ماذا يحدث للرئتين عند الإصابة بـ«كورونا»؟

أكثر مصابي كورونا المعرضين للخطر هم المصابون بالالتهاب الرئوي الحاد (أ.ف.ب)
أكثر مصابي كورونا المعرضين للخطر هم المصابون بالالتهاب الرئوي الحاد (أ.ف.ب)
TT

ماذا يحدث للرئتين عند الإصابة بـ«كورونا»؟

أكثر مصابي كورونا المعرضين للخطر هم المصابون بالالتهاب الرئوي الحاد (أ.ف.ب)
أكثر مصابي كورونا المعرضين للخطر هم المصابون بالالتهاب الرئوي الحاد (أ.ف.ب)

منذ بداية ظهور فيروس «كورونا» المستجد في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كان الأطباء يشخصون الإصابات على أنها حالات من الالتهاب الرئوي وقعت لسبب غير معروف.
وبعد ذلك، توصل العلماء إلى أن السبب في هذا الالتهاب الرئوي هو فيروس جديد، ينتمي لنفس سلالة الفيروسات التي سبَّبت متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس).
أما الآن، فقد تحول هذا الفيروس الجديد إلى وباء عالمي، أودى بحياة أكثر من 10 آلاف شخص، وأصاب أكثر من 240 ألفاً حول العالم حتى الآن.
ونشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، تقريراً توضح فيه التغييرات التي تحدث في رئتي الشخص المصاب بفيروس «كورونا»، وذلك نقلاً عن الدكتور جون ويلسون، أستاذ الجهاز التنفسي في الكلية الملكية الأسترالية.
وقال ويلسون إنه يمكن تصنيف الأشخاص المصابين بـ«كورونا» إلى أربع فئات، فئة تضم الأشخاص المصابين بالفيروس ولكن ليس لديهم أي أعراض، وهم الأقل عرضة للمخاطر المترتبة عنه، وفئة ثانية تضم أولئك الذين يصابون بعدوى في الجهاز التنفسي العلوي، أي يعانون من الحمى والسعال وربما من أعراضٍ أخفّ، مثل الصداع أو التهاب الملتحمة، وفئة ثالثة تضم الأشخاص الذين يطورون أعراضاً شبيهة بالإنفلونزا عادة ما تمنعهم من العمل، وهؤلاء يحتاجون إلى التوجه للمستشفيات لتلقي العلاج، أما الفئة الرابعة وهي الأكثر تعرضاً للخطر هي تلك التي تصاب بأعراض شديدة أكثر ما يميزها هو الالتهاب الرئوي الحاد.
وأوضح ويلسون: «عندما يصاب الأشخاص المصابون بـ(كورونا) بالسعال والحمى، فإن هذا يكون ناتج عن وصول العدوى إلى الممرات الهوائية التي توصل الهواء من وإلى الرئتين، وتصيب بطانتها بجرح، مما يسبب الالتهاب. وهذا بدوره يزعج الأعصاب في بطانة مجرى الهواء».
وتابع: «ولكن إذا تطور الأمر، وهو ما يحدث في الفئة الرابعة، فإنه يتجاوز مجرد بطانة مجرى الهواء ويذهب إلى وحدات تبادل الغازات، الموجودة في نهاية الممرات الهوائية. فإذا أصيبت هذه الوحدات بالعدوى، فإنها تستجيب عن طريق صب مادة التهابية في الأكياس الهوائية الموجودة في قاع الرئتين».
ويقول ويلسون إن هذه الأكياس الهوائية إذا أصبحت ملتهبة، فإن ذلك يتسبب في «تدفق المواد الالتهابية (السوائل والخلايا الالتهابية) إلى الرئتين، وينتهي الأمر بالالتهاب الرئوي الحاد».
وأكد ويلسون أن «الرئتين اللتين تمتلئان بمواد التهابية تصبحان غير قادرتين على الحصول على كمية كافية من الأكسجين والتخلص من ثاني أكسيد الكربون، وهذا هو السبب المعتاد للوفاة بسبب (كورونا)».
وأشار إلى أن الالتهاب الرئوي الناتج عن «كورونا» يختلف عن أنواع الالتهاب الرئوي الأخرى، وأوضح قائلاً: «معظم أنواع الالتهاب الرئوي التي نعرفها هي بكتيرية وتستجيب لمضاد حيوي، أما ذلك الالتهاب الرئوي الناجم عن (كوفيد - 19) فلم يتم التوصل على علاج محدد له بعد. وما يزيد من خطره هو أنه يميل إلى التأثير على الرئتين كاملتين، بدلاً من التأثير على أجزاء صغيرة فقط».
وأضاف ويلسون أنه بمجرد أن يكون لدينا عدوى في الرئة، فإن أجسامنا تحاول الاستجابة، وتكافح لتدمير الفيروس والحد من تكاثره. إلا أن هذه الاستجابة تضعف في بعض المجموعات، بما في ذلك كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والرئة والكبد والكلى والسكري، ولذلك تعتبر هذه الفئات الأكثر تعرضاً للخطر جراء الفيروس.


