من هو صريع الغواني؟

غلاف «العرب والحب»
غلاف «العرب والحب»
TT

من هو صريع الغواني؟

غلاف «العرب والحب»
غلاف «العرب والحب»

لاحظت مؤخراً أن بعض العقول أصبحت جافة، والقلوب ناشفة أكثر من اللزوم. ولذلك لا بد من ترطيب الأجواء عن طريق بعض القصص والأشعار. ولنتحدث عن صريع الغواني.
فمن هو هذا الشاعر غريب الشكل يا ترى؟ لقد جذبني إليه منذ البداية اسمه أو بالأحرى لقبه: «صريع الغواني»! وأعجبت بهذا الاسم أيما إعجاب. ثم غبطته عليه، بل وحسدته كل الحسد، وإن كان الحسد ليس من شيمي. على أي حال رحت أتساءل بيني وبين نفسي: كيف حظي بهذا الاسم الساحر دون سواه؟ والأنكى من ذلك أنه بعد الاطلاع المفصل على سيرته الذاتية وجدت أن الرجل كان خاشعاً وقوراً على عكس ما نتوقع. ولم يكن صريع الغواني إلى الحد الذي نتصوره. فمسلم ابن الوليد، وهذا هو اسمه الحقيقي، لم يكن أبا نواس! ومعلوم أنه كان معاصراً له وللعباس بن الأحنف وبشار بن برد وأبي العتاهية إلخ... فمن أين جاءه هذا الاسم يا ترى؟ كيف لصقت به هذه التهمة التي يُحسد عليها؟ يقال بأنه ألقى مرة قصيدة يمدح فيها الخليفة هارون الرشيد، وقد ورد فيها هذا البيت:
وما العيش إلا أن تروح مع الصبا
صريع حميَا الكأس والأعين النجل
فقال له الخليفة على الفور: أنت صريع الغواني! فذهبت مثلاً ولصقت به. وهذا يعني أن الخليفة كان ذواقة للشعر العربي. كيف لا وهو هارون الرشيد؟
ولكن يقال بأن هناك سبباً آخر لتلقيبه بذلك هو أبياته التي يقول فيها صراحة:
إن ورد الخدود والحدق النجل
وما في الثغور من أقحوان
واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد
وما في الصدور من رمان
تركتني بين الغواني صريعاً
فلهذا أدعى صريع الغواني
تلاحظون أن كلمة الأعين النجل وردت أكثر من مرة لديه. فما معنى ذلك يا ترى؟ معناه: الأعين الواسعة الجميلة التي تدوخ العقل. وأكاد أقول الأعين الكحلاء من دون كحل. إضافة من عندي وأنا بها فخور. وربما كانت صحيحة. ولا تسألوني عن معنى هذه العبارة الفاتنة: «واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد»، فهي أعلى مني ومنكم بألف مرة! كلمة اعوجاج قد تغشكم وتوهمكم أنها كانت تعاني من تشوه في ظاهر الخد، ولكن العكس هو الصحيح. «الاعوجاج» هنا قيمة جمالية من أعلى طراز.
ويقال بأنه تنسك في أواخر حياته وزهد. بل وعاش حياة عائلية مستقرة وهادئة حتى وفاة زوجته التي رثاها بكل حرارة وحرقة. وبكاها بكاءً مراً مثلما فعل جرير من قبله. فكيف يمكن لشخص عاقل ومحترم كهذا أن يدعى صريع الغواني؟
ثم هل نسيتم قصيدة جرير في زوجته وتلك الأبيات التي لا تنسى:
لولا الحياء لهاجني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولهت قلبي إذ علتني كبرة
وذوو التمائم من بنيك صغار إلخ...
