المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

هرب من ‏‏«الحجر ‏الصحي» في ‏مصر وقُتل ‏‏«سليماً» على ‏مشارف بغداد

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏
TT

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

قدم شاعر ‏العربية الكبير ‏أبو الطيب ‏المتنبي وصفات ‏علاجية لمصائب ‏الدهر المتعددة، ‏كتبها في ‏‏«روشتات» ‏شعرية غاية في ‏الروعة والجمال، ‏انطلقت من ‏تجربة ومواقف ‏تعرض لها ‏الشاعر ‏شخصياً في ‏حياته الضاجّة ‏الصاخبة، لكنها ‏وصفات تعدت ‏واقعه الشخصي ‏إلى واقع ‏الإنسانية كلها.‏
ولعل من ‏الصعوبة ‏الإحاطة بكل ‏وصفات المتنبي ‏الشعرية، لكن، ‏وفي ظل جائحة ‏‏«كوفيد - ‏‏19». التي ‏اجتاحت العالم ‏بأسره بعد أن ‏خلفت موتى ‏ومصابين ‏بالملايين، وما ‏سببته من ذعر ‏وخوف ‏وإجراءات ‏احترازية، يمكن ‏الوقوف على ‏نماذج من هذه ‏الوصفات التي ‏قدمها شاعر ‏العربية لمحبي ‏شعره لعلاج ‏كثير من الجوائح ‏والمواقف ‏والمصاعب ‏والآمال والآلام ‏التي تواجه ‏الإنسان، ويقف ‏عاجزاً عن حلّها ‏ولا يجد إزاءها ‏من خيار سوى ‏اليأس واختيار ‏الموت.‏
أولى هذه ‏الالتقاطات ما ‏قاله المتنبي، ‏عقب مفارقته ‏سيف الدولة ‏الحمداني، ‏وتوجُّهه إلى ‏مصر، بعد أن ‏كاتبه كافور ‏الإخشيدي ‏بالمسير إليه في ‏الفسطاط، ‏وأنشده إياها ‏عام 957م، ‏التي يعرّض فيها ‏بسيف الدولة، ‏بعد قصة جرت ‏أحداثها في ‏مسألة باللغة، ‏بحضرة سيف ‏الدولة والشاعر، ‏بين أبي الطيب ‏اللغوي، وابن ‏خالويه، فتكلَّم ‏أبو الطيب ‏المتنبي، وضعّف ‏قول ابن ‏خالويه، ولم يجد ‏ابن خالويه من ‏رد غير أن يخرج ‏من كمه مفتاحاً ‏من حديد، ‏ويشير به إلى ‏المتنبي. فقال ‏المتنبي: «ويحك ‏اسكت فإنك ‏أعجمي ‏وأصلك خوزي ‏فمالك ‏والعربية؟!»، ‏فضرب وجه ‏المتنبي بذلك ‏المفتاح فأسال ‏دمه على وجهه ‏وثيابه، فغضب ‏المتنبي من ذلك، ‏لا سيما إذ لم ‏ينتصر له سيف ‏الدولة، لا قول ‏ولا فعل، وكان ‏ذلك أحد ‏أسباب مفارقته ‏لسيف الدولة.‏
بدأ المتنبي ‏قصيدته بمطلع ‏يخاطب فيه ‏نفسه:‏

كفى بكَ داءً ‏أن ترى الموتَ ‏شافيا
وحَسبُ المنايا ‏أن يكنَّ أمانيا

ثم فسر ما ذكره ‏في هذا البيت ‏بالقول: ‏
تمنيت المنية لما ‏تمنيتُ أن تجد ‏صديقاً مصافياً ‏فأعجزك أو ‏عدواً يداريك، ‏فلم تجده، وهذه ‏نهاية اليأس ‏الذي يختار فيه ‏الموت على ‏البقاء.‏

تمنَّيتها لما تمنيتَ ‏أن ترى
صديقاً فأعيَا أو ‏عدواً مُداجياً

ثم أعطى المتنبي ‏في ذات ‏القصيدة حلاً ‏للتعامل مع ‏‏«الغادر»، حتى ‏ولو جاء الغدر ‏في موقف ‏عارض، كما ‏حدث للشاعر ‏عندما لم ينتصر ‏له سيف الدولة، ‏وهو يشاهد ‏الدم يسيل على ‏وجهه، فأخذ ‏يعرض بسيف ‏الدولة ويقول ‏لقلبه: إني ‏أحببتك قبل أن ‏تحبه، أي سيف ‏الدولة، وهو قد ‏غدر بي فلا ‏تغدر أنت ‏أيضاً، بمعنى: لا ‏تكن مشتاقاً إليه ‏ولا مقيماً على ‏حبه، فإنك إن ‏أحببت من غدر ‏بي فلست بوافٍ ‏لي.‏
حَببتكَ قلبي قبلَ ‏حُبّكَ من نأى
وقد كان غداراً ‏فكُن أنتَ وافيا
مواصلاً في بيت ‏آخر القول ‏لقلبه: أعلم أنك ‏تشكو فراقه ‏‏(أي سيف ‏الدولة) لإلفكَ ‏إياه، ثم هدد ‏قلبه فقال: إن ‏شكوتْ فراقه ‏تبرأت منك:‏

