حتمية الجريمة واستحالة العقاب

بين فلسفة دوستويفسكي وسخرية وودي ألن

مشهد من فيلم «الحب والموت»
مشهد من فيلم «الحب والموت»
TT

حتمية الجريمة واستحالة العقاب

مشهد من فيلم «الحب والموت»
مشهد من فيلم «الحب والموت»

تستمد السينما الكثير من غناها باعتمادها على أصول أدبية. وكثيراً ما يتجادل عشاقها حول الأفلام التي تفوقت على أصولها الأدبية، وتلك التي أساءت إلى تلك النصوص. ذلك النقاش لم يعد له محل بخصوص دوستويفسكي والأفلام التي تستلهمه؛ إذ أدرك صناع السينما النبهاء أن كل رواية من رواياته بحر، يمكن أن يغرق الفيلم في مياهه، والأفضل الاكتفاء بغرفة منه وتذوقها على مهل.
وودي ألن أحد المبدعين الكبار في السينما الأميركية الذين أدركوا هذه الحقيقة، وعرف كيف يستعير لحظة أو ثيمة من دوستويفسكي ليبني منها فيلماً. اقتحم ألن الحياة الفنية في سن الخامسة عشرة عندما بدأ في تأليف النكت وبيعها لكُتَّاب الكوميديا، ولم يبدأ في الظهور مؤلفاً وممثلاً إلا بعد أن قدم للآخرين نحو 20 ألف نكتة.
معرفة هذه البداية ضرورية لفهم نزوع وودي ألن إلى المحاكاة في أفلامه بشكل عام؛ فالنكتة في جوهرها محاكاة. وهو يخص اثنين من السينمائيين بوقفة أطول من غيرهما: أنجريد برجمان وفدريكو فيليني، كما يتوقف مطولاً أمام كاتب واحد هو دوستويفسكي.
واحد من أفلامه المبكرة «love and death ـ 1975» محاكاة ساخرة للأدب الروسي، لكنه في الحقيقة محاكاة لدوستويفسكي على وجه الخصوص. يقف أمام تولستوي في «الحرب والسلام» وقفة ليست ضرورية، حيث يأخذ واقعة غزو نابوليون لروسيا، وهي حقيقة تاريخية عامة، وما عدا ذلك فليس في فيلم «الحب والموت» إلا وجوه دوستويفسكي. يمزج بين سيرته الشخصية وبين شخصيات العديد من رواياته، ويقوم ألن بالدور ناسجاً على منوال شارلي شابلن في الأداء، وقد احتفظ صانع النكت العتيد بالعديد منها ليوجهها ضد دوستويفسكي وأبطاله والروح الفلسفية التي تسم أعماله.
هل للفيلم علاقة بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي؟ سيرة المخرج تستبعد الإجابة بنعم، لكن السخرية من استطرادات دوستويفسكي الفلسفية في الفيلم بدت مضفورة بالسخرية من الروح القومية الروسية، مع السخرية من الخطاب الشيوعي الذي يصوروه الليبراليون وكأنه رص فارغ لكلمات كبيرة جوفاء.
على أي حال، كانت الاستعارة الثانية الواضحة من دوستويفسكي جدية وعميقة ككل قراءة ثانية (وهي ضرورية في حالة دوستويفسكي الذي لا يمكن الإحاطة بأبعاده من قراءة واحدة).
فيلم «جرائم وجنح» (Crimes and Misdemeanorsـ 1989) يمضي في خطين متوازيين، أحدهما يقدم حياة منتج أفلام وثائقي مُحبط مهنياً، ومحبط عاطفياً في ظل زواج بارد طويل، يقضي أوقاتاً طويلة مع ابنة أخته الطفلة، ويقابل منتجة برامج تلفزيونية ويقع في حبها لكنها تفضل عليه منتجاً تافهاً يصنع مسلسلات رائجة. والخط الثاني لطبيب عيون ناجح يدخل في علاقة عاطفية، وتبدأ العشيقة في الإلحاح على إعلان علاقتهما ثم تتمادى في تهديده، ولا يكون أمامه سوى الاستسلام لخطة شقيقه بالتخلص منها على يد قاتل محترف. لكن الطبيب العاشق يصاب بفزع بعد قتلها، ويذهب إلى الشقة في وجود الجثة، يحمل بعض الأشياء التي يمكن أن تشير إلى وجوده، لكنه يذكرنا بمخاطرة راسكولنيكوف عندما عاد إلى شقة القتيلة. ورغم الإفلات من المساءلة الجنائية يبقى للطبيب تأنيب الضمير، وتستيقظ في ذلك الرجل غير المتدين كل مبادئ تربيته الدينية.
خلال السرد في واحد من أطول أفلام ألن، تدور حوارات عن النازيين وأخلاقية القتل، وهل هذه الأخلاقية ذات تعريف واحد نزيه أم مرتبطة بالقوة؟ لو خرج هتلر منتصراً هل كان سيُعتبر مجرماً؟
رغم ارتكاز الفيلم على «الجريمة والعقاب»، إلا أننا لا نفتقد عطر روايات أخرى، مثل «مُذلون مهانون» في تشابه علاقة السينمائي المحبط وابنة أخته يتيمة الأب مع علاقة الكاتب المُحبط مع الطفلة اليتيمة صونيا، كما يمكننا أن نجد في علاقة الطبيب وشقيقه شيئاً من علاقة اثنين من أبناء كارامازوف: ديمتري المندفع الذي يهدد بقتل والده، وإيفان رجل الفلسفة الوجودي، الذي يوافق على الجريمة لكنه يسافر لكي يترك لديمتري تنفيذ تهديده دون أن يكون شاهداً.
