مفوض «أونروا» لـ«الشرق الأوسط»: دورنا ضروري في غياب الحل السياسي

لازاريني أكد سعيه إلى إعادة ثقة الدول المانحة... وأهمية التوحد ضد «كورونا»

فيليب لازاريني
فيليب لازاريني
TT

مفوض «أونروا» لـ«الشرق الأوسط»: دورنا ضروري في غياب الحل السياسي

فيليب لازاريني
فيليب لازاريني

لم يمض أكثر من ثلاثة أسابيع على تسلم فيليب لازاريني منصب المفوض العام الجديد لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى. السويسري الأممي في جعبته أكثر من 30 عاما من الخبرة في مجالات المساعدة الإنسانية والتنسيق الدولي في مناطق النزاع ومناطق ما بعد النزاع. تولى مناصب أممية وفي القطاع الخاص أخذته إلى غزة والقدس الشرقية ولبنان وغيرها، إلا أن منصب إدارة منظمة سبعينية كهلة قد يكون التحدي الأكبر الذي يواجه لازاريني اليوم.
شح التمويل، وغياب الدعم، ووباء عالمي، حواجز ثلاثية تقف في وجه مهمة «الأونروا» التي تعمل منذ تأسيسها على توفير حقوق اللاجئين الفلسطينيين الأساسية. من مكتبه في العاصمة اللبنانية بيروت، استطاعت «الشرق الأوسط» أن تكسب ساعة من وقته بين اجتماعاته الملحة. عبر الفيديو كونفراس، شرح لازاريني في أول مقابلة رسمية له مع أي وسيلة إعلامية منذ تسلم منصبه أبرز إجراءات المنظمة في الوضع الراهن للتعامل مع «كورونا». كما قال إن مهمة المنظمة «واضحة جدا، وستظل فاعلة في ظل غياب حل سياسي يشمل ملف اللاجئين الفلسطينيين وحلا عادلا لمحنتهم». وأكد أن «الهدف الحالي هو إعادة ثقة الدول المانحة وشركاء المنظمة من أجل التعامل مع التحديات الاقتصادية وتحسين صورة (أونروا) التي تلعب دورا إيجابيا وهي جزء من الحل».
وفيما يلي نص الحوار:

> كيف تعاملت «الأونروا» مع جائحة كورونا في مختلف المناطق التي تغطيها المنظمة خصوصا في مخيمات اللجوء المكتظة؟
- أعبر عن انبهاري بطريقة تعامل المنظمة مع وباء «كوفيد - 19» التي لا تزال توفر جميع الخدمات التي كانت توفرها في الظروف العادية. مراكزنا الصحية لا تزال تعمل، لكننا طلبنا من الناس عدم القدوم والاتصال بالهاتف لتلقي الإرشادات الصحية. وفي الحالات التي تتطلب أدوية، نقوم بتوصيلها للمنازل. ذلك ينطبق أيضا على دعم المواد الغذائية، كانت قبل «كورونا» من خلال مراكز معينة، لكن الآن يتم توصيل المستلزمات للمنازل مباشرة. أما في مجال التعليم، قامت المنظمة باستمرار التدريس بسرعة فائقة للتعليم عن بعد. لكن ذلك يضع أمام المنظمة تحديات جديدة مثل الحاجة للأجهزة التقنية، لكنها تحاول توفير التعليم لجميع الطلاب. تقوم المنظمة بتطهير وتعقيم المخيمات. ويتم التعامل مع الحالات المحتملة بدقة باتباع سياسة الدول التي تعمل «الأونروا» فيها. ففي بيروت قمنا بتحويل مركز للأونروا إلى مقر للحجر الصحي للاجئين فلسطينيين أصيبوا بالفيروس سوف يتم افتتاحه قريبا. المنظمة أثبتت مرونة في التعامل مع الوباء والإبقاء على توفير الخدمات للاجئين الفلسطينيين.
> هناك دعوات لإسرائيل لأن تكون أكثر تعاونا مع المنظمة خلال الأزمة. هل هناك جهود حالية لزيادة هذا النوع من التعاون لمواجهة «كورونا»؟
«كوفيد - 19» لا يعرف الحدود. وهنالك حاجة ملحة للتنسيق والتعاون. هنالك تعاون قائم بالفعل خصوصا في قطاع غزة المكتظ، ما يقلقنا أن يتفشى الوباء في مخيمات اللجوء. لم نعد نفرق في غزة في توزيع المساعدات والدعم الطبي بين لاجئ ومواطن، بل نوفر خدماتنا لجميع السكان. يتم اتخاذ إجراءات صارمة في عزل الإصابات في غزة حاليا لاحتواء الوباء.
> انتقد تجمع لجان الأحياء في مخيم عين الحلوة إجراءات «الأونروا» بحجة نقص التمويل داعين إياها لتحمل مسؤولياتها في ظل الأزمة الاقتصادية التي تطال اللاجئين الفلسطينيين في المخيم. ما هي خطتكم لزيادة الدعم في مخيمات اللجوء الفلسطينية بكل من لبنان وسوريا خلال الجائحة؟
- يجب وضع كل آلية استجابة للوباء في سياقها. لبنان بالفعل يمر بأزمة اقتصادية تؤثر على جميع السكان، عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر يتزايد بوتيرة سريعة، وذلك يؤثر على اللاجئين الفلسطينيين بالطبع خصوصا في ظل «كوفيد - 19»، القشة التي قصمت ظهر البعير. المنظمة استطاعت إلى الآن الحفاظ على الأنشطة التي توفر شبكة ضمان اجتماعي، لكننا نخطط إطلاق نداء استغاثة للبنان تشمن اللاجئين الفلسطينيين لتغطية حاجاتهم الاقتصادية الأساسية. الوضع مماثل في سوريا أيضا المتأثرة بعقد من الحرب. «كوفيد - 19» ضاعف من معاناة السكان هناك، ونحن نعمل عكس اتجاه عقارب الساعة لتعبئة المزيد من المصادر للاستجابة إلى حاجات اللاجئين.
هل هنالك مخاوف من أن تقوم بعض الدول المستضيفة باستغلال أزمة «كوفيد - 19» لعزل اللاجئين الفلسطينيين عن المجتمع المحلي؟
ليس لدي أي سبب من التخوف من ذلك في الوقت الراهن، حتى هذه اللحظة يتم التعامل بإجراءات القضاء على الفيروس في المخيمات، مثل خارجها.
> توليت مناصب سابقة في المنطقة منحتك خبرة خصوصا في مناطق مثل القدس وغزة وغيرها. ما أبرز الأهداف التي تود تحقيقها بعد تسلم هذا المنصب، علما بأن المنظمة تعاني من شح في التمويل؟
- أتسلم منصبي وهذه المسؤولية في وقت تعاني فيه المنظمة بالفعل من تحديات كثيرة غير مسبوقة. مثل التحديات في التمويل، وأيضا التحدي القائم سياسيا إذ تتم حاليا مساءلة سمعة وكيان المنظمة. للمنظمة مهمة ومسؤوليات واضحة تعمل على تلبيتها، بطريقة غير سياسية. وأعتقد الهدف الحالي هو إعادة ثقة الدول المانحة وشركاء المنظمة من أجل التعامل مع التحديات الاقتصادية وتحسين صورة «الأونروا» التي تلعب دورا إيجابيا وهي جزء من الحل. ولا بد من دعم اللاجئين الفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم طبقا لبنود أجندة 2030 لمحاربة الفقر التي صادق عليها جميع أعضاء المجتمع الدولي.
> ما طبيعة علاقة «الأونروا» مع الدول المستضيفة التي تعمل داخلها مثل الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان؟
- الدول المستضيفة تبدي دعمها المتجدد للمنظمة وتتوقع منها أن تلبي مسؤولياتها وفق مهمتها الواضحة. معظم الدول المستضيفة ترى أن المنظمة تلعب دورا أيضا في الاستقرار الاجتماعي.
> هل هنالك أي بوادر لزيادة الدعم المالي للمنظمة من قبل الشركاء والدول المانحة؟
- لقد تسلمت منصبي الجديد قبل أقل من ثلاثة أسابيع، ولم تسنح لي فرصة التواصل بعد مع جميع الشركاء والمانحين. إلا أن وضع المنظمة المالي مقلق بالتأكيد، وإن أردنا تطوير رؤية موحدة للأونروا، فلن يكون منطقي أن نعاني كل شهر من شح التمويل ونعيش قلق عدم القدرة على توفير الخدمات للاجئين جراء تردي الأوضاع المالية. كان عام 2019 بالتحديد صعبا جدا على المنظمة، وباشرنا العمل في عام 2020 بميزانية ضئيلة جدا، كما فاقم وباء «كورونا» التحديات. سيكون تركيزي الآن على التواصل مع المانحين ومع الدول العربية والدول الأوروبية في محاولة زيادة الدعم والعمل على تطوير رؤية طويلة الأمد للمنظمة. قمنا بتطوير بنود مهمتنا بالتعاون مع الجمعية العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، ونحن بحاجة للتمويل لتلبية البنود المعدلة.
> تأسست «الأونروا» لتكون شاهدة على معاناة اللاجئين الفلسطينيين على مدار 7 عقود، ولتوفير حقوقهم. هل ترى أن المنظمة هي تأكيد على حق عودة الفلسطينيين؟
مع تأسيسها، جرى منح المنظمة رسالة واضحة مع بنود وأهداف، وبعد 70 عاما منذ ذلك الوقت، ما زلنا نحتفظ بالمهمة ذاتها، الأمر الذي يؤكد أهمية استمرارية المنظمة في ظل غياب حل سياسي فاعل يشمل مستقبل اللاجئين الفلسطينيين. ولذلك وجود المنظمة لا يزال مهما اليوم لمنح خدمات تلبي الحقوق الأساسية للاجئين الفلسطينيين، التي سيتم نسيانها خلافا لذلك.
> هل حان الوقت في رأيك لمراجعة أهداف مهمة «أونروا»؟ وهل ترون أن للمؤسسة «تاريخ انتهاء صلاحية» في ظل مقترح واشنطن للسلام وسحب دعمها أيضا؟
-   مهمة «الأونروا» واضحة جدا، وستظل فاعلة في ظل غياب حل سياسي يشمل حلا عادلا اللاجئين الفلسطينيين. وفي ظل الوضع الراهن، تفكيك نشاطات المنظمة قد يضع اللاجئين الفلسطينيين في أوضاع أكثر سوءا، وهنالك دوما الخطر أن يضحوا من دون وطن يعودون إليه. نسعى في الوقت الراهن لحشد الدعم الدولي بعد قرار الغرب في عام 2018 لإعادة هيكلة المنظمة، وذلك لضمان توصيل الخدمات الأساسية للاجئين في الدول المضيفة. وقد قامت دول مثل اليابان وكندا والاتحاد الأوروبي ودول عربية مثل السعودية والإمارات والكويت بسد بعض الفجوات المالية.، وقامت كل من الدول الخليجية المذكورة بالتبرع ب٥٠ مليون دولار..  وكان عام 2019 أكثر صعوبة. وأولويتي منذ تسلم المنصب هي توفير خدمات مستدامة للاجئين..
> هناك من يقول إن مقترح واشنطن للسلام لا يعترف بحق عودة اللاجئين، ولا يوفر حلا لملف اللاجئين الفلسطينيين يتماشى مع القوانين الدولية والقرارات الأممية. ما موقف المنظمة من هذا المقترح؟ وهل تواصلتم مع الإدارة الأميركية لمناقشته؟
- موقف «الأونروا» يتماشى مع موقف الأمم المتحدة الرسمي الرافض. لم تسنح لي الفرصة بعد بالتواصل مع الإدارة الأميركية، لكنني سأفعل ذلك بالتأكيد.
> هل هنالك خطط للتعاون مع منظمات أممية أخرى في المنطقة؟
- المنظمة مشمولة دائما بنداءات الاستغاثة للتمويل. وفي مجال التعليم على سبيل المثال نعمل دوما بالقرب من منظمات أممية، مثل اليونيسكو واليونيسيف، وعند استجاباتنا الصحية نعمل بقرب مع منظمة الصحة العالمية ومع المنظومات الصحية في الدول المستضيفة.
> ما موقفكم من إعلان واشنطن وقف الدعم عن منظمة الصحة العالمية؟
- أعتقد أن الآن هو الوقت لحشد جميع الدعم للقضاء على العدو (كورونا)، وليس هو الوقت أبدا لزلزلة المنظمة التي تحاربه على خط النار.
> حرصت المنظمة عبر السنين على أن توفر خدمات تنموية مستدامة خصوصا في قطاعي التعليم والصحة. ما خطط «الأونروا» المستقبلية في هذين المجالين؟ هل ستقوم على سبيل المثال بتطوير مناهج خاصة بها؟
- نحرص بالفعل على تقديم تعليم ذي جودة عالية للطلاب، ونتلقى العديد من ردود الفعل الإيجابية. ندرس مناهج الدول المستضيفة في مدارس المنظمة احتراما لهم، ولا ننوي تغيير ذلك الآن.
> يصف بعض سكان قطاع غزة المنظمة «بحكومة غير سياسية موازية»، بما أنها أيضا أقدم من فتح وحماس، ويرى البعض الآخر أن المنظمة تقوم بإقحام خبراء أجانب في شواغر قد تملأها كوادر فلسطينية... ما رأيكم؟
- نفضل دائما الاستعانة بالخبرات الفلسطينية بالمنظمة من اللاجئين عوضا عن الكوادر الأجنبية. لكن في بعض الأحيان نحتاج إلى الخبرة الأجنبية، نحاول دوما التوصل لتوازن. (علما بأن «الأونروا» تتميز بالاعتماد على الكوادر المحلية أكثر من أي منظمة أخرى، فيضم كادرها الذي يصل إلى نحو 30 ألف موظف، 188 موظفا أجنبيا فقط، كما يتسلم الفلسطينيون في المنظمة عديدا من المناصب الإدارية).