وأعلم أن البين ‏يشكيك بَعدهُ
فلستَ فؤادي ‏إن رأيتكَ ‏شاكيا.‏

ليعلن أن ‏الدموع إذا ‏جرت على فراق ‏الغادر، كانت ‏غادرة بصاحبها ‏لأنه ليس من ‏حق الغادر أن ‏يُبكى على ‏فراقه:‏

فإن دموعَ العين ‏غُدرٌ بربها
إذا كُنَّ إثرَ ‏الغادرينَ جواريا

ثم يواصل أبو ‏الطيب طرح ‏مزيد من ‏الوصفات حول ‏إبطال العطايا ‏والصداقات ‏والجود بالمن ‏والأذى، وكأنه ‏ينظر إلى الآية ‏الكريمة: «يَا ‏أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ‏لَا تُبْطِلُوا ‏صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ ‏وَالْأَذَىٰ»، ‏معتبراً أن الجود ‏إذا كُدر بالمن ‏بطل الحمد ولم ‏يبق المال، ‏فيُفقدان كلاهما، ‏مشدداً على أن ‏أخلاق النفس ‏تدل على ‏صاحبها فيعرف ‏جوده أطبع هو ‏أم تكلف:‏

إذا الجودُ لم ‏يُرزقْ خلاصاً ‏من الأذى
فلا الحمد ‏مكسوباً ولا ‏المالُ باقيا
وللنفس أخلاق ‏تدلُّ على الفتى
أكانَ سخاءً ما ‏أتى أم تساخيا

ويبحر المتنبي في ‏إعطاء ‏‏«وصفات ‏حكمية»، ناهياً ‏عن المبالغة في ‏الاشتياق والهيام ‏به لمن لا يبادل ‏الود بمثله، ‏مخاطباً قلبه بألا ‏يشتاق إلى مَن ‏فارقه، لأنه ‏بذلك يصفي ‏وده من ليس ‏بصاف له، كما ‏أعطى وصفاً في ‏صحة «الإلف» ‏بتفضيله الشيب ‏على الصبى لو ‏خُيّر بينهما ‏لكثرة إلفه ‏للأول وهو من ‏الاستحالة أن ‏يتحقق:‏

أقلّ اشتياقاً أيها ‏القلب ربما
رأيتكَ تصفي ‏الود من ليس ‏صافيا
خُلِقتُ ألُوفاً لو ‏رجعتُ إلى ‏الصّبى
لفارقتُ شيبي ‏موجعَ القلبِ ‏باكيا

وفي موضع آخر ‏وبالتحديد عام ‏‏959م، أي ‏بعد عام على ‏مفارقته سيف ‏الدولة، نالت ‏أبا الطيب حمى ‏وهو في مصر ‏وصف حاله ‏معها بقصيدة ‏رائعة، حيث ‏كان رهن ‏الإقامة الجبرية ‏بما يشبه الحجر ‏الصحي في زمن ‏‏«الكورونا»، ‏ويعرض في ‏القصيدة ‏بالرحيل بعد أن ‏أصابه اليأس من ‏تحقيق آماله ‏ومطالبه عند ‏كافور ‏الإخشيدي، ‏بمنحه ضيعة أو ‏ولاية، وفي ‏القصيدة ‏وصفات ‏حكمية، بل ‏وعلاج لمصائب ‏الدهر، بنات ‏الدهر، ومنها ‏الحمى التي أتت ‏من الزحام، ‏حيث ألزمته ‏الفراش وغادر ‏بعدها مصر ‏هارباً فيما يمكن ‏تسميته ‏بـ«الهروب ‏السياسي ‏الأكبر»، بدأ ‏قصيدته الميميمة ‏بمخاطبة ‏صاحبيه اللذين ‏يلومانه على ‏ركوب الأخطار، ‏طالباً منهما تركه ‏يسلك ‏الصحارى بغير ‏دليل يهديه لأنه ‏خبير بمسالكها، ‏لافتاً في أحد ‏أبيات القصيدة ‏إلى إحدى ‏الظواهر في ‏المجتمعات ‏الإنسانية، وهي ‏ظاهرة انتشار ‏الفساد في عموم ‏الخلق، وهو ما ‏جعل الشاعر ‏يتهم من اختاره ‏لمودته لعلمه أنه ‏واحد منهم:‏
وصرتُ أشكُّ ‏فيمن أصطفيهِ
لعلميَ أنهُ بعض ‏الأنامِ
ولم أرَ في عيوبِ ‏الناسِ شيئاً
كنقصِ القادرين ‏على التمام ِ

