النفايات الإلكترونية... ثلاثة ملايين طن تلوث البيئة العربية سنوياً

النفايات الإلكترونية... ثلاثة ملايين طن تلوث البيئة العربية سنوياً
TT

النفايات الإلكترونية... ثلاثة ملايين طن تلوث البيئة العربية سنوياً

النفايات الإلكترونية... ثلاثة ملايين طن تلوث البيئة العربية سنوياً

يزداد الطلب على الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية الأخرى، سنة بعد سنة، وتنعكس هذه الزيادة فوائد للناس في مجالات شتى، كالصحة والتعليم والتجارة والتمويل. وفي مقابل المنافع، تتسبب مخلّفات هذه الأجهزة بما يمكن وصفه بموجة عاتية من النفايات الإلكترونية، التي تهدد سلامة البيئة وصحة الإنسان بمخاطر المعادن الثقيلة والأبخرة السامة.
وتعرّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية النفايات الإلكترونية بأنها «أي جهاز يعمل بالطاقة الكهربائية وصل إلى نهاية عمره التشغيلي»، وهذا يشمل أي جهاز منزلي أو تجاري يحتوي على دوائر إلكترونية أو مكونات كهربائية يتخلص منه المالك من دون الرغبة في إعادة استخدامه.

- الدول الغنية المنتج الأكبر
يخلص تقرير صدر السنة الماضية عن الأمم المتحدة إلى أن كمية النفايات الإلكترونية والكهربائية (e - waste)، التي ينتجها البشر سنوياً تبلغ نحو 50 مليون طن، أي نحو تسعة أضعاف وزن الهرم الأكبر في الجيزة. وفيما تذهب أغلب كمية هذه النفايات إلى مواقع التخلص العشوائي وتتسرب إلى الطبيعة، فإن ما يجري استرجاعه وتدويره نظامياً لا يزيد على 20 في المائة من مجمل الكمية المتولدة.
ومع زيادة الوصول إلى الأجهزة الكهربائية والإلكترونية واتساع استخدامها، إلى جانب رغبة الشركات في الربح الوفير، تصبح دورة حياة المنتج أقصر، ويجري تعديل تصاميم الأجهزة لجعلها أقل قابلية للإصلاح أو إعادة الاستخدام. ونتيجة ذلك، تنمو كمية النفايات الإلكترونية بسرعة كبيرة في جميع أنحاء العالم، حيث قفز إنتاج الشخص من النفايات الإلكترونية سنوياً من 5.8 كيلوغرام في 2014 إلى 6.1 كيلوغرامات في 2016. ووفقاً لمعدلات الزيادة السنوية الحالية، يتوقع تقرير الأمم المتحدة أن تصل كمية النفايات الإلكترونية إلى 120 مليون طن سنة 2050.
وتسجّل الدول الغنية والمتقدمة أعلى نسب توليد للنفايات الإلكترونية، حيث يتجاوز إنتاج الفرد فيها 20 كيلوغراماً سنوياً. ويصل المعدل في النرويج إلى 28.5 كيلوغرام، وفي بريطانيا 24.9 كيلوغرام، وفي هولندا 23.9 كيلوغرام، وفي أستراليا 23.6 كيلوغرام، وفي الولايات المتحدة 19.4 كيلوغرام. وتنخفض المعدلات في أفريقيا جنوب الصحراء وفي جنوب شرقي آسيا إلى أقل من كيلوغرامين اثنين سنوياً، فهي في الهند وباكستان 1.5 كيلوغرام، وفي إثيوبيا 0.5 كيلوغرام.
أما في العالم العربي، فتبلغ كمية النفايات الإلكترونية المتولدة سنوياً ثلاثة ملايين طن، أكثر من نصفها ينتج عن ثلاث دول، هي مصر والسعودية والجزائر. ويصل متوسط ما ينتجه المواطن العربي من النفايات الإلكترونية سنوياً إلى 6.8 كيلوغرام، حيث ترتفع النسب في الدول الخليجية، إلى جانب لبنان والجزائر، إلى أكثر من 11 كيلوغراماً في السنة، وهي تقفز في السعودية والكويت والبحرين وعُمان إلى أكثر من 15 كيلوغراماً. وينخفض معدّل توليد النفايات الإلكترونية في باقي الدول إلى نحو 6 كيلوغرامات أو أقل، فهي في العراق 6.6 كيلوغرامات، وفي الأردن وتونس ومصر 5.6 كيلوغرامات، وفي موريتانيا والسودان 1.3 كيلوغرام.
ويمثّل حجم المخلفات الإلكترونية المنتجة في جميع أنحاء العالم وسوء إدارتها خطراً كبيراً على البيئة. فمن بين المواد الأكثر شيوعاً في هذه المخلفات الكادميوم والرصاص وأكسيد الرصاص والأنتيمون والنيكل والزئبق. وهي عناصر سامّة تلوث الأنهار والبحيرات والبحار، وتطلق غازات في الغلاف الجوي تلحق ضرراً بالنظم البيئية.