من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية والإنسانية في مناطق النزاع. وحذّر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن التوترات الجيوسياسية ونقص التمويل يعرضان بعثات حفظ السلام في العالم للخطر، خاصة تلك التي تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأفاد المعهد، في تقرير حديث، بأن أقل من 79 ألف عنصر تم نشرهم ضمن مهمات حفظ السلام الدولية بنهاية عام 2025، في أدنى مستوى منذ 25 عاماً على الأقل.

ويرى خبير عسكري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التقرير يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعثات حفظ السلام وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات وتنفيذ برامج الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمناطق وجودها، فضلاً عن إضعاف جهود مكافحة الإرهاب، مؤكداً ضرورة توافر إرادة سياسية ودعم دولي كاف لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.

ووفق التقرير، بلغ إجمالي مهمات حفظ السلام 58 مهمة في عام 2025، في تراجع للمرة الأولى عن عتبة الـ 60 مهمة منذ عام 2016، وتسجل ثلاثة أرباع القوات في خمس دول هي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وبحسب الباحثة في المعهد، كلوديا بفايفر كروز فإنه «لضمان استدامة إدارة النزاعات المتعددة الأطراف، تحتاج الدول إلى تجاوز مجرد إبداء الدعم، إذ يتعين عليها توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية لتمكين استجابات فعالة ومتعددة الأطراف».

وتُضعف أزمة التمويل المهمات التي تقودها الأمم المتحدة، حيث لم يفِ أكبر المانحين بالتزاماتهم كلياً أو جزئياً، ونتيجة لذلك، هناك عجز بملياري دولار من أصل 5.6 مليار مرصودة لميزانية 2024-2025، وفقاً للتقرير.

وبخلاف التمويل هناك عقبات سياسية، حيث أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، طالبت بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، على الرغم من انتهاكات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وكحل وسط، صوّت مجلس الأمن على تجديد مهمة «اليونيفيل» لمرة أخيرة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ناقوس خطر

جندي حفظ سلام نيبالي من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ذلك التقرير الدولي ناقوس خطر، لافتاً إلى أن بؤر التوتر المتعددة أثرت بشكل كبير على فاعلية بعثات حفظ السلام عبر زيادة المخاطر الأمنية واتساع نطاق المهام المطلوبة ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية واللوجستية وإضعاف القدرة على حماية المدنيين واحتواء النزاعات، مضيفاً أن تراجع التمويل يشكل تحدياً كبيراً، ويمس أوضاع الأمن والاستقرار بالبلد محل وجود القوات، كما هو الحال في الصومال، حيث تحتاج البعثة فيه لدعم.

تحذيرات

وحذر التقرير الدولي من أزمة أمنية واسعة، وقال جاير فان دير ليين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد نشهد ضعفاً حاداً في إدارة النزاعات متعددة الأطراف والتهميش شبه الكامل لمؤسسات كالأمم المتحدة، نتيجة تضافر عوامل نقص التمويل والعوامل السياسية والجيوسياسية»، مرجحاً أن «ينتج عن ذلك المزيد من النزاعات التي يحتمل أن يكون لها آثار أشد وطأة على المدنيين، مع تخلي الدول عن المعايير الراسخة».

ويؤكد اللواء سمير فرج ضرورة أن تعمل الأمم المتحدة على تعزيز فاعلية بعثات السلام عبر إعادة هيكلة المهام وتطوير آليات التمويل والتنسيق مع القوى الإقليمية، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتوفر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة التحديات المتزايدة خاصة في مكافحة الإرهاب.


تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
TT

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها، وهو ما قاد لبقاء المسافرين لساعات طويلة يفترشون الطرق، ودفع بعض العائدين للانتظار في مصر لحين انتهاء الأزمة التي بدأت في الانحسار عشية العيد.

ونشر ناشطون سودانيون مقاطع وشهادات تُوثِّق أوضاعاً إنسانيةً صعبةً عند معبر أرقين الحدودي، في ظلِّ أجواء الطقس الحار، ووجود حالات مرضية لا تستطيع البقاء في العراء، مشيرين إلى أنَّ الأسر تضطر للانتظار لحين توفير حافلات بأسعار مناسبة لهم، تُمكِّنهم من العودة إلى المناطق التي نزحوا منها؛ بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع.

في حين أكد مبارك داود مدير معبر أرقين الحدودي، في تصريحات إعلامية، الاثنين، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، مشيراً إلى أنَّ حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت الماضي، قبل أن يشهد المعبر تكدُّساً متسارعاً وصل إلى نحو 5 آلاف عالق. وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين؛ نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة، التي أقرَّتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعراً.

وقالت عضوة الهيئة القومية للدفاع عن الحقوق والحريات وعضوة هيئة محامي الطوارئ في السودان، إقبال أحمد، إنَّ نقص الحافلات يعدُّ السبب الرئيسي في تكدُّس العائدين، مع سياسة «التفويج»، التي تعتمد عليها الحكومة السودانية للتعامل مع زيادة أعداد المتنقلين بين الولايات المختلفة في أيام العيد، وهي تقوم على تجميع الحافلات، والانطلاق معاً في توقيت واحد في محاولة لتفادي حوادث طرق النقل السريعة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ عودة السودانيين، التي أخذت في الزيادة خلال الأشهر الماضية خلقت سوقاً داخليةً للنقل بين الخرطوم والولايات المختلفة، وهو ما حوَّل وجهة السائقين من المعابر إلى الولايات، مع كثرة نقاط التفتيش في الطرق المؤدية من وإلى المعابر الحدودية، مشيرة إلى أنَّ حملات تدقيق الإقامات التي تُنظِّمها الحكومة المصرية أسهمت في تكدُّس أعداد كبيرة على المعابر قبل عيد الأضحى، لكن التكدُّس يعيق عودة البعض.

وأكدت أنَّ ما يفاقم الأزمة هو أنَّ الأهالي العائدين لديهم ميزانيات محدودة للغاية، وبالكاد نجحوا في توفير ثمن تذاكر عودتهم، بينما شهد معبر أرقين خلال الأيام الماضية استغلال السائقين الكثافة العائدة ونقص الحافلات، في مضاعفة أسعار العودة إلى الولايات السودانية المختلفة، مشيرة إلى أن «العودة الطوعية» المجانية، التي تُنظِّمها الحكومة السودانية شهدت إقبالاً مضاعفاً عليها خلال الأسبوع الأخير.

نقص الحافلات يثير أزمة في معبر أرقين (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

ويعدُّ معبر أرقين أحد أهم المعابر التي تربط بين مصر والسودان، ويقع المعبر على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة النوبة، ويبعد نحو 326 كيلومتراً جنوب مدينة أسوان المصرية، و850 كيلومتراً شمال العاصمة السودانية الخرطوم.

ويوم الأحد أعلنت لجنة الأمل التي تشرف على رحلات «العودة الطوعية» انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالاً متزايداً من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.

اللجنة أوضحت، في بيان رسمي، أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتاً خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقاً لاستيعاب جميع المسجَّلين. وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.

المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقي، المقيم في القاهرة، أشار إلى أنَّ التكدُّس الحالي في معبر أرقين يأتي بعد أسبوع من انتهاء امتحانات شهادات النقل، مع قرار كثير من الأسر العودة إلى السودان عقب استقرار الأوضاع بشكل كبير.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من الأسر، التي كانت تقيم في محافظات مصرية مختلفة تعرَّضت لما يشبه «النصب» من سائقي حافلات العودة، وأن «مكاتب حجز العودة تتضمَّن نقلهم من أماكن إقامتهم في العاصمة القاهرة وحتى ولايات سودانية متفق عليها، لكن ما يحدث هو أنَّ بعض السائقين أخلّوا باتفاقهم وتركوهم أمام معبر أرقين».

ويرى الباقي أنَّ الأزمة تتمثَّل أيضاً في عدم وجود تَصوُّر حكومي لأعداد العائدين، بما يسهم في توفير الخدمات واللوجستيات اللازمة، وبما يضمن عدم وجود تكدُّس، موضحاً أنَّ شهادات الأسر العالقة تشير إلى إرسال حافلات مدعومة من مجلس السيادة الانتقالي لتخفيف الأزمة.

زيادة في وتيرة العائدين من مصر إلى السودان (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

وكانت «الغرفة القومية للبصات السفرية» في السودان، أعلنت الخميس الماضي، تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30 في المائة على أسعار تذاكر السفر بين الولايات.

وكان معبر أرقين قد شهد أزمة مماثلة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

رئيس جمعية «الصداقة المصرية - السودانية» محمد حبارة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ أعداد العائدين من مصر تزداد مع استقرار الأوضاع في عدد من الولايات السودانية، لكن ما يعيق انسيابية العودة يتمثَّل في ارتفاع تذاكر الحافلات، ووجود تكدُّس أمام المعابر، خصوصاً معبر أرقين، وهو ما دفع البعض لإرجاء عودته لحين استقرار أسعار رحلات العودة، أو الانتظار شهرين أو أكثر من أجل «العودة الطوعية» المجانية.


نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».