حمد الرشيدي: الأدب غير صالح للتعامل مع كارثة «كورونا»

صاحب «ليلى اليهودية» يقول إن روايته خليط من الحقيقة والخيال

حمد الرشيدي
حمد الرشيدي
TT

حمد الرشيدي: الأدب غير صالح للتعامل مع كارثة «كورونا»

حمد الرشيدي
حمد الرشيدي

أصدر الروائي الشاعر السعودي حمد حميد الرشيدي 4 روايات، ونحو 10 دراسات في القصة والنقد والتاريخ، وكان آخر أعماله الروائية «الصعاليك» التي صدرت هذا العام، سبقتها روايته ذائعة الصيت «مجنون ليلى اليهودية» 2016، ورواية «أقدام تنتعل السراب» 2007، ورواية «شوال الرياض» 1999.
كما أصدر مجموعتين شعريتين: «للجراح ريش وللرياح وكر» و«أبجديات الروح والجسد»، وقصصاً ممسرحة بعنوان «حكايات الرسول السعودي»، وقدم برامج في الإذاعة تهتم بالأدب العربي.
وهنا حوار معه، أجريناه عبر وسائل التواصل نظراً للتباعد الذي فرضته أجواء الفيروس:
> دعني أولاً أسألك: كيف ترى الأثر الثقافي الذي يمكن أن تخّلفه جائحة «كورونا» المستجد؟
- الحقيقة أن الكوارث الطبيعية والأزمات البشرية، وشيوعها أو تفشيها بين الناس، ليست بجديدة على التاريخ البشري، منذ أن خلق الإنسان على الأرض حتى الوقت الراهن. ومرض «كورونا» هو إحدى هذه الكوارث الطبيعية العالمية التي نواجهها اليَوْم. ومهما يكن من أمر هذا المرض، فإن «العزلة» التي تسبب بها بين الناس نتيجة فرض «حظر التجول» هذه الأيام، وضرورة البقاء في المنزل لمنع تفشيه، هي عزلة «اجتماعية صحية نفسية» مؤقتة، وسوف تزول قريباً، وليست عزلة ثقافية أو معرفية. طبعاً، لا ننسى أن التكنولوجيا الحديثة ووسائلها، كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، ساهمت أيضاً إلى حد كبير بالتقليل من آثار هذه العزلة، على عكس ما كان في السابق، حين تتسبب مثل هذه الكوارث في القطيعة التامة بين الناس.
> كيف يمكن للثقافة أن «تخفف» من الاضطراب الذي يخلفه الرعب من «كورونا»؟ وهل يمكنها أن توفر بعض الطمأنينة؟
- إذا كان المقصود بكلمة «ثقافة» في السؤال هنا «الأدب بصفته فعلاً ثقافياً»، فإن الأمر يحتاج منا لوقفة، وذلك لأن «الأدب»، وإن كان فاعلاً مؤثراً بلا شك في كل الأحوال، غير صالح للتعامل المباشر مع مثل هذه الكوارث التي تتطلب تعاملاً مباشراً معها، كما هو حاصل مع «كورونا» الآن، لكون الأدب يقوم على التخييل والتصوير والتأمل والتفكر المتأني، وعلى التفسير «غير المباشر» للظواهر المحيطة، ولذلك يأتي فهمه والاستفادة منه عادة بطيئة ومؤجلة، لافتقاره لعنصر المباشرة في أثناء الأحداث الطارئة. وغالباً ما تظهر قيمة هذا النوع من الأدب، وهو ما يعرف بـ«أدب الأزمات» بعد انتهاء الكارثة أو الأزمة بوقت أو زمن ليس بالقصير، وليس في أثناء حدوثها. ومثل ذلك نجده في أعمال أدبية تنتمي لأدب الأزمات نالت شهرة عالمية واسعة، مثل «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، و«الحب في زمن الكوليرا» للكاتب الكولومبي ماركيز، وغيرهما. فمثل هذه الأعمال لم تعرف قيمتها وأهميتها في وقتها، ولكن بعد أن انتهت الكوارث الداعية لتأليفها. إذن، يمكنني القول: إن أدب الأزمات والكوارث كالتحفة أو القطعة الأثرية التي تزداد قيمتها مع مرور الزمن، رغم أنها قد لا تحظى بهذه الأهمية لدى الناس من معاصريها في وقتها الذي وُجِدتْ فيه.
> هل يمكن أن ينتعش أدب الوباء أو أدب الخوف في هذه المرحلة أو بعدها؟
- ما يجعل «أدب الخوف والأزمات والأوبئة» قابلاً للانتعاش أكثر لدى عامة الناس أنه يوفر لهم التعاطف الإنساني مع الكاتب صاحب المعاناة، بشكل يفوق تعاطفهم أو تأثرهم بكاتب يتحدث لهم عما يسعده أو يبهجه ويضحكه.

ليلى اليهودية
> مرت 4 سنوات تقريباً على صدور روايتك «مجنون ليلى اليهودية». بعدها صدرت في السعودية عدة روايات تتناول الحالة اليهودية... ما الذي يجعل روايتك مختلفة؟
- هذه الرواية عندما صدرت كانت -ولا تزال- لها ردود فعل متباينة من قبل عامة القرّاء، منها ما هو مؤيد لما طرحته فيها، ومنها ما هو معارض أو ساخط نتيجة تفسير بعض هؤلاء للعمل تفسيرات شتى، أبرزها اتهامه بأنه محاولة لتطبيع العلاقات مع الوجود اليهودي في المنطقة العربية. وربما كانت هناك تفسيرات أخرى، أدلى بها بعضهم بدلوه، لها طابع شخصي ومبنية على رؤى أحادية وأحكام جاهزة مسبقاً. وقد نسي جميع هؤلاء أو فات عليهم أني أتعامل مع الموضوع اليهودي تعاملاً أدبياً فنياً، بصفة الكاتب أو الروائي الذي يدخل الخيال والتصوير والرمز ويوظفه بنسبة كبيرة في عملي هذا، وهو خليط من الحقيقة والخيال. والأدب -كما هو معروف- فن له تقنياته وأدواته الخاصة به، التي تمكنه من تجاوز الواقع. وعليه، فأنا هنا أكتب «رواية أدبية»، ولست مؤرخاً أو باحثاً يقدم بحثاً علمياً على أسس علمية منهجية، أو يتناول اليهودية وتاريخها تناولاً موضوعياً مجرداً لا يمكنه الحياد عنه. وعلى أي حال، تقوم جميع هذه الآراء المتباينة على مبدأ التكهن والتوجس والاحتمالات التي لا تستند إلى دليل واضح، وأنا احترمها حتى إن كانت غير صحيحة، لأن من حسناتها أنها أثارت الجدل حول الرواية لدى نشرها. وهذا الجدل أو الخلاف هو ما جعل «الرواية مختلفة» فعلاً، وكأنها قد ألقت حجراً حرك المياه الراكدة!
> لماذا اخترت الدخول للموضوع اليهودي من خلال «ليلى شالوم اليهودية»؟
- لأن الشخصية اليهودية، وخاصة عندما تكون (امرأة)، تتمتع برموز تاريخية وأسطورية، ومماحكات ومأثورات خرافية، ومغالطات كثيرة سجلها التاريخ منذ القدم عن اليهود، بصفتهم قوماً أهل «شقاق ونزاع وتعنت وجدل وخلاف دائم مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى» كما في المخيال العام، وهذا ما وفر لي مساحة كبيرة لأن أوظف أو أتناول «الشخصية اليهودية» وتاريخها من زوايا عدة، على عكس فيما لو قمت باختيار شخصيات عادية من ديانات أخرى، فقيرة بالجانب التاريخي والأسطوري ورموزه، بحيث لا ينجذب إليها القارئ، ولا تثير اهتمامه في شيء.
> كثير من الأعمال الروائية تلج للمجتمع اليهودي من خلال فتاة يهودية فائقة الجمال؛ نموذجك هو «ليلى» التي سحرت ألباب الشباب في مصر... لماذا تختزل المرأة أسباب الغواية، حتى في إسقاطها القومي والسياسي؟
- الجمال -بمعناه المطلق- مثير لغواية الإنسان بطبيعته، خاصة عندما تكون «المرأة الجميلة» طرفاً في هذه الغواية، بحيث يتهيأ لها من سبل الغواية ما لا يتهيأ لغيرها من بنات جنسها الأقل منها جمالاً. يقول الكاتب العربي الكبير توفيق الحكيم في نظرته لجمال المرأة: «الجمال مهما يكن نوعه من خارجي وداخلي هو العذر الوحيد الذي به تُغْتَفَرُ للمرأة تفاهتها وحماقتها». كما يقول الكاتب الناقد الفرنسي أناتول فرانس أيضاً في نظرته الواسعة للجمال: «إن ميدان الجمال واسع، تكثر فيه المتناقضات». ولهذا السبب كانت «ليلى» في روايتي هذه شخصية مثيرة للجدل والغموض والريبة، نظراً لما تتمتع به من جمال فائق.
> هل كانت الرواية حقاً -مثلما قال عنها بعض النقاد- بمثابة «محاولة لإعادة قراءة التاريخ العربي»؟ وهل تصلح الرواية الأدبية لخوض هذه التجربة؟
- نعم! ما قاله أمثال هؤلاء عن الرواية أراه ينطبق عليها بنسبة كبيرة. إن بعضاً من الحقائق والوقائع والأحداث التاريخية لا يمكن فهمها أو تفسيرها في وقتها الذي حدثت فيه، بل بعد أن يمر عليها وقت أو زمن قد يطول أو يقصر. ولذلك يقول الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر «إن بعض الناس يقرأون التاريخ ولا يفهمون منه شيئاً». كما أقول أيضاً إن الرواية -بصفتها جنساً أدبياً- تعد من حيث الشكل والمضمون صالحة لخوض التجربة التاريخية لأنها من أقدر وسائل التعبير الأدبي وأكثرها استيعاباً لقيم ومفاهيم إنسانية كثيرة، بشكل لا توفره للكاتب غيرها من فنون التعبير الأخرى.
> روايتك الأخيرة «الصعاليك» قدمت تجربة توظيف تقنيات متعددة -كالشعر والمسرح- فهل كانت حقاً كما وصفت من أنها «رواية متأخرة لمسرحية مبكرة»؟
- أجل! «الصعاليك» أعدها خليطاً من الفنون الأدبية في قالب واحد.
> لديك كثير من الكتب والإصدارات التي رصدت الإنتاج العربي والسعودي تحديداً... كيف ترى تطور التجربة الروائية في السعودية؟
- عموماً، الرواية العربية في العقد الأخير من الزمن تحديداً لاقت رواجاً كبيراً لدى القارئ العربي، بشكل لم يسبق له نظير من قبل. لكن لأكون صريحاً معك إلى حد كبير -وبصفتي متابعاً لكثير مما ينشر من روايات في الوطن العربي- حين أقول إن هذا التدفق المهول الذي نشهده الآن لصدور كم هائل من الروايات، خلال زمن قصير نسبياً، كان للأسف الشديد على حساب «الكيف» بشكل سافر فج! وهذا كانت له ردود فعل ونتائج سلبية على المشهد الروائي برمته، بسبب أن معظم ما ينشر من هذه الروايات لا يرتقي إطلاقاً للمستوى المطلوب. وهذا الكلام ينطبق على الواقع الحالي للرواية العربية كلها، بما فيها الرواية السعودية.
> ما أكثر الفترات ثراء في عمر التجربة الروائية في المملكة؟
- منذ عقد مضى من الزمن تقريباً حتى الآن؛ أعتقد أنها أكثر الفترات ثراء في عمر التجربة الروائية لدينا، ليس بالنسبة للرواية السعودية فحسب، بل يشمل أيضاً المشهد الروائي العربي كله. ولكن كما ذكرت آنفاً، فإن هذا الثراء -للأسف- «كمي»، وليس كيفياً.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».