عقبات تعرقل تسليح العشائر السنية ضد تنظيم داعش

أبرزها غياب الثقة ونقص الأموال والفساد

اجتماع لشيوخ عشائر شيعة وسنة عقد مؤخرا في بغداد لبحث سبل مكافحة «داعش» (أ.ف.ب)
اجتماع لشيوخ عشائر شيعة وسنة عقد مؤخرا في بغداد لبحث سبل مكافحة «داعش» (أ.ف.ب)
TT

عقبات تعرقل تسليح العشائر السنية ضد تنظيم داعش

اجتماع لشيوخ عشائر شيعة وسنة عقد مؤخرا في بغداد لبحث سبل مكافحة «داعش» (أ.ف.ب)
اجتماع لشيوخ عشائر شيعة وسنة عقد مؤخرا في بغداد لبحث سبل مكافحة «داعش» (أ.ف.ب)

زادت حالة القتل الجماعي لرجال العشائر السنية التي تقاتل تنظيم داعش من الحاجة الشديدة لجهود الحكومة العراقية لدعم جيوب المقاومة ضد المتشددين. لكن انعدام الثقة ونقص التمويل والفساد تهدد بإبطاء عملية التسليح، على حد وصف رجال العشائر والمسؤولين.
وفي سلسلة من الاجتماعات عقدت خلال الأسابيع الأخيرة، طلب زعماء العشائر السنية من رئيس الوزراء حيدر العبادي التعامل مع مشاكل الأسلحة المفقودة ونقص الدعم في الوقت الذي يجابهون فيه المسلحين المتطرفين في مواجهة الاعتقالات والإعدام الجماعي. وتعرض المئات من رجال العشائر للإعدام من دون محاكمة في محافظة الأنبار الغربية خلال الشهر الماضي، مع مئات آخرين لقوا نفس المصير في شمال بغداد.
وجاءت عمليات الإعدام لتؤكد على مأزق العشائر السنية التي قاومت المتطرفين من تنظيم داعش، مع القليل من المساعدات المقدمة من قبل الحكومة المركزية. وهم يهددون بتقويض الاستراتيجية الحكومية من حيث حشد العشائر السنية ضد تنظيم داعش في مناطقهم - مما يعد ركنا رئيسيا في جهود سحق المتشددين.
ويقول الشيخ نعيم الكعود، وهو من زعماء عشيرة البونمر: «نطالب أن تفعل الحكومة شيئا. نشعر أنه تم التخلي عنا وتجاهلنا». وقد صمدت عشيرة البونمر لمدة 10 شهور في وجه المتشددين قبل الرضوخ لهم في محافظة الأنبار الغربية خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وفي حين فر الكثير من مقاتلي العشائر، إلا أن آخرين ألقي القبض عليهم واعتقلوا – ثم لقوا حتفهم في إعدام جماعي بعد ذلك، على حد وصف رجال العشائر.
ويلقي رجال العشائر باللائمة على الحكومة لفشلها في توفير المزيد من الدعم، جنبا إلى جنب مع حالة انعدام الثقة الكامنة والفساد المستشري منذ عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وقال قادة عسكريون أميركيون إن الجيش العراقي يفتقر للقدرة على التقدم لمساعدتهم. وقال الكعود إن عشيرته تسلمت بعض الأسلحة في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، أي بعد أسبوعين من سيطرة تنظيم داعش على أكبر مدينتين في محافظة الأنبار. ومنذ ذلك التاريخ لم يتلقوا من الجيش العراقي سوى حمولة جوية من 50 ألف رصاصة أسقطت عليهم خلال الصيف الماضي، على حد قول الكعود. وأضاف: «ذلك هو الفساد - فإن أولئك الذين يفترض عليهم تسليمنا الذخائر يقومون ببيعها في السوق السوداء ويدفعوننا دفعا إلى شرائها منهم. هناك الكثير من الضباط الفاسدين في الجيش». وكشف أن اجتماعا عقد قبل أسبوعين مع رئيس الوزراء لم يسفر سوى عن وعود. وقال: «أخبرني أنهم أرسلوا الكثير من الأسلحة إلى الأنبار، لكن لم يصلنا شيء بسبب الفساد، ولا يزالون يحققون في الأمر».
لقد حاول العبادي التعامل مع مسألة الكسب غير المشروع منذ أن تولى مهام منصبه في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي وأقال عددا من كبار الضباط، غير أن المسؤولين والمحللين الأميركيين يقولون إن سوء الإدارة ضارب بجذوره في الحكومة هناك.
ويعد التمويل أيضا من المشاكل أمام تسليح العشائر السنية في العراق، على حد وصف المسؤولين العراقيين، مضيفين أنه من المرجح للمشكلة أن تتعقد. فالاقتصاد العراقي، المنهك إثر أسعار النفط المتراجعة، يتوقع له أن يشهد انكماشا بنسبة 2.7 في المائة في عام 2014. طبقا لصندوق النقد الدولي.
ويقول أحمد محجوب، وهو مستشار لرئيس البرلمان سليم الجبوري، «لسنا واثقين من أن الحكومة ستكون قادرة بشكل فعال على مساعدتهم نظرا لنقص التمويل المتاح».
ورغم محورية تلك الجهود في استراتيجية طرد المتشددين، فإن القدر المبذول حتى تاريخه من تلك الجهود لا يزال محدودا. وفي مخيمات اللاجئين في أربيل، جمع شيوخ العشائر أسماء الراغبين في المشاركة في القتال، لكنهم يشكون من أن انعدام الثقة بين الحكومة والعشائر السنية يعيق تقدم تلك الجهود. وفي مخيم على مقربة من أربيل يقول الشباب إنهم تواقون للقتال ويعربون عن استعدادهم للقيام بأي شيء لتحرير أنفسهم وعائلاتهم من الواقع الكئيب في المخيمات.
ويقول فيصل العبيدي (30 عاما) «نحن لا نريد المال. لا نريد شيئا مطلقا - فقط أعطونا السلاح، وسننطلق للقتال. هناك الكثيرون منا هنا يحملون نفس الشعور».
وقد جرى فعليا تجنيد الكثير ممن خدموا ذات مرة في شرطة مدينة الموصل من داخل مخيمات اللاجئين وهم متجمعون حاليا في أحد معسكرات التدريب على مشارف كردستان، وقد أطلق عليه اسم «معسكر تحرير الموصل». ويقول خالد الحمداني، قائد شرطة الموصل السابق الذي يدير معسكر التدريب المذكور، إن هناك نحو 4 آلاف مقاتل قيد التدريب هنا، وهم ينتظرون التسليح والتدريب. لكن بعض المراقبين يقللون من شأن هذا الجهد الذي يشرف عليه أثيل النجيفي، محافظ نينوى.
ويقول فراس قصي (25 عاما) مازحا، وهو من الموصل ولديه أصدقاء قد انضموا إلى المعسكر التدريبي «ليس معهم إلا 3 بنادق آلية يتداولونها بينهم».
ويوضح الحمداني أن عملية إنشاء المعسكر، الذي افتتح قبل أسبوعين، قد تأخرت بسبب الروتين لأن المسؤولين يحتاجون إلى التفاوض مع الأكراد ومع الحكومة المركزية، مع ما تشهده العلاقات بينهما من توتر في الوقت الحالي. وقال الحمداني إنه يأمل في تسلم أول دفعة من الإمدادات والمعدات من وزارة الداخلية العراقية بحلول الأسبوع المقبل.
وأعاقت النزاعات الداخلية التقدم كذلك، على حد قول المسؤولين. فالنجيفي يعتبر من الشخصيات المسببة للخلافات ويلقي البعض عليه، بصورة جزئية، لائمة الانهيار الأول الذي شهدته مدينة الموصل في وجه المتشددين، وذلك لأنه كان المحافظ وقتها. وقد قاطع أعضاء من مجلس محافظة نينوى الاجتماع الذي عقد مؤخرا مع رئيس الوزراء في بغداد، ويقولون إن موقفهم ذلك جاء اعتراضا على وجود النجيفي.
بدوره، قال محجوب: «سنعقد، نحن عشائر نينوى، في الأسبوع المقبل اجتماعا لمناقشة عملية تحرير الموصل. وكل ذلك يجري بعيدا عن النجيفي».
من جهته، قال الشيخ عبد الله الياور، زعيم قبيلة شمر القوية، إنه صار أحد المحاورين الرئيسيين لدى الحكومة. وقبيلة شمر، مثل بقية القبائل، جمعت مقاتليها في إقليم كردستان لكنهم ينتظرون الأسلحة والتدريب.
ويؤكد رافد جبوري، المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء العراقي، أن العبادي «ملتزم بتقديم الدعم الكامل والعشائر السنية ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للحكومة، غير أن الأمر شديد التعقيد. إنها الحرب». وأضاف أنه على مدى الأسبوعين الماضيين، التقت حكومة العبادي مع ما لا يقل عن 5 وفود من عشائر الأنبار، والموصل، وصلاح الدين.
يقول الشيخ خالد الشمري، وهو من زعماء قبيلة شمر: «حتى الآن، لم نتلق دعما حقيقيا من الحكومة الكردية أو العراقية. لقد طلبوا منا تسجيلا لأسماء لتشكيل كتيبة واحدة، من 350 إلى 400 فرد.. ولقد قمنا بذلك فعلا وسلمنا القائمة قبل أسابيع، ولم نسمع شيئا من وقتها».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.