مقالات ذات صلة

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك طفلة تتلقى جرعة من لقاح «موديرنا» لفيروس «كورونا» بصيدلية سكيباك في شوينكسفيل - بنسلفانيا (رويترز)

تقرير أميركي: وفاة 10 أطفال بسبب جرعات التطعيم ضد فيروس «كورونا»

قال مارتي ماكاري، مفوض إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية، اليوم (السبت)، إن البيانات أظهرت وفاة 10 أطفال؛ بسبب جرعات التطعيم ضد فيروس «كورونا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
TT

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)

يُقدّم فيلم «الغريب» للمخرج الفرنسي فرنسوا أوزون قراءة سينمائية متأنّية لرواية ألبير كامو الشهيرة، من دون أن يُحوّلها إلى إعادة تمثيل حرفية للنصّ الأدبي. ينطلق الفيلم، الذي يُعرض في بعض الصالات اللبنانية، من الرواية بوصفها مادّة أولى، لكنه يضع الصورة في الواجهة ويجعل من السينما وسيلة لطرح أسئلة الوجود والعدالة والمعنى في عالم يعجز عن تقديم إجابات شافية.

تدور الحكاية عن «مورسو» (بنجامين فوازان)، الرجل الذي يعيش على هامش الإيقاع الاجتماعي السائد... لا يُظهر مشاعره بالطريقة المُتوقّعة، ولا يُجيد التعبير عنها بلغة مقبولة اجتماعياً. في جنازة والدته، لا يبكي. بعد أيام، يعود إلى حياته اليومية من دون مظاهر حداد واضحة. هذه التفاصيل، التي تبدو عابرة في ظاهرها، تتحوّل تدريجاً عناصر إدانة، لكشفها عن اتّساع المسافة بين الفرد والمجتمع.

موت الأم يُقاس بثقل المشاعر قبل فيضها (الشرق الأوسط)

يعتمد أوزون الأبيضَ والأسودَ خياراً بصرياً أساسياً، في خطوة تُبعد الفيلم عن الإغراءات الجمالية وتضع التركيز على البنية السردية والأداء. الصورة المُجرَّدة تُسهم في تكثيف الإحساس بالبرودة والعزلة، وتُبرز وجوه الشخصيات كأنها مُحاصَرة داخل فضاء اجتماعي ضيّق. الكاميرا لا تلاحق الانفعالات ولا تُقرّب المسافات؛ لتترك الشخصية الرئيسية في مواجهة العالم من دون وساطة.

في منتصف الفيلم، يصل السرد إلى مشهد الشاطئ، وهو المشهد المفصلي الذي تنقلب عنده الحكاية. الجريمة التي يرتكبها «مورسو» تخرج من تقديمها ضمن إطار درامي تقليدي. لا صراع واضحاً، ولا دافع نفسياً مُعلَناً. ما يظهر على الشاشة هو تراكم حسّي تُجسّده حرارة الشمس وتعب الجسد وضغط الضوء. والفعل الإجرامي يأتي فجأة من دون تمهيد عاطفي، كأنه نتيجة خلل مؤقّت في العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

هذا المشهد هو المدخل الأساسي لفهم فلسفة العبث عند كامو كما يعكسها الفيلم. فالعبث ليس الفوضى أو اللامعقول؛ إنه إشارة إلى التناقض بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم أمام هذا التوق. جريمة «مورسو» تكتسب معناها من غياب التفسير قبل انتفاء الدافع. فالعالم لا يشرح نفسه، والحدث يقع من دون أن يُقدّم مبرّرات أخلاقية.

الشمس في «الغريب» ضغطٌ بصريّ يُربك الجسد والعقل (الشرق الأوسط)

مع انتقال السرد إلى قاعة المحكمة، تتغيَّر طبيعة الصراع. المحاكمة تنشغل بشخصية «مورسو» وسلوكه العام بدل أن تتركّز على الفعل وحده... طريقة حزنه، علاقته بأمّه، ردود الفعل منه بعد الجنازة، تتحوّل إلى أسئلة مركزية. العدالة، كما يصوّرها الفيلم، لا تكتفي بمحاكمة الجريمة، فتسعى إلى محاكمة أسلوب الحياة.

