثف تساهم بشكل رئيسي في انتقال الأمراض وتفشيها.
الأمراض الحيوانية المنشأ التي ظهرت، أو عادت إلى الظهور مؤخراً، مثل «إيبولا» وأنفلونزا الطيور ومتلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط (ميرس) وحمى الوادي المتصدع (التي انتقلت من المواشي إلى البشر في كينيا في ثلاثينات القرن الماضي) والمتلازمة التنفسية الحادة المفاجئة (سارس) وفيروس غرب النيل وفيروس «زيكا»، والآن فيروس «كورونا» المستجدّ، بدأت في الخراف والأبقار والخنازير والطيور، لكنها انتقلت إلى الإنسان بسبب النشاط البشري. فقد تفشى فيروس «إيبولا» في غرب أفريقيا نتيجة لخسائر في الغابات أدت إلى تماس أوسع بين الحياة البرية والمستوطنات البشرية. وارتبط ظهور إنفلونزا الطيور بالتربية المكثّفة للدواجن، كما اقترن فيروس «نيباه» بالتربية المكثّفة للخنازير وإنتاج الفاكهة في ماليزيا. وتُظهر دراسة نشرت نتائجها سنة 2004 أن تحوراً أصاب إحدى سلالات فيروس الإنفلونزا كان وراء انتقالها من الطيور إلى الإنسان سنة 1918، ثم انتشرت العدوى بين ثلث تعداد سكان العالم متسببة بوفاة عشرات الملايين خلال سنة واحدة، فيما يعرف بجائحة الإنفلونزا الإسبانية.
وتوجد كثير من أوجه التشابه بين إنفلونزا «كورونا» المستجد والإنفلونزا الإسبانية، فالمرضان يأتيان في الأصل من مصدر حيواني، وهما واسعا الانتشار، إذ يمكن العثور حالياً على فيروس كورونا في جميع القارات، باستثناء القطب الجنوبي. وفي المقابل، تعد فترة حضانة الإنفلونزا الإسبانية قصيرة، مقارنة بفترة حضانة فيروس «كورونا». وفي حين تزامنت الإنفلونزا الإسبانية مع الحرب العالمية الأولى، مما ساعد على انتشار المرض بسرعة مع القوات المتنقلة من مكان إلى آخر، فقد أدى التطوُّر في وسائل المواصلات الجوية والبحرية والبرية إلى انتشار جغرافي واسع لفيروس «كورونا»، لم يحدّ منه إلا فرض قيود على السفر وتنقل الأفراد. ومع أن الوقت ما زال مبكراً لمعرفة النتائج النهائية لجائحة «كورونا»، فلا بد أن تطوُّر الرعاية الطبية عما كانت عليه قبل قرن من الزمن سيكون عاملاً حاسماً في تحديد حجم الخسائر البشرية.
- التدهور البيئي وانتشار الأمراض
لطالما وفّرت الحروب وحالات الجفاف الشديد والإصابات الزراعية التي ينتج عنها نقص في الغذاء الظروف المناسبة لانتشار الأوبئة. فالجفاف وغزو العالم الجديد تسببا بين نهاية القرن الخامس عشر ونهاية القرن السابع عشر في وفاة 90 في المائة من سكان أميركا الأصليين، نتيجة الحرب وانتشار الجدري والحصبة والتيفوئيد والإنفلونزا والدفتيريا. وتظهر مراجعة تاريخية نشرت نتائجها في 2002 أن الحمى النزفية التي يرتبط انتشارها بكائن ناقل مثل الجرذان، أودت بحياة 90 في المائة من المكسيكيين خلال القرن السادس عشر الذي شهد أقسى فترة جفاف عرفتها البلاد وأطولها.
