جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

بعد أكثر من عامين على ميلادها.. لا تزال تحلم بالخروج من دوامة الحروب

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال
TT

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

بعد عامين وأشهر من ولادة أحدث دول العالم «جمهورية جنوب السودان»، وقبل أن تنسى الآذان إيقاعات الاحتفال بـ«الاستقلال»، وقبل أن يجف عرق الرقص الاحتفالي عن الأجساد في تلك الليلة، عادت البنادق لتزمجر مجددا في عاصمة الدولة الوليدة «جوبا»، وتسيل دماء الرفاق في شوارعها، محل «عرق البناء» الذي وعد به «الثوار» شعب جنوب السودان، وساقوه به إلى حلم الاستقلال.
زمجرة البنادق وصليل الحرب هذه المرة ليست استمرارا للحرب الأهلية الطويلة بين شطري السودان، التي دامت أكثر من نصف قرن، وأثمرت الاستفتاء الذي أدى إلى انفصال جنوب السودان عن السودان وإعلان استقلاه، بل هي بنادق «ثوار التحرير»، وصناع حلم الانفصال، التي ربما ملت الرقاد بعد تيقظ طويل، فلم تجد صدورا تتوجه إليها، إلا صدور «أبناء الثورة»، ملهاة تثبت صحة المقولة «الثورة تأكل أبناءها».
منتصف ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي 2013، اشتعلت حرب الرفاق في جوبا، بين قمة حكم «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه السابق رياك مشار، في صراع مرير على السلطة، واستمرت النيران مشتعلة منذ ذلك الوقت، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، ولا يعرف أحد أو يستطيع التكهن بكيف ومتى تتوقف.
وبعد يوم واحد من توقيع آخر اتفاقات وقف إطلاق النار بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بين الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه السابق 9 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، عاد الطرفان لتبادل الاتهامات عن مسؤولية كل منهما عن استمرار القتال. ونقلت «الشرق الأوسط» وقتها أن الحركة الشعبية المتمردة نفت اتهامات الحكومة لها بخرق الاتفاق قبل جفاف الحبر الذي به كتب.
وقالت إن القوات الحكومية هاجمت مواقعها في مدينة بانتيو عاصمة ولاية الوحدة الغنية بالنفط، ما دفع بالهيئة الحكومية للتنمية في دول شرق أفريقيا «إيقاد»، التي تتولى الوساطة بين الفريقين، إلى التهديد بالتدخل عسكريا حال خرق أي من الطرفين للاتفاق الذي وقع برعايتها.
وقال وزير الإعلام في جنوب السودان مايكل ماكوي لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الموالية لنائب رئيس جنوب السودان السابق رياك مشار مستمرة في القتال ضد القوات الحكومية (الجيش الشعبي لتحرير السودان).
وجزم ماكوي أن الرئيس سلفا كير ميارديت أصدر تعليماته للقوات الحكومية بالبقاء في مواقعها وأن تلتزم بالاتفاق إلا عند الدفاع عن النفس، وأوضح أن قواته لن تقف مكتوفة الأيدي، في حالة الهجوم عليها بانتظار وسطاء «إيقاد». ووصف ماكوي قوات مشار بأنها «غير منضبطة ولا تخضع لنظام»، ما يجعلها تنتهك اتفاقات وقف إطلاق النار مرارا.
وأرجعت الحركة الشعبية المعارضة بقيادة رياك مشار في بيان الكرة إلى ملعب الخصم، وقالت على لسان كبير مفاوضيها تعبان دينق إن القوات الحكومية شنت هجوما على مواقع قواتها في مدينتي «بانتيو وفاريانق» بولاية الوحدة، وأرجع البيان العمليات في المنطقة إلى أنها «غنية بالنفط»، ما جعلها هدفا عسكريا ثمينا، تدور حوله عمليات «كر وفر» من الطرفين، رغم توقف تصدير النفط منها بسبب الحرب منذ سبتمبر (أيلول) 2013.
وفي تفنيده للاتهامات الحكومية اتهم دينق قوات تابعة لـ«الجبهة الثورية»، وهي تحالف من الحركة الشعبية الشمالية، وحركات مسلحة من دارفور، بمهاجمة قواته في بلدتي تور والحفرة.
وأدان دينق ما سماه الهجوم السافر الذي شنته القوات الحكومية وحلفائها على مواقعه عقب يوم واحد من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ودعا الوسطاء والأمم المتحدة ودول الترويكا للتحقيق في الاعتداء.
وذكر متحدث باسم القوات المتمردة أن الحكومة شنت هجوما على قواته في ولايات الوحدة وجونقلي وأعالي النيل رغم توقيع الاتفاق، ثم سارعت إلى الإعلام لتتهم حركته بخرق الاتفاق.
الثيمة الرئيسية للقتال الذي يدور في هذا البلد أن الاتفاقات لا يلتزم بها، وأن سيل الاتهامات المتبادلة بالخروقات لا ينتهي، وأن تحذيرات رعاة السلام تذهب عادة أدراج الرياح، وهو الأمر الذي يثير حفيظة المجتمع الدولي ضد فرقاء جنوب السودان، الذي بدا واضحا عقب القمة الطارئة لرؤساء دول «إيقاد» والاتحاد الأفريقي وقائد التمرد رياك مشار في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وفي تلك القمة، قال رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين إن صبر الأفارقة والمجتمع الدولي بدأ في النفاد، وإن الأوان آن ليقدم الجنوبيون التنازلات للوصول إلى سلام دائم في بلادهم، وحذر من إمكانية اتخاذ المجتمع الدولي لإجراءات ضد الطرفين، حال عدم تنفيذهم الاتفاقات الموقعة بينهما، خصوصا اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي.
وقال مبعوث الولايات المتحدة للسودان وجنوب السودان السفير دونالد بوث إن الصراع تحول إلى قتال دموي تسبب في نزوح مليوني مواطن، وأن الأوان آن لينزل وقف العدائيات إلى أرض الواقع، بيد أن بوث أشار إلى أن المجتمع الدولي يعتقد أن الطرفين لن يصلا إلى اتفاق سلاح لأن كل طرف يريد أن يكون رابحا من الحرب والسلام.
ودعا المبعوث بوث الطرفين لتقديم التنازلات اللازمة، للتعامل مع الموضوعات الكثير المعلقة، ومن بينها وضع حمَلة السلاح، ومستقبلهم في حالة التوصل إلى سلام. وفي ذات الوقت دعا إلى ما سماه «المحاسبة» التي تحول دون اللجوء إلى الثأر، ثم وضع الجزرة أمام الفريقين بقوله إن المجتمع الدولي مستعد لمساعدة الجنوبيين إذا ساعدوا أنفسهم.
وقال وزير الدفاع في جنوب السودان كوال مجنق هاتفيا لـ«الشرق الأوسط» إن الأوضاع في جنوب السودان هادئة الآن وإن الأطراف ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار، ما عدا المناوشات المحدودة التي أعقبت وقف إطلاق النار 10 نوفمبر الحالي، والتي هاجمت فيها قوات التمرد منطقة «شرق ريك»، وكانت هي الهجوم الوحيد.
وأضاف مجنق في حديثه للصحيفة أن المحادثات كانت تسير بصورة جيدة، بيد أن الوسطاء أرادوا إتاحة الفرصة للفرقاء للمزيد من التشاور مع قياداتهم للوصول إلى اتفاق سلام نهائي، وتوقع استئناف التفاوض في الرابع والعشرين أو السادس والعشرين من الشهر الحالي. وأبدى تفاؤله بقرب الوصول إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في الجنوب، بيد أنه قال إن بعض قيادات الحركة المتمردة قد لا تلتزم بوقف إطلاق، وإن قوات من الجيش الأبيض غير موحدة ولها قياداتها المحلية، وهي قد لا توافق على وقف إطلاق النار لأنها لا تحارب لأسباب سياسية، بل لأسباب اقتصادية تتمثل في نهب ممتلكات المواطنين. لكن مجنق توقع أن يرفض بعض جنود التمرد الاستمرار في الحرب، لأنهم ذاقوا ويلات الحرب، مهما حققوا من انتصارات في الميدان. سياسيا، قال مجنق إن فريق التفاوض يملك الصلاحيات الكافية للوصول إلى اتفاق، بيد أنه أضاف: «المتمردون طبعا يريدون منصب رئيس وزراء بسلطات تنفيذية، أو أن يكون نائب رئيس، لكنْ هناك نائب رئيس موجود أصلا هو جيمس واني إيقا، لا يمكن أن يكون ضحية للنزاع، لأن الأمر سيكون شبيها بجزاء سنمار، أما الطلب بإعطاء رئيس الوزراء سلطات أعلى من سلطات نائب الرئيس فهذا طلب غير معقول»، وأضاف: «رغم هذا أعتقد أننا سنصل إلى اتفاق سلام إذا كانوا جادين في السلام». ويطالب المتمردون بقيادة رياك مشار للوصول إلى اتفاق سلام دائم بتعيين رئيس وزراء بصلاحيات تنفيذية، وتقاسم السلطة والثروة، وبحكم فيدرالي لجنوب السودان، لكن الرئيس سلفا كير ميارديت أعلن عن قبوله بتعيين رئيس وزراء من المتمردين دون صلاحيات، حسب إفادات منسوبة إلى المتحدث الرئاسي أتينج ويك أتينج، وهو الأمر الذي لا يقبله المتمردون.
وحسب أتينج فإن الرئيس سلفا كير قبل صيغة لتقاسم السلطة مع المتمردين التي طرحها الوسطاء تتضمن تعيين رئيس وزراء، بيد أنه اشترط أن لا يكون للمنصب صلاحيات تنفيذية، استنادا إلى رغبته في تحقيق السلام بالبلاد.
ونقلت تصريحات عن المتحدث باسم القوات الموالية لرياك مشار جيمس قاديت قوله إن تعيين رئيس للوزراء من دون صلاحيات تنفيذية لا قيمة له، وإنهم لن يقبلون بهذا.
في الوقت ذاته، فإن المتحدث الرئاسي أكد أن الرئيس سلفا كير لا يعارض من حيث المبدأ اعتماد الفيدرالية نظاما للحكم في جنوب السودان، بيد أنه يشترط حدوث السلام أولا، ليتحقق الاستقرار ليتمكن المواطنون من المشاركة في عملية شاملة لتحديد نوع الحكم الذي يريدونه.
ويعتقد على نطاق واسع أن موضوعات جولة التفاوض المقبلة، نهاية الشهر الحالي، ستدور موضوعاتها حول هذه الخلافات، وأن إمكانية الوصول إلى اتفاق سلام يوقف الحرب أصبحت مواتية لعدة أسباب، من بينها تطاول الحرب دون استطاعة أي من الفريق من هزيمة الآخر، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية العنيفة التي تمارس عليهما من أجل للوصول إلى اتفاق سلام، وإنهاء الحرب. بيد أن تحليلات متشائمة تزعم أن الحرب الدائرة في جنوب السودان، وعلى الرغم من كونها بدأت كصراع سياسي داخل الحزب الحاكم «الحركة الشعبية»، فإنها اتسمت لاحقا بطابع قبلي بين أكبر قبيلتين في البلاد «دينكا الموالين لسلفا كير ميارديت، نوير الموالين لرياك مشار»، ما يصعب من إيقافها، وهو الأمر الذي لمح إليه المبعوث الأميركي السفير دونالد بوث حين طالب بوضع ترتيبات تحدد مصير المتقاتلين من الطرفين منعا للثارات التي قد تجدد اشتعال الحرب.
ويقول المحلل السياسي السوداني خالد التجاني النور في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن جنوب السودان يدفع ثمن تقسيم السودان، وثمن التشخيص الخاطئ لحل أزمة العلاقة بين شقي السودان، ما جعل أهل الجنوب يعتقدون أن الانفصال يمكن أن يأتيهم بما يحلمون به.
ويصف التجاني ما حدث بأن جنوب السودان استورد مشكلات السودان الموحد وأعاد إنتاجها بشكل مستقل، ومع زوال المبرر الحقيقي الذي يتمثل في إدارة أزمة الحكم في السودان كله، أعاد الجنوب إنتاج الأزمة في جنوب السودان.
ويعتبر التجاني ما حدث «عظة كافية» للكشف عدم وجود عمق في نظرة الطرفين لقضية الحرب والسلام، ويقول: «أهم ما في اتفاقية السلام الشامل كان اتفاق مشاكوس الإطاري الذي أكد على أولوية وحدة السودان، بينما كان الاختراق الرئيس في نيفاشا هو تأسيس نظام ديمقراطي يتيح المساواة والعدالة والمواطنة والمحاسبة والمساءلة، بما يمكن من حل كل مشكلات البلاد المختلفة، لكن للأسف فإن طرفي اتفاقية السلام، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، تآمرا على حل أزمة الحكم في السودان، وتنكرا للشرط الأساسي للاتفاقية، وساعد كل منهما الطرف الآخر لتحقيق ما يريد، فالمؤتمر الوطني الحاكم في السودان ليس لديه مانع في التخلص من الجنوب إذا كان الأمر يحقق له استقرارا في الشمال، والحركة الشعبية اعتبرت الانفصال ثمنا كافيا للتخلي عن مشروعها في السودان الجديد».
ويرى التجاني أن ما يحدث في شمال وجنوب السودان هو أن كلا الطرفين يدفع ثمن قصر نظرهما السياسي وضعفهما القيادي شمالا وجنوبا، ويقول: «القيادتان في الشمال والجنوب تتصفان بمستوى عالٍ من الضعف، كان واضحا جدا أن الانفصال لن يمر مرور الكرام، ونتج عن ذلك دولتان فاشلتان بامتياز، الوضع في الشمال ليس أحسن حالا مما هو عليه في الجنوب، فهو الآخر يدفع ثمن التقسيم».
ويحمل التجاني المجتمع الدولي مسؤولية ما يحدث في جنوب السودان لأنه كان طرفا أساسيا في اتفاقية السلام، دون أن يقوم برعايتها والوصول بها لإحداث التحول الديمقراطي الأساس المقبول لوحدة السودان.
واتهم التجاني المجتمع الدولي ومجلس الأمن بالمسير وراء طموحات الحركة الشعبية ومقاصد المؤتمر الوطني، فدفع الأشياء باتجاه استفتاء تقرير المصير وضمان استقلال جنوب السودان، دون أن يضع أية تحوطات لما يترتب على الانفصال، يقول: «أي شخص يفهم أن التقسيم سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في البلدين، لأن الطبقة السياسية المتناحرة وطموحاتها ستعيد إنتاج الأزمة».
ويوضح أن المجتمع الدولي بدلا عن الانحياز إلى الشعب في شقي البلاد في تحقيق طموحاته في الحرية والديمقراطية، آثر تنفيذ ما تريده النخب في الشمال والجنوب على حساب المواطنين.
ويضيف: «جنوب السودان دخل في نزاع ليس من السهل حله، فمشكلة جنوب السودان لم تعد مجرد صراع سياسي بين النخب، لكنها تنزلت للواقع الاجتماعي بكل تفاصيله، وبالتالي تحول الصراع السياسي إلى نزاع قبلي مستند إلى بنية المجتمع في الجنوب القائمة على القبلية، ومع عدم تشكل حاضن مدني أصبحت القبيلة هي الأساس الاجتماعي، ما جعل الصراع يتحول إلى صراع حاد على مستوى الجذور، على رأسه أكبر مكونين في جنوب السودان (الدينكا والنوير)، وتحول لما يشبه الثارات القبلية».
ويعتقد التجاني أن محاولات حل الصراع على مستوى النخب السياسية لن توقف الثارات القبلية، ويضيف: «عندما انشقت مجموعة مشار عام 1991 نفذت مقتلة عظيمة جدا ضد الدينكا، اعترف بها رياك مشار واعتذر عنها وهو في السلطة، والآن ينتقم الدينكا مما حدث في ذلك الوقت».
ورأى أن الصراع الذي انقلب إلى صراع قبلي لا يملك فيه القادة السلطة الفعلية، وأن المجتمع الدولي ليس لديه ما يفعله في الجنوب، ويضيف: «إن الذين دفعوا بتقسيم السودان تحت وهم وإغراء تحقيق طموحات الجنوبيين في الحرية، اتضح أنه كان حلا زائفا، والمجتمع الدولي لم يهتم بتأسيس بنية تحتية لدولة مدنية في الجنوب، وفشلت عملية تحويل الحركة الشعبية من حركة مناضلين ومقاتلين إلى سلطة مدنية سياسية».
ويؤكد التجاني أن المجتمع الدولي لم يعد لديه ما يقدمه لجنوب السودان، وبالتالي فإن الجنوب مرشح لـ«عقود من الصراع الدموي وعدم الاستقرار»، بسبب طبيعة التوازنات القائمة، ولعدم وجود طرف بمقدوره تحقيق انتصار عسكري حاسم، في ظل صراع اجتماعي في وجود تخلف تنموي كبير.
ولا يعتقد أن التفاوض بين النخب على تقاسم السلطة سيوصل إلى حل لأزمة جنوب السودان، وينهي حديثه بالقول: «للأسف الشديد، الجنوب دخل حالة فوضى ستستمر سنوات طويلة».
يشار إلى أن الحرب اشتعلت في جنوب السودان في 15 ديسمبر 2013 الماضي، عقب اتهامات لقوات موالية لنائب الرئيس السابق رياك مشار في الحرس الرئاسي بمحاولة «انقلاب عسكري»، ويذكر الشهود أن تصفيات كبيرة تمت لعشيرة «نوير» نفذتها قوات حكومية في جوبا، ثم انتقل الصراع لأماكن أخرى في البلاد، خصوصا في مناطق إنتاج النفط، ولايات الوحدة وجونقلي وأعالي النيل، وهو الصراع الذي كلما حلم الناس بانطفاء نيرانه، تشتعل من جديد، ويعم القتل على الهوية.
وعلى الرغم من وجود «مجموعة سياسية» يقف على رأسها الأمين العام للحركة الشعبية السابق باقان أموم وقيادات أخرى، اتهمت بادئ الأمر بموالاة رياك مشار، وعرفت بمجموعة «المعتقلون الأحد عشر»، بيد أنها آثرت أن تأخذ موقفا محايدا في القتال، ما جعل تأثيرها أقل بكثير من ثقلها السياسي، ما يؤشر إلى أن الحرب هناك قطعت الشوط السياسي لنهايته ودخل الشوط القبلي والعشائري، وهو شوط طويل لا يستطيع أحد تحديد زمان نهايته.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.