«أطياف كاميليا»... مرايا الجمال القاسي

الارتباط بين المرأة والمرآة الثيمة الأبرز في رواية الكاتبة المصرية نورا ناجي

«أطياف كاميليا»... مرايا الجمال القاسي
TT

«أطياف كاميليا»... مرايا الجمال القاسي

«أطياف كاميليا»... مرايا الجمال القاسي

تزخر الثقافات المختلفة بأساطير تنسب للمرآة قوى سحرية، تذهب إلى حد قدرتها على الاحتفاظ بالصور، بل حبس أرواح الموتى بداخلها. وإلى اليوم يُفضل بعض الناس تغطية المرايا في الليل، مثلما كان الإنجليز في العصر الفيكتوري يؤمنون بضرورة تغطية المرايا في بيت الميت إلى حين الخروج بالجثة للدفن!
بعيداً عن الرؤى الأسطورية، يعتبر الدكتور محمود رجب في كتابه «فلسفة المرآة» الصورة المرآوية نقطة التقاء بين المادي واللامادي، وعتبة وسط بين عالمي الأجسام والأرواح، يتم عبرها الانتقال من أحدهما للآخر. وقد دعمت المرآة، بلا شك، وعي الإنسان بذاته منذ اكتشف انعكاس صورته على سطح الماء والأسطح المصقولة، قبل أن يعمد لاحقاً إلى تصنيعها، رغم مخاطر التحديق المستمر. ورغم أن أسطورة الوقوع القاتل في حب الذات بسبب إدمان النظر في صفحة الماء تتعلق برجل هو «نرسيس»، فإن المرآة في الواقع جزء من كينونة المرأة لا الرجل: تقف أمامها عندما تحزن وعندما تفرح، عندما تتأهب لموعد وعندما تعود منه، عندما تقع في الحب وعندما تتعرض للهجر، عندما ينهار عنادها وعندما تكون بصدد الإقدام على عمل خطير. ربما تكون سطوة الرجل التاريخية هي السبب في إدمان المرأة للمرآة؛ ذلك لأن وجودها مُعلق برأي الرجل. وهي إذ تحدق في صورتها المنعكسة في عمق المرآة فإنها تنظر إلى نفسها بعيون الرجال.
هذا الارتباط بين المرأة والمرآة هو الثيمة الأبرز في رواية «أطياف كاميليا» للكاتبة المصرية نورا ناجي. تبدأ الرواية الصادرة حديثاً عن دار الشروق بمشهد طفلة تراقب عمتها الشابة الجميلة بينما تتزين، وفجأة تراها تذوب وتتبدد في المرآة، وتنتهي الرواية بالطفلة، وقد صارت شابة، تقف مبتسمة أمام المرآة ذاتها، وبين البداية والنهاية تتكاثر لعبة مرايا متعاكسة، تجعل من غير الممكن تصور أن يكتب هذه الرواية رجل.
هناك تلازم بين كاميليا الكبيرة والمرآة، يبدو على مدار السرد؛ فهي تقف أمامها لتتزين، تنظر إلى انعكاس صورتها في واجهات المحال وفي عيون المعجبين من الرجال، وعيون صديقاتها المبهورات بجمالها، وعندما زهدت في المرآة وفقدت ولعها بتصوير نفسها كان ذلك إيذاناً بانطفاء حياتها. تهرب من بيتها دون أن يدري أحد لها مكاناً بعد ذلك، وربما كانت ملازمتها الدائمة للمرآة هي التي جعلت كاميليا الصغيرة تتصور اختفاء عمتها على هذا النحو الأسطوري.
وأمام إصرارها على تكرار وصف مشهد اختفاء عمتها يضطر والدها إلى رفع المرآة من مكانها، لكن الصورة الخيالية لم تفارقها، حتى عندما كبرت ودخلت كلية الفنون التطبيقية في اليوم الدراسي الأول لها بالجامعة «شعرت بأنها تعبر إلى عالم مختلف، تماماً كما ذابت عمتها في المرآة أمامها»، وعندما طلب المعيد من الطلاب رسم مشهد لا يغادر خيالهم «رسمت امرأة يغمر الضوء ظهرها، تذوب في مرآة بيضاوية كبيرة». وعند ذلك أحست بأنها تحررت قليلاً من ثقل الصورة، بعد أن تمكنت من حبس اللحظة في اللوحة. وفي نهاية الرواية يكون أبوها قد رحل، وتعود إلى البيت في غياب أمها، تستخرج المرآة وتعيدها إلى مكانها القديم، تحدق فيها مبتسمة، وتلتقط صورة لطيفها المنعكس في عمق المرآة وتنشرها على صفحتها في الـ«فيسبوك»، وكأنها تقوم بتثبيت ابتسامتها للبرهنة على أنها لم تعد تخشى المرآة!
لا يهيمن ولع المرآة على الرواية، من خلال مستواه المادي المباشر فحسب: (انعكاس الصور على أسطح المرايا والواجهات الزجاجية للمتاجر وفي لقطات الكاميرا واللوحات الفنية) لكن الأمر يتعدى إلى رمزية المرآة التي تصبغ علاقة الشخصيات ببعضها البعض، حيث تبدو حياة كل شخصية مرآة لحياة شخصية أخرى إما بالمماثلة أو بالمخالفة.