- العالم يعمل والعرب غائبون
يساعد الاستهلاك المسؤول والعقلاني في إطالة العمر الإنتاجي للأجهزة الإلكترونية. وفي مقابل نظم إعادة التدوير غير الفعالة المنتشرة في أكثر من بلد، يتحول التجديد وإعادة الاستخدام إلى خيار مفضّل للحد من كميات النفايات الإلكترونية.
ويتّسع حول العالم نشاط المجموعات التي ترفع شعار «الحق بالتصليح»، وهي تحالف مدني يضم متطوعين وناشطين يديرون مقاهي ومقرات إصلاح وإعادة تشغيل المنتجات التي تعطلت قبل أوانها، مثل أجهزة المطبخ الكهربائية وأجهزة الكومبيوتر والاتصالات والمستلزمات المنزلية الأخرى، كالأثاث والمصابيح والملابس والدراجات وغيرها.
وكان البرلمان الأوروبي تبنّى في سنة 2017 قراراً تحت عنوان «عمر أطول للمنتجات: فوائد للمستهلكين والشركات» يدعو فيه إلى التشجيع على وضع معايير مقاومة دنيا تغطي، من بين جملة أمور، الصلابة وقابلية الإصلاح والقدرة على الترقية لكل فئة من فئات المنتجات.
ويعتبر القرار الأوروبي أن تطوير المنتجات ذات الكفاءة في استخدام الموارد بشكل متزايد يجب ألا يشجع على العمر الافتراضي القصير أو التخلص المبكر من المنتجات. وتدرس 18 ولاية أميركية مشاريع قوانين تستهدف المنتجات ذات المكونات المدمجة التي لا يمكن استبدالها بسهولة، أو تلك التي لا تتوفر لها قطع غيار أو تعليمات صيانة.
وتستند السياسات الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة إلى معطيات إحصائية تثير القلق، حيث أظهرت إحدى الدراسات أنه خلال الفترة بين 2004 و2012 ارتفعت نسبة الأجهزة المنزلية الأساسية التي جرى التخلص منها، بعد أقل من خمس سنوات على شرائها، من 3.5 في المائة إلى 8.3 في المائة.
وعلى مستوى سياسات الأمم المتحدة، يختص هدف التنمية المستدامة الثاني عشر بمسألة «ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة». وهذا يستلزم تحقيق إدارة مقبولة بيئياً طوال دورة حياة الأجهزة الإلكترونية، بالإضافة إلى الحد من إطلاق الملوثات في الجو والماء والتربة لتقليل تأثيرها السلبي على الصحة والبيئة. وكان الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة اعتمد في مؤتمر المندوبين المفوضين سنة 2018 عدة أهداف تتعلق بالنفايات الإلكترونية، من بينها رفع المعدل العالمي لتدوير المخلفات الإلكترونية إلى 30 في المائة بحلول سنة 2023. وزيادة نسبة البلدان التي لديها تشريعات للنفايات الإلكترونية إلى 50 في المائة بحلول السنة ذاتها.
أما عربياً، فلا توجد تشريعات خاصة بإدارة النفايات الإلكترونية، وإنما تندرج في إطار اتفاقية «بازل» حول التحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها، وفي القوانين الوطنية الخاصة بالنظافة وإدارة النفايات الصلبة، وإن كانت أغلب الدول العربية لم تصدر حتى الآن تشريعاتها الخاصة بإدارة النفايات عامة.

