السعودية ترفع الإنفاق الحكومي إلى 60 مليار دولار خلال الربع الأول

أسعار النفط وتداعيات «كورونا» تضغط لتراجع الإيرادات 24 %

السعودية تعلن ميزانية الربع الأول وسط تحديات أزمة {كورونا} وتراجع أسعار النفط (الشرق الأوسط)
السعودية تعلن ميزانية الربع الأول وسط تحديات أزمة {كورونا} وتراجع أسعار النفط (الشرق الأوسط)
TT

السعودية ترفع الإنفاق الحكومي إلى 60 مليار دولار خلال الربع الأول

السعودية تعلن ميزانية الربع الأول وسط تحديات أزمة {كورونا} وتراجع أسعار النفط (الشرق الأوسط)
السعودية تعلن ميزانية الربع الأول وسط تحديات أزمة {كورونا} وتراجع أسعار النفط (الشرق الأوسط)

كشفت السعودية أمس عن رفع مستوى الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الثلاثة الأولى إلى 226.1 مليار ‏ريال (60 مليار دولار)، مشيرة في إعلان ميزانيتها للربع الأول من العام إلى تحقيق إجمالي إيرادات قوامها ‏‏192 مليار ريال (51 مليار دولار)، مسجلة بذلك عجزاً قيمته 34 مليار ريال (9 مليارات دولار).‏
وتأتي النتائج المالية للسعودية وسط ظروف صعبة وتصدعات يواجهها الاقتصاد الدولي، حيث تراجع مستوى ‏العوائد النفطية مع تهاوي الأسعار في الأسواق العالمية وتداعيات أزمة فيروس «كورونا» التي ألقت بآثارها ‏على نتائج القطاع غير النفطي.‏
ومقابل تحقيق فائض قيمته 7 مليارات دولار في الربع الأول من عام 2019. أفصحت وزارة المالية السعودية ‏أمس عن أن عجز الميزانية في الربع الأول لعام 2020 بلغ 34.1 مليار ريال (9 مليارات دولار)، مع ‏تضرر إيرادات النفط جراء تراجع الأسعار العالمية وتقلص الطلب، مع وجود فائض العرض وسط أزمة فيروس ‏‏«كورونا» المتداعية.‏
وقالت وزارة المالية في بيان بثته، صباح أمس، على موقعها في الإنترنت، إن إجمالي الإيرادات للربع الأول بلغ ‏‏192 مليار ريال بانخفاض 24 في المائة، بالمقارنة على أساس سنوي، في المقابل بلغ إجمالي النفقات ‏‏226.1 مليار ريال بارتفاع 4 في المائة عن العام الماضي.‏ وإلى تفاصيل أكثر في حيثيات الميزانية الربعية:‏

حالة النفط
وانعكست الحالة النفطية في الأسواق العالمية على ميزانية السعودية الربعية التي تعتمد على النفط مصدراً ‏رئيساً للدخل، بكل وضوح، إذ تراجعت إيرادات النفط 24 في المائة مقابل الفترة ذاتها من العام الماضي إلى ‏‏128.7 مليار ريال (34.32 مليار دولار)، مدفوعةً بشكل رئيسي بتراجع الطلب العالمي على الخام ‏وأسعاره، يضاف إليها ما أدى إليه تفشي «فيروس كورونا» إلى شل أجزاء كبيرة من الاقتصاد العالمي.‏ وبحسب «صندوق النقد الدولي» في تصريحات نشرتها «رويترز»، العام الماضي، فإن الدولة الخليجية ستحتاج ‏لأسعار نفط تتراوح في المتوسط بين 85 و87 دولاراً للبرميل هذا العام لضبط ميزانيتها العامة، فيما ترى ‏وزارة المالية السعودية قدرتها على تمويل عجز الموازنة معتمدة على قدراتها المالية وائتمان اقتصادي وطني موثوق ‏من خلال الاقتراض المحلي والدولي.‏
وبحسب وزير المالية، ينتظر أن تقترض المملكة 26 مليار دولار أخرى هذا العام وستسحب ما يصل إلى ‏‏32 مليار دولار من احتياطيها لتمويل العجز الحكومي، إذ توقع وزير المالية محمد الجدعان أن تستمر أزمة ‏‏«كوفيد - 19» لبضعة أشهر أخرى، لكن سيكون لها تأثير محدود على إيرادات الربع الأول.‏

العجز والدين
وتوقعت المملكة، التي تحاول تنويع اقتصادها المعتمد على النفط، عجزاً قدره 187 مليار ريال، أو 6.4 في ‏المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وهي زيادة ملموسة من 131 مليار ريال العام الماضي.‏ وبحسب الميزانية الربعية المعلنة، أمس، أوضحت وزارة المالية أن تمويل العجز تم من الحساب الحالي للدولة ‏بقيمة 9 مليارات ريال، فيما استفادت من الدين الداخلي (البنوك) بقيمة 11.1 مليار ريال، بينما بلغت ‏النسبة الكبرى من التمويل الخارجي 18.4 مليار ريال، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن الدولة لم تستخدم ‏الاحتياطيات للربع الأول لسد العجز.‏
ووفقاً للميزانية المعلنة، أشارت وزارة المالية إلى أن الدين العام المسجّل خلال الربع الأول بلغ، في بداية العام، ‏‏677 مليار ريال، لكنها لجأت إلى رفعه من خلال إصدارات داخلية بقيمة 26.7 مليار ريال، وإصدارات ‏خارجية بقيمة 18.7 مليار ريال ليرتفع الرصيد الإجمالي لحجم الدين على الدولة إلى 723.4 مليار ريال ‏‏(193 مليار دولار)، في وقت لم تقم فيه بأي عملية سداد لأصل الديون أو إطفاء للسندات المصدرة.‏