هنا تتقاطع السينما مع فلسفة كامو بشكل مباشر... «مورسو» لا يُدان لأنه قاتل؛ يُدان لأنه لم يلتزم المعايير العاطفية والاجتماعية المُتوقّعة. في هذا السياق، يحتاج المجتمع إلى سردية أخلاقية متماسكة تُبرّر أحكامه. وحين يرفض الفرد المشاركة في إنتاج هذه السردية، يتحوّل إلى عنصر مُزعج يجب إقصاؤه.

أداء بنجامين فوازان شخصية «مورسو» يختزل اللااكتراث البارد... لا انفعالات زائدة ولا محاولات لاستدرار التعاطف. هذا الخيار يتماشى مع رؤية الفيلم التي ترفض تحويل الشخصية بطلاً أو ضحية. «مورسو» يمثّل إنساناً يواجه العالم كما هو، من دون أن يُضفي عليه معاني إضافية، ومن دون أن يبحث عن تبرير لسلوكه.

في خلفية هذا كلّه، تبرز فلسفة العبث بوصفها موقفاً وجودياً لا يدعو إلى العدمية. كامو لا ينفي قيمة الحياة؛ هو يرفض الأوهام التي تُفرَض عليها. الاعتراف بعبث العالم يعني العيش بوعي وحدود واضحة. يُساء فهمه بتفسيره دعوةً للاستسلام. «مورسو» في لحظاته الأخيرة لا يصل إلى خلاص ولا يكتشف حقيقة كبرى. ما يبلغه هو قبول هادئ بفكرة الموت بصفتها جزءاً من نظام كوني لا يَعِد بالعدل ولا بالمعنى.

وجهٌ محايد في عالم يُطالب بالمشاعر دليلَ إدانة (الشرق الأوسط)

ينجح فرنسوا أوزون في تقديم فيلم يحافظ على جوهر رواية «الغريب» ويُعيد طرح أسئلتها بلغة سينمائية معاصرة. عمله يضع المُشاهد أمام تجربة توقظ أسئلة مُلحَّة عن العدالة والاختلاف والحاجة الإنسانية الدائمة إلى المعنى. لا يسعى إلى تفسير كامو ولا إلى تحديثه قسراً، وفي ذلك، يظلّ وفياً لفكرة أساسية، هي أنّ أخطر ما في العبث محاولة إنكاره وليس الاعتراف به.


بيع سمكة تونة زرقاء مقابل 3.27 مليون دولار في اليابان

كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)
كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)
TT

بيع سمكة تونة زرقاء مقابل 3.27 مليون دولار في اليابان

كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)
كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)

دفع مالك سلسلة مطاعم سوشي مبلغاً قياسياً قدره 3.27 مليون دولار (510.3 مليون ين) مقابل سمكة تونة زرقاء عملاقة طُرحت في مزاد رأس السنة المرموق الذي أقيم الاثنين في سوق السمك الرئيسية بطوكيو.

ودفع كيوشي كيمورا، الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة»، والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد، هذا المبلغ مقابل السمكة التي يبلغ وزنها 243 كيلوغراماً وجرى اصطيادها قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليابان.

كيوشي كيمورا يعرض سمكة تونة زرقاء الزعانف تزن 243 كيلوغراماً بيعت بـ3.3 مليون دولار أميركي في مطعمه الرئيسي بطوكيو (أ.ف.ب)

وقال كيمورا، بعد المزاد الذي أُقيم في سوق تويوسو للسمك: «كنت أعتقد أننا نستطيع الحصول عليها بسعرٍ أقل، لكنّ السعر ارتفع بسرعة كبيرة».

يستعد كيوشي كيمورا رئيس شركة كيومورا الذي يدير سلسلة مطاعم سوشي زانماي لتقطيع سمكة تونة زرقاء الزعانف تزن 243 كيلوغراماً (رويترز)

ويُعَدُّ مبلغ 510.3 مليون ين الذي بِيعت به السمكة هو الأعلى منذ بدء جمع البيانات المقارنة عام 1999.

تجمّع الناس لمشاهدة سمكة تونة زرقاء الزعانف تزن 243 كيلوغراماً في مطعم السوشي «سوشي زانماي» بطوكيو (أ.ف.ب)

ويعود الرقم القياسي السابق لسمكة تونة زرقاء تزن 278 كيلوغراماً بِيعت لقاء 333.6 مليون ين (2.12 مليون دولار) في عام 2019، بعد انتقال السوق من موقعها التقليدي في تسوكيجي وسط طوكيو، إلى مرافق أكثر حداثة.

