«مجموعة العشرين» تدعو للالتزام بالتعاون على استقرار أسعار الطاقة دعماً للاقتصاد العالمي

عبد العزيز بن سلمان: على المكسيك إدراك خطورة الأزمة والتحرك للانضمام لتخفيض «أوبك بلس»

جانب من اجتماع وزراء الطاقة في «مجموعة العشرين» المنعقد أمس عن طريق الدائرة الافتراضية (رويترز)
جانب من اجتماع وزراء الطاقة في «مجموعة العشرين» المنعقد أمس عن طريق الدائرة الافتراضية (رويترز)
TT

«مجموعة العشرين» تدعو للالتزام بالتعاون على استقرار أسعار الطاقة دعماً للاقتصاد العالمي

جانب من اجتماع وزراء الطاقة في «مجموعة العشرين» المنعقد أمس عن طريق الدائرة الافتراضية (رويترز)
جانب من اجتماع وزراء الطاقة في «مجموعة العشرين» المنعقد أمس عن طريق الدائرة الافتراضية (رويترز)

دعت مجموعة العشرين أمس، خلال انعقاد الاجتماع الوزاري الاستثنائي لوزراء الطاقة في دول مجموعة العشرين التي ترأسه السعودية للعام الجاري، إلى ضرورة الالتزام العالمي بالتعاون للحفاظ على الاقتصاد العالمي ودعم استقرار أسواق النفط بوصفها مصدراً رئيسياً لكل الأنشطة الحيوية في الاقتصاد العالمي، الذي يعاني نتيجة تأثيرات جائحة «كورونا» لتداعيات خطيرة، مؤكدةً في الوقت ذاته أنه على المكسيك أهمية إدراك مدى خطورة الأزمة وضرورة التحرك الفوري الآن للانضمام لدول «أوبك+» في عملية التخفيض المقرة أول من أمس.
ودعا وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان الذي رأس الاجتماع، لأهمية تشكيل استجابة منسّقة وتبني تدابير تصحيحية، من أجل التوصل إلى الهدف النهائي المتمثل في تعزيز الاستقرار والأمن في أسواق الطاقة لصالح الأمم كافة.
وحسب الكلمة التي ألقاها أمام وزراء طاقة مجموعة العشرين من خلال الدائرة الافتراضية، قال وزير الطاقة السعودي: «إن الآثار الصحية والاقتصادية الوخيمة لوباء (كوفيد – 19) يشعر بها الناس في جميع أرجاء العالم. ونتيجة لهذا، تعرضت المنظومات الصحية الوطنية للإنهاك، وانخفضت توقعات النمو الاقتصادي، وتشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الفوضى، مثلها مثل أسواق الطاقة العالمية، مع ما لذلك من تأثيرات سلبية على الاستقرار والأمن في كل منهما».
وأضاف أن تأثير حالة عدم اليقين السائدة في أسواق الطاقة امتد ليشمل قطاعات كثيرة أخرى، بما في ذلك قطاعات التصنيع والنقل، كما أنها تسببت في تباطؤ وتيرة الاستثمار في إمدادات الطاقة المستقبلية من كل من المواد الهيدروكربونية ومصادر الطاقة المتجددة.
وحسب الأمير عبد العزيز بن سلمان، فإنه من دون استثمارات كافية ومستقرة في تطوير البنية التحتية للطاقة وصيانتها، فإن أمن الطاقة الجماعي سيكون معرضاً للخطر، مضيفاً أن ذلك بدأ يترك أثره جلياً على كامل سلسلة الإمداد، حيث تعاني الشركات من المشكلات الاقتصادية، ويتم خفض الإنفاق الرأسمالي، ويتم فقدان الوظائف.
وشدد وزير الطاقة السعودي على أنه «في وقت الأزمة هذه تعد إمدادات الطاقة الموثوقة والميسورة التكلفة والتي يسهل الوصول إليها ضرورة لتمكين الخدمات الأساسية، بما فيها خدمات الرعاية الصحية، لضمان القدرة على دفع جهود التعافي الاقتصادي -على كلٍّ من النطاقين الوطني والعالمي». ولفت إلى أن الحالة الحالية تُظهر أن المنتجين والمستهلكين «في منطقة مجهولة»، «ما يفرض وفقاً لمسؤوليتنا إيجاد طريق للمضي قدماً»، مبيناً أن الدول المشاركة في اجتماع «أوبك+» أول من أمس، أكدت إعلان التعاون مجدداً والتزامها المستمر بتحقيق الاستقرار في أسواق النفط والمحافظة عليه.
وأشار إلى أن «أوبك+» اتفقت على تحديد جدول لإجراء تعديلات على الإنتاج بالتخفيض بهدف إعادة التوازن للأسواق، مضيفاً أن التصديق تم على الاتفاق من جانب جميع الأعضاء باستثناء المكسيك، وبناءً عليه فتنفيذ الاتفاق مرهون بموافقة المكسيك.
وقال وزير الطاقة السعودي: «أتمنى أن تكون حكومة المكسيك على مستوى التحدي، وأن تدرك مدى خطورة الأزمة وضرورة التحرك الفوري الآن»، مؤكداً مطالبة السعودية لجميع الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، بما فيها دولة المكسيك، وأيضاً الدول المدعوّة للاجتماع، باتخاذ إجراءات استثنائية ومناسبة لإضفاء الاستقرار على أوضاع السوق بناءً على مبادئ العدالة والمساواة والشفافية والشمولية.
وأورد في كلمته أن «مجموعة العشرين تتمتع بوضع فريد يسمح لها بالمساعدة على مواجهة انعدام الاستقرار والأمن في أسواق الطاقة لصالح العالم أجمع، وعليه يجب أن نتحرك معاً انطلاقاً من الإحساس المشترك بالمسؤولية من أجل مواجهة هذه الحالة غير المسبوقة من عدم اليقين التي تحيط بأسواق الطاقة».
وطالب الأمير عبد العزيز بن سلمان، بتشكيل استجابة منسقّة وتبني تدابير تصحيحية، للتوصل إلى الهدف النهائي المتمثل في تعزيز الاستقرار والأمن في أسواق الطاقة لصالح الأمم كافة.
وإلى تفاصيل أكثر في حكاية اجتماعات العالم لمعالجة أوضاع أسواق النفط خلال اليومين الماضيين في متن التقرير التالي:

«أوبك بلس»
كانت السعودية قد ترأست أول من أمس، الاجتماع الوزاري (الاستثنائي) التاسع للدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدّرة للنفط «أوبك» والدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة عبر التقنيات الافتراضية، حيث قاد الأمير عبد العزيز بن سلمان دفة الاجتماع الاستثنائي رئيساً، ووزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، رئيساً مشاركاً.
وشهد الاجتماع إعلان التعاون بين «أوبك» والدول المنتجة للنفط المشاركة من خارجها، بإعادة تأكيد التزامها المستمر بإعلان التعاون من أجل تحقيق الاستقرار في أسواق النفط، والمحافظة عليه، وبالمصالح المشتركة للدول المنتجة، وبتوفير إمدادات آمنة واقتصادية وذات كفاءة عالية للمستهلكين وبعوائد عادلة لرؤوس الأموال المستثمرة.
إطار العمل
واتفقت الدول المشاركة بالاجتماع، قياساً على المعطيات الأساسية الراهنة ومنظورات الأسواق، على إعادة تأكيد إطار العمل الخاص بإعلان التعاون، والذي تم التوقيع عليه في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) من عام 2016، وأُعيد التصديق عليه في الاجتماعات اللاحقة؛ بالإضافة إلى ميثاق التعاون، الذي تم التوقيع عليه في الثاني من يوليو (تموز) العام الماضي 2019.
واتفقت الدول على إجراء تخفيضات على إنتاجها الإجمالي من خام النفط بمقدار 10 ملايين برميل يومياً، بدءاً من مطلع مايو (أيار) المقبل ولمدة تبلغ شهرين تنتهي في 30 يونيو (حزيران) المقبل.
وخلال مدة الأشهر الستة التالية، بدايةً من مطلع يوليو 2020 إلى آخر يوم من ديسمبر 2020 سيكون مقدار التخفيض الإجمالي المتفق عليه هو 8 ملايين برميل يومياً، يتبع ذلك تخفيض قدره 6 ملايين برميل يومياً لمدة 16 شهراً تبدأ من بداية يناير (كانون الثاني) العام المقبل حتى 30 من أبريل (نيسان) عام 2022.