- خسارة فرص بالمليارات
وفقاً لتقرير نشرته «مجلة العلوم والتكنولوجيا البيئية» سنة 2019، يكلّف استخراج المعادن من الرواسب الطبيعية 13 مرة كلفة استخراجها من النفايات الإلكترونية لتصنيع الأجهزة الجديدة. ولا يستلزم الحصول على المعادن مثل البلاتين والنحاس والبلاديوم التنقيب عنها ومعالجتها فحسب، بل يتطلب أيضاً استهلاك كميات كبيرة من الماء والطاقة.
وتؤدي إعادة تدوير الأدوات الإلكترونية إلى تحسين جودة البيئة في مرحلة ما قبل التصنيع وما بعد الاستهلاك. وهي تجلب أيضاً منافع أخرى، حيث يعتقد الاتحاد الدولي للاتصالات أنه عندما يُعاد تدوير هذه المواد بشكل صحيح، يمكن أن تحقق مكاسب مالية تزيد قيمتها عن 62.5 مليار دولار سنوياً، وتخلق ملايين الوظائف الجديدة في جميع أنحاء العالم.
وعلى أرض الواقع، تطبق أغلب الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واليابان برامج لجمع النفايات الإلكترونية وتدويرها، حيث تزيد نسبة الاسترداد في الدول الإسكندنافية على 70 في المائة من كمية النفايات الإلكترونية، وتصل النسبة إلى 22 في المائة في الولايات المتحدة.
وتعد سويسرا مثالاً جيداً على كيفية التعامل مع مشكلة النفايات الإلكترونية؛ فرغم ضخامة كمية النفايات الإلكترونية التي تولدها، حيث وصل وزنها إلى 223 ألف طن في سنة 2016 بمعدل 22.2 كيلوغرام للشخص الواحد، فإنها استردت 134 ألف طن من هذه النفايات، أي أن نسبة الاسترداد قاربت 72 في المائة. أما في فئة النفايات الإلكترونية الرقمية تحديداً، كالهواتف الجوالة، فقد وصل معدل التدوير إلى 95 في المائة.
وفي الدول النامية، أعلنت الحكومة النيجيرية ومرفق البيئة العالمي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة مطلع سنة 2019 عن استثمار بقيمة مليوني دولار لبدء صناعة إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية الرسمية في نيجيريا، في إطار تعزيز الاقتصاد الدائري. وسيجتذب هذا الاستثمار الجديد أكثر من 13 مليون دولار على شكل تمويل إضافي من القطاع الخاص، ويوفر ظروف عمل آمنة لمائة ألف شخص يعملون في مجال المخلفات الإلكترونية.
وفي العالم العربي توجد مبادرات محدودة لجمع وتدوير النفايات الإلكترونية تقوم بغالبها على مبادرات غير حكومية تحظى بدعم رسمي. وفي قطاع المعالجة يبرز «مركز التدوير» في دبي، الذي افتتح سنة 2019 باستطاعة 100 ألف طن سنوياً لتدوير المعدات الكهربائية والإلكترونية غير القابلة للاستخدام ومعدات تكنولوجيا المعلومات والأجهزة الحاوية على غاز التبريد وأنواع أخرى من النفايات.
إن مشكلة المخلفات الإلكترونية هي إحدى أكثر القضايا البيئية الناشئة إلحاحاً، لأنها تنطوي على تهديدات كبيرة لصحة الإنسان، خاصة النساء والأطفال والمجتمعات الفقيرة. وبعيداً عن المنافع المادية من استرجاع المخلفات الإلكترونية، لا بد من استراتيجيات أفضل لإدارتها وتطبيق معايير أكثر مراعاة للبيئة، إلى جانب ضمان تعاون أوثق بين جميع الأطراف للوصول إلى اقتصاد دائري يحقق الخير للناس والكوكب.


مقالات ذات صلة

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «أناضول» لغمر المياه بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة نتيجة الأمطار الغزيرة المتزايدة منذ السبت الماضي

سوريا تحذر من منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية

فتح ممرات مائية وسحب مياه الأمطار المتجمعة في المنازل والأقبية والمحلات التجارية، إضافة إلى التعامل مع حالات انهيار في الشوارع والأبنية وحوادث طرق

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».