كم أكبرت جرير بسبب ذلك؟ كم زاد عندي قيمة وأهمية بل وعظمة. كنت أحسبه فقط هجاء ضد الفرزدق، فإذا به شخص آخر. لاحظوا كيف يتفجع عليها تفجعاً. نقول ذلك، بخاصة أنها ذهبت شابة، وخلفت وراءها أطفالاً صغاراً... تحية للأمهات اللواتي يذهبن شابات، مبكرات، قبل الأوان. ألف تحية. وبضعة آلاف من الحسرات! ولكن هذا قضاء الله وقدره. لا راد لمشيئته. ويبدو أنه كان من أوائل من تجرأوا على البكاء على الزوجة، ورثائها، لأن ذلك غير مستحب عند العرب أو غير مألوف، بل إنه مستهجن ومستنكر جداً. ماذا؟ أرجل يبكي على زوجته؟ أعوذ بالله، لا يليق. أولاً الرجال لا تبكي. وثانياً لا تبكي على النساء! عيب. فضيحة.
إذن الرجل لا يبكي على المرأة، حتى ولو كانت زوجته وأم أطفاله، بل ولا يليق به أن يزور قبرها! أما هي فتزور قبره كل يوم جمعة. لحسن الحظ، فإن الأمور تغيرت واستعادت المرأة العربية أخيراً كرامتها في عصر الحداثة والتقدم والتطور.
بالمناسبة جرير كان أيضاً صريع الغواني. أليس هو القائل:
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
وهن أضعف خلق الله إنسانا
في الواقع كلنا صريع الغواني بشكل أو بآخر... وبالتالي فهذا المصطلح الرفيع يخترق الشعر العربي كله من أوله إلى آخره: من امرئ القيس إلى نزار قباني.
ألم يقل امرؤ القيس:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وماذا عن ابن زيدون الذي لوعته تلك اللعوب الفاتنة ولادة بنت المستكفي، وأذلته حتى مسحت به الأرض؟ لاحظ كيف يستعطفها، كيف يستجديها، كيف يبوس الأرض من تحت قدميها لكي تعود ولكن هيهات...
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً منكم
ولا انصرفت عنكم أمانينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إلى آخر تلك الأبيات الخالدة..
بل وراح يطمع برؤيتها فيما وراء الضباب... راح يلاحقها إلى عالم الماورائيات الميتافيزيقية... فإذا كانت قد أفلتت منه في هذا العالم، فإنها لن تفلت في العالم الآخر:
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء بكم
في موقف الحشر نلقاكم وتلقونا
حب حتى الموت، بل وما بعد الموت: حب أقوى من الموت!
تحية لابن زيدون وألف تحية...
ثم تضيف الروايات: صحيح أنه أقبل على اللهو واللذة والطرب في بداية شبابه. ولكنه لم ينغمس في المجون انغماس أبي نواس وبشار بن برد وابن الضحاك الخليع وسواهم. وفي أواخر حياته نهر أحدهم قائلاً: «لا تدعني صريع الغواني أرجوك: فأنا لست كذلك». وكان يلقب بهذا اللقب وكان له كارهاً. ويقال بأنه قذف بشعره السابق في البحر عندما كان يتغزل أكثر من اللزوم.
وهكذا خسرنا قسماً كبيراً من غزلياته وأشعاره الأولى. لقد أراد أن يكفر عن ذنوبه، ويفكر في آخرته بعد أن كبر وتقدم في السن. ولكن لحسن الحظ بقي منه شيء كثير ومنه هذان البيتان:
نقاتل أبطال الوغى فنبيدهم
ويقتلنا في السلم لحظُ الكواعب
وليست سيوف الهند تفني نفوسنا
ولكن سهام فُوقت بالحواجب
والغريب العجيب هو أنه لم يكن أول من لقب بصريع الغواني. فقد سبقه إلى ذلك الشاعر القطامي المتوفى سنة 747 ميلادية، أي قبل ولادته بعشر سنوات. وسبب اللقب هو أنه قال:
صريعُ غوانٍ راقهن ورقنه
لدنْ شبَ حتى شاب سودُ الذوائب
وهو بيت من قصيدة مطلعها:
نأتك بليلى نية لم تقارب
وما حب ليلى من فؤادي بذاهب
دوخناكم بالشعر! وبعض الشعر يدوخ، سامحونا! لا تنسوا: أنتم الآن في أحضان الشعر العربي وبساتينه الغناء ورياضه الفيحاء. وهي بساتين معشوشبة، مخضوضرة: المياه تسقسق، والطيور تغرد، والربيع منتشر على مد النظر.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فدعوني أروي لكم هذه النادرة الجميلة التي تعبر عن شخصية العرب في العمق. أولاً أطرح عليكم هذا السؤال: من قائل هذه الأبيات:
نحن قوم تذيبنا الأعينُ النجلُ
على أننا نذيب الحديدا
وترانا يوم الكريهة أحراراً
وفي السلم للغواني عبيدا
نأسر الأُسد ثم تأسرنا الغيد
المصونات أعيناً وخدودا
إنه الفارس البطل أبو فراس الحمداني. القصة وما فيها هي أنه كان يحاصر إحدى مدن الروم في بعض غزواته. فعرضت عليه فتاة باهرة الجمال نفسها مقابل أن يفك الحصار عن أهلها ومدينتها. فأرجعها إلى أهلها سالمة وفك الحصار دون أي مقابل. ولكن هناك رواية أخرى أكثر زركشة وجمالاً تقول: عندما حاصر أبو فراس المدينة كانت فيها امرأة ذات حسن وجمال.
فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره. فتبرقعت وخرجت نحو العسكر، وقالت: أبلغوني الأمير. فأبلغوها إليه، فقالت: ألست أنت القائل: نحن قوم تذيبنا الأعين النجل إلخ..؟ فقال نعم: فنزعت البرقع عن وجهها، وقالت: أحُسْناً ترى أم قبحاً؟ فقال: والله لا أرى إلا الجمال. فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: ارحل عنا وانصرف راشداً. ففك الحصار فوراً، وأمر جنوده بالعودة إلى الوراء سر.
فقالوا له: يا أمير المدينة في أيدينا تقريباً! لماذا تريدنا أن ننصرف بعد أن أوشكنا على أخذها؟ دعنا نفتحها. فقال لهم: لا مجال للبقاء ساعة واحدة هنا. لقد أعطيت كلمتي بعد أن أفحمتني هذه الغادة الحسناء. والله لن أتراجع عن قراري.
ويبدو أنه وقع في حبها حتى الموت. ثم وصل إليها لاحقاً، وخطبها، وتزوجها، وعاش معها حتى فرق بينهما غراب البين. وعندما طلع الصباح سكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
وفي رواية أخرى أيضاً: عندما نزعت البرقع عن وجهها، صعق فوراً، فداخ، فانهار، فوقع مغشياً عليه...
أخيراً قد تتساءلون: من هو إذن صريع الغواني الحقيقي في الآداب العربية كلها؟ بصراحة لا أرى أحداً اللهم إلا عمر بن أبي ربيعة، ولكن مع فارق أساسي: وهو أنه كان صارع الغواني لا صريعهن. نقطة على السطر! حتى في موسم الحج كان يترصد لهن. وأحياناً في أمسيات الصيف المنارة بضوء القمر كان يصطاد إحداهن فتقع المسكينة في الفخ، كما لو غصباً عنها.
يعيش الشعر العربي.



«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
TT

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة لكشف الأسرار، والخوف، والرغبة في النجاة، الشخصيات لا تحمل أسماء تقليدية بقدر ما تمثل حالات إنسانية متباينة، لكل واحدة تاريخها، ووجعها، وطريقتها الخاصة في المواجهة، أو الهروب، مما يجعل العرض المشارك ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي» المقام في القاهرة قائماً على تداخل الحكايات الفردية في مواجهة مصير جماعي واحد.

تبدأ الأحداث بإيقاع هادئ أقرب إلى اللعب، والثرثرة اليومية، قبل أن تتصاعد التوترات مع ظهور الخلافات الصغيرة التي تكشف هشاشة العلاقات بين البطلات، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، حيث تتصارع الرغبات المكبوتة مع الخوف، وتتصادم الأحلام المؤجلة مع واقع ضاغط، في صورة أقرب إلى خرافة معاصرة تحاكي الحياة دون تسميتها صراحة.

تعتمد الشخصيات على الحكي وسيلة للدفاع عن الذات، وتبرير الاختيارات، فتروي كل امرأة جزءاً من قصتها، بين فقدان، انتظار، خيبة، أو رغبة في التحرر، هذا التعدد في الأصوات يمنح العرض تنوعاً درامياً، ويجعل المشاهد أمام قصص إنسانية تعكس نماذج مختلفة من النساء في مواجهة المجتمع، والقدر، والذات.

الحركة الجسدية تلعب دوراً رئيساً في التعبير عن الصراع، إذ تتحول خطوات الممثلات، وتكويناتهن الجماعية، وحالات التجمّع، والتفكك إلى لغة بصرية توازي الحوار، في مشاهد كثيرة، يختفي الكلام، وتحل مكانه الإيماءة، والنظرة، والاندفاع، بما يمنح العرض طاقة حركية تحافظ على إيقاعه، وتكثّف معناه.

يبرز داخل العرض حضور رجالي محدود يظهر بوصفه قوة ضغط، أو ذاكرة غائبة أكثر منه شريكاً مباشراً في الحدث، مما يزيد إحساس العزلة لدى الشخصيات النسائية، ويعمّق شعورهن بالحصار، والرغبة في الانفلات، في توازن درامي يخدم فكرة الهروب بوصفه حالة نفسية.

العرض التونسي تناول قضايا اجتماعية في إطار نفسي (إدارة المهرجان)

«الهاربات» تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، وبطولة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، وهو أحد العروض المشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان «المسرح العربي» في دورته التي تتختم بالقاهرة مساء الجمعة.

وفاء طبوبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «العرض جاء ثمرة رحلة طويلة من الاشتغال اليومي، والتجريب المتواصل»، معتبرة أن «التناغم الذي لمسه الجمهور على الخشبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج ستة أشهر كاملة من التدريبات المكثفة، التي بُني خلالها العمل خطوة خطوة، حتى تشكّلت لغته الجسدية، والإيقاعية بصورة عضوية، ومتجانسة».

وأوضحت أن منهجها في العمل اعتمد في مرحلته الأولى على التعامل مع الممثلات بوصفهن شخصيات حقيقية تحمل تجارب، وأسئلة، ومشاعر، قبل الانتقال لاحقاً إلى صياغة الشخصيات الدرامية، وبناء الأداء المسرحي، لافتة إلى أن «هذا المسار أتاح خلق علاقة إنسانية عميقة داخل الفريق، انعكست مباشرة على صدق الحركة، والتفاعل فوق الخشبة».

وقالت وفاء إن «عرض (الهاربات) ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن طبقات إنسانية متعددة، تسمح بتعدد القراءات، والتأويلات»، مؤكدة أن المسرح بالنسبة لها فعل حي يقوم على الاكتشاف المستمر، لا على القوالب الجاهزة، أو التفسير المغلق.

وأضافت أن المسرح، في تصورها، بمثابة «تمرين بسيط شديد التعقيد»، يتطلب صبراً طويلاً، وانضباطاً عالياً، لأن بناء العلاقة بين الجسد، والفضاء، والإيقاع يحتاج إلى زمن كافٍ حتى يبلغ درجة الانسجام المطلوبة، وهو ما سعت إلى تحقيقه في هذا العمل من خلال التدريب اليومي، والاشتغال الدقيق على التفاصيل، معربة عن سعادتها بردود الفعل التي تلقتها بعد العرض: «ردود الفعل أسعدتني، ومنحتني إحساساً بأن الجهد المبذول وصل إلى المتفرجين بصدق، ووضوح».