تبدو المحاكاة قوية في جانبها الفني، لكن في المغزى الفكري يبدو الفيلم معارضة لدوستويفسكي؛ فالجريمة في عُرف وودي ألن هي دائماً بلا عقاب. هذا الاعتقاد يرجعه النقاد إلى أصول وودي ألن اليهودية، لكننا إذا ما تأملنا الأمر من الناحية الأخلاقية والعملية نجد أن استحالة العدالة هي الحقيقة. كيف يمكن أن نعتبر انتحار هتلر قصاصاً للملايين من ضحايا الحرب والمحارق؟ هل تساوي روح مهووس واحد ملايين الأرواح؟ وهل أعاد هذا الانتحار أحداً من الضحايا إلى الحياة؟ هل مسح انتحاره حزن الناجين على ذويهم القتلى؟
هذه أسئلة منطقية تدعم رؤية ألن الذي يعود إلى معاندة الأب دوستويفسكي، والتأكيد على فكرة استحالة العدالة في «نقطة المباراة ـ 2005» يستلهم ألن في ذلك الفيلم واقعة القتل من رواية «الجريمة والعقاب»، لكن كريس، مدرب التنس والقاتل في الفيلم لا يشبه راسكولنيكوف؛ بل يشبه الأمير ميشكين. سهولة وسرعة قبول كريس من أسرة ثرية وتزويجه ابنة هذه الأسرة يشبه السرعة التي تبنت بها أسرة الجنرال إبينتشن للأمير دون أن تستقصي حول ماضيه ونسبه.
العنوان (Match Point) يشير إلى اللحظة التي تصنع الفوز، وقد تكون بسبب صدفة تحول مسار الكرة. ولم يحظ الفيلم بالكثير من الترحيب في بريطانيا، حيث تجري أحداثه وفي الولايات المتحدة على السواء. وتركز الانتقاد حول الحوار الذي يجري بإنجليزية بريطانية مهجورة تبدو مستلة من كتاب تعليمي، بالإضافة إلى الجهل بجغرافيا لندن، حيث لا تبدو المعالم على الطبيعة بالقرب الذي بدت عليه في الفيلم، وكذلك هناك انتقادات على المستوى الفخم للحي والشقة التي أنزل فيها العشيقة العاطلة. لا شيء حول دوستويفسكي، الحاضر بروحه ونصه في الفيلم. بخلاف الانتقادات الأخرى يبدو الأخير مُبرراً استناداً إلى كامير وودي ألن، التي تأنف عينها من الأماكن القبيحة وتقدم المدن كأحلام طوباوية.
ضمن المشاهد الأولى نرى الشاب الطموح في سريره وبيده كتاب لدوستويفسكي. وفي مشهد آخر نرى حميه المستقبلي يخبر ابنته، في معرض التعبير عن إعجابه بخطيبها المحتمل، بأنه تحدث معه حول دوستويفسكي. وفي حوارات أخرى بين كريس وأبطال الفيلم الآخرين يبدو الفتى الآيرلندي متمسكاً بأن الحظ في الحياة هو الأساس لا المهارة. وهذا ينبثق من أحد هموم أبطال دوستويفسكي الراسخة: هل العالم منظم أم تحكمه المصادفات؟
بعد هذا الزرع المبكر لحضور دوستويفسكي، يتزوج المدرب الشاب من «كلو» ابنة العائلة الثرية، بينما تخلب لبه خطيبة شقيقها، وسرعان ما يقيم معها علاقة تثمر حملاً يهدد استقراره الأسري فيقرر قتل العشيقة، لكنه سيفعل ذلك بنفسه على طريقة راسكولنيكوف، ناسخاً خطة وملابسات قتله للمرابية العجوز في «الجريمة والعقاب».
وينتج عن القتل إزهاق ثلاثة أرواح: عجوز وشابة في بطنها جنين، لكن مع اختلاف في التفاصيل. راسكولنيكوف استهدف قتل المرابية العجوز، وعادت شقيقتها الحامل فجأة فتخلص منها، بينما استهدف «كريس» الشابة الحامل وقتل معها جارتها العجوز، لتبدو الواقعة جريمة سرقة!
بخلاف فيلم «جرائم وجنح» يقترب كريس في «نقطة المباراة» من دائرة الاتهام بشكل صريح، لكن المحققين يريدان إغلاق القضية، بفعل الضجر من عدد الجرائم المشابهة مع لمحة من تعاطف، وكأنهما يريدان منح القاتل غير المحترف فرصة في الحياة، ما يذكرنا بالمحقق زاميوتف في «الجريمة والعقاب» كان متعاطفاً كذلك مع القاتل، لكن لديه فضولاً مهنيً، وليس كسولاً ولا سئماً كالمحققين الإنجليزيين. شدد زاميوتف الخناق على راسكولنيكوف حتى اعترف له بأنه القاتل بجلسات ودية خارج مكاتب الشرطة، وعندما توجه راسكولنيكوف إلى مركز الشرطة ليعترف له رسمياً وجده قد استقال، لكن راسكولنيكوف سيعترف لضابط آخر ويذهب إلى السجن، بينما، يعمد وودي ألن إلى إفلات المجرم مرة أخرى من العقاب، مع ذلك لم يعد إلى السخرية من التعقيدات النفسية والأخلاقية التي يطرحها دوستويفسكي!



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة