الحصار الهندي والإغلاق الوبائي يفاقمان معاناة الكشميريين

أطباء يتحدثون عن «أزمة نفسية عامة» في الإقليم… وتسجيل ازدياد في حالات الانتحار

الحصار الهندي والإغلاق الوبائي يفاقمان معاناة الكشميريين
TT

الحصار الهندي والإغلاق الوبائي يفاقمان معاناة الكشميريين

الحصار الهندي والإغلاق الوبائي يفاقمان معاناة الكشميريين

بدأت معاناة سارة بيغوم في 3 أغسطس (آب) الماضي مع اقتحام رجال الشرطة المُلَثَّمون منزلها والإساءة لولدها ثم اقتياده إلى مكان مجهول.
وكان فايز أحمد مير (28 عاماً)، نجل السيدة بيغوم، واحداً من آلاف المدنيين الذين أُلقي القبض عليهم أو ظلوا قيد الاحتجاز القسري بأوامر من الحكومة الهندية إثر حملة القمع التي شنتها بغرض تعزيز قبضتها القوية على كشمير؛ تلك المنطقة ذات الغالبية المسلمة التي يبلغ تعداد سكانها نحو 8 ملايين نسمة، وهي محل نزاع بين الهند وباكستان منذ سنوات طويلة. وتسببت حملة القمع الحكومية الهندية في شلل مظاهر الحياة اليومية في الإقليم؛ إذ يشعر كثير من سكان الإقليم بأنهم محاصرون لدرجة الخوف الشديد من مجرد مغادرة منازلهم.
ومنذ إلقاء القبض على ولدها، ساءت صحة بيغوم كثيراً وأصبحت غير مستقرة، ولكنها وأسرتها يقولون إن أشد آلامها كانت نفسية أكثر منها عضوية أو بدنية. وهي لم تتوقف عن تناول العقاقير المضادة للاكتئاب منذ أن رحل عنها ولدها الذي لا تعرف له مكاناً. وقد حاولت الانتحار مرتين؛ إحداهما بتناول سم للفئران، والثانية بمحاولة القفز إلى أحد الأنهار. وتقول بيغوم بنفسها: «عندما أغلق عيني، أرى ولدي يصرخ وينادي باسمي ويقول أريد أن أراك أمي».
بعد مرور 8 أشهر على إلغاء الحكومة الهندية وضع الحكم شبه الذاتي في إقليم كشمير وإخضاعه لسيطرتها الأمنية، يقول الأطباء هناك إن حالة اليأس العامة تحوّلت إلى أزمة نفسية عامة وحادة. ويقول العاملون في مجال الصحة العقلية والنفسية إن كشمير تشهد ارتفاعاً مثيراً للقلق في حالات الاكتئاب والتوتر.
من الصعب الحصول على بيانات حقيقية لما يجري هناك، لكن الأطباء المحليين يقولون إنهم يشهدون زيادة غير مسبوقة في حالات الانتحار ومعدلات العنف المنزلي.
ويقول العاملون في الخدمات الطبية إن قرارات الإغلاق التي عمّت أرجاء البلاد كافة في الأسابيع الأخيرة لمكافحة تفشي وباء «كورونا المستجد» فاقمت المشكلات الراهنة في الإقليم. وتقوم قوات الشرطة هناك بإغلاق الطرق العامة بالأسلاك الشائكة، ويتعرض أي مواطن من سكان الإقليم للضرب المبرح على أيدي الشرطة في حال ضبطه خارج منزله في أي وقت من الأوقات، لا سيما في قرى وبلدات كشمير المحاصرة.
وأفاد الأطباء والباحثون بأن وادي كشمير، المطلّ على سفوح جبال الهيمالايا، لا يملك إلا القليل للغاية من الموارد لمواجهة الأمر. وقد كانت تلك المنطقة غارقة في الصراعات المسلحة منذ عقود، مع تطلع الغالبية السكانية من المسلمين إلى الاستقلال عن الهند أو على الأقل الحصول على الحكم الذاتي عن الحكومة المركزية الهندية التي تسيطر أمنياً وإدارياً على معظم أنحاء الإقليم، في حين تسيطر باكستان على جزء بسيط منه.
وحتى قبل الأحداث التي شهدتها الأشهر الأخيرة، أسفرت العقود الممتدة من أعمال العنف المتبادلة بين قوات الأمن الهندية والمسلحين في كشمير عن آثار مادية ونفسية بالغة العمق والسوء على المنطقة بأسرها وشعبها. ويعاني نحو 1.8 مليون كشميري، أو نحو نصف البالغين من أبناء الإقليم، من أحد أشكال الاضطرابات العقلية، وذلك وفق تقديرات منظمة «أطباء بلا حدود» حسب استطلاع أجرته المنظمة على 5600 أسرة كشميرية عام 2015. ويعاني 9 من كل 10 مواطنين من صدمات نفسية ذات صلة وثيقة بالنزاع المسلح. ويبدو أن الأرقام الحقيقية أكبر بكثير مما تذكره الهند وفقاً لبعض استطلاعات الرأي الأخرى.
وقال ماجد شافي، وهو طبيب نفسي حكومي بارز، إنه كان يفحص 100 مريض كل أسبوع على مدى العام الماضي. وأصبح الآن يفحص أكثر من 500 مريض منهم. وبصفة عامة، يوجد في إقليم كشمير أقل من 60 طبيباً نفسياً، حسب البيانات.
ويظهر صف طويل من المرضى خارج عيادة الدكتور شافي، بينهم مراهقون مصابون بصدمات نفسية مختلفة بسبب العنف، وأمهات يعانين من التوتر النفسي الشديد على أولادهم السجناء لدى قوات الأمن الهندية، وأصحاب الأعمال المثقلون بالديون الكبيرة التي ترتفع يوما بعد يوم في ظل الحصار والإغلاق الذي طال كل مظاهر الحياة في الإقليم.
ويقول الدكتور شافي، المكلف علاج نحو مليون حالة في منطقة بولواما من الإقليم: «هذا مجرد غيض من فيض، والأزمة الحقيقية في ازدياد مستمر».
ويأتي كل موسم من مواسم الاضطرابات في كشمير بصحبة نوع جديد من الآلام. ويتميز أحد المواسم بمزيد من جثث المراهقين الذين سقطوا في المواجهات مع قوات الأمن الهندية. ويجلب موسم آخر وباء العيون الميتة، في إشارة إلى أبناء الإقليم الذين فقدوا أبصارهم بسبب كريات الخراطيش التي تطلقها قوات الأمن الهندية على وجوه المتظاهرين.
ويتذكر الناس هناك العام الماضي حملة القمع القاسية التي نفذتها الحكومة الهندية؛ ففي أغسطس (آب) الماضي، نزعت الحكومة على نحو مفاجئ وضعية الحكم الذاتي عن إقليم جامو وكشمير، الذي كان بمثابة إحدى الولايات الهندية ذات الغالبية المسلمة في الهند.
انتشرت قوات الأمن الهندية بأعداد كبيرة في المنطقة، وقطعت الطرق الرئيسية، وأغلقت خطوط الهواتف الأرضية والجوالة، فضلاً عن شبكة الإنترنت. وألقت قوات الأمن القبض على الآلاف من أبناء الإقليم، من الطلاب وحتى كبار المسؤولين المنتخبين محلياً. ثم أفرجت الحكومة عن بعضهم، ولكن لا يزال كثيرون منهم داخل السجون. ورغم عودة بعض خدمات الهواتف والإنترنت، فإنها أبعد ما تكون عن مستوياتها قبل الحملة الأمنية.
ويشعر كثير من أبناء الإقليم، الذين كانوا يستعينون بمنصات التواصل الاجتماعي في التفاعل والمشاركة مع الآخرين نظراً لخطورة الخروج إلى الشوارع في أوقات الحملة الأمنية، بأنهم صاروا الآن معزولين عن العالم تماماً. وظل الأطفال ممنوعين من الذهاب إلى المدارس منذ شهور. وبسبب الحملة العسكرية والإغلاق الحكومي إثر وباء «كورونا»، كان الطلاب يذهبون إلى المدارس لبضعة أسابيع قليلة فقط.
وبالعودة إلى عائلة بيغوم، قالت إن ابنها المُزارع شارك في الاحتجاجات ضد الحكومة الهندية قبل بضع سنوات، تماماً كما فعل الآلاف من أبناء الإقليم، وإن ذلك هو سبب اعتقاله في أغسطس الماضي. وكانت بيغوم (في الستينات من عمرها) قد قامت بتربية ولدها خلال ذروة سنوات التمرد المسلح، وبلغت جهدها في حمايته من قوات الأمن ومن المسلحين الوطنيين سواء بسواء.
وقال أفراد الأسرة إن ابنهم محتجز في سجن على مسافة مئات الأميال باتهامات غير واضحة تتعلق بـ«تهديد الأمن والسلم»، ولا تملك الأسرة الأموال الكافية لزيارته. وعندما أعيد تشغيل شبكات الهواتف الجوالة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تلقت الأسرة وعداً من السطات بإجراء مكالمة فيديو مرئية مع ولدهم، إلا إن ذلك الوعد لم تنفذه السلطات حتى اليوم.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.