حساب مرجعي
وتقرر أن يكون الأساس المرجعي لحساب التعديلات هو إنتاج النفط لشهر أكتوبر (تشرين الأول) 2018، بينما سيكون الحساب المرجعي لدولتي السعودية وروسيا هو 11 مليون برميل يومياً لكل منهما، فيما سيكون القرار الذي تم التوقيع عليه ساري المفعول حتى 30 من أبريل عام 2022؛ في الوقت الذي سيتم النظر في إمكانية تمديد القرار في شهر ديسمبر 2021.

دعوة جماعية
وتم خلال اجتماع «أوبك+» الذي استمر لسبع ساعات يوم الخميس، دعوة جميع الدول المنتجة الكبرى للمساهمة في الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في السوق، وإعادة تأكيد دور اللجنة الوزارية المشتركة لمراقبة اتفاق خفض الإنتاج، وتمديد التفويض الخاص بها، وعضويتها، لكي تقوم بالمراجعة الدقيقة لأحوال السوق العامة، ولمستويات إنتاج النفط، ومستوى الالتزام بإعلان التعاون، وبهذا البيان، يدعمها في ذلك كل من اللجنة الفنية المشتركة وأمانة «أوبك».
وتضمن الاجتماع إعادة تأكيد أن مراقبة الالتزام بإعلان التعاون سيجري تطبيقه على إنتاج خام النفط، بناءً على المعلومات المستمدة من المصادر الثانوية، وفقاً للمنهجية المطبّقة لدى الدول الأعضاء في «أوبك».

العاشر من يونيو
وعلى الرغم من جميع البنود المتفق عليها في اجتماع «أوبك+»، تم الاتفاق على عقد اجتماع في 10 يونيو المقبل عبر تقنية «ويبينار» لتحديد الإجراءات الإضافية التي قد تكون مطلوبة لتحقيق التوازن في الأسواق.
وتم الاتفاق على ما سبق بين الدول الأعضاء في «أوبك» والدول المنتجة للنفط من خارجها والمشاركة في إعلان التعاون، باستثناء المكسيك، ولهذا، فالاتفاق مشروط بموافقة المكسيك.
وشارك في الاجتماع كل من الأرجنتين وكولومبيا والإكوادور ومصر وإندونيسيا والنرويج وترينداد وتوباغو والمنتدى الدولي للطاقة، بصفة مراقبين.

اتصال رفيع
وفي أعقاب اجتماع «أوبك+»، جرى اتصال هاتفي مشترك بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث تم خلال الاتصال استعراض الجهود المبذولة على ضوء اجتماع مجموعة «أوبك+» وأهمية التعاون المشترك بين الدول المنتجة، للمحافظة على استقرار أسواق الطاقة لدعم نمو الاقتصاد العالمي.

الموقف السعودي
وجاءت تأكيدات الموقف السعودي جراء تمنّع المكسيك عن توقيع اتفاقية التخفيض، حيث نقلت «رويترز» عن وزير الطاقة السعودي، أمس، قوله: «آمل أن ترى (المكسيك) منافع هذا الاتفاق؛ ليس للمكسيك فحسب بل للعالم أجمع، الاتفاق بالكامل يتوقف على موافقة المكسيك عليه».
ورداً على سؤال عما إذا كانت دول أخرى كالولايات المتحدة وكندا والبرازيل ستشارك في اتفاق «أوبك+» للخفض، زاد الأمير عبد العزيز بن سلمان في حديثه للوكالة: «سيفعلونها بطريقتهم الخاصة، باستخدام نهجهم الخاص، ليس عملنا أن نُملي على الآخرين ما يمكنهم القيام به بناءً على ظروفهم الوطنية»، مضيفاً أنه يتوقع مشاركة منتجين آخرين في المسعى العالمي لخفض الإمدادات. النفط بهدف تحقيق الاستقرار في الأسواق.



محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.