يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين

(«الشرق الأوسط») ترصد تحركات معبر السلوم مع مصر والداخل الليبي المضطرب

جنود على الحدود المصرية ــ الليبية يقفون خلف متاريس وبجوار دبابة، ويفحصون أوراق إحدى سيارات نقل البضائع قبل السماح لها بالدخول («الشرق الأوسط»)
جنود على الحدود المصرية ــ الليبية يقفون خلف متاريس وبجوار دبابة، ويفحصون أوراق إحدى سيارات نقل البضائع قبل السماح لها بالدخول («الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين

جنود على الحدود المصرية ــ الليبية يقفون خلف متاريس وبجوار دبابة، ويفحصون أوراق إحدى سيارات نقل البضائع قبل السماح لها بالدخول («الشرق الأوسط»)
جنود على الحدود المصرية ــ الليبية يقفون خلف متاريس وبجوار دبابة، ويفحصون أوراق إحدى سيارات نقل البضائع قبل السماح لها بالدخول («الشرق الأوسط»)

«لكي تعبر كل هذه النقاط الأمنية، لا بد أن تكون من مواليد محافظة مطروح، أو متزوجا ليبية، أو لديك ما يثبت أن لك أقارب في ليبيا». هكذا قال الضابط المصري على جانب الحدود، بينما كانت نحو 50 شاحنة، ونحو 70 مصريا وليبيا، ينتظرون إنهاء الإجراءات في منفذ السلوم البري لدخول ليبيا.
في السابق كانت كل هذه الساحات الخالية والممرات الشاغرة، تزدحم بألوف المغادرين والقادمين بين جانبي الحدود. كل هذا انتهى، وأصبح عدد عناصر قوات الأمن أكبر من عدد المسافرين، وأصبحت آليات حراسة الحدود أكثر من شاحنات نقل البضائع. أما بعد أن تعبر الحدود فلن تستمع في مسجل السيارة لأصوات الشعراء وهم يتغنون على وقع الموسيقى، كما كان الحال في الماضي، ولكن ستبحث عن أخبار القتلى والمهجرين وتطورات الحرب ضد المتطرفين في المدن التي تقصدها الآن.
حتى هنا في منفذ السلوم، حيث تنتظر مع 5 أو 6 من المصريين والليبيين الذين يعدون أنفسهم لاجتياز آخر حاجز أمني في اتجاه ليبيا، يمكن أن تستمع لأخبار من تعرضوا للذبح على أيدي مقاتلي داعش في مدينة درنة التي تبعد عن حدود مصر نحو 300 كيلومتر. وتتلفت حولك في المنفذ فترى نظرات الترقب في أعين الضباط والجنود والموظفين، وتكاد تشم رائحة الاقتتال والتربص على الجانب الآخر من الحدود، على مرمى البصر. ومن بين المنتظرين هنا، يقول رحومة سعيد، وهو تاجر مصري يستغل أوراق زواجه من امرأة ليبية في التنقل بين جانبي الحدود، إن مظاهر النشاط الدائب، في هذا المنفذ البري الرسمي الوحيد بين البلدين، كانت في الماضي «مظاهر تملأ العين من شدة الازدحام والرواج الاقتصادي»، أي قبل أن تندلع الاشتباكات في طول ليبيا وعرضها، وتغلق مصر حدودها مع هذا البلد النفطي شاسع المساحة.
ويتدخل أحد زملاء الطريق المتأهبين لدخول ليبيا، وهو طالب من مدينة بنغازي، وكان يدرس في جامعة الأزهر بالقاهرة، ويدعى احسونة، ويقول في أسى إن رفاق الأمس، في إشارة إلى من قاموا بالثورة ضد العقيد معمر القذافي، يبدو أنهم كانوا يحشدون إمكاناتهم في مواجهة كل منهم للآخر، منذ وقت طويل، من أجل خوض هذه الحرب المستعرة منذ أشهر.
يصمت احسونة وينظر إلى سيارات الإسعاف الجديدة المحملة بالجرحى والقادمة حالا من الجانب الليبي من الحدود، ثم يقول: «كل يوم يسقط ضحايا.. وكل يوم تهدم المباني»، لافتا إلى أن أخبار أسرته انقطعت عنه منذ بدأ الجيش الليبي في دخول بنغازي لتحريرها من جماعات المتطرفين أواخر الشهر الماضي، ويخشى أن تكون أسرته التي تتبع المنهج السلفي قد تعرضت للانتقام من جماعة «أنصار الشريعة» الدموية.
وبينما يتدخل أحد رفاق السفر لمواساته وتطمينه على أن أسرته «بالتأكيد بين يدي الله»، وأنه «ربما لم يصبها ضرر»، تأتي من الجانب الآخر، من فوق خط الحدود، حيث يمكن أن ترى ذلك بعينيك رغم بُعد المسافة، مجموعة من العجائز الليبيات وهن يجتزن معبر إمساعد الليبي، وقد وصلن توا، وبدأن في المشي على أقدامهن ناحية منفذ السلوم، وعلى ملابسهن آثار الغبار. وولجت إحداهن وهي تحمل أوراق صاحباتها، إلى صالة الوصول المصرية الخاوية، في انتظار الضابط المسؤول لكي تأخذ إذن الدخول.
أما باقي العجائز المتعبات فجلسن يترقبنها بجوار عدة سيارات إسعاف ليبية محملة بالجرحى والمرضى كانت هي الأخرى في انتظار إنهاء إجراءات الدخول للأراضي المصرية وهي إجراءات أصبحت شديدة التعقيد. وفي الخلفية من كل هذا، أي على طول السلك المصري الشائك الممتد على الجانبين، كانت هناك عدة آليات مصفحة وجنود يرتدون الخوذات ويقفون خلف مواسير المدافع الموجهة إلى الناحية الأخرى.
ويقول عبد الله، وهو سائق سيارة إسعاف ليبية تنتظر دورها لاجتياز معبر السلوم: «المصريون أغلقوا الحدود، ويؤخرون دخول الجرحى وكبار السن، لكن هذا حقهم، فهم يخشون تسلل عناصر من داعش أو من الإخوان لتنفيذ عمليات تخريبية في مصر.. على كل حال نقل الجرحى لمصر أفضل من نقلهم إلى تونس، فبالإضافة إلى بُعد المسافة من بنغازي لتونس، تتقاضى السلطات التونسية على الحدود مبالغ كبيرة تصل لنحو 50 دينارا (نحو 30 دولارا) عن كل فرد بينما المصريون لا يتقاضون أكثر من 10 جنيهات (أقل من دولار ونصف دولار».
وعلى نافذة الجوازات بدأت الحركة تدب.. فقد انتهى الضابط المصري من وقت استراحته، واستأنف عمله الذي لا يزيد عن فحص وختم بضع عشرات من جوازات السفر في اليوم. والآن أخذ يدقق في أوراق رجل ليبي وزوجته المصرية وأطفاله الـ3. ويسأل عن سبب قدومه، ويفحص على جهاز الكومبيوتر عما إذا كان اسمه من بين الأسماء المطلوبة أو الممنوعة من دخول البلاد. وأخيرا يختم جوازاتهم، ويقول وهو يتنفس الصعداء: «تفضلوا».
ويقول هذا الضابط، ويدعى أحمد، إن منفذ السلوم مغلق بشكل رسمي، وإن المنفذ يستقبل فقط المصريين العائدين من ليبيا، أما بالنسبة للأشخاص الليبيين الذين تستثنيهم السلطات المصرية ويحق لهم دخول البلاد، من المنفذ نفسه، فلا بد أن تتوافر فيهم شروط محددة وهي أن يكون من الجرحى أو المرضى الموصى بعلاجهم في مصر، لكن بعد أن تقوم السلطات الليبية بإبلاغ الجانب المصري من الحدود بأسماء هؤلاء، اسما اسما.
ومن بين الشروط أيضا أن يكون الليبي الذي يرغب في دخول مصر متزوجا من مصرية أو أنه ابن لأم مصرية. ليس هذا فقط، بل لا بد أن تكون زوجته أو والدته بصحبته، وهناك استثناءات أخرى تتعلق بكبار السن مثل العجائز اللائي ينتظرن دورهن في دخول مصر وهن يحملن صُررا من ملابسهن وما تبقى لهن من متاع الدنيا.
وبدأت تشيع فوق هضبة السلوم مقولة يرددها المسافرون لليبيا على أسماع بعضهم البعض، وهي أن الداخل إلى هناك مفقود والخارج منها مولود، بسبب ما يأتي من أخبار عن الميليشيات التي تخوض حرب حياة أو موت مع الجيش الوطني، وقيامها بالانتقام من كل من يقع بين أيديها من مؤيدي الجيش، وذلك بقتله ونحره بلا رحمة.
وعلى كل حال لم يكن من السهل اجتياز الهضبة المصرية للوصول للأراضي الليبية إلا بشق الأنفس واجتياز إجراءات متشابكة عبر عدة نقاط يتمركز فيها رجال أمن مصريون يعيدون عليك مرة وراء مرة تحذيرات بالأخطار الكامنة هناك.. «حتى لو كان من حقك أن تسافر كصحافي أو كمواطن لديه أقارب في ليبيا، فعليك أن تعلم أنك، بوصفك مصريا، ربما لن تعود إلا جثة.. وربما جثة مقطوعة الرأس.. وفي هذه الحالة لن نستطيع أن نقدم لك إلا خدمة وحيدة، وهي تسلّم جثمانك من الجانب الآخر من الحدود لتوصيله لذويك بمصر».
ويصيح أحد موظفي الجوازات متعجبا: «يا إلهي.. كيف يمكن أن تواصل السفر إلى هناك، وأنت تستمع إلى هذه الوصايا والتوقعات التي لا يحمد عقباها».
الكل يعلم أن ليبيا يتقاتل فيها من كانوا يعرفون، حتى أشهر مضت، باسم «ثوار فبراير»، أي أولئك الذين قادوا الليبيين للانتفاضة المسلحة على حكم العقيد القذافي، بمساعدة ضربات طيران حلف الناتو، في عام 2011. الكل يعلم ذلك، لكن المشكلة في التفاصيل.
الطريق من إمساعد، وهي أول مدينة ليبية بعد الحدود المصرية، إلى الداخل الليبي، غير مأمونة «لا أحد يضمن عدم وجود متطرفين أو قطاع طرق، أو مسلحين متشددين يكرهون مصر والمصريين. هؤلاء لا يتفاوضون. بل يقتلونك على الفور، وفي أفضل الأحوال، يختطفونك لكي يتفاوضوا على مبلغ مالي كبير مقابل إطلاق سراحك، وفي نهاية المطاف يمكن أن يقتلوك أيضا بعد أن يحصلوا على الفدية». هكذا يخبرك موظف في الأمن المصري بالسلوم، يدعى شريف، وهو يرفع حاجبيه كأنه يروي لك أحداث فيلم من أفلام الرعب التي يمكن أن تشاهدها على أرض الواقع وأنت في الطريق.
وتخشى السلطات المصرية من تسلل المتطرفين من جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم داعش وأنصار تنظيم القاعدة، وغيرها من التنظيمات الخطرة التي أصبحت تنتشر في ليبيا، إلى داخل أراضيها. ولهذا أصبحت إجراءات اجتياز الحدود صعبة، سواء من حيث تقديم ما يلزم من أوراق أو من خلال ما تسمعه من قصص مخيفة لا تشجع على السفر.
وفي الليلة قبل الأخيرة على الحدود تجد في الفنادق الصغيرة الواقعة تحت هضبة السلوم حكايات لا حصر لها، تجعلك تأخذ تحذيرات الموظف شريف مأخذ الجد. فبالإضافة إلى عبور العشرات يوميا ذهابا وإيابا بين حدود مصر وليبيا البرية، توجد محاولات للتسلل من خلف الحدود الرسمية، يفشل أغلبها في حينه، ويقوم بها مصريون وعرب وأفارقة للوصول لليبيا، ويقوم بها أيضا متطرفون قادمون من ليبيا في اتجاه مصر.
وتطرح الكثير من الأسئلة، وأنت تندفع إلى الأمام، من «سوق الخضراوات» بالسلوم بمصر، حتى «سوق الحوت» في طبرق الليبية، عن سبب تسلل مواطنين من جنسيات مختلفة من مصر، إلى بلد فيه قطع للرؤوس وضربات عسكرية وتوجس من الغرباء؟ هذه أسئلة ستعرف لها إجابات متعددة ضمن هذه الحلقات التي تنشرها «الشرق الأوسط» عن الحرب في ليبيا بين «الجيش الوطني» المؤيَّد من البرلمان، و«قوات المتطرفين» بكل أنواعهم، ومن بين هذه الإجابات بشكل سريع: إن بعض المغامرين يسعون فعلا للعمل في ليبيا، وبعضهم يسعى للهجرة إلى أوروبا، لكن البعض الآخر يطمح في الالتحاق بالمتطرفين الذين يقاتلون قوات الجيش والشرطة في المدن الليبية.
أما بالنسبة لمحاولات المتطرفين المدربين التسلل من ليبيا إلى الأراضي المصرية، لتنفيذ عمليات تخريبية فيها، انتقاما من الجيش والأمن بمصر، فقد أصبحت شديدة الصعوبة. أولا بالنسبة لتأمين المنفذ الرسمي بين البلدين، فتوجد في الوقت الحالي إجراءات غير مسبوقة.. مثلا توجد قوة شرطية مصرية معززة بقوة أمنية مسلحة بأسلحة ثقيلة، على المدخل الخارجي لمدينة السلوم، أي أنك قبل أن تدخل إلى، أو تخرج من، المدينة الواقعة تحت الهضبة الفاصلة بين حدود البلدين، لا بد من التعريف بنفسك وبوجهتك إضافة لتفتيشك وتفتيش سيارتك.
وقبل أن تسلك الطريق الأفعوانية الصاعدة إلى أعلى الهضبة، توجد نقطة أمنية مسلحة أخرى، تقوم بعمليات تفتيش دقيقة، وتتأكد من أن معك من الأوراق ما يمكنك من مواصلة العبور في اتجاه المنفذ. وفي أعلى الهضبة تمر بـ5 نقاط تفتيش لا يفصل كل منها عن الأخرى سوى عدة عشرات من الأمتار. نقطتان في منفذ السلوم القديم، وهو منفذ كان مهجورا وغير مستخدم منذ سنوات، لكن الآن، وبعد القلاقل المتفجرة في ليبيا، أصبحت تتمركز فيه قوات من الأمن تقف خلف متاريس وخلف مواسير المدفعية.. وهكذا تخضع في كل مرة لتفتيش دقيق لكل شيء، بداية من الأوراق الثبوتية حتى الجيوب الداخلية لحقائب السفر.
وأخيرا تنتهي من إجراءات الخروج من مصر.. تقطع نحو 500 متر مشيا على الأقدام للوصول إلى المنفذ الليبي، أي منفذ إمساعد. تجر حقائبك تحت الشمس وتتلفت خلفك فربما تأتي سيارة لتريحك من هذا المشوار المرهق. في السابق كانت هناك سيارات تقل المسافرين من منفذ السلوم إلى منفذ إمساعد، مقابل 50 جنيها للفرد الذي يفضل استئجار سيارة خاصة، أو مقابل 10 جنيهات لمن يريد أن يركب مع آخرين. في الوقت الحالي لم تعد توجد هذه الرفاهية بسبب قلة عدد المسافرين.. فقط تمشي وتتلفت وراءك ربما تأتي سيارة عابرة.
وهذا ما كان؛ سيارة كورية الصنع فخمة يقودها شاب ليبي، يدعى جمال، في العشرينات من العمر. كان في زيارة لأقاربه في السلوم، من قبيلة القطعان، وهي من كبرى القبائل في الشرق الليبي. والآن هو عائد إلى أسرته في مدينة طبرق التي يوجد فيها مقر البرلمان الليبي الجديد. سأل «إلى أين؟». وكانت الإجابة جاهزة «إلى المنفذ.. جوازات إمساعد». فوافق وقد حدد الأجرة بشكل مبالغ فيه، قائلا «أوكي.. 10 دنانير».
ومن يستطيع أن يرفض في مثل هذه الظروف. وعلى الفور كانت الحقائب في السيارة وبوابة إمساعد تقترب. يا للمفاجأة المرعبة.. البوابة خاوية. لا وجود لأي حرس أو جنود أو ضباط. لا وجود لأي موظفين. مجرد طرقات ومسارات وغرف مغلقة وقطع كبيرة من الحجارة كانت تستخدم في السابق في غلق شوارع المنفذ على ما يبدو. واجتاز السائق المعبر من دون أن نختم شعار الدخول على جواز السفر، وقال: إن هذا أمر عادي، لأنه لا يوجد أحد.
وهنا بدأ الخوف. أين هي عناصر الدولة الليبية؟ أين هو حرس الحدود؟ أين كتائب التأمين التي نقرأ عنها؟ ولم يعد هناك من ملاذ سوى السائق جمال، الذي كان يريد أن يأخذ أجرته، الـ10 دنانير، ويمضي، بيد أنه كان لا بد من إغرائه لكي ينتظر «أنت، يا أخ جمال، بالتأكيد مسافر إلى طبرق.. ولهذا دعنا نتفق على سعر التوصيلة إلى هناك بالمرة.. لكن لا يمكن مواصلة السير أكثر من هذا، قبل العودة لختم جواز السفر من المنفذ الليبي. هل تعرف أين هم ضباط الجوازات الآن؟ مَن يضمن ما يمكن أن يحدث هناك، وساعتها، لو تعرضت لأذى، لن يكون هناك أي دليل رسمي على دخولي الأراضي الليبية».
وبدأ جمال يظهر نفاد صبره، ورجع بسيارته مرة أخرى، لكن في الاتجاه المعاكس، أي من المنفذ المتجه ناحية مصر. وهناك عثر على 5 جنود ليبيين كانوا يلهون مع أحد زملائهم من زوار المنفذ قرب سيارة عسكرية عليها مدفع عيار 23 مم. قال لأحدهم «نريد أن نختم دخول مصري». وكان هناك ختمان للدخول والخروج يتدليان من عنق الجندي الذي دخل إلى غرفة ونحن خلفه، وحين شاهد كلمة صحافي في جواز السفر قال: إن هذا ممنوع، ويتطلب إجراء اتصالات مع قيادته العسكرية في المنطقة الشرقية من ليبيا. حسنا!
واستغرق الأمر مزيدا من الوقت قبل أن تأتي الموافقة بالدخول. وطبع الختم على الجواز. وبدأت السيارة تتحرك مجددا إلى أول بلدة ليبية بعد الحدود. وكما ضرب الكساد مدينة السلوم في الجانب المصري، تجد الشلل الاقتصادي شبه التام قد تمكن من مدينة إمساعد على الجانب الليبي.. محال تجارية شبه مغلقة ومقاه خاوية ومراكز اتصالات يطن فيها الذباب. توجد شاحنات ليبية وأخرى مصرية لنقل البضائع، لكن السائق جمال يقول إنها لا تساوي شيئا مقارنة بالمئات من الشاحنات الضخمة التي كانت تسد الطرقات هنا وتملأ الساحات الممتدة على جانبي المدينة.
كانت البضائع تأتي من الموانئ البحرية الليبية ويجري تشوينها في مخازن كبيرة في «إمساعد»، إلى أن تأتي الشاحنات المصرية لنقلها إلى داخل مصر. وفي المقابل كانت الشاحنات المصرية تحجب الشمس هنا من كثرتها وهي محملة بقوالب الرخام والسيراميك والإسمنت والجبس والحبال وغيرها.
وخلافا للفراغ الأمني الموجود في منفذ إمساعد البري، يبدو الأمر مختلفا في داخل بلدة إمساعد نفسها، والتي لا يزيد عدد سكانها عن نحو 5 آلاف نسمة. هنا توجد قوات عسكرية ليبية نشطة. وكان يمكن مشاهدة ما لا يقل عن 9 سيارات دفع رباعي فوقها مدافع من عيار 14.5 مم و23 مم، وجنود يحملون أسلحة من نوع «إيه كيه 47». وتشعر بوجود عيون تراقب الغرباء. وفي ساحة سيارات الأجرة بدا الموقف يعبر عن نفسه. لا أحد هنا. وتبدو موائد مطعم «ثورة 17 فبراير» الذي كان يعتمد على المسافرين بين البلدين، مهجورة ويغطيها التراب، بينما الريح تطير بقايا الورق والغبار على الواجهة.
وقبل أن يتوقف أمام مقهى «الحدود» المتخصص في بيع القهوة الإيطالي، يضيف السائق جمال قائلا في يأس، وكأنه غير قادر على السكوت، إن الحرب الداخلية في ليبيا أثرت على كل شيء وقتلت التجارة بين البلدين، ولم تعد هناك غير محاولات بائسة لتهريب البضائع إما عن طريق البر، وهو أمر أصبح شديد الصعوبة، أو عن طريق البحر، حيث تتولى مراكب صغيرة نقل السلع إلى السلوم عبر خليج البردي المقابل للهضبة المصرية.
ويزيد موضحا «اليوم.. لا يوجد شيء مضمون. الأمن الليبي في إمساعد لم يعد يتساهل مع المهربين كما كان الحال قبل شهور.. وحراس الحدود المصريون، من الجانب الآخر، يراقبون كل شيء، وأصبحوا يبصرون المراكب وهي في الظلام في عرض البحر، ويصادرونها بما فيها من سلع، ومهربين».
وظن صاحب المقهى وهو يمسح بملعقة صغيرة على رغوة الفنجان قبل أن يقدمه للسائق جمال، أننا تجار ممنوعات أو مهربون، فنبهنا سريعا لكي نأخذ حذرنا، وهو يشير إلى سيارة جيش ليبية توقفت حالا أمام المحل. وما هي إلا أقل من دقيقة حتى دخل ضابط أسمر وأحمر العينين ومتحفز.. مسدس يتدلى من خصره، وفي يده بندقية «إيه كيه 47». وفحص الأوراق، ثم بدا أنه استراح أخيرا لفكرة وجود صحافي هنا، فطلب من زميله عبر جهاز اللاسلكي أن يترك السيارة ويأتي لشرب القهوة هنا.
ويحمل الضابط رتبة مقدم، ويدعى احميدة، وهو من قبيلة العبيدات، وهي واحدة من القبائل الكبرى التي تهيمن على المنطقة الشرقية من البلاد، ويرى أن مسؤولية حماية الحدود ليست لكونه يتبع الجيش الليبي فقط، ولكن لأنه «عبيدي» أيضا هو والمجموعة التي تعمل معه، وغالبيتهم متطوعون ولا يتقاضون أي رواتب من الدولة. ويضيف أنه لا يصح أن يقال: إن المتطرفين يمرون من أراضي العبيدات سواء كان أولئك المتطرفون قادمين من مصر إلى ليبيا أو العكس.
وتمكنت مجموعة احميدة من توقيف عشرات المتسللين عبر الحدود، وتسليم المصريين منهم إلى الجيش المصري، وتسليم الليبيين أو الجنسيات غير الليبية، ممكن كانوا في طريقهم إلى مصر، إلى وحدات الجيش الليبي القريبة من هنا. ومع ذلك يقول المقدم احميدة إن مجموعته التي تعمل بالتعاون مع كتيبة «عمر المختار» التابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي تفتقر للكثير من المعدات اللازمة لضبط الحدود، ومن بينها السيارات المجهزة والأسلحة ومناظير الرؤية الليلية.
ويقول إنه رغم ضعف الإمكانات فإن الكتيبة الحدودية تمكنت من توقيف المئات من الجنسيات المختلفة ممن كانوا يسعون للعبور إلى مصر أو إلى ليبيا بشكل غير قانوني، على أيدي مهربين مسلحين يستخدمون سيارات الدفع الرباعي، وإن من بين من جرى توقيفهم خلال الشهرين الماضيين مصريون وليبيون وسودانيون ويمنيون وسوريون، لافتا إلى أن غالبية هؤلاء كانوا يقصدون مدينة بنغازي للانضمام إلى المتطرفين مما يسمى بـ«أنصار الشريعة» و«ميليشيات الإخوان» الذين يحاربون الجيش والشرطة، وأن بعضهم كان قادما من مصر مباشرة والبعض الآخر كان قادما من السودان عبر الأراضي المصرية. ويضيف أن هذا النوع من المهاجرين المتطرفين يجري التعامل معهم عن طريق جهات التحقيق الليبية لمعرفة من يقف وراءهم ومن يقوم بتمويلهم، وأن بعض المهاجرين الآخرين يسعون فقط للعمل في مدينة طبرق الهادئة، لكن كل من يلقى القبض عليه تجري إعادته من حيث أتى، حيث جرى تسليم الجانب المصري أكثر من 300 مهاجر من هذا النوع خلال الأسابيع الماضية.
والعجيب أن الضابط احميدة قدم نصائح وهو يشيعنا متطابقة للنصائح التي سبق أن قدمها الضباط المصريون عن خطر البوابات الأمنية الوهمية التي يديرها المتطرفون بين المدن الليبية، واحتمال أن يذبحوك مباشرة لو عرفوا أنك صحافي مصري. وبدأت رحلة المتاعب، إلا أن السائق جمال بدأ في تلطيف الأجواء وإملاء التعليمات التي تضمن سلامة الوصول إلى طبرق؛ إنها تعليماته الخاصة.
أولا: الأجرة 160 دينارا، يضاف إليها الدنانير الـ10 الأولى الخاصة بالتوصيلة من منفذ السلوم لمنفذ إمساعد، فتكون 170 دينارا. ثانيا: لا حديث باللهجة المصرية في أي من البوابات والنقاط الأمنية التي سنمر بها، فربما تكون إحداها تابعة للمتطرفين، فيذبحونك من دون أن آخذ أجرتي. وضحك. وصمت قليلا. ثم واصل قائلا: التصوير ممنوع.. الحديث في أي أمور سياسية مع الناس، وأنت معي، ممنوع، سواء في بلدة قصر الجدي أو في طبرق. وبعد أن نفترق، افعل ما تشاء، لا تعرفني ولا أعرفك. والآن نستمع إلى الأخبار في الراديو.

يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي


انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
TT

انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)

شهدت أزمة استخراج جوازات السفر في اليمن انفراجاً ملحوظاً بعد سنوات من التكدس والمعاناة، إثر إعلان مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية إنهاء معظم المعاملات المتراكمة في المحافظات المحرَّرة، بعدما كان المواطنون ينتظرون ما بين سبعة وثمانية أشهر للحصول على جواز السفر، وهو ما تسبب في حرمان آلاف اليمنيين من فرص الدراسة والعمل والعلاج والسفر.

وأكدت المصلحة وصول عدد من فروعها إلى ما يُعرف بـ«مرحلة المعاملة صفر»، في إشارة إلى إنهاء جميع الطلبات المتراكمة، باستثناء فرع محافظة تعز الذي لا يزال يشهد ضغطاً كبيراً وتأخراً في إصدار الجوازات.

ومع تولي اللواء طارق النسي رئاسة المصلحة، جرى توفير نحو ثلاثة ملايين دفتر جواز سفر؛ الأمر الذي ساعد على معالجة الاختناقات المتراكمة وتسريع وتيرة الإنجاز. كما أعلن مكتب المصلحة في العاصمة المؤقتة عدن الانتهاء من طباعة جميع طلبات الجوازات المتأخرة، بما فيها معاملات مضى على بعضها عدة أشهر.

وأفاد فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في مديرية خور مكسر بوصوله إلى «مرحلة المعاملة صفر»، بعد استكمال طباعة جميع معاملات جوازات السفر المتراكمة الخاصة بعام 2025، وحتى الشهر الحالي، في خطوة عكست تحسناً في مستوى الأداء وتسريع إنجاز الخدمات للمواطنين.

تزايد الإقبال وتأخر وصول الجوازات تسبب في تراكم المعاملات لنصف عام (إعلام محلي)

وأكد مدير الفرع، العميد صالح الحكمي، أن تسلم الجوازات أصبح متاحاً للمواطنين الذين استكملوا إجراءاتهم، مشيراً إلى أن المعاملات الجديدة يتم إنجازها خلال أيام معدودة وفق إجراءات قانونية وإدارية منظمة.

وأوضح أن قسم التسليم سيواصل عمله خلال إجازة عيد الأضحى على فترتين، صباحية ومسائية، بما يضمن استمرارية الخدمة وتسهيل حصول المواطنين على جوازاتهم دون تأخير.

إجراءات رقابية

شدد الحكمي على استمرار الإجراءات الصارمة لمكافحة التزوير والابتزاز، وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، مؤكداً تخصيص قنوات رسمية لتلقي شكاوى المواطنين ومقترحاتهم عبر تطبيق «واتساب» والبريد الإلكتروني، في إطار تعزيز التواصل المباشر وتحسين جودة الخدمات.

وفي السياق نفسه، أعلنت جوازات الحديدة استكمال طباعة جميع الجوازات التي كانت بحوزتها قبل إجازة عيد الأضحى، مؤكدة خلو سجلاتها حالياً من أي معاملات متراكمة، ودعت المواطنين إلى الحضور لتسلم جوازاتهم.

كما أكد مكتب جوازات محافظة مأرب الانتهاء من طباعة جميع الجوازات الموجودة لديه قبل بدء إجازة العيد، فيما لم تُسجل أي تأخيرات في مكاتب المصلحة بساحل ووادي حضرموت ومحافظتي شبوة والمهرة، إضافة إلى مكتب جوازات المخا في الساحل الغربي.

استمرار معاناة تعز

في المقابل، أعلن فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في تعز استكمال طباعة جوازات السفر الخاصة بشهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بإجمالي 26 ألفاً و685 جوازاً، إضافة إلى تصفية جميع المعاملات العالقة الخاصة بالعام الماضي.

وأرجع الفرع أسباب التأخير إلى الكثافة الكبيرة والاستثنائية في أعداد المتقدمين للحصول على الجوازات، موضحاً أنه يستقبل أعداداً تفوق ما تستقبله بقية الفروع على مستوى البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى تضخم حجم المعاملات، وأطال المدة الزمنية اللازمة للطباعة والإنجاز.

كثير من اليمنيين عانوا من استخراج جواز سفر في الوقت المناسب (إعلام حكومي)

وبحسب قيادة الفرع، فإن التأخير لم يكن نتيجة توقف أعمال الطباعة أو قصور في الأداء، بل بسبب الحجم الكبير للطلبات الواردة مقارنة ببقية الفروع، مع استمرار الجهود الرامية إلى تحسين مستوى الخدمة وتسريع الإجراءات.

ورغم ذلك، لا تزال شكاوى المواطنين تتصاعد في تعز بسبب استمرار التكدس وتأخر تسلم الجوازات؛ حيث أكد مواطنون أن التأخير تسبب في ضياع فرص دراسية ومنح تعليمية ووظائف خارج البلاد، فضلاً عن تعثر سفر مرضى ومسافرين اضطر بعضهم إلى الانتظار لأكثر من سبعة أشهر.

دعم حكومي

على وقع هذه التطورات، أشاد رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في الحكومة اليمنية بالإجراءات التي اتخذها فرع عدن لمكافحة التزوير والابتزاز، مشدداً على ضرورة مواصلة تطبيق القانون بحزم وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة.

وخلال زيارته للفرع، أثنى اللواء طارق النسي على جهود الموظفين وروح الانضباط والمسؤولية التي أسهمت في رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن الكوادر الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لتطوير العمل المؤسسي.

كما اطّلع على التجهيزات التقنية والإدارية في الفرع، مشيداً بخطط تحديث البنية التحتية التي تهدف إلى تسريع إجراءات إصدار الجوازات وتقليص الوقت والجهد على المواطنين، وضمان أعلى معايير الدقة والموثوقية في المعاملات.

تخصيص مكاتب لذوي الاحتياجات وكبار السن والمرضى (إعلام حكومي)

وكان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين، شائع الزنداني، قد دعا إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء المؤسسي وتعزيز مبادئ الشفافية والكفاءة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين مستوى الخدمات الحكومية.

ووجّه الزنداني بضرورة تعزيز التنسيق مع الجهات ذات العلاقة والتوسع في الخدمات الإلكترونية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة نحو تحديث مؤسسات الدولة والارتقاء بالأداء الحكومي.

وخلال لقائه برئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، أكد الزنداني أهمية الدور الحيوي الذي تضطلع به المصلحة، مشدداً على حرص الحكومة على تقديم الدعم اللازم لتذليل الصعوبات، وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.

كما ناقش آلية العمل في قطاعات الهجرة والجوازات والإجراءات المتخذة لتحسين جودة الخدمات وتسهيل إنجاز معاملات المواطنين، خصوصاً ما يتعلق بإصدار الجوازات والوثائق الرسمية، إلى جانب جهود التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية التقنية.


ارتفاع الأسعار يخنق فرحة العيد في مدينة تعز

أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع الأسعار يخنق فرحة العيد في مدينة تعز

أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)

لم يعد سكان محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) يسألون بعضهم البعض كم يكسبون من الأجور، بل كم يوماً يستطيعون الصمود قبل أن تبتلع الأسعار مداخليهم، حيث الغلاء لم يعد أزمة معيشية عابرة، بل واقع يومي يعيد تشكيل الحياة التي يرسم الحرمان تفاصيلها، خصوصاً في الأعياد.

وشهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في أسعار عدد من السلع والمستلزمات العيدية، ما دفع العديد من العائلات إلى التراجع عن مساعيها لتأمين احتياجات العيد، في حين تؤكد السلطات المحلية أنها عملت على ضبط أسعار السلع الأساسية، وسط تأثيرات الأزمات العالمية والحرب على إيران.

ويشكو سكان تعز من زيادة أسعار الملابس في أسواق المحافظة، سواء في المدينة أو في الأرياف والبلدات المتوزعة على أطرافها المترامية، عن الأسعار في المحافظات المجاورة الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

يقول عبد الرحمن القليعة، مدير عام مكتب الصناعة والتجارة في تعز، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار السلع الضرورية مستقرة نتيجة الرقابة الصارمة على الأسواق والمخزون السلعي، وينفي وجود فارق بينها وبين الأسعار في باقي المحافظات، معتبراً أنها في تعز أفضل، مقارنة بالوضع الخاص التي تعيشه المحافظة جراء الحصار والحرب، إلى جانب وعورة الطرق وارتفاع تكاليف النقل.

الحصار الحوثي على تعز يعقد حركة النقل والتنقل ويضاعف أسعار السلع (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن استمرار تبعات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تسبب في ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل والتأمين وندرة تدفق السلع وتوقف الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يؤثر على الأسعار في عموم البلاد.

وعدّ نزوح معظم التجار والمستثمرين من المحافظة، وعودة أعداد كبيرة من السكان إليها، من أسباب تشكل عبء استهلاكي كبير، إلى جانب الكثافة السكانية التي تتميز بها المحافظة، وكل ذلك لم يدخلها في أزمات كغيرها من المحافظات الأخرى.

ولم يؤدِ تحسن العملة المحلية منذ صيف العام الماضي إلى تراجع الأسعار، إلا على نطاق محدود طبقاً لشهادات السكان والباعة.

التسوق من عدن

لم تتراجع أسعار الملابس، خصوصاً ملابس الأطفال كثيراً، برغم التحسن الذي عاشته العملة المحلية منذ نحو العام، وتتزايد الشكاوى في الأوساط التجارية من تكاليف التشغيل والجبايات والطاقة.

الباعة الجوالون في اليمن يوفرون ملابس رخيصة للمستهلكين (الشرق الأوسط)

ولجأت أماني محمد، وهي موظفة عمومية وربة منزل، إلى تحويل 100 ألف ريال يمني (65 دولاراً، حيث سعر الدولار يساوي 1558 ريالاً) إلى شقيقتها المقيمة في العاصمة المؤقتة عدن لشراء ملابس لطفليها، على أن تقوم شقيقتها بإرسالها إليها رفقة سيارات نقل الركاب، بسبب فوارق الأسعار الكبيرة بين المدينتين.

وتبين محمد لـ«الشرق الأوسط» أن ذلك المبلغ لم يكن يكفي لشراء ملابس العيد للطفلين، وهما ولد وبنت، حيث وجدت، بعد عدة جولات في أسواق المدينة، أنها ستحتاج إلى ما يوازي 100 دولار أو أكثر.

وتصل غالبية السلع المستوردة، بما فيها الملابس، عبر ميناء عدن، ويجري نقلها إلى باقي المحافظات في طرق طويلة، تمتد على جغرافيا معقدة، وتزيد ظروف الحرب والحصار الذي تفرضه الجماعة الحوثية من صعوبات النقل وتكلفته.

امرأة تتجول في أحد أسواق مدينة تعز حيث الغلاء يخنق القدرة الشرائية للسكان (أ.ف.ب)

ومنذ أشهر بدأت عدد من العائلات العودة إلى الوسيلة نفسها، حيث ينتقل العديد من أرباب وربات البيوت، خصوصاً في المناطق الجنوبية من المحافظة، إلى عدن للتسوق والعودة في اليوم نفسه أو اليوم التالي.

ويلقي غالبية التجار والباعة في تعز، وإلى جانبهم مسؤولون محليون، باللائمة على عدد من العوامل والظروف المحلية والإقليمية والدولية التي يرون أنها تسببت في رفع تكلفة وصول مختلف السلع.

واشتكى عدد من التجار في مركز المحافظة من استمرار الجبايات غير القانونية في نقاط التفتيش المنتشرة على طول الطريق بين عدن وتعز، التي لم تفلح الأوامر والتوجيهات الرسمية في إيقافها سوى على نطاق محدود.

الجبايات غير القانونية تضاعف من تكلفة السلع وتزيد الأعباء على السكان في تعز (فيسبوك)

وأقر معاذ محمد، وهو تاجر ملابس يملك محلات في عدد من محافظات البلاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بوجود فوارق كبيرة في الأسعار بين مدينتي عدن وتعز بسبب تلك الجبايات، حيث يفرض أفراد تلك النقاط مبالغ متفاوتة على كل حمولة، وهو ما يجري تحميله لاحقاً على أسعار السلع في نقاط البيع الأخيرة.

جبايات بلا رقابة

لم تجد التوجيهات الرئاسية والحكومية بإيقاف الجبايات غير القانونية في نقاط التفتيش على الطرق المؤدية من وإلى العاصمة المؤقتة عدن، طريقها للنفاذ في محافظة تعز، بعد أن تمكنت السلطات في عدد من المحافظات المجاورة من تنفيذها خلال الأسابيع الماضية.

وأقرّ مصدر أمني في مدينة التربة، الواقعة جنوب المحافظة على الطريق بين عدن وتعز، لـ«الشرق الأوسط»، باستمرار الجبايات غير القانونية برغم كل التوجيهات بإيقافها، ملمحاً إلى وجود تعقيدات كثيرة تقف أمام تنفيذ تلك التوجيهات.

مسؤولون محليون في تعز خلال جولة لتفقد إجراءات الرقابة على الأسعار (إعلام حكومي)

وطبقاً للمصدر الذي رفض الكشف عن هويته، فإن إيقاف تلك الجبايات يقتضي تعاوناً بين مختلف السلطات الأمنية والتنفيذية، مع تحسين وانتظام رواتب أفراد الأمن، إلى جانب توحيد القرار الأمني في مختلف المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية.

بالعودة إلى عبد الرحمن القليعة، المسؤول التمويني في تعز، فإن التنسيق بين مكتب الصناعة والتجارة والجهات الأمنية والعسكرية في نقاط التفتيش «ينحصر فقط في دعم وتمكين مندوبي المكتب من تفتيش البضاعة في المنافذ»، والحصول على نسخ من فواتير ملاك البضائع، حيث لا سلطة للمكتب على نقاط التفتيش.

وبعد دخول ناقلات البضائع محافظة تعز، تمر عبر أكثر من خمس نقاط تفتيش قبل وصولها إلى المدينة، وتتفاوت الجبايات المفروضة فيها بحسب حجم المركبة وحمولتها، ويقول بعض السائقين إن مزاج أفراد النقطة وأعدادهم يحدد أيضاً المبلغ الذي يفرضونه عليهم.


هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
TT

هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)

رحل الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، وبذلك يطوي اليمن أحدَ أعقد فصوله السياسية والعسكرية منذ قيام الوحدة عام 1990؛ إذ يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الانتقالية، والحوار الوطني، ثم الحرب الممتدة التي اندلعت عقب انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر 2014.

لم يكن هادي قائداً صدامياً أو خطيباً شعبوياً، بل ظهر طيلة مسيرته بوصفه رجل المؤسسة الهادئ، الذي فضل العمل بصمت، وتجنب المواجهات الحادة، حتى وهو في قلب أخطر الأزمات في تاريخ اليمن الحديث؛ مما جعله بين رؤيتين، فهناك من يراه شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر، وهناك من يحمله مسؤولية التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق شمال البلاد.

وُلد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر (أيلول) 1945 بقرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى الحياة العسكرية.

تلقى تعليمه العسكري في عدد من الأكاديميات الخارجية، أبرزها «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية الملكية في بريطانيا التي تخرج فيها عام 1966، كما حصل على دراسات عليا عسكرية في «أكاديمية ناصر» بمصر، ودورات تخصصية في الاتحاد السوفياتي السابق.

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي يغادر الحياة بعد تاريخ حافل (إعلام حكومي)

تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وتولى مواقع قيادية في سلاح المدرعات، قبل أن تشكل أحداث يناير (كانون الثاني) 1986 الدامية نقطة التحول الأبرز في حياته السياسية والعسكرية.

فبعد خسارة جناح الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في تلك المواجهات، غادر هادي إلى صنعاء مع آلاف العسكريين الجنوبيين، ليبدأ مرحلة جديدة داخل الدولة اليمنية الشمالية، قبل قيام الوحدة بين الشطرين عام 1990.

برز اسم هادي بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994، حين عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع في مواجهة محاولة الانفصال التي قادها نائب الرئيس حينها الراحل علي سالم البيض.

وبعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ليبقى في المنصب نحو 18 عاماً، في إحدى أطول فترات شغل منصب نائب الرئيس في تاريخ اليمن.

خلال تلك السنوات، عُرف هادي بأنه «الرجل الصامت» داخل السلطة؛ إذ نادراً ما دخل في صراعات مراكز النفوذ، أو ظهر طرفاً في التنافسات القبلية والعسكرية التي أحاطت بالرئيس صالح. كما حافظ على صورة المسؤول الإداري والعسكري المنضبط؛ الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف داخلية وخارجية بوصفه شخصية غير صدامية.

رئيس المرحلة الانتقالية

مع اندلاع احتجاجات عام 2011 ضد حكم صالح، دخل اليمن مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، وسط آمال بإنقاذ البلاد من الانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتمثلت أبرز محطات عهده المبكرة في رعايته «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» بين 2013 و2014، وهو المؤتمر الذي جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي؛ بهدف صياغة مشروع دولة اتحادية حديثة.

وعدّ كثير من اليمنيين آنذاك «الحوار الوطني» فرصةً تاريخية لإنهاء الصراعات المزمنة والتأسيس لدولة جديدة، غير أن الأحداث اللاحقة دفعت البلاد إلى مسار مغاير تماماً، حيث اجتاح الحوثيون في سبتمبر (أيلول) 2014 العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي.

الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (إعلام حكومي)

ورغم تقديمه استقالته تحت الضغط، فإن هادي تمكن في فبراير (شباط) 2015 من الفرار إلى عدن، وأعلن تمسكه بشرعيته الدستورية، قبل أن تتوسع الهجمات الحوثية وتدفعه لاحقاً إلى الانتقال للرياض.

ومن العاصمة السعودية، قاد هادي السلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب، مستنداً إلى دعم واسع من التحالف العربي بقيادة السعودية، وإلى غطاء سياسي وقانوني وفره قرار مجلس الأمن الدولي «2216».

وخلال تلك السنوات، احتفظت حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وظل يمثل اليمن في المحافل الدولية رغم فقدان سلطته الفعلية على العاصمة المختطفة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد.

جدل بشأن شخصيته وأدائه

أثارت شخصية هادي وأسلوبه في الحكم انقساماً واسعاً بين اليمنيين والمراقبين. فمنتقدوه رأوا أن طبيعته الهادئة، وميله إلى التريث، أضعفا مؤسسات الدولة في لحظات مصيرية، وأن بطء قراراته سمح للحوثيين بالتمدد والسيطرة على صنعاء. كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق باعتماده على شبكات نفوذ حزبية وقبلية لم تنجح في حسم المعركة.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن الرجل تسلم بلداً منهكاً وجيشاً منقسماً، وأنه واجه مشروعاً مسلحاً مدعوماً إقليمياً وسط ظروف جد استثنائية، ويرى هؤلاء أن هادي نجح في الحفاظ على الشرعية القانونية للدولة اليمنية، ومنع سقوطها الكامل في العزلة الدولية.

كما يشير مقربون منه إلى أن تمسكه بخيار الحوار والتوافق لم يكن ضعفاً، بل قناعة سياسية جنبت اليمن حروباً أوسع في المراحل الأولى من الأزمة.

اليمنيون انقسموا بشأن هادي بين مؤيد جهوده ومنتقد طريقة قيادته البلاد (أ.ف.ب)

حظي هادي طيلة فترة حكمه بدعم إقليمي ودولي استثنائي؛ إذ تبنت دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، مسار انتقال السلطة في اليمن عبر المبادرة الخليجية.

كما تحول بعد انقلاب الحوثيين عنواناً للشرعية اليمنية الوحيدة المعترف بها دولياً، وحصل على دعم سياسي وعسكري واسع من التحالف العربي، إضافة إلى مساندة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

واحتفظ اليمن خلال سنوات الحرب بمقعده في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باسم حكومة هادي، وهو ما عُدّ أحد أبرز إنجازاته السياسية، خصوصاً في ظل مساعي الحوثيين للحصول على اعتراف دولي.

مغادرة السلطة بهدوء

في أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة عدّها كثيرون تحولاً مفصلياً داخل معسكر الشرعية.

وجاء القرار عقب مشاورات يمنية - يمنية استضافتها الرياض، وسط ضغوط لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد مكوناتها السياسية والعسكرية.

ولقيت الخطوة ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، بوصفها انتقالاً سلمياً ومنظماً للسلطة، بينما اختار هادي الابتعاد عن المشهد السياسي بصورة شبه كاملة خلال سنواته الأخيرة.

الرئيس اليمني السابق هادي رحل بهدوء بعد 4 سنوات من تسليمه قيادة الشرعية (رويترز)

وأعلنت الرئاسة اليمنية، الخميس، وفاة هادي بعد معاناة صحية، مشيدة بما وصفتها بـ«مواقفه الوطنية» ودوره في الحفاظ على الشرعية ووحدة اليمن.

وبرحيله، يغيب آخر رئيس قاد اليمن الموحد في ظل الاعتراف الدولي الكامل قبل تشظي مؤسسات الدولة والحرب المفتوحة التي فجرها الحوثيون المدعومون من إيران، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وعسكرياً سيظل محل نقاش طويل بين اليمنيين.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بوصفه «مرشح التوافق» وجد نفسه يقود بلداً ينهار تحت وطأة الانقسامات والانقلاب الحوثي، وظل حتى لحظة مغادرته الحكم متمسكاً بشرعية الدولة، قبل أن يرحل بهدوء، مسدلاً الستار على فصل بالغ التعقيد من تاريخ اليمن المعاصر.

اقرأ أيضاً