ينظر المشاركون إلى أسماك التونة بينما يحضر تجار الجملة والمشترون أول مزاد للتونة في العام الجديد بسوق تويوسو للأسماك في طوكيو (أ.ف.ب)

وفي العام الفائت، دفع مُزايد 207 ملايين ين ياباني (1.32 مليون دولار) مقابل سمكة تونة زرقاء تزن 276 كيلوغراماً.


ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
TT

ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)

الصعود إلى خشبة يحيى جابر ليس كما النزول عنها، فما بين أسفل المسرح وأعلاه رحلةٌ طويلة من التشريح النفسي، والإنساني، والفني يخضع لها الممثل على يد كاتبٍ ومُخرجٍ مسرحيّ يعتمد «مقاربةً فرويديَّة» في التعامل مع ممثّليه ونصوصه وجمهوره.

12 شهراً أمضتها ماريا الدويهي وهي تعيد اكتشاف ذاتها كممثلة وكإنسانة تحت إشراف جابر، هو الذي يُنظَر إليه منذ سنوات على أنه القلب النابض للنهضة المسرحية في بيروت. سنةٌ انقضت وهما يستعدَّان لتقديم مسرحية «القرنة البيضا»، وها قد حان موعد اللقاء مع الجمهور.

عشيَّة العرض الأول، تتحدّث ماريا الدويهي لـ«الشرق الأوسط». هي الآتية من خبرة أكاديمية طويلة حصلت بموجبها على الدكتوراه في المسرح ودرّست جيلاً من الطلّاب في معهد الفنون في «الجامعة اللبنانية»، تقول إن العمل مع جابر كان بمثابة «دخولٍ جديد إلى الجامعة». وهي التي تأخَّرت سنواتٍ في خوض التمثيل على الخشبة وأمام الكاميرا، تُدرك أن تعاونها معه قرَّبها أكثر من «القمة التي طمحت إليها وثابرت من أجلها على مدى 20 عاماً».

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مونودراما من بطولة ماريا الدويهي (صور الدويهي)

للمفارقة فإنَّ عنوان المسرحية يتلاقى وتطلُّعاتِ ماريا الدويهي، فـ«القرنة البيضا» تعبيرٌ مقتبس من القرنة السوداء، وهي أعلى قمَّة في لبنان، تطلّ على مدنِ الشمال اللبناني وقُراه.

قبل سنتَين، وقفت ماريا الدويهي على الخشبة ضمن مسرحيةٍ كتبتها وحملت عنوان «آخر بروفا». كما لو أنَّ قلبها وقلمَها أنبآها بأنَّ ذاك سيكون التمرين الأخير قبل اللقاء مع يحيى جابر. في «القرنة البيضا»، تكرّر تجربة «المونودراما» فتَشغل المسرح وحيدةً لأكثر من 100 دقيقة. لكن هذه المرة، تختلف المقاييس كلها؛ هي مجموعة نساء في امرأةٍ واحدة. هي أصواتٌ صارخة وخافتة، وحكاياتٌ مُبكية ومضحكة لفَرط السواد، وهي انكساراتٌ تَناقلتها أجيالٌ من النساء.

ليست ماريا الدويهي غريبةً عن الشمال اللبناني. هي ابنةُ زغرتا ومَصيَفِها إهدن. هي ابنةُ أمّها، وجدّتها، وعمّتها، وجاراتها، وكلِ امرأةٍ شماليةٍ عرفتها فانسكبت فيها حكايتُها من دون أن تدرك. كان على يحيى جابر أن يحفر عميقاً في تلك الذاكرة، حتى يُخرجَ «طريزا»، و«يوسفيّة»، و«روزانا»، و«كاميليا»، و«فايزة» و«لبيبة»، وغيرهنّ ممّن يسكنَّ المسرحية. شخصياتٌ طالعة من بنات أفكاره، أما حكاياتهنّ فطالعةٌ من الواقع.

استغرق التحضير للمسرحية عاماً من البحث والكتابة والإعداد (صور الدويهي)

يهجس جابر بالبيئات اللبنانية المتنوّعة. عندما يعدّ مسرحية، ينقّب في المجتمعات كما يفعل عالِم أنثروبولوجيا وتاريخ. خلال العقد الأخير، ندهته بيروت مع الممثل زياد عيتاني في «بيروت الطريق الجديدة»، وبعلبك مع عباس جعفر في «هيكالو»، والجنوب مع أنجو ريحان في «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»، والضاحية الجنوبية لبيروت مع حسين قاووق في «شو ها»، وبيئة جبل لبنان المسيحية مع ناتالي نعّوم في «من كفرشيما للمدفون». أما اليوم فتتّجه الرحلة شمالاً وتحديداً إلى قضاء زغرتا في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي.

وكما يهجس بالثقافات والعادات المحلّيّة للمجتمعات اللبنانية، فإنّ جابر مسكونٌ كذلك بقضايا المرأة. وكأنّه يريد تحويل مسرحه إلى ساحةٍ شاسعة تركض فيها حرّةً، تنفض عليها مآسيها، وتفضح من خلالها كل من طعنها، واستصغرها، وصيّرَها ضحية.

في «القرنة البيضا»، وأكثر من أي وقت، تهتزّ الخشبة على وقع حكايات نساءٍ سحقتهنّ الموروثات الذكوريّة القاتلة. توظّف ماريا الدويهي كل خلّيةٍ في جسدها، وكل نفسٍ من أنفاسها لسَرد القصص. تتنقّل بين الشخصيات بطواعيةٍ ملفتة. لا تخلع رداء الحزن الأسود لكنها تبدّل جِلدَها بلمح البصر، فتطير من أقصى التراجيديا إلى أقصى الكوميديا. يكفي أن تغيّر منديلاً أو قبّعة لتقنعك بأنّ «فايزة» صارت «لبيبة»، أو بأنّ «يوسفية» تحوّلت إلى «كاميليا». يزهد يحيى جابر بالديكورات والإكسسوارات، على قاعدة أنّ فرويد اكتفى بكنَبة ليُخرج من البشَر أعمق الندوب والتعقيدات النفسية.

ماريا الدويهي هي ابنة البيئة التي تتحدث عنها المسرحية (صور الدويهي)

تضع الممثلة التي نشأت بين زغرتا وإهدن لهجتها الشمالية في خدمة المسرحية؛ بها تبثّ الروح في الشخصيات. «هي ليست قصتي، لكنها قصة أجيال من النساء الشماليات اللواتي كنّ يستأهلن السعادة والنجاح»، تقول. وقد أدركت ماريا الدويهي من خلال المسرحية، وهذا ما سيدركه الجمهور كذلك، أن انسحاق المرأة ما كان سببُه الذكورية الطافحة، والحروب، والأخذ بالثأر فحسب، بل «لأن المرأة كانت عدوَّة المرأة الأخرى وعدوَّة نفسها أيضاً».

أبعد من اللهجة تذهب ماريا الدويهي في تلوين «القرنة البيضا». كقَوسِ قزحٍ يربط صوتها بداية المسرحية بنهايتها. من الحِداء إلى الدلعونا مروراً بالابتهالات وليس انتهاءً بالطرب العربي وكلاسيكيات الغرب، تغنّي بصوتٍ جميل وأداءٍ مرهف. وإذا كان محتوى مسرحية جابر سيشكّل مفاجأة للجمهور، فإنّ المفاجأة الكبرى سوف تتجسّد في بطلة العمل.

ماريا الدويهي بإطلالتها التلفزيونية الأخيرة في مسلسل «مش مهم الاسم» (صور الدويهي)

لم تكن مسيرة ماريا الدويهي التمثيلية اعتيادية. عشقت الفن طفلةً لكنها خجلت من أن تُفرج عن مواهبها. في حياةٍ موازية، كادت أن تتحوَّل إلى امرأةٍ شبيهة بشخصيات «القرنة البيضا»، غير أنّ الزواج والإنجاب وتربية الأولاد لم يكونوا نهاية الطريق. هي التي تخصصت في المسرح ونالت الدكتوراه فيه، توقفت عن التمثيل 20 عاماً. «في 2018 كانت العودة من خلال مشاركاتٍ صغيرة ومجانية في مشروعات تخرّج للطلّاب بدايةً»، تخبر الفنانة. «لم أعترض ولم أخجل. تعمَّدت أن أصعد السلّم ببطء، ويبدو أن الزرعَ أتى بثماره بما أنني لفتتُ نظرَ يحيى جابر».

قبل فترة وجيزة تعرّف عليها الجمهور العربي في مسلسل «مش مهم الاسم» بشخصية «مي». وبما أنّ الوقت لا يأتي متأخراً، فإنّ ماريا الدويهي تريد التفرّغ لمتابعة الرحلة بين الخشبة والشاشة.

* تٌعرَض «القرنة البيضا» في مسرح «المونو» في بيروت في 6، 8، 11، 14، 16، 27 يناير (كانون الثاني) الحالي.