واقعة اختفاء العمة عادية، تتكرر على مستوى الواقع: فتاة شديدة الجمال في مدينة صغيرة، تضيق بعالمها وتتطلع إلى العاصمة؛ فتذهب إليها، وتنتهي بالضياع. لكن صنعة الأدب هي الكيفية التي تُحكى بها هذه الحكاية، وقد اختارت الكاتبة تجميع طاقة الحكي في الرواية من خلال مجموعة من المرايا المتقابلة.
حلم «كاميليا» الكبيرة هو بالأساس حلم شقيقها «محمد»، فهو الذي قادها إلى أوساط القاهرة الثقافية والصحافية، لكنه لا يتآلف مع ذلك العالم ويقنع بوظيفته معلماً في مدينته طنطا، وبضغط منه ومن الأب تقبل كاميليا بوظيفة مماثلة، بينما تواصل السفر إلى القاهرة، تتعامل مع إحدى المجلات بالقطعة، وتقع في غرام فنان تشكيلي متزوج، وعندما تنكشف العلاقة يتفق الأخ ذاته مع الوالد على حبسها في البيت. وبنصيحة من زوجته يعرضها مرة أخرى على زميلها «جمال» الذي سبق أن رفضته زوجاً، وترضخ للحل الذي سيحررها من محبسها دونما اقتناع أو حب، لكنها تضيق بهذا الحل وتهرب، تاركة وراءها عاراً جديداً يشمل رجلاً ثالثاً هو زوجها.
بقدر ما كان محمد مرآتها بالسبق، كانت هي مرآته بالإنجاز؛ فهي التي قطعت شوطاً في عالم الشهرة، لذلك يمتثل لسلطة التقاليد ويعتبرها خاطئة، إلا أنه في قرارة نفسه لم يكرهها، وظل معجباً بسيرها وراء حلمها، سمى ابنته باسمها، واحتفظ بكتاباتها الصحافية ورسائلها، بل أخذ يقرأها مع ابنته.
علاقة كاميليا الكبيرة والصغيرة تبدو أكثر من انعكاس المرآة، بل امتداد، وكأن للمرأتين حياة واحدة تستأنفها الصغرى بعد الكبرى. أو كأن الصغرى فرصة إضافية من الحياة لكاميليا الكبيرة بعد أن اكتسبت الحذر. أخذت الصغيرة عن الكبيرة حب الفن. سعت للتحرر من ثقل الأسرة، دون أن تقع فيما وقعت فيه العمة؛ فسعت إلى الزواج دونما اقتناع من شاب يتودد إليها هو صاحب «سايبر» كانت تذهب إليه لتصفح المواقع الإلكترونية، لكنها عدلت سريعاً عن الخطبة.
«نادية إسماعيل» أم كاميليا الصغيرة، قليلة الحظ من الجمال، عاشت بدرجة عالية من الامتثال للتقاليد والإخلاص الزوجي، لأنها اتخذت من كاميليا الجميلة مرآة، واعتبرت نفسها محظوظة بتواضع جمالها، لأن الجمال في رأيها «قوة، يمنح صاحبه ميزات لا يستحقها، ويمنحه قساوة غير مفهومة في القلب» وهي كرهت قوة كاميليا وقساوتها فعاشت خانعة لمجرد المخالفة.
رجال الرواية يبدو كل رجل منهم مرآة للآخر: الأب العائد من حرب بساق واحدة، عالق بين البطولة والمهانة، مرآة وصنو لابنه محمد العائد من حرب الثقافة في القاهرة بجراحه الخاصة وإحباطه، ومحمد بدوره مرآة وصنو وشريك لصديقه جمال في الإحساس بالمهانة من سلوك كاميليا والتسامح معها في الوقت ذاته، وجمال مرآة لخطيب كاميليا الصغيرة المتروك دون أضرار كبيرة، ولم تتركه كاميليا الصغيرة بدون تبريد جرحه، تتحدث معه في زياراتها لطنطا، وتبدي ندماً لأنها لم تصبح زوجته؛ فيشعر بالفخر ويحكي لها عن زوجته وأولاده، وكأنها بذلك تسدد دين عمتها تجاه زوجها المطعون.
إلى جانب ثنائيات الأصل والصورة بين امرأة وأخرى ورجل وآخر، تبدو كل شخصيات الرواية من جهة أخرى مرايا لكاميليا الكبيرة، تعكس سحرها، ولا تستطيع أن تنفصل بمشاعرها عنها: الأب يقسو على ابنته، لكنه يعتبر ابنه مسؤولاً عن ضياعها، والابن يستسلم للذنب ولوم نفسه، وزوجته تلوم نفسها لأنها دفعتها إلى زيجة غير مناسبة لكي تتخلص من وجودها، وأخيراً «جمال سلطان» الشخصية التي شحنتها الكاتبة بولع وتسامح غير محدودين تجاه كاميليا يستدعيان إلى الذاكرة ولع وتسامح شارل بوفاري تجاه زوجته «إيما»، بل أكثر من شارل؛ فبينما اطلع شارل على غراميات إيما بعد انتحارها أقدم «جمال» على الزواج من كاميليا إنقاذاً لها وهو عارف بغرامياتها. وفعل كل ما يتصور أنه يسعدها: جلب طبقاً لاقطاً للإرسال التلفزيوني في أول ظهوره ليضع العالم بين يديها، اشترى لها كاميرا باهظة الثمن، حاول بكل قوته أن يخرجها من حزنها دون جدوى، ودون أن يلومها، بل أحس بأنه سجانها وغمره الإحساس بالحرج والضيق.
إنها سلطة الجمال القاسي، وقد حلت لعنته على كل المرايا فأصابتها بالشروخ، مع ذلك احتفظت المرايا المهشمة في أعماقها بصورة صافية لكاميليا المحبوبة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.