وتزامن الموت الأسود (جائحة الطاعون) خلال القرن الرابع عشر مع غزوات المغول والعصر الجليدي المصغّر والمجاعة الكبرى في أوروبا. كما تزامنت الحملات الصليبية مع الجفاف الشديد الذي أصاب مصر في القرن الحادي عشر خلال فترة «الشدّة المستنصرية»، وأصاب بلاد الشام في القرن الثاني عشر؛ وفي المنطقتين اقترن انتشار الأوبئة مع الحرب والجفاف.
الجفاف يؤدي إلى تغيُّر استخدامات الأراضي بإزالة الغابات، وتحويلها إلى أراضٍ زراعية، مما يضع الإنسان على تماس أكبر مع الحيوانات الناقلة للأمراض، كما حصل في انتقال فيروس «إيبولا» من خفافيش الفاكهة إلى الإنسان في الكونغو والغابون. ويوفر تدمير الغابات الموطن الملائم لتكاثر البعوض الذي ينقل الملاريا، كما حصل في البيرو، عندما أصيب 120 ألف شخص بالمرض بعد إزالة آلاف الهكتارات من الغابات المطيرة. وفي منطقة تضم 18 بلداً أفريقياً، من غامبيا غرباً إلى إريتريا شرقاً، وتعرف باسم «حزام التهاب السحايا»، يرتبط انتشار التهاب السحايا وأمراض أخرى كالملاريا بتغيُّر استخدامات الأراضي والتغيُّرات المناخية.
وتسمح الاضطرابات البيئية للعوامل الممرضة الكامنة في القوارض والطيور في أن تجد طريقها إلى البشر أيضاً. ففي تسعينيات القرن الماضي، ظهر مرضان مستجدّان في الولايات المتحدة، هما فيروس «هانتا» وفيروس غرب النيل. ويعتقد العلماء أن هاتين الآفتين نتجتا عن تغيُّر المناخ. ففي حالة فيروس «هانتا»، أدّت ظاهرة «النينو» المصحوبة بأمطار غزيرة مبكرة إلى إقلال أعداد البوم والأفاعي والقيوط، وزيادة إثمار أشجار الصنوبر وأعداد الجنادب، مما وفّر الظروف المناسبة لتكاثر فئران الأيل وانتشارها بأعداد كبيرة، ناقلة معها الفيروس. وفي حالة فيروس النيل، تسبب الدفء والأمطار الغزيرة في وفرة أعداد البعوض التي تنقل الفيروس من الطيور إلى الإنسان.
لقد ساهم التطور في علوم الأمراض والفيروسات في علاج الأمراض وإبطاء انتشارها إلى حد بعيد. ومع ذلك، فإن ظهور الأمراض المستجدة غالباً ما يضع النظام الصحي العالمي أمام تحديات قد لا يكون فيروس «كورونا» المستجدّ أشدها وطأة، إذ إن الخشية الأكبر هي في ظهور بكتيريا وفيروسات قاتلة كانت غائبة لآلاف السنين، أو لم يسبق لنا أن واجهنا مثيلاً لها من قبل. إن فيروسات أمراض شبيهة بالجمرة الخبيثة والإنفلونزا الإسبانية والجدري والطاعون مدفونة في التربة الصقيعية في ألاسكا وسيبيريا، ويخشى العلماء أن يؤدي ذوبان الجليد نتيجة الاحترار العالمي إلى إيقاظها وانتشارها من جديد.
خلال الأشهر القليلة الماضية، تسبب فيروس «كورونا» في وفاة مئات آلاف البشر، وهدد آلاف الملايين في مصادر رزقهم وسبل عيشهم. ولئن كان انتشار الجائحة سبباً في خفض مؤقت للملوثات والانبعاثات، فإن مواجهة الأوبئة المستجدة تتطلب اتخاذ المبادرة لمجابهة التهديدات العالمية المستقبلية، من خلال الإدارة البيئية السليمة، وحماية التنوع الحيوي، وخلق وظائف خضراء تسهل الانتقال إلى اقتصادات أكثر انسجاماً مع الطبيعة.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.