إيرادات لا نفطية
وكانت السعودية تعول على العائدات غير النفطية بشكل بارز، حيث علقت طموحات واسعة وفقاً للنتائج ‏الإيجابية المسجلة في الميزانية للعام الماضي حول أداء القطاع الخاص واستجابته مع الإصلاحات الاقتصادية، ‏بيد أن الإيرادات غير النفطية، وفقاً لبيانات وزارة المالية، أمس، تراجعت 17 في المائة إلى 63.3 مليار ريال ‏خلال الفترة.‏
وقبل أيام، أوضح وزير المالية محمد الجدعان أنه يتوقع أن يتسبب الوباء في تراجع النشاط في القطاع الخاص غير ‏النفطي، هذا العام، مشيراً إلى أن الحكومة قد تطلق إجراءات جديدة لدعم الاقتصاد بالإضافة إلى إجراءات ‏تحفيز عاجلة بقيمة 32 مليار دولار في الشهر الماضي.‏

مستحصلات الضرائب
ورغم التراجع الواضح التي أظهرته ميزانية الربع الأول، بيد أن هناك بنوداً تفصيلية أظهرت نتائج إيجابية في ‏الإيرادات غير النفطية، حيث سجلت عائدات الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية ارتفاعاً ‏في الربع الأول بنسبة 30 في المائة مقابل الفترة ذاتها من العام الماضي، حيث استحصلت على 3.5 مليار ‏دولار، وكذلك عوائد الضرائب على التجارة والمعاملات الدولية بنسبة 15 في المائة، محققةً 5 مليارات ريال، ‏وسار في الاتجاه ذاته بند الإيرادات الأخرى التي حققت ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة، مسجلةً عائداً قوامه 23 ‏مليار ريال.‏ أما الضرائب على السلع والخدمات، فانخفضت 26 في المائة إلى 30.6 مليار ريال، على أساس المقارنة ‏الربعية السنوية، كما سجل بند ضرائب أخرى، التي أبرزها عوائد الزكاة، أقوى تراجع بنسبة 71 في المائة ‏بقيمة ملياري ريال فقط.‏

الاحتياطي النقدي
وفي تطور آخر في الوضع النقدي السعودية، أفصحت «مؤسسة النقد العربي السعودي»، أمس (الثلاثاء)، ‏إن صافي الأصول الخارجية للمملكة نزل في مارس (آذار) إلى 464 مليار دولار، بانخفاض 5.7 في المائة ‏على أساس شهري، وهو أقل مستوى منذ أبريل (نيسان) 2011.‏
ويشير الانخفاض إلى أن المملكة تستخدم احتياطياتها الضخمة لتعويض الضرر الاقتصادي المترتب على ‏انخفاض أسعار النفط والتباطؤ الشديد لجميع القطاعات الاقتصادية غير النفطية بسبب فيروس «كورونا».‏

المصروفات والقطاعات
وأفصحت الميزانية الربعية عن ارتفاع بعض بنود مصروفات الدولة خلال الشهور الثلاثة الأولى، حيث سجل ‏بند مخصصات السلع والخدمات 74 في المائة، مقارنة بالربع الأول في عام 2019، إلى 27 مليار ريال، ‏فيما صعدت نفقات العاملين 2 في المائة إلى 124.5 مليار ريال، كما زادت نفقات التمويل 7 في المائة ‏إلى 4.6 مليار ريال، لكن البند الأكبر هو تضاعف مخصصات المنح 4 أضعاف حيث سجل المنصرف ‏المالي لها قيمة 160 مليار ريال تمثل ارتفاعاً بنسبة 432 في المائة، بالإضافة إلى ارتفاع بند مصروفات أخرى ‏‏32 في المائة إلى 25.3 مليار ريال.‏
وقطاعياً، سجلت عدد من الجهات الحكومية تنامياً في المخصصات المالية وهي الإدارة العامة بنسبة 7 في ‏المائة إلى 6.4 مليار ريال، والقطاع العسكري 6 في المائة إلى 50.1 مليار ريال، والتعليم بنسبة 1 في المائة ‏إلى 44.4 مليار ريال، لكن قطاع التجهيزات الأساسية والنقل سجل أكثر النفقات ارتفاعاً بنسبة 81 في ‏المائة إلى 6.7 مليار ريال، وأخيراً البنود العامة التي ارتفعت مصروفاتها بنسبة 17 في المائة إلى 30.8 مليار ‏ريال.‏



«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».


«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
TT

رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)

قال نيكولاس كاتشاروف الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجيان ‌إنترناشونال»، ​الثلاثاء، إن ‌مصر وجَّهت شركات النفط الدولية بمضاعفة ⁠الإنتاج ‌بحلول عام ‍2030.

وأضاف، وفقاً لـ«رويترز»، أن العقود الحالية تحتاج إلى إعادة ​التفاوض لزيادة إنتاج مشاريع إعادة ⁠تطوير المناطق.

وأوضح أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل التطوير السابقة قد «انتهت»، مما يستدعي تحديث الشروط لتشجيع الشركات على استثمار رؤوس أموالها وزيادة الإنتاج في المواقع القائمة.وقال: «لا أستطيع تحديد السعر بدقة، لكن هناك فرقا شاسعا بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد». وأشار إلى أن شركته مدينة لمصر بأكثر من 200 مليون دولار، وقد استلمت مؤخراً 80 مليون دولار، مؤكداً أن الشركة لا تزال واثقة من تعهدات وزير البترول بتسديد المتأخرات المتبقية. كما ذكر أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر قد ارتفعت، وأن خط الأنابيب يعمل الآن بكامل طاقته.