يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»

الجيش يحقق انتصارات غير متوقعة على تحالف المتشددين في بنغازي رغم تواضع إمكانيات العتاد والإسناد

الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»

الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)

يوجد حول مدينة بنغازي، مثل غالبية المدن الليبية الأخرى، آلاف المزارع التي لا تشبه المزارع المتعارف عليها في دول العالم. هي ليست نشاطا اقتصاديا، ولكنها مجرد ملكيات خاصة إضافية تُتخذ أماكن لتزجية الوقت وقضاء نهاية الأسبوع بعيدا عن البيت وصخب المدينة، ويكون ذلك بصحبة الأسرة أحيانا، ومع الأصدقاء والخلان في معظم الأحيان. وحين ضرب الجيش الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، معسكرات المتطرفين في بنغازي، فروا بأسلحتهم وآلياتهم، واستولوا على مئات المزارع من أصحابها، وحولوها إلى مراكز ومواقع لاستهداف قوات الجيش والشرطة.. واستهداف كل من لا يخضع لحكم ما يسمى «مجلس شورى الثوار» المكون من خليط من جماعات مسلحة وميليشيات بالمدينة، منها جماعة الإخوان وأنصار الشريعة والدروع وتنظيم داعش الليبي.

تمتلك كل أسرة تقريبا من أسر الطبقة المتوسطة والطبقة الثرية، مزرعة في ضواحي المدينة، تتراوح مساحة الواحدة منها بين ألف متر مربع و10 آلاف متر مربع. وكل مزرعة محاطة بسور لا يقل ارتفاعه عن مترين، ولكل منها بوابة ضخمة من الحديد تحفظها من السرقة. وانتشرت ظاهرة تأسيس المزارع في ليبيا منذ ثمانينات القرن الماضي، وبدأت أولا في أوساط المشتغلين في الدولة من قيادات أجهزة الأمن والوزارات والإدارات المحلية، وزادت بين سكان المدن الكبيرة خاصة بعد التوسع في تصدير النفط في العقود التالية. ويوجد في كل مزرعة غرفة أو غرفتان على الأقل، ويزيد بعض الموسرين من الغرف التي تتحول أحيانا إلى ما يشبه المبنى السكني المتكامل. وكل مزرعة مزودة بمصدر للمياه والكهرباء.
ويحرص كل صاحب مزرعة على زراعتها بأشجار الزينة والأشجار المثمرة وكذا الورد والنعناع وغيرها مما يحب، ويتفنن في الاعتناء بالمكان وجلسات الضيوف وركن الشواء والسهر. وتظل غالبية هذا النوع من المزارع مهجورة، وهي مصفوفة جوار بعضها بعضا على مساحات واسعة، وتتحول إلى ما يشبه مساكن للأشباح، ولا تدب فيها الحياة والحركة إلا في نهاية كل أسبوع أو في الإجازات الدينية والرسمية.
وتبعد بعض هذه المزارع عن قلب مدينة بنغازي بنحو 20 كيلومترا أو 30 كيلومترا. وبعضها يشرف على طريق المطار والبعض الآخر على الطريق الدائري المار من جنوب شرقي المدينة ويصل حتى أقصى الغرب حيث توجد منطقة قار يونس، وهي منطقة كانت تغص بمعسكرات شهيرة يسيطر عليها المتطرفون الذين رفضوا إلقاء السلاح بعد انتهاء الثورة ضد القذافي. وقامت قوات الجيش، في صيف هذا العام، بتوجيه ضربات موجعة لمعسكرات «17 فبراير» و«رأف الله السحاتي» و«أنصار الشريعة»، ما اضطر عناصر المتطرفين للهجوم على المزارع المنتشرة حول المدينة، واحتلالها وتحويلها إلى مناطق للتجمع والإيواء وتخزين الأسلحة، واحتجازهم الخصوم وتعذيبهم أيضا.
وبينما بدأت قوات الجيش في التقدم على الأرض لطرد باقي المتشددين من قلب بنغازي، التي يبلغ عدد سكانها أقل قليلا من مليون نسمة، يبدو أن هذه القوات تجد صعوبة كبيرة في تحديد المزارع التي يتمركز فيها المتطرفون، خاصة في المناطق القريبة من معسكر الصاعقة التابع للجيش في ضاحية «بوعطني» شرقا وعلى طريق الطليحة الرئيس، وفقا للمعلومات المتوفرة لدى الاستخبارات الليبية الجديدة. ومن داخل معسكر عمر المختار في شرق البلاد يتابع قادة الجيش الكبار في رئاسة الأركان مجريات الحرب. وتوجد في مدخل المعسكر دبابات روسية الصنع تعود لعهد الستينيات والسبعينات. وتبدو التطورات في بنغازي كافية لرفع معنويات القادة والجنود الذين يرابطون في شرق المدينة، بينما كان المقدم مراد، مدير مكتب رئيس الأركان، يتلقى الاتصالات عن العمليات وهواتفه لا تتوقف عن الرنين.
وفي اليوم التالي، وبينما يتزايد عدد أسر النازحين عن المدينة هربا من القتال، بدأ الجيش يفرض مزيدا من الضغط على قوات المتشددين في شرق بنغازي، وأغلقت 4 مدرعات وسيارة إسعاف وسيارتان دفع رباعي ونحو 10 جنود، الطرق المؤدية إلى «مزرعة الإصلاح» التي يتحصن فيها مجموعة من أنصار الشريعة، وتقع المزرعة بين عدد من المخازن التجارية المغلقة في ضاحية السلام. وانطلقت قذيفة «آر بي جي» من وراء السور، وانفجرت في واجهة مخزن وطيرت أبوابه. كانت محاولة من المتحصنين لإخافة طليعة الجيش. وتقدم 5 من الجنود عدة خطوات، فأطلق المتطرفون قذيفة أخرى، ودوى صوت الانفجار وارتفعت ألسنة اللهب وانهارت واجهة مخزن الرخام المجاور. وبعد قليل بدأ وابل من الرصاص ينهال من داخل المزرعة بشكل عشوائي.
وانحنى الجنود الـ5 وهم يقتربون من السور، لكن رصاصة أصابت ساق أحدهم، فوقع على الأرض وبدأ الدم ينزف من تحت سرواله العسكري المبرقش، فزحف وهو يتقهقر ويحتمي بجذوع أشجار وقوالب إسمنتية على جانب الطريق الترابي، إلى أن تمكنت مدرعة في الخلفية من التقاطه وتسليمه إلى سيارة الإسعاف. وتقدم 3 جنود آخرون لدعم باقي المجموعة.. وأخيرا تمكنوا من إجبار المسلحين المتحصنين بالداخل على الفرار. يبدو أنهم كانوا 3 لأن مواقع فوارغ الذخيرة كانت مبعثرة في 3 أماكن داخل سور المزرعة. وعثر الجنود على جثتين لشابين ليبيين كانا محتجزين قبل أن يطلق عليهما المسلحون الرصاص تحت شجرة أكاسيا، ويختفوا.
وبعد الضحى تمكنت مجموعة أخرى من الجنود من فتح ثغرة إلى داخل الطريق المعروف باسم طريق دريانة، وبينما لحق بهم نحو 9 من زملائهم وهم يتلقون تعليمات «الآمر» عبر جهاز اللاسلكي، لتمشيط المنطقة بحثا عن مسلحين جدد، بدأت بقية القوات تتحرك إلى الأمام بعد إسكات نيران المتطرفين ومطاردتهم. إنها حرب مُدن بكل معنى الكلمة. وتواجه الجيوش النظامية في حروب المدن عادة مشكلة في تحريك الآليات والجنود. وخلال ذلك برزت وجوه لنساء وأطفال من فوق أسطح المباني المطلة على الشارع، ورفعت امرأة منديلا ملونا ولوحت به وهي تحيي مع جيرانها قوات الجيش المصممة على تحرير المدينة، وانطلقت من فوق الأسطح الزغاريد والأغاني ووزع بعضهم زجاجات مياه مثلجة على الجنود.
ورفع العقيد فرج البرعصي، آمر المجموعة العسكرية المتقدمة هنا، يده وهزَّ سلاحه من ماركة «إيه كيه 47» محييا المواطنين الذين كانوا قد ذاقوا الأمرين طيلة أكثر من سنتين على أيدي جماعات المتطرفين. ورفع علامة النصر، بينما كان عدة مئات من جنوده قد توغلوا، بحلول الظهر، داخل المحور الشرقي للمدينة الذي كان المتشددون يسيطرون عليه وينصبون فيه الحواجز قبل أيام.
ويقول الرائد حسين، أحد المشاركين في العملية، وهو يتابع تحركات الجنود بجهاز اللاسلكي إنه جرى القبض على 13 من عناصر أنصار الشريعة منذ بداية عمليات اليوم، وجاري تنظيف الضواحي الشرقية بالمدينة من بقايا المتطرفين.
وبالإضافة إلى معارك مزرعة الإصلاح ومنطقة دريانة والشارع المسمى باسمها، شملت أعمال التمشيط أيضا منطقة الكويفية في عمق المدينة وهذا أمر لم يكن متوقعا. كما جرى القبض على 6 آخرين على الأقل من أنصار الشريعة، كانوا يختبئون في منزل هجره سكانه منذ بداية العمليات في منطقة «سيدي خليفة»، بعد أن نفدت منهم الذخيرة. وقادهم 3 من الجنود إلى داخل شاحنه عسكرية. وسارت عملية الزحف العسكري في هذا النهار الممطر بالتزامن مع عمليات أخرى لاصطياد المتطرفين المتمركزين في عدد من المزارع، خاصة في منطقة الغوط.
وفي اليوم الثالث بدأت معارك من نوع جديد. وقبل شروق الشمس بقليل وصلت 50 آلية عسكرية غالبيتها من سيارات الدفع الرباعي المدنية المجهزة بالرشاشات والمصدَّات الحديدية الإضافية، ومن فوقها تظهر رؤوس الجنود المتحفزين. وتمركزت على مشارف «جسر بنينة الأول» على طريق مطار بنينة وهو مطار مدني وعسكري كانت قوات المتطرفين تسعى طيلة أشهر للسيطرة عليه دون جدوى، رغم استخدامها للصواريخ والمدفعية ضد قوات تأمين المطار.
وفجأة ارتفعت صيحات التكبير بين الجنود والضباط. فقد وصل حالا خبر اقتحام قوات الجيش في الجانب الآخر من بنغازي لمعقل أحد أخطر قيادات التطرف، والذي يلقبه أهالي المدينة باسم «بوكا»، بينما اسمه الحقيقي هو محمد العريبي. وجاءت الأخبار عبر جهاز اللاسلكي. القوات الآن في منزل «بوكا» نفسه، لكنه هرب على عجل وترك خلفه متعلقات مهمة من بينها حاسوب ومعلومات عن أسماء مساعديه وأرقام هواتف عدد منهم.
وتعالت صيحات التكبير مرة أخرى. وجرى تسوية مبنى «بوكا» بالأرض على أيدي مواطني المدينة المتعطشين للانتقام من قادة المتشددين، الذين جلبوا المقاتلين الأجانب من دول العالم لقتال الليبيين وكانوا يعطون أوامر بصلب المخالفين وشنقهم وقطع رؤوسهم جهارا نهارا - كما يقول الأهالي - في ساحات المدينة التي كانت مهد الثورة ضد القذافي.
ومن المعروف أن جماعة أنصار الشريعة الموالية لتنظيم القاعدة والمدعومة من جماعة الإخوان، كانت قد استولت على عدد من معسكرات الجيش في بنغازي في أواخر شهر رمضان الماضي، إلا أن الجيش قال: إنه هو الذي بادر بالانسحاب التكتيكي تمهيدا للعودة لاحقا لتطهير المدينة من المتطرفين، لكن أنصار الشريعة حاولت بعد ذلك أن تعزز من سيطرتها على بنغازي وتزيل كل مظاهر الدولة، بما فيها القيام بتفجير مبنى مديرية الأمن، واحتلال معسكرات للجيش وقوات الصاعقة والقوات الخاصة، والإعلان عن رفضها للانتخابات والبرلمان والأحزاب، قائلة إنها «ثقافة غربية كافرة»، ما أدى إلى إصابة أهالي المدينة بالذهول، قائلين إن الثورة التي قاموا بها في 2011 كانت من أجل الديمقراطية والحرية والكرامة.
وجاء نهار جديد لمعركة بنغازي.. وبدأت أشعة الشمس تلقي بضوئها على حواف «جسر بنينة الأول»، وعلى الحواجز التي نصبها أفراد الجيش. وجرى تفتيش السيارات الخاصة القادمة من وسط المدينة، وتوجيهها إلى مسالك أخرى بعيدا عن مسرح العمليات الملتهب. وكانت المعلومات التي جعلت قوات الجيش تحاصر منطقة الجسر تقول إن المتطرفين يتخذون من عدة مزارع مجاورة أوكارا لهم، ويقومون من داخلها بإطلاق صواريخ من نوع غراد على الآليات العسكرية التي كانت قد بدأت تنتشر قبل يومين لفرض الأمن في المنطقة. كان الجميع يترقب. متى ستنطلق الطلقة الأولى ومن أين.
ونزل النقيب عبد الله، أحد قادة المجموعة العسكرية في «جسر بنينة»، من سيارته، وبدأ يستعرض خريطة للتحرك مع عدد من الجنود لتحرير مزارع الجسر. والسيارة التي يقودها عبد الله لها معزة خاصة لديه، وهي دفع رباعي سوداء مكتوب عليها كلمة «شرطة». ويقول إن المتطرفين كانوا قد استولوا عليها حين هاجموا مقر مديرية أمن بنغازي وفجروه في الأيام الماضية، وتمكن النقيب من خوض معركة في طريق المطار، بمفرده، لاستعادتها، ونجح في ذلك وألقى أيضا القبض على الشبان الـ3 الذين كانوا يستخدمونها في اصطياد خصومهم بالمدينة.
وتعود أصول النقيب الأسمر لقبيلة التبو الليبية التي يتركز وجودها في كل من إقليم فزان في الجنوب وفي منطقة الكفرة في الشرق. ويضيف قائلا إن غالبية الليبيين «لديهم دائما مخاوف من الإسلاميين، ويرفضون أفكارهم، وغير مقتنعين بهم.. ليبيا دين وسطي مثل مصر. كل هذا التطرف جديد علينا.. جديد على ليبيا.. كان الإسلاميون المتطرفون، خلال السنوات الـ3 الماضية، يسيطرون على الدولة؛ جماعة الإخوان، والجماعة المقاتلة، وأنصار الشريعة والتكفيريون.. كلهم كانوا مسجونين في سجن أبو سليم بطرابلس (في عهد القذافي)، واليوم يكفِّرون المجتمع، وسهلوا دخول متطرفين آخرين من دول عربية وأجنبية لليبيا، ويقولون: إن من يذبح جنديا من الجيش الليبي يدخل الجنة، ولهذا قُتل أكثر من 500 جندي وضابط خلال العامين الأخيرين».وفجأة أزَّ الرصاص فوق الرؤوس. واتخذ الجنود مواقعهم، وبدأت عملية الاستعداد للرد. واستمرت المعارك هناك مدة يومين إلى أن جرى تطهير المنطقة من المسلحين. وتقول مصادر عسكرية إنه يعتقد أن زعيم تنظيم أنصار الشريعة في بنغازي، محمد الزهاوي، قتل في هذه المعركة التي خسر فيها الجيش 3 جنود، بينما لا توجد تأكيدات رسمية وقاطعة عن مصير الزهاوي، أو باقي قيادات المتطرفين مثل وسيم بن حميد و«بوكا».
ويعتقد أيضا أن الزهاوي تعرض لإصابات مباشرة بالرصاص وقتل في معركة بنينة عند جسر بنينة الأول على طريق المطار، لأن محادثات المقاتلين المتطرفين في أجهزة اللاسلكي والتي جرى التنصت عليها أثناء الاشتباكات، كانت تتضمن كلاما عن أن الزهاوي لقي مصرعه. ويتابع المصدر العسكري قائلا إن محادثات المتطرفين في اللاسلكي قالت بالنص: «الأمير استشهد.. استشهد الشيخ»، في إشارة على ما يبدو للزهاوي. كما جرى الحديث فيما بعد عن تعيين خليفة له، لكن لم يعرف اسمه بعد. إلا أن معلومات من مصادر أخرى رجحت أن يكون الزهاوي قد تعرض فقط لإصابات ونقل للعلاج في تركيا، قائلة إن «الزهاوي، بشكل عام، قليل الظهور، ولهذا لا يمكن تفسير اختفائه بعد معركة بنينة بأنه قد قتل فيها».
ووفقا لروايات ضباط وجنود، فقد قتل العشرات من أنصار الشريعة في معركة بنينة. ومن بين القيادات الأخرى في هذه الجماعة، والتي توجد تكهنات بمقتل بعضهم أيضا، هناك محمود الوحيشي، وهو من المقاتلين الليبيين السابقين في العراق، وله علاقات قوية مع كبار الزعماء المتطرفين في درنة ومصراتة، ويتردد أن لديه مزرعة من تلك المزارع مكدسة بترسانة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بما فيها صواريخ غراد. كما سقط في مواجهات بنينة مقاتلون من جنسيات أجنبية غالبيتهم جزائريون ومصريون وتونسيون. وبعد أيام من الكر والفر تمكن الجيش من إغلاق جميع مداخل ومخارج بنغازي، وتنفيذ أول عملية من نوعها للتوغل في الداخل، لكن المشكلة تظل في المزارع المنتشرة في ضواحي المدينة وما حولها.
الآن تمضي ساعات من التجول على الطرقات التي تربط ضواحي بنغازي.. كانت الأجواء هادئة قليلا، وكان يمكن أن تعثر على كوب ماء وسيجارة ومقعد على الرصيف. ويراقب المئات من الجنود مداخل ومخارج المزارع التي يختبئ فيها باقي المتطرفين بما جمعوه من أسلحة، وذلك في مناطق القوارشة وبوعطني. ومعروف أن هذه المزارع الشاسعة والمجهزة والثرية كانت أساسا مملوكة لأنصار القذافي، لكن غالبية أصحابها فروا إلى خارج البلاد بعد سقوط نظام العقيد. وبعد قليل حلقت طائرة حربية، وقصفت مزرعة في الجوار، وتركت وراءها أعمدة دخان واختفت، في لمح البصر، في الأفق.
ويتفق قادة الدولة الليبية الجديدة، أي رئيس البرلمان، عقيلة صالح، ورئيس الأركان، اللواء عبد الرزاق الناظوري، على أنه لو جرى الحسم في بنغازي فسيتم حسم باقي الأمور في البلاد. ويقول عقيلة: أعتقد أنه بمجرد استقرار الأمور في بنغازي فإن باقي المشاكل ستنتهي. بينما يقول عيسى عبد المجيد، مستشار عقيلة، إن أكثر من 70 في المائة من بنغازي أصبحت تحت سيطرة الجيش والشرطة، وإنه خلال الأيام المقبلة ستكون السيطرة على المدينة بنسبة مائة في المائة.
وعقب نجاح الجيش في دخول شرق بنغازي يوضح الناظوري قائلا من خلف مكتبه في قاعدته العسكرية: نحن لدينا أجهزة أمنية تعمل داخل المدينة، ونعرف كل مطلوب من المطلوبين أين يسكن وأين يقيم.. كما نعرف المساجد التي يستغلها هؤلاء المتطرفون سواء لتجمعاتهم أو لتخزين الذخائر بداخلها، ونعرف المزارع التي طرد هؤلاء المتطرفون أصحابها منها وأصبحوا يتمركزون فيها كمعسكرات لهم. كل شيء عنهم معروف لدينا ومدروس.
وتعوِّل قيادات الدولة على عمليات تجفيف المنابع المالية للمتطرفين والتي يمكن أن تؤدي إلى انخفاض عدد من يقاتلون معهم مقابل أجر. ووفقا لمعلومات جمعتها الاستخبارات فإن قادة التطرف فيما يعرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» أغرى مئات الصِبية الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما بالاشتراك في معارك بنينة ضد القوات المسلحة والشرطة، وأنه وعدهم بأنه، في حالة طرد قوات الجيش من المنطقة، سيصرف لكل صبي 40 ألف دينار (الدولار يساوي نحو 1.3 دينار). ويقول أحد قادة الأمن: «هذه الأموال استولى عليها المتطرفون بعد ثورة فبراير، وهي حصيلة لما جرى نهبه من الدولة الليبية ومن السرقات والسطو على الأموال العامة».
ورغم أن نحو 60 في المائة من أفراد الجيش الليبي لا يحصلون على رواتب منذ نحو 3 أشهر، فإن الدافع الرئيس للعمل والقتال في صفوف القوات المسلحة ليس الحصول على أجور فقط.. «ولكن من أجل التخلص من كابوس المتطرفين والإرهابيين الذين وصلوا لحكم ليبيا، وأثاروا فيها الفوضى بشكل جعل الدولة تتفسخ وتتفتت بين كتائب وميليشيات»، كما يقول الرائد في الجيش الليبي، حسين جمال، الذي انضم لعملية الكرامة بقيادة حفتر، ويضيف: كنت أخدم داخل رئاسة أركان الجيش (السابقة) التابعة للمؤتمر الوطني (البرلمان السابق) الموالي للإسلاميين، وذلك قبل انتهاء ولايته وانتخاب البرلمان الجديد.. «عملت تحت رئاسة المنقوش وهو من مدينة مصراتة، ومحسوب على الإسلاميين، ثم عملت مع جاد الله، وهذا الأخير لم يكن من الإسلاميين لكنه بات من المتشددين وأصبح مواليا لهم».
ويتحدث الرائد جمال عن أنه لاحظ أثناء عمله في رئاسة الأركان السابقة أنه كان هناك تعمد واضح من قيادات المتطرفين من جماعة الإخوان وغيرها، بعدم السماح بوجود جيش وطني.. ومن مظاهر هذا التعمد بناء جسم آخر مواز للجيش مثل كتائب الدروع ومشروع الحرس الوطني الذي لم يتحقق.. ومن مظاهر هذا التعمد أيضا، كما يذكر الرائد جمال، تخصيص القيادات الإخوانية، وهي في الحكم، ملايين الدولارات كرواتب للميليشيات بمقدار أعلى من رواتب ضباط الجيش.
ويقول إنه على سبيل المثال كان راتب المقدم في الجيش نحو 850 دينارا، بينما عنصر الميليشيا يحصل على 925 دينارا، على الأقل، و.. «لهذا تركت الخدمة في رئاسة الأركان بسبب الاهتمام بالمتطرفين على حساب الجيش، وانتقلتُ إلى العمل مع الجيش الوطني ومع عملية الكرامة تحت رئاسة البرلمان الجديد».
ورغم معاناته من نقص المعدات والأسلحة فإن الجيش الذي تعرض للتدمير أثناء قصف حلف الناتو لمعسكراته في 2011. تمكن من لملمة شتات نفسه أخيرا، ونجح في تغيير الدفة في الصراع الذي يقول إنه قد فُرض عليه من قادة التنظيمات المتطرفة. فبعد أن كان يتعرض للهجوم من المتشددين، أخذت الكفة تميل لصالح الجيش، وهو من يقوم بالمبادرة وباقتحام الأوكار ومطاردة فلول المسلحين بمؤازرة شباب الضواحي والمواطنين في بنغازي. ومع ذلك لا يخفي القادة غضبهم من تجاهل المجتمع الدولي و«تباطؤ الأصدقاء» في تقديم الدعم اللازم للحرب على الإرهاب.
لكن الرائد جمال يتوقع أن يردَّ المتشددون اليائسون بهجمات انتحارية وسيارات مفخخة ليس في بنغازي فقط، ولكن في كل مكان يمكن أن تطاله أيديهم. ويضيف: «أتباع الزهاوي فقدوا البوصلة.. لا يأتون للمواجهة كما كانوا يفعلون في السابق. وبعد دخول الجيش والتفاف الناس حول الجنود والضباط، لجأوا للتفجيرات ولذلك فإن الخوف من الخلايا النائمة للمتطرفين في المدن خاصة في بنغازي ومزارعها الكثيرة. وهذه سبب رئيس للقلق».
وفي اليوم السابع بدأت قوات الجيش تنقض على وسط بنغازي من عدة جبهات، لتخليصها من آخر معاقل أنصار الشريعة، بعد أن وضعت حواجز قوية من قوات الشرطة العسكرية والمتطوعين المدنيين للتصدي لأي محاولات من جانب المتطرفين المتمركزين في مزارع الضواحي الخارجية، حيث توافرت معلومات لدى الجيش عن أن المتحصنين في المزارع يسعون للقيام بهجوم مضاد والتفافي، أي من الأطراف، على القوات التي تزحف إلى قلب المدينة. وكان اليوم السابع شديد الصعوبة، حيث سبقته تحذيرات واثقة من الجيش للمتشددين «إما الاستسلام، أو القتل».
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا بقليل. وكانت القوات تقترب من مقر مصرف المدينة ومن شارع البحر المؤدي إلى الميناء. ومن هنا تهب النسائم المالحة والباردة والمنعشة، إلا أنها سريعا ما أصبحت معبقة برائحة البارود ودخان الحرائق، بعد أن تحولت المناوشات بطلقات الرصاص إلى حرب بالقذائف الصاروخية بشكل سريع، واندفعت آليات الجيش للأمام. كانت عبارة عن 3 دبابات روسية قديمة، ومن خلفها 3 مدرعات أميركية الصنع و7 سيارات يابانية دفع رباعي، ونحو 50 من الجنود والضباط. وفجأة انفجرت شاحنة مفخخة كانت متوقفة أمام «محل اتصالات الشهداء» على بعد نحو مائتي متر. ارتفعت الشاحنة وسط شعلة من اللهب وارتطمت بالأرض محدثة دويا أصم على جانب الطريق وتحول لونها من الأحمر إلى الأسود في طرفة عين.. كانت هذه محاولة يائسة لعرقلة تقدم الجيش.
ومن وراء الدخان بدت مجموعة من المسلحين من أنصار الشريعة صغار السن، نحو 7 أو 8، يهرولون إلى الضفة الأخرى من الشارع، واستتروا بجدار وأمطروا آليات الجيش بالرصاص، بينما اختبأ الجنود خلف الدبابات والمباني المجاورة. ومن طريق جانبي آخر بدا أن هناك مجموعة من المتطرفين قادمة للدعم وتمكنت بالفعل من إطلاق قذيفتي «آر بي جي»، أصابت إحداهما مدرعة وشطرتها نصفين، بينما انفجرت القذيفة الأخرى في الشارع، ونثرت الحجارة والقار، وتركت فيه حفرة. وتوقفت الدبابة التي في المقدمة، وحركت ماسورتها حركتين صغيرتين يمينا ويسارا، ثم أطلقت قذيفة. وبعدها اندفعت اثنتان من سيارات الدفع الرباعي المحملة بالجنود والبنادق ومدافع عيار 14.5، واختفت في الشارع الجانبي لتتعالى بعدها أصوات الطلقات من كل مكان.
وفي الاتجاه الآخر، أي في اتجاه منطقة «السيمفارو» التي تشرف على طريق الصابري، كانت معارك أخرى قد اشتعلت فجأة بسبب العثور على مجموعة متطرفين مسلحين يحاولون حصار القوات التي تشتبك مع زملائهم في بداية شارع البحر. جثث 3 أطفال قرب مفرق السيمافرو؛ بنت وولدين وأمهم تنوح جوارهم، وتهيل التراب على رأسها. كانت تحاول الفرار بهم إلى الجانب الآخر من المدينة، لكنهم قتلوا. والآن تقف في الوسط والرصاص يئز من حولها. وبعد قليل دوت انفجارات جديدة ثم حل الصمت. نظرة أخيرة.. كانت النيران وسحب الدخان والتراب قد وارت جسد المرأة النائحة، وأسكتت صوتها.
وفي الشارع المقابل كانت آثار الدماء على الأرصفة وفي تقاطعات الطريق.. شرفات المباني متهاوية وجدرانها مثقوبة بالقذائف وعليها آلاف النقر من آثار طلقات الرصاص.. هنا، بجوار ركام مبنى، توجد جثة لرجل في الـ30 من العمر. يرتدي سروالا عسكريا وسترة مدنية. ذراعه اليمنى مفصولة عن جسده. يبتسم نصف ابتسامه وعيناه شاخصتان للسماء. ومن الخلف هدر محرك آلية من آليات الحرب. وزعق صوت: اضرب هناااااك... وانطلقت قذيفة ثم زخَّات من رشاش. وصاح آخر: الله أكبر..

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.