ثم يعبّر الشاعر ‏عن ملله من ‏لزومه الإقامة ‏الجبرية في أرض ‏مصر، بعد أن ‏أصابته الحمى ‏ومراقبة كافور ‏له، خشية ‏الهروب، وكأنه ‏يعيش أيام العالم ‏هذا اليوم في ‏الحجر الصحي ‏الإجباري في ‏زمن ‏‏«الكورونا»، ‏مبرزاً مرضه ‏الذي طال حتى ‏ملّه الفراش، بعد ‏أن كان هو يمل ‏الفراش، معبراً ‏عن ألمه في ‏غربته وقلة ‏عائديه في ‏مرضه، وتراكم ‏الهموم عليه، ‏وكثرة حساده، ‏لوفور فضله ‏وصعوبة مراميه؛ ‏لأنه يطلب ‏شيئاً عظيماً ‏وصعب المنال ‏وهو «المُلْكْ»، ‏مقدماً وصفاً ‏لأعراض الحمى، ‏من خلال صور ‏وخيال رهب لا ‏يجيده إلا هو، ‏معتبراً أن وصفة ‏الطبيب الذي ‏عاينه وشخّص ‏حالته لم تكن ‏دقيقة عندما ‏أرجع سبب ‏علته إلى الطعام ‏والشراب الذي ‏يتناوله، مشدداً ‏على أن الطبيب ‏ليس في قاموسه ‏الطبي أن مرضه ‏كان بسبب ‏طول إقامته ‏والقعود عن ‏الأسفار، مثله ‏في ذلك مثل ‏الفرس الجواد:‏

أقمتُ بأرض ‏مِصْر فلا ورائي
تخبُّ بي الركاب ‏ولا أمامي
ومَلني الفراش ‏وكان جنبي
يمل لقاءه في كل ‏عامِ
قليلٌ عائدي ‏سقم فؤادي
كثيرٌ حاسدي ‏صعبٌ مرامي
وزائرتي كأنّ بها ‏حياءً
فليسَ تزور إلا ‏في الظلامِ
أبنتَ الدهرِ ‏عندي كلُّ بنتٍ
فكيفَ وصلتِ ‏أنتِ من الزحامِ
يقولُ ليَ ‏الطبيبُ أكلتَ ‏شيئاً
وداؤكَ في ‏شرابكَ والطعامِ
وما في طبهِ أني ‏جوادٌ
أضرّ بجسمهِ ‏طول الجمامِ

وفي قصيدة ‏أكثر فيها ‏التشاؤم على ‏نفسه بما لم يقع ‏له في غيرها، ‏وما لم يخطر ‏على قلبه في ‏جميع أسفاره مع ‏كثرتها، وكأنه ‏ينعى بها نفسه، ‏وإن لم يقصده، ‏يشخّص المتنبي ‏في أبيات رائعة ‏خصصها بمدح ‏عضد الدولة ‏بعد ارتحاله من ‏شيراز، ‏ومفارقته ‏لأعمال فارس، ‏بعد أن نال ‏عطايا كثيرة ‏ليلقى حتفه ‏على يد فاتك ‏الأسدي، بعد ‏اجتيازه دير ‏العاقول وهو ‏على مشارف ‏بغداد، وذلك ‏في عام 964م ‏وهي آخر شعر ‏قاله:‏

أروحُ وقد ‏ختمتَ على ‏فؤادي ‏
بحبكَ أن يحلّ ‏به سواكا
وقد حمَّلتني ‏شكراً طويلاً
ثقيلاً لا أطيقُ ‏به حراكا
إذا استشفيت ‏من داءٍ بداءٍ
فأقْتَلُ ما أعلّكَ ‏ما شفاكَ
وأنى شئتِ يا ‏طرقي فكوني
أذاة أو نجاة أو ‏هلاكا

ونختتم هذه ‏الالتقاطات من ‏شعر شاعر ‏العربية الكبير ‏ببيت من الشعر ‏ضمن قصيدة ‏طويلة قالها في ‏سيف الدولة، ‏في أحد معاركه ‏مع الروم:‏
فكانَ أثبتُ ما ‏فيهم جسومَهُمُ
يسقطنَ حولكَ ‏والأرواح تنهزمُ



«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».