حمد الرشيدي: الأدب غير صالح للتعامل مع كارثة «كورونا»

صاحب «ليلى اليهودية» يقول إن روايته خليط من الحقيقة والخيال

حمد الرشيدي
حمد الرشيدي
TT

حمد الرشيدي: الأدب غير صالح للتعامل مع كارثة «كورونا»

حمد الرشيدي
حمد الرشيدي

أصدر الروائي الشاعر السعودي حمد حميد الرشيدي 4 روايات، ونحو 10 دراسات في القصة والنقد والتاريخ، وكان آخر أعماله الروائية «الصعاليك» التي صدرت هذا العام، سبقتها روايته ذائعة الصيت «مجنون ليلى اليهودية» 2016، ورواية «أقدام تنتعل السراب» 2007، ورواية «شوال الرياض» 1999.
كما أصدر مجموعتين شعريتين: «للجراح ريش وللرياح وكر» و«أبجديات الروح والجسد»، وقصصاً ممسرحة بعنوان «حكايات الرسول السعودي»، وقدم برامج في الإذاعة تهتم بالأدب العربي.
وهنا حوار معه، أجريناه عبر وسائل التواصل نظراً للتباعد الذي فرضته أجواء الفيروس:
> دعني أولاً أسألك: كيف ترى الأثر الثقافي الذي يمكن أن تخّلفه جائحة «كورونا» المستجد؟
- الحقيقة أن الكوارث الطبيعية والأزمات البشرية، وشيوعها أو تفشيها بين الناس، ليست بجديدة على التاريخ البشري، منذ أن خلق الإنسان على الأرض حتى الوقت الراهن. ومرض «كورونا» هو إحدى هذه الكوارث الطبيعية العالمية التي نواجهها اليَوْم. ومهما يكن من أمر هذا المرض، فإن «العزلة» التي تسبب بها بين الناس نتيجة فرض «حظر التجول» هذه الأيام، وضرورة البقاء في المنزل لمنع تفشيه، هي عزلة «اجتماعية صحية نفسية» مؤقتة، وسوف تزول قريباً، وليست عزلة ثقافية أو معرفية. طبعاً، لا ننسى أن التكنولوجيا الحديثة ووسائلها، كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، ساهمت أيضاً إلى حد كبير بالتقليل من آثار هذه العزلة، على عكس ما كان في السابق، حين تتسبب مثل هذه الكوارث في القطيعة التامة بين الناس.
> كيف يمكن للثقافة أن «تخفف» من الاضطراب الذي يخلفه الرعب من «كورونا»؟ وهل يمكنها أن توفر بعض الطمأنينة؟
- إذا كان المقصود بكلمة «ثقافة» في السؤال هنا «الأدب بصفته فعلاً ثقافياً»، فإن الأمر يحتاج منا لوقفة، وذلك لأن «الأدب»، وإن كان فاعلاً مؤثراً بلا شك في كل الأحوال، غير صالح للتعامل المباشر مع مثل هذه الكوارث التي تتطلب تعاملاً مباشراً معها، كما هو حاصل مع «كورونا» الآن، لكون الأدب يقوم على التخييل والتصوير والتأمل والتفكر المتأني، وعلى التفسير «غير المباشر» للظواهر المحيطة، ولذلك يأتي فهمه والاستفادة منه عادة بطيئة ومؤجلة، لافتقاره لعنصر المباشرة في أثناء الأحداث الطارئة. وغالباً ما تظهر قيمة هذا النوع من الأدب، وهو ما يعرف بـ«أدب الأزمات» بعد انتهاء الكارثة أو الأزمة بوقت أو زمن ليس بالقصير، وليس في أثناء حدوثها. ومثل ذلك نجده في أعمال أدبية تنتمي لأدب الأزمات نالت شهرة عالمية واسعة، مثل «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، و«الحب في زمن الكوليرا» للكاتب الكولومبي ماركيز، وغيرهما. فمثل هذه الأعمال لم تعرف قيمتها وأهميتها في وقتها، ولكن بعد أن انتهت الكوارث الداعية لتأليفها. إذن، يمكنني القول: إن أدب الأزمات والكوارث كالتحفة أو القطعة الأثرية التي تزداد قيمتها مع مرور الزمن، رغم أنها قد لا تحظى بهذه الأهمية لدى الناس من معاصريها في وقتها الذي وُجِدتْ فيه.
> هل يمكن أن ينتعش أدب الوباء أو أدب الخوف في هذه المرحلة أو بعدها؟
- ما يجعل «أدب الخوف والأزمات والأوبئة» قابلاً للانتعاش أكثر لدى عامة الناس أنه يوفر لهم التعاطف الإنساني مع الكاتب صاحب المعاناة، بشكل يفوق تعاطفهم أو تأثرهم بكاتب يتحدث لهم عما يسعده أو يبهجه ويضحكه.

ليلى اليهودية
> مرت 4 سنوات تقريباً على صدور روايتك «مجنون ليلى اليهودية». بعدها صدرت في السعودية عدة روايات تتناول الحالة اليهودية... ما الذي يجعل روايتك مختلفة؟
- هذه الرواية عندما صدرت كانت -ولا تزال- لها ردود فعل متباينة من قبل عامة القرّاء، منها ما هو مؤيد لما طرحته فيها، ومنها ما هو معارض أو ساخط نتيجة تفسير بعض هؤلاء للعمل تفسيرات شتى، أبرزها اتهامه بأنه محاولة لتطبيع العلاقات مع الوجود اليهودي في المنطقة العربية. وربما كانت هناك تفسيرات أخرى، أدلى بها بعضهم بدلوه، لها طابع شخصي ومبنية على رؤى أحادية وأحكام جاهزة مسبقاً. وقد نسي جميع هؤلاء أو فات عليهم أني أتعامل مع الموضوع اليهودي تعاملاً أدبياً فنياً، بصفة الكاتب أو الروائي الذي يدخل الخيال والتصوير والرمز ويوظفه بنسبة كبيرة في عملي هذا، وهو خليط من الحقيقة والخيال. والأدب -كما هو معروف- فن له تقنياته وأدواته الخاصة به، التي تمكنه من تجاوز الواقع. وعليه، فأنا هنا أكتب «رواية أدبية»، ولست مؤرخاً أو باحثاً يقدم بحثاً علمياً على أسس علمية منهجية، أو يتناول اليهودية وتاريخها تناولاً موضوعياً مجرداً لا يمكنه الحياد عنه. وعلى أي حال، تقوم جميع هذه الآراء المتباينة على مبدأ التكهن والتوجس والاحتمالات التي لا تستند إلى دليل واضح، وأنا احترمها حتى إن كانت غير صحيحة، لأن من حسناتها أنها أثارت الجدل حول الرواية لدى نشرها. وهذا الجدل أو الخلاف هو ما جعل «الرواية مختلفة» فعلاً، وكأنها قد ألقت حجراً حرك المياه الراكدة!
> لماذا اخترت الدخول للموضوع اليهودي من خلال «ليلى شالوم اليهودية»؟
- لأن الشخصية اليهودية، وخاصة عندما تكون (امرأة)، تتمتع برموز تاريخية وأسطورية، ومماحكات ومأثورات خرافية، ومغالطات كثيرة سجلها التاريخ منذ القدم عن اليهود، بصفتهم قوماً أهل «شقاق ونزاع وتعنت وجدل وخلاف دائم مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى» كما في المخيال العام، وهذا ما وفر لي مساحة كبيرة لأن أوظف أو أتناول «الشخصية اليهودية» وتاريخها من زوايا عدة، على عكس فيما لو قمت باختيار شخصيات عادية من ديانات أخرى، فقيرة بالجانب التاريخي والأسطوري ورموزه، بحيث لا ينجذب إليها القارئ، ولا تثير اهتمامه في شيء.
> كثير من الأعمال الروائية تلج للمجتمع اليهودي من خلال فتاة يهودية فائقة الجمال؛ نموذجك هو «ليلى» التي سحرت ألباب الشباب في مصر... لماذا تختزل المرأة أسباب الغواية، حتى في إسقاطها القومي والسياسي؟
- الجمال -بمعناه المطلق- مثير لغواية الإنسان بطبيعته، خاصة عندما تكون «المرأة الجميلة» طرفاً في هذه الغواية، بحيث يتهيأ لها من سبل الغواية ما لا يتهيأ لغيرها من بنات جنسها الأقل منها جمالاً. يقول الكاتب العربي الكبير توفيق الحكيم في نظرته لجمال المرأة: «الجمال مهما يكن نوعه من خارجي وداخلي هو العذر الوحيد الذي به تُغْتَفَرُ للمرأة تفاهتها وحماقتها». كما يقول الكاتب الناقد الفرنسي أناتول فرانس أيضاً في نظرته الواسعة للجمال: «إن ميدان الجمال واسع، تكثر فيه المتناقضات». ولهذا السبب كانت «ليلى» في روايتي هذه شخصية مثيرة للجدل والغموض والريبة، نظراً لما تتمتع به من جمال فائق.
> هل كانت الرواية حقاً -مثلما قال عنها بعض النقاد- بمثابة «محاولة لإعادة قراءة التاريخ العربي»؟ وهل تصلح الرواية الأدبية لخوض هذه التجربة؟
- نعم! ما قاله أمثال هؤلاء عن الرواية أراه ينطبق عليها بنسبة كبيرة. إن بعضاً من الحقائق والوقائع والأحداث التاريخية لا يمكن فهمها أو تفسيرها في وقتها الذي حدثت فيه، بل بعد أن يمر عليها وقت أو زمن قد يطول أو يقصر. ولذلك يقول الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر «إن بعض الناس يقرأون التاريخ ولا يفهمون منه شيئاً». كما أقول أيضاً إن الرواية -بصفتها جنساً أدبياً- تعد من حيث الشكل والمضمون صالحة لخوض التجربة التاريخية لأنها من أقدر وسائل التعبير الأدبي وأكثرها استيعاباً لقيم ومفاهيم إنسانية كثيرة، بشكل لا توفره للكاتب غيرها من فنون التعبير الأخرى.
> روايتك الأخيرة «الصعاليك» قدمت تجربة توظيف تقنيات متعددة -كالشعر والمسرح- فهل كانت حقاً كما وصفت من أنها «رواية متأخرة لمسرحية مبكرة»؟
- أجل! «الصعاليك» أعدها خليطاً من الفنون الأدبية في قالب واحد.
> لديك كثير من الكتب والإصدارات التي رصدت الإنتاج العربي والسعودي تحديداً... كيف ترى تطور التجربة الروائية في السعودية؟
- عموماً، الرواية العربية في العقد الأخير من الزمن تحديداً لاقت رواجاً كبيراً لدى القارئ العربي، بشكل لم يسبق له نظير من قبل. لكن لأكون صريحاً معك إلى حد كبير -وبصفتي متابعاً لكثير مما ينشر من روايات في الوطن العربي- حين أقول إن هذا التدفق المهول الذي نشهده الآن لصدور كم هائل من الروايات، خلال زمن قصير نسبياً، كان للأسف الشديد على حساب «الكيف» بشكل سافر فج! وهذا كانت له ردود فعل ونتائج سلبية على المشهد الروائي برمته، بسبب أن معظم ما ينشر من هذه الروايات لا يرتقي إطلاقاً للمستوى المطلوب. وهذا الكلام ينطبق على الواقع الحالي للرواية العربية كلها، بما فيها الرواية السعودية.
> ما أكثر الفترات ثراء في عمر التجربة الروائية في المملكة؟
- منذ عقد مضى من الزمن تقريباً حتى الآن؛ أعتقد أنها أكثر الفترات ثراء في عمر التجربة الروائية لدينا، ليس بالنسبة للرواية السعودية فحسب، بل يشمل أيضاً المشهد الروائي العربي كله. ولكن كما ذكرت آنفاً، فإن هذا الثراء -للأسف- «كمي»، وليس كيفياً.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.