«نت فليكس» هل يكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟

قلق عام على الصناعة الثقافية وكنوز التراث وصل إلى البرلمان

نت فليكس
نت فليكس
TT

«نت فليكس» هل يكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟

نت فليكس
نت فليكس

مرة أخرى ينتاب أنصار الاستثناء الثقافي الفرنسي خوف جديد من تراجع رموز إرثهم الحضاري، وهاجسهم الأول هو أفول نجم ما يسمى بالإشعاع الثقافي الفرنسي أمام هيمنة رموز الثقافة الأميركية. وأقل ما يقال هو أن هواجسهم لا تنفك تتفاقم مع التطورات الهائلة التي تشهدها تقنيات الاتصال الحديثة التي تؤدي إلى سعة وسهولة تبادل المضامين الثقافية المختلفة، لا سيما تلك المقبلة من بلاد العام سام.

* «نت فليكس» يهدد السينما الفرنسية
* أصابع الاتهام تتجه هذه المرة نحو «نت فليكس» عملاق البث التدفقي الأميركي (ستريمنغ) الذي دخل المشهد السمعي البصري الفرنسي منذ 15 سبتمبر (أيلول) الحالي، وسط تغطية إعلامية واسعة، محدثا جدالا كبيرا ما بين مؤيد ومعارض. هذا لأن موقع البث التدفقي يقترح على الفرنسيين عددا هائلا من البرامج الترفيهية معظمها مسلسلات أميركية لفترة غير محدودة ومقابل اشتراك شهري بسيط يتراوح ما بين 7 إلى 11 يورو، حسب عدد أجهزة البث ونوعها (تلفزيون، حاسوب، هاتف جوال..). عرض مغرٍ جدا إذا علمنا بأن «كنال بلوس» أول قناة خاصة بالسينما في فرنسا تقترح عددا محدودا من المضامين الترفيهية باشتراك شهري يتراوح ما بين 40 إلى 60 يورو.
الإشكالية التي طرحها المعارضون لهذا الموقع ترتكز على نقطتين: أولا احتمال تكريس ولع الفرنسيين بالبرامج الترفيهية الأميركية أكثر، لا سيما المسلسلات وما يمكن أن يأتي معه من ضربات موجعة لأحد أهم مقومات الهوية الفرنسية: الصناعة الثقافية. القضية أيقظت هواجس المسؤولين على أعلى مستويات الدوائر السياسية؛ النائب الاشتراكي باتريك بلوش اهتم بالموضوع، وقدم تقريرا للبرلمان الفرنسي من 33 صفحة بعنوان «من أجل احترام الاستثناء الفرنسي» (بور لوريسبي دو لإكسبسيون فرانسيز) كشف فيه أن الحضور القوي للرباعي المعروف بـ«غافا» وهم عمالقة الشبكة الأميركيين: «غوغل»، «أمازون»، «فيسبوك» و«آبل» في فرنسا، والانتصارات التي باتوا يحققونها يوما بعد يوم أصبحت تهدد بجد صناعتها الثقافية، مذكرا بأن «أمازون» مثلا سيصبح مع مطلع عام 2017 أول مكتبة في فرنسا، بعد أن قضى على نشاط أصحاب المكتبات المستقلة التي يعدها الفرنسيون من أعرق مؤسساتهم الثقافية. أما «غوغل»، فهو يحضر لمشروع أكبر متحف افتراضي عالمي «آرت بروجيكت» وترقيم محتويات أهم مكتبات العالم، مما قد يعني ببساطة استحواذ العملاق الأميركي على كنوز التراث الثقافي العالمي.
ومع «نت فليكس» موقع البث التدفقي، فإن الوضع قد يسوء، يضيف النائب الفرنسي، لأن صناعة السينما هي المستهدفة الأولى، والسبب أن الموقع الأميركي سيصبح أول منافس للقنوات التلفزيونية التي تمول، بحكم بند في القانون الفرنسي، وبنسبة لا يُستهان بها إنتاج الأفلام والمسلسلات، وعلى رأسها قناة «كنال بلوس» التي تدعم صناعة السينما الفرنسية، بنسبة 13%. منافسة الموقع الأميركي قد يضعف القناة الخاصة، ويحرمها على الأقل من 10% من مشتركيها، وهو ما يعني بالتالي أن السينما ستفقد أيضا أهم ممول لها. أخطر منه، يضيف النائب باتريك بلوش، أن دخول «نت فليكس» بيوت الفرنسيين سيكرس شغفهم بالمسلسلات الأميركية، ويخلق نوعا من الإدمان عليها، لا سيما أنها ستكون متاحة على كل أجهزة البث ودون تحديد للمدة. علما بأن الحضور القوي لرموز الثقافة الأميركية في المشهد السمعي البصري الفرنسي قد أصبح حقيقة ملموسة، الباحث فريديك مارتيل (المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية) يذهب على صفحات جريدة «لوفيغارو» إلى حد الإقرار بأن الولايات المتحدة قد فازت في «حرب المضامين الثقافية العالمية»، على الأقل في أوروبا، حيث يعد الفرنسيون والألمان والبريطانيون مثلا أكثر المستهلكين للإنتاجات السينمائية الأميركية. هذه المعلومة مؤكدة في فرنسا، وفقا لدراسات جادة أنجزت أخيرا، آخرها دراسة صادرة عن معهد «أورو داتا تي في» تكشف أن المسلسلات الأميركية هي التي تحقق أعلى نسب المشاهدة لدى التلفزيونات الفرنسية، وهي الظاهرة التي تخص فرنسا دون باقي الدول الأوروبية، بحسب دراسة أخرى من إنجاز المرصد العالي للسمعي البصري (سي إس إيه) التي تكشف بأن الدول الجارة تفضل إنتاجاتها الوطنية على الأجنبية (الأميركية). البريطانيون مثلا يشاهدون بالدرجة الأولى مسلسل «داوتون أبي» أو«شيرلوك»، وكذا يفعل الدنماركيون الذين يتابعون في غالبيتهم المسلسلين الدنماركيين «كيلينغ» و«بورغن».

