«نت فليكس» هل يكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟

قلق عام على الصناعة الثقافية وكنوز التراث وصل إلى البرلمان

نت فليكس
نت فليكس
TT

«نت فليكس» هل يكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟

نت فليكس
نت فليكس

مرة أخرى ينتاب أنصار الاستثناء الثقافي الفرنسي خوف جديد من تراجع رموز إرثهم الحضاري، وهاجسهم الأول هو أفول نجم ما يسمى بالإشعاع الثقافي الفرنسي أمام هيمنة رموز الثقافة الأميركية. وأقل ما يقال هو أن هواجسهم لا تنفك تتفاقم مع التطورات الهائلة التي تشهدها تقنيات الاتصال الحديثة التي تؤدي إلى سعة وسهولة تبادل المضامين الثقافية المختلفة، لا سيما تلك المقبلة من بلاد العام سام.

* «نت فليكس» يهدد السينما الفرنسية
* أصابع الاتهام تتجه هذه المرة نحو «نت فليكس» عملاق البث التدفقي الأميركي (ستريمنغ) الذي دخل المشهد السمعي البصري الفرنسي منذ 15 سبتمبر (أيلول) الحالي، وسط تغطية إعلامية واسعة، محدثا جدالا كبيرا ما بين مؤيد ومعارض. هذا لأن موقع البث التدفقي يقترح على الفرنسيين عددا هائلا من البرامج الترفيهية معظمها مسلسلات أميركية لفترة غير محدودة ومقابل اشتراك شهري بسيط يتراوح ما بين 7 إلى 11 يورو، حسب عدد أجهزة البث ونوعها (تلفزيون، حاسوب، هاتف جوال..). عرض مغرٍ جدا إذا علمنا بأن «كنال بلوس» أول قناة خاصة بالسينما في فرنسا تقترح عددا محدودا من المضامين الترفيهية باشتراك شهري يتراوح ما بين 40 إلى 60 يورو.
الإشكالية التي طرحها المعارضون لهذا الموقع ترتكز على نقطتين: أولا احتمال تكريس ولع الفرنسيين بالبرامج الترفيهية الأميركية أكثر، لا سيما المسلسلات وما يمكن أن يأتي معه من ضربات موجعة لأحد أهم مقومات الهوية الفرنسية: الصناعة الثقافية. القضية أيقظت هواجس المسؤولين على أعلى مستويات الدوائر السياسية؛ النائب الاشتراكي باتريك بلوش اهتم بالموضوع، وقدم تقريرا للبرلمان الفرنسي من 33 صفحة بعنوان «من أجل احترام الاستثناء الفرنسي» (بور لوريسبي دو لإكسبسيون فرانسيز) كشف فيه أن الحضور القوي للرباعي المعروف بـ«غافا» وهم عمالقة الشبكة الأميركيين: «غوغل»، «أمازون»، «فيسبوك» و«آبل» في فرنسا، والانتصارات التي باتوا يحققونها يوما بعد يوم أصبحت تهدد بجد صناعتها الثقافية، مذكرا بأن «أمازون» مثلا سيصبح مع مطلع عام 2017 أول مكتبة في فرنسا، بعد أن قضى على نشاط أصحاب المكتبات المستقلة التي يعدها الفرنسيون من أعرق مؤسساتهم الثقافية. أما «غوغل»، فهو يحضر لمشروع أكبر متحف افتراضي عالمي «آرت بروجيكت» وترقيم محتويات أهم مكتبات العالم، مما قد يعني ببساطة استحواذ العملاق الأميركي على كنوز التراث الثقافي العالمي.
ومع «نت فليكس» موقع البث التدفقي، فإن الوضع قد يسوء، يضيف النائب الفرنسي، لأن صناعة السينما هي المستهدفة الأولى، والسبب أن الموقع الأميركي سيصبح أول منافس للقنوات التلفزيونية التي تمول، بحكم بند في القانون الفرنسي، وبنسبة لا يُستهان بها إنتاج الأفلام والمسلسلات، وعلى رأسها قناة «كنال بلوس» التي تدعم صناعة السينما الفرنسية، بنسبة 13%. منافسة الموقع الأميركي قد يضعف القناة الخاصة، ويحرمها على الأقل من 10% من مشتركيها، وهو ما يعني بالتالي أن السينما ستفقد أيضا أهم ممول لها. أخطر منه، يضيف النائب باتريك بلوش، أن دخول «نت فليكس» بيوت الفرنسيين سيكرس شغفهم بالمسلسلات الأميركية، ويخلق نوعا من الإدمان عليها، لا سيما أنها ستكون متاحة على كل أجهزة البث ودون تحديد للمدة. علما بأن الحضور القوي لرموز الثقافة الأميركية في المشهد السمعي البصري الفرنسي قد أصبح حقيقة ملموسة، الباحث فريديك مارتيل (المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية) يذهب على صفحات جريدة «لوفيغارو» إلى حد الإقرار بأن الولايات المتحدة قد فازت في «حرب المضامين الثقافية العالمية»، على الأقل في أوروبا، حيث يعد الفرنسيون والألمان والبريطانيون مثلا أكثر المستهلكين للإنتاجات السينمائية الأميركية. هذه المعلومة مؤكدة في فرنسا، وفقا لدراسات جادة أنجزت أخيرا، آخرها دراسة صادرة عن معهد «أورو داتا تي في» تكشف أن المسلسلات الأميركية هي التي تحقق أعلى نسب المشاهدة لدى التلفزيونات الفرنسية، وهي الظاهرة التي تخص فرنسا دون باقي الدول الأوروبية، بحسب دراسة أخرى من إنجاز المرصد العالي للسمعي البصري (سي إس إيه) التي تكشف بأن الدول الجارة تفضل إنتاجاتها الوطنية على الأجنبية (الأميركية). البريطانيون مثلا يشاهدون بالدرجة الأولى مسلسل «داوتون أبي» أو«شيرلوك»، وكذا يفعل الدنماركيون الذين يتابعون في غالبيتهم المسلسلين الدنماركيين «كيلينغ» و«بورغن».

* لا للاحتكاك بالمارد الأميركي
* وقد أثبت الفرنسيون رفضهم الاحتكاك بالمارد الأميركي في مجالات الثقافة والإبداع في عدة مناسبات، آخرها مفاوضات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية حين رفضت باريس بشدة ضم قطاع الصناعة الثقافية لبنود الاتفاق خوفا من فشل هذا القطاع المدعوم من طرف الدولة في التصدي لمنافسة الشركات الأميركية العملاقة التي تسيطر على السوق العالمية، معتبرة هذه النقطة بمثابة «الخطوط الحمراء» التي لا يمكن تجاوزها حسب تعبير الرئيس فرنسوا هولاند نفسه. وكانت باريس قد جندت لهذا الغرض 14 دولة من الاتحاد إضافة للبرلمان الأوروبي للتوقيع على خطاب بهذا المعنى في مايو (أيار). وهي ليست فقط سياسات ثقافية للحماية، بل مبادئ التزمت بها الحكومات الفرنسية من اليسار واليمين منذ بداية الجمهورية الخامسة حين رفض الرئيس السابق فرنسوا متران دمج قطاع السينما والأغنية والكتاب في مفاوضات الاتحاد الأوروبي خشية من التفوق الإنجليزي والألماني. المعروف أن الموقع الأميركي الذي بدأ نشاطه منذ عام 2000 يشهد حاليا نجاحا كبيرا، حيث يسجل اشتراك أكثر من 35 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، وأكثر من 50 مليون في العالم بأرباح صافية تتجاوز الـ4 مليارات دولار، وهو حاضر بقوة في دول ككندا وكبريطانيا ودول أوروبا الشمالية وحتى أميركا اللاتينية. أهم ما يميز خدمة «نت فليكس» تقديم برامج تلفزيونية مفصلة «حسب الطلب»، تحت شعار: «إذا أعجبك هذا فسوف يعجبك هذا أيضا». أي أنها تأخذ في الاعتبار الأذواق الخاصة لكل متفرج بفضل تقنية برمجية جديدة طورها مهندسو الموقع (لوغاريتم) بصفة حصرية لكي تستجيب بدقة لرغبات المشتركين. أحيانا لغاية التصميم والفكرة كما هو الحال مع مسلسل «هاوس أوف كارد» و«أورانج إز ثي نيو بلاك» اللذين أنتجتهما شركة البث التدفقي «نت فليكس» بنفسها، بناء على رغبات المشتركين.

* النموذج الثقافي الفرنسي في مفترق الطرق
* بيد أن «نت فليكس» بالنسبة لمعارضيه ليس فقط «ديفيد في مواجهة جولياث» بل هو أيضا من كشف عن فداحة الأزمة التي يعاني منها نموذج ثقافي شكل مفخرة أصحابه لعقود طويلة. وزيرة الثقافة الجديدة فلور بيلوران (سابقا وزيرة الاقتصاد الرقمي) نفسها أيقظت هذه الهواجس حين أعلنت بمناسبة مهرجان ديجون السنيمائي الأخير متحدثة عن «نت فليكس» أن «وفرة المضامين تخلق نقصا في الاهتمام.. وأن المورد النادر اليوم ليس (المضمون)، وإنما كيفية الفوز باهتمام الناس». الوزيرة التي اعتبرت أن لا شيء يمكن أن يوقف هجمة عمالقة الشبكة على المجال الثقافي ترى أن الاستثناء الثقافي الفرنسي المبني على مجموعة من الإجراءات الداعمة للقطاع الثقافي يجب أن يتأقلم ويشق طريقه بين المضامين الأخرى ليجد جمهوره.
البعض اعتبر أن كلمات الوزيرة قد أحدثت شرخا في 300 سنة من السياسة الثقافية لفرنسا. فالوزيرة لا تتحدث عن أفلام، ولا عن تحف فنية وإنما عن «مضامين» وعن «جمهور»، وكأنها تعد ضمنيا الثقافة كأي قطاع اقتصادي آخر يجب أن يكيف «منتجاته» لكي تتلاءم مع الاقتصاد، تماما كما يفعل «نت فليكس» مع عملائه. الكاتب والباحث في جامعة ليون أنتوني نيلزان يكتب على صفحات جريدة «لوموند»: «لا نملك إلا أن نعترف بأن الخصوصية الفرنسية في خطر حين نسمع بأن وزيرة الثقافة تريد تسيير الثقافة حسب شعار (نت فليكس)؛ (إذا أعجبك هذا فسيعجبك هذا أيضا). الوزيرة التي تريد أن تطبق مبدأ (لوغاريتم التوجيه) في وزارتها (روكومندايشن ألغوريتم) كما يفعل (أمازون أيضا مع الكتب) وقد بدأت في هذا المشروع فعلا بإشراف الحائز على جائزة نوبل الجديد جون تيرول، تقول لنا إنه إذا أردنا مواجهة المارد الأميركي فعلينا أن نكون واثقين من أن كل ما نستثمره سيعود علينا بالضعف، صحيح أن الصناعة الثقافية يحكمها أيضا منطق السوق، لكن أين دور القطاع العام في تشجيع الإبداع ودعم المواهب الشابة.. هل كان مهرجان (كان) ومتحف اللوفر ليوجدا لولا الاستثناء الفرنسي؟».
على أن الخصوصية الثقافية الفرنسية قد أصبحت على الجانب الآخر من الأطلنطي مدعاة للسخرية والتهكم؛ مجلة «التايمز» نشرت منذ مدة تقريرا بعنوان «موت الثقافة الفرنسية» أثار الكثير من ردود الأفعال، أحصت فيه كل مظاهر الثقافة الفرنسية التي فقدت من بريقها ورونقها في العقود الأخيرة بسبب إصرار فرنسا على إدارة ظهرها للعولمة الثقافية. وكذا مجلة «فانيتي فير»، بمقال آخر صدر منذ شهور مستوحى من رموز الجمهورية بعنوان: «ليبيرتي، إغاليتي.. فاتيغي» (عوض فراتيرنيتي) أو «حرية، مساواة.... تعبت»، والعنوان كتب قصدا باللغة الفرنسية بريشة الكاتب البريطاني أنتوني أدريان جيل الذي استهل مقاله بهذه الأسئلة: «متى كانت آخر مرة استمتعتم فيها بمشاهدة فيلم فرنسي؟ كم من الممثلين الفرنسيين تعرفون؟ جيرار ديبارديو؟ هو الآن يحمل الجنسية الروسية ويعيش في بلجيكا؟ أعطوني اسم رسام فرنسي معاصر يستحق الاهتمام أو أي مغن أو كاتب؟».
البعض يرى أن الجدل القائم في فرنسا حول «نت فليكس»، على اعتباره خطرا جديدا يتربص بمقومات الهوية الفرنسية، ويدفع بها أكثر في هاوية التبعية الثقافية مبالغ فيه، لأن دخول موقع البث التدفقي الأميركي في عدة دول أخرى لم يؤثر على صناعتها السينمائية، لا بل كان محفزا جيدا للمنافسة، فهل هو جدل فارغ؟ وهل ينجح الفرنسيون في قطع الطريق أمام أطماع عمالقة الشبكة الأميركيين في هجمتهم على الثقافة، أم أن التطورات التي يشهدها هذا المجال قد تكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟!



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».