العرض التونسي حظي بإشادات في مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

ووصف الناقد المسرحي المصري، باسم صادق، العرض بأنه «أحد أفضل العروض المشاركة في المهرجان، لكونه يحمل خصوصية واضحة تعكس ملامح المسرح التونسي عموماً، إلى جانب البصمة الإخراجية المميزة لمخرجته على وجه الخصوص، سواء على مستوى الرؤية الجمالية، أو إدارة الممثلين، وبناء المشهد المسرحي».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «العرض تميّز بتكامل عناصره الفنية، مع اعتماد أساسي على الفضاء المسرحي العاري من الديكور، وهو اختيار أسهم في التعبير عن حالة الخواء، والإزاحة التي تعيشها الشخصيات، وتواجهها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بضعف إنساني مشروع، ما منح المشاهد إحساساً مباشراً بحالة العزلة، والضغوط النفسية التي تحاصر أبطال العمل».

وأضاف أن «هذا الفراغ البصري أتاح مساحة واسعة لطاقات الممثلين الإبداعية، حيث برز تناغم واضح، وتفاعل حيّ بين الشخصيات، خصوصاً في التعبير عن أوجاع الأم، ومعاناة الشخصيات النسائية، إلى جانب الممثل الوحيد المشارك في العرض، وهو ما خلق حالة أداء جماعي متماسك، ومؤثر».

مؤكداً أن «الشخصيات تأرجحت داخل لوحات متتالية شديدة الترابط، نجحت في رصد معاناتها، وتحولاتها النفسية، وإن كانت بعض هذه اللوحات قد عابها بطء الإيقاع أحياناً، مع غلبة السرد على الفعل المسرحي، وهو ما أثّر جزئياً على تدفق المشاهد في بعض المقاطع».

مشيداً باحترافية ممثلات العرض بشكل عام اللاتي «قدمن أداء على مستوى عالٍ من الدقة، والانضباط، مع تميّز خاص للفنانة فاطمة بن سعيدان، التي قدّمت –بحسب وصفه– درساً متكاملاً في الأداء التمثيلي، والتعبيري، جمعت فيه بين العمق، والجدية، وخفة الظل».


تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.


«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
TT

«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)

يحتفي الفنان المصري أحمد رجب صقر في معرضه «ألف وجه ووجه» -المُقام في غاليري «المشهد»- بالقصص والمشاعر العميقة التي ينقلها الوجه البشري، ما دفع المتلقي إلى التساؤل: من هؤلاء الأشخاص؟ ماذا يريد الفنان أن نعرف عنهم؟ إلى أي مدى تكشف عن رؤى الفنان تجاه الوجه الإنساني بوصفه حقلاً للذاكرة والهوية والتعبير الوجودي؟

تزخر لوحاته بوجوه تنبض بتعبيرات متعددة ومشحونة بالحياة، وتحدّق إلينا عيونها، متسعة كانت أم ضيقة، مستديرة أم مربعة أم مستطيلة، مسالمة أم حادة، غائرة أم جاحظة؛ إذ تبدو العيون في أعماله قادرة على التحدّي والتأمل، وعلى الإخفاء والبوح.

جانب من معرض (ألف وجه ووجه)

من هنا تبدو أعماله التي تبلغ نحو 50 عملاً، وكأنها استكشاف بصري لمرونة الإنسان، تلك القوة الهادئة التي تظهر في لحظات الضعف والشجاعة والتحول العاطفي.

ولا تلتقط كل لوحة مجرد تعبير، أو إحساس عابر، بل قصة إنسان يواجه تحديات الحياة بطريقته الخاصة، لكنها في جوهرها تبقى وجوهاً تحتفي بالروح الإنسانية.

ويقول صقر لـ«الشرق الأوسط»: «المعرض ليس مجرد معرض للوجوه، بل هو بمثابة جوقة من الأصوات البصرية التي تُلامس أعماق النفس وتترك أثراً عميقاً في الذاكرة».

ويتشابه مفهوم الوجه عند صقر مع مفهومه عند المفكر وعالم الاجتماع الألماني جورج زيمل؛ الذي رأى أن الوجه هو كيان اجتماعي بالغ الأهمية، ولكنه غامض في الوقت نفسه، فهو كشف لحظي وإخفاء مُتعمد، يقدم لنا لمحة عن تقلبات اللحظة الراهنة، ودواخل الشخص الدائمة؛ ما يجعله محوراً لفهم الفردية وسط غموض الحياة الحضرية.

الفنان المصري أحمد رجب صقر (إدارة الغاليري)

ويقول صقر: «نعم، إن مفهوم الوجه بالنسبة لي يقترب من تصور زيمل؛ إذ يُعدّ الوجه نقطة تماس بين الفرد والمجتمع، فهو ليس مجرد ملامح، بل مرآة للروح ومسرح للتبادل الإنساني، وعنصر لفهم الفرد وتأثير البُنى الثقافية فيه. وقد شكّلت هذه العلاقة الجدلية محفزاً ومحركاً لهذه التجربة الفنية».

ويتابع: «خلال السنوات القليلة الأخيرة نفذت مجموعات من الوجوه بتقنية لصق الرمال البيضاء على خلفيات بلون واحد، تزيد على الألف وجه وقناع، وذات يوم تأملت طويلاً هذه الأعمال، وقارنت البدايات والنهايات؛ فإذا بي أجد أنني قد اتجهت تدريجياً من رسم الوجوه إلى رسم الأقنعة».

دعوة للتأمل في تعددية الوجوه (إدارة الغاليري)

وسمِّ هذه اللوحات ما شئت، وجوهاً أو أقنعة، لكنها في النهاية تُمثل مرايا لشخصيات متعددة؛ إذ إن كل تفصيلة تشريحية فيها، من العينين إلى الأنف والشفتين، تروي الكثير عن شخوص نعرفهم أو لا نعرفهم.

كما أنها تُعد مساحات مكثّفة تختزل الفكرة عبر تركيزه على الجوهر والتكثيف، وتزخر في الوقت ذاته بالنقوش والحروف والرموز والطلاسم والأشكال، التي توحي أحياناً بالغموض وإثارة التساؤلات، وأحياناً أخرى بالتماهي مع التراث والحضارات والرسوم البدائية على جدران الكهوف؛ وهو ما يزوّد المتلقي بطاقات تعبيرية وشحنات وجدانية تولّدها صياغات تشكيلية مجردة وألوان صريحة.

وفي أعماله لا يمكن إغفال البناء المعماري ذي السمة الهندسية الواضحة، والتكوينات التي تجمع في سياقها بين النحت والعمارة، وهنا تكتشف تأثر الفنان بالصروح المعمارية للمعابد والأهرامات.

لقد استوعبها جيداً، واستحضرها وأعادها بإيقاع آخر جديد يجمع بين الخط الصريح المتعامد والمسطح الغني بالتفاصيل والمعالجة العصرية المحملة بالشفرات التي لا يسع المتلقي أمامها سوى محاولة فك أسرارها.

البورتريه في تداخل مع الحروفية (إدارة الغاليري)

وتحمل بعض اللوحات دعوة من الفنان للتأمل في تعددية الوجوه بوصفها انعكاساً لتنوع التجارب الإنسانية، وكأن كل وجه مرآة لوجه آخر. ففي العمل الواحد يقدّم عدة وجوه متكررة، لكل منها حكايتها وانفعالاتها الخاصة، لكنها تلتقي جميعاً في تجسيد روح الإنسانية وجوهرها، من دون أن تقع في رتابة التكرار أو ملل النسخة الواحدة.