* لا للاحتكاك بالمارد الأميركي
* وقد أثبت الفرنسيون رفضهم الاحتكاك بالمارد الأميركي في مجالات الثقافة والإبداع في عدة مناسبات، آخرها مفاوضات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية حين رفضت باريس بشدة ضم قطاع الصناعة الثقافية لبنود الاتفاق خوفا من فشل هذا القطاع المدعوم من طرف الدولة في التصدي لمنافسة الشركات الأميركية العملاقة التي تسيطر على السوق العالمية، معتبرة هذه النقطة بمثابة «الخطوط الحمراء» التي لا يمكن تجاوزها حسب تعبير الرئيس فرنسوا هولاند نفسه. وكانت باريس قد جندت لهذا الغرض 14 دولة من الاتحاد إضافة للبرلمان الأوروبي للتوقيع على خطاب بهذا المعنى في مايو (أيار). وهي ليست فقط سياسات ثقافية للحماية، بل مبادئ التزمت بها الحكومات الفرنسية من اليسار واليمين منذ بداية الجمهورية الخامسة حين رفض الرئيس السابق فرنسوا متران دمج قطاع السينما والأغنية والكتاب في مفاوضات الاتحاد الأوروبي خشية من التفوق الإنجليزي والألماني. المعروف أن الموقع الأميركي الذي بدأ نشاطه منذ عام 2000 يشهد حاليا نجاحا كبيرا، حيث يسجل اشتراك أكثر من 35 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، وأكثر من 50 مليون في العالم بأرباح صافية تتجاوز الـ4 مليارات دولار، وهو حاضر بقوة في دول ككندا وكبريطانيا ودول أوروبا الشمالية وحتى أميركا اللاتينية. أهم ما يميز خدمة «نت فليكس» تقديم برامج تلفزيونية مفصلة «حسب الطلب»، تحت شعار: «إذا أعجبك هذا فسوف يعجبك هذا أيضا». أي أنها تأخذ في الاعتبار الأذواق الخاصة لكل متفرج بفضل تقنية برمجية جديدة طورها مهندسو الموقع (لوغاريتم) بصفة حصرية لكي تستجيب بدقة لرغبات المشتركين. أحيانا لغاية التصميم والفكرة كما هو الحال مع مسلسل «هاوس أوف كارد» و«أورانج إز ثي نيو بلاك» اللذين أنتجتهما شركة البث التدفقي «نت فليكس» بنفسها، بناء على رغبات المشتركين.

* النموذج الثقافي الفرنسي في مفترق الطرق
* بيد أن «نت فليكس» بالنسبة لمعارضيه ليس فقط «ديفيد في مواجهة جولياث» بل هو أيضا من كشف عن فداحة الأزمة التي يعاني منها نموذج ثقافي شكل مفخرة أصحابه لعقود طويلة. وزيرة الثقافة الجديدة فلور بيلوران (سابقا وزيرة الاقتصاد الرقمي) نفسها أيقظت هذه الهواجس حين أعلنت بمناسبة مهرجان ديجون السنيمائي الأخير متحدثة عن «نت فليكس» أن «وفرة المضامين تخلق نقصا في الاهتمام.. وأن المورد النادر اليوم ليس (المضمون)، وإنما كيفية الفوز باهتمام الناس». الوزيرة التي اعتبرت أن لا شيء يمكن أن يوقف هجمة عمالقة الشبكة على المجال الثقافي ترى أن الاستثناء الثقافي الفرنسي المبني على مجموعة من الإجراءات الداعمة للقطاع الثقافي يجب أن يتأقلم ويشق طريقه بين المضامين الأخرى ليجد جمهوره.
البعض اعتبر أن كلمات الوزيرة قد أحدثت شرخا في 300 سنة من السياسة الثقافية لفرنسا. فالوزيرة لا تتحدث عن أفلام، ولا عن تحف فنية وإنما عن «مضامين» وعن «جمهور»، وكأنها تعد ضمنيا الثقافة كأي قطاع اقتصادي آخر يجب أن يكيف «منتجاته» لكي تتلاءم مع الاقتصاد، تماما كما يفعل «نت فليكس» مع عملائه. الكاتب والباحث في جامعة ليون أنتوني نيلزان يكتب على صفحات جريدة «لوموند»: «لا نملك إلا أن نعترف بأن الخصوصية الفرنسية في خطر حين نسمع بأن وزيرة الثقافة تريد تسيير الثقافة حسب شعار (نت فليكس)؛ (إذا أعجبك هذا فسيعجبك هذا أيضا). الوزيرة التي تريد أن تطبق مبدأ (لوغاريتم التوجيه) في وزارتها (روكومندايشن ألغوريتم) كما يفعل (أمازون أيضا مع الكتب) وقد بدأت في هذا المشروع فعلا بإشراف الحائز على جائزة نوبل الجديد جون تيرول، تقول لنا إنه إذا أردنا مواجهة المارد الأميركي فعلينا أن نكون واثقين من أن كل ما نستثمره سيعود علينا بالضعف، صحيح أن الصناعة الثقافية يحكمها أيضا منطق السوق، لكن أين دور القطاع العام في تشجيع الإبداع ودعم المواهب الشابة.. هل كان مهرجان (كان) ومتحف اللوفر ليوجدا لولا الاستثناء الفرنسي؟».
على أن الخصوصية الثقافية الفرنسية قد أصبحت على الجانب الآخر من الأطلنطي مدعاة للسخرية والتهكم؛ مجلة «التايمز» نشرت منذ مدة تقريرا بعنوان «موت الثقافة الفرنسية» أثار الكثير من ردود الأفعال، أحصت فيه كل مظاهر الثقافة الفرنسية التي فقدت من بريقها ورونقها في العقود الأخيرة بسبب إصرار فرنسا على إدارة ظهرها للعولمة الثقافية. وكذا مجلة «فانيتي فير»، بمقال آخر صدر منذ شهور مستوحى من رموز الجمهورية بعنوان: «ليبيرتي، إغاليتي.. فاتيغي» (عوض فراتيرنيتي) أو «حرية، مساواة.... تعبت»، والعنوان كتب قصدا باللغة الفرنسية بريشة الكاتب البريطاني أنتوني أدريان جيل الذي استهل مقاله بهذه الأسئلة: «متى كانت آخر مرة استمتعتم فيها بمشاهدة فيلم فرنسي؟ كم من الممثلين الفرنسيين تعرفون؟ جيرار ديبارديو؟ هو الآن يحمل الجنسية الروسية ويعيش في بلجيكا؟ أعطوني اسم رسام فرنسي معاصر يستحق الاهتمام أو أي مغن أو كاتب؟».
البعض يرى أن الجدل القائم في فرنسا حول «نت فليكس»، على اعتباره خطرا جديدا يتربص بمقومات الهوية الفرنسية، ويدفع بها أكثر في هاوية التبعية الثقافية مبالغ فيه، لأن دخول موقع البث التدفقي الأميركي في عدة دول أخرى لم يؤثر على صناعتها السينمائية، لا بل كان محفزا جيدا للمنافسة، فهل هو جدل فارغ؟ وهل ينجح الفرنسيون في قطع الطريق أمام أطماع عمالقة الشبكة الأميركيين في هجمتهم على الثقافة، أم أن التطورات التي يشهدها هذا المجال